الجبر والاختيار من وجهة نظر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: جبر و اختیار از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: زهره برقعي

مقدمة

أحد المواضيع التي طالما دعت المفكرين إلى التأمل هو مسألة الجبر والاختيار. هذه المسألة قابلة للفحص من زوايا متعددة، والآراء والأفكار فيها متشتتة ومختلفة للغاية.

جوهر النقاش هو: هل سلوك الإنسان يقوم على وعيه وقوته وإرادته بحيث يكون قادرًا على الامتناع أيضًا؟ بمعنى آخر، هل يعمل الإنسان بناءً على اختيار وعزم وقرار، أم أنه في الفعل مجبر ومقهور؟ بشكل عام، هناك رأيان رئيسيان: فريق يؤيد الجبر، وجماعة تعترف بحرية الإنسان في بعض الأفعال.

في البداية، يجيب الشهيد صدر(قدس سره) على هذا السؤال دون اللجوء إلى براهين واستدلالات فلسفية معقدة، بأسلوب مبتكر وجديد، مستخدمًا دليل الاستقراء وبأسلوب استدلالي مقنع وموجز، مستعينًا بنعمة «الحرية» لإثبات «اختيار الإنسان»؛ لأن أصل كل الحروب والصراعات هو السعي نحو الحرية بمعناها الواسع. فالحرية لا يمكن تفسيرها على الإطلاق مع الجبر وقهر الإنسان. ما لم يكن للإنسان حق الاختيار والانتقاء والاستفادة من الأمور لصالح مصالحه، فلن يكون للحرية معنى أو مفهوم. وفي هذا السياق يقول:

إذا نظرنا إلى قصة الإنسان عبر التاريخ، سنلاحظ أنه رغم الاختلافات والتباينات في كيفية وأهداف وأساليب الحرب بين أتباع مبادئ فكرية مختلفة بناءً على معتقداتهم، إلا أن هناك قضية مشتركة وهي: أن الإنسان عبر الزمن والتاريخ حتى اليوم كان دائمًا في حالة حرب وصراع من أجل الحصول على هذه الحرية، وهذا الشعور العاطفي البنّاء والمحرك كان دائمًا منذ بداية خلق الإنسان في جوهره وبجانب «الإرادة» لديه، ولذلك فإن الإنسان دائمًا في جوهره ومرافقًا لنفسه مزود بالإرادة، ولهذا السبب يحب الحرية ويعشقها؛ لأن الحرية هي التعبير الموضوعي والعلمي لقوة الإرادة، والإنسان قادر على الاستفادة منها وتوظيفها لصالح مصالحه.[۱]

رغم أن هذا الدليل كافٍ للنفوس اليقظة والأفكار الخالية من الشبهات والأغراض، إلا أنه كما يشير الأستاذ في استدلاله على التوحيد: إذا كان ضمير الإنسان خاليًا من الشبهات والأغراض، فإن أبسط دليل يقنعه… ولكن منذ قرنين تقريبًا لم تترك الأفكار الجديدة صفاء وحرية الضمير بحاله، لذا هناك حاجة إلى الاستدلال، خاصة لأولئك الذين ملأت النقاشات الجديدة أفكارهم.[۲]

في مسألة الجبر والاختيار أيضًا، وجود الآراء والنظريات المتنوعة والشبهات العديدة وكذلك الاستدلالات المختلفة التي قُدمت لتأييد فكرة الجبر، يجعل طرح النقاش على مستوى أوسع وبحجج أكثر ضرورة وملحًا.

طرح النقاش

قُدمت استدلالات متنوعة لتأييد فكرة «الجبرية»، بعضها ذو طابع فلسفي، وبعضها الآخر قائم على مقدمات نفسية. بعض الجبريين استندوا إلى الخصائص الفسيولوجية للإنسان وادعوا أن أفعال الإنسان لا تتم كاختيار مستقل ومنفصل عن العوامل الفسيولوجية المحددة. هنا نناقش مسألة الجبر والاختيار من منظورات ثلاثة: الكلامي، الفلسفي، والاجتماعي. وبالطبع ما يهمنا في هذا المقال هو توضيح آراء العبقري المفكر المعاصر، المرجع والفقيه الرفيع القدر حضرة آية الله السيد محمد باقر صدر، في مسألة الجبر والاختيار. لذلك سنقتصر على طرح والرد على الشبهات التي وردت بطريقة ما في أقواله وكتاباته والتي تمكنا من الوصول إليها.

أ) المنظور الكلامي

فيما يتعلق بأفعال الإنسان، هناك ثلاثة مذاهب: الجبر وهو مذهب الأشاعرة، والتفويض (مذهب المعتزلة)، والأمر بين الأمرين (وهو مذهب الحكماء وجمهور علماء الإمامية).

وترجع هذه المسألة إلى سؤال: من هو الفاعل للأفعال الصادرة عن الإنسان؟ المعتزلة يرون الإنسان فاعلًا محضًا ومستقلاً، الأشاعرة يرون أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، والشيعة يرون أن لكل من الله والإنسان نصيبًا في الفعل بما يليق بكل منهما. الأستاذ الرفيع القدر يوضح هذه المسألة ويذكر خمسة احتمالات لحل هذه الشبهة:[۳]

الأول: هو مذهب التفويض الذي يرى الإنسان فاعلًا مستقلاً ولا يعترف بأي حصة لله في سلوك وأفعال الإنسان. في الواقع، هؤلاء يعتقدون أنه لا توجد قوة في أفعال الإنسان الاختيارية غير إرادته ورغبته ومشيئته. وهم لا يرون الإنسان فقط مستقلًا، بل يرون كل الأسباب الوسيطة (مثل النار والحرق) مستقلة ويقولون إنها أيضًا لا تحتاج إلى الله؛ الله خلق هذا العالم وتركه، وهذا العالم يتحرك بشكل مستقل.

مشكلة هذا القول هي أن المسبب يُنظر إليه في البقاء على أنه مستقل ولا يحتاج إلى سبب؛ لأنه إذا كان الإنسان يحتاج إلى سبب في بقائه وكان هو السبب في أفعاله، فإن إنكار دور الله في أفعال الإنسان (العرضية والطولية) لن يكون معقولًا. ولكن بما أن الفلسفة أثبتت أن المسبب يحتاج إلى سبب في بقائه، فإن بطلان مذهب التفويض يصبح واضحًا.

الثاني: الفاعل المحض هو الله تعالى، والإنسان في أدائه مجبر ولا يملك أي اختيار أو حق في الاختيار، وفي هذا المثال هو مجرد موضع يقبل الفعل، تمامًا مثل الخشب الذي يعمل عليه النجار. الخشب ليس فاعلًا، بل يقبل الفعل (السبب المادي). من وجهة نظر هذه الجماعة، إرادة الإنسان لا تلعب أي دور في الفعل والعمل، والتزامن والمصاحبة بين الفعل والإرادة دائمًا أمر عشوائي. إذن الفعل صادر عن الله، لكنه دائمًا مصاحب لإرادة الإنسان (التي يخلقها الله أيضًا). هذا هو مذهب الأشاعرة.

هذا المذهب مخالف للوجدان والطبيعة السليمة. كما أن الأشاعرة أنفسهم يعترفون بوجود فرق بين الحركة المرتعشة والأفعال الاختيارية للإنسان. في الحقيقة، هذا النقاش لا يختص بالأفعال الاختيارية للإنسان فقط، بل يُطرح في كامل نظام الأسباب والمسببات؛ فمثلاً يُقال: الإحراق فعل الله، لكنه دائماً مصاحب للنار. ومع ذلك، نجد بوجداننا في العالم أن كثيراً من الموجودات هي أسباب لظواهر أخرى بحيث لا يمكن تصور انفصالها أو تفرقها عن بعضها البعض؛ فمثلاً لا يمكن أبداً قبول تحقق الأفعال الإنسانية في غياب النفس ذاتها.

ثالثاً: لكل من الإنسان والله نصيب في الفاعلية، لكن فاعلية الاثنين متتابعة؛ أي الإنسان هو الفاعل المباشر للفعل، لكنه يستطيع الفعل بفضل القوة والقدرة التي وهبها الله له. لذلك، الله هو الفاعل غير المباشر، لأن هذه القوة والقدرة مخلوقه، ومن ثم فهو محتاج إليها في الحدوث والبقاء.

هذه إحدى الوجوه التي فسرت بها “الأمر بين الأمرين”، وهي كلام متين ومقنع جداً.[۴]

رابعاً: الفاعل المباشر لأفعال الإنسان هو الله، لكن إرادة الإنسان ومقدماتها هي مقدمات إعداد صدور الفعل من الله. الفرق بين هذا الاحتمال والاحتمال الثاني هو أن وفق الاحتمال الثاني، اقتران الفعل مع الإرادة عشوائي، أما هنا فالإرادة مقدمة إعداد الفعل. والفرق بين هذا الاحتمال والاحتمال الثالث واضح؛ لأن وفق الاحتمال الثالث، الفاعل المباشر هو الإنسان والله تعالى هو فاعل الفاعل وسبب السبب، أما هنا فالله هو الفاعل المباشر والإرادة مقدمة إعداد تجعل المحل قابلاً لاستقبال الفعل الإلهي. وهذا الاحتمال أيضاً من وجوه تفسير “أمر بين الأمرين”.[۵] رغم أن الأستاذ لم يذكر ذلك، إلا أنه كما سيأتي، هذا الاحتمال أيضاً مخالف للوجدان.

خامساً: قول المتصوفة والعرفاء من الفلاسفة. هم يعتقدون بوجود فاعلين للفعل، لكن هذين الفاعلين ليسا متتابعين (كالاحتمال الثالث) ولا متوازيين (كالاحتمال الرابع)، بل حسب الحقيقة هما فاعل واحد. هذا القول مبني على تصور عرفاني يعتبر علاقة العبد بالله علاقة ارتباط وفناء، وبعبارة أخرى علاقة المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي. حسب رأي بعضهم، الفعل فعل الله، وحسب رأي آخر، الفعل فعل العبد.

النتيجة

من الاحتمالات الخمسة، الاحتمال الأول مردود بحكم الدليل والبرهان. الاحتمال الثاني يرفضه الوجدان، والاحتمال الخامس مبني على تصور صوفي وعرفاني غير مفهوم للجميع. لذا يبقى الاحتمالان الثالث والرابع اللذان، حسب رأي الأستاذ، يمكن تطبيقهما على “الأمر بين الأمرين” الوارد في الروايات.

لكن مسألة الجبر والاختيار لا تنتهي هنا؛ لأن مجرد قبول فاعلية الإنسان سواء بشكل مستقل (وفق مذهب المعتزلة) أو غير مستقل وبقوة إلهية (مذهب الشيعة) لا يثبت اختيار الإنسان، إذ قد تكون فاعلية الإنسان مثل فاعلية النار في الإحراق. لذلك، بعد قبول فاعلية الإنسان، يجب إقامة برهان على اختياره. نعم، إذا قبلنا مذهب الأشاعرة في هذه المسألة، يثبت عدم اختيار الإنسان. لذا في الجبر لا حاجة إلى استدلال جديد.

ب) المنهج الفلسفي

في الفلسفة ثبت أن لكل ظاهرة سبباً، وعندما يتحقق السبب تتحقق الظاهرة حتماً، وعند عدم تحقق السبب لا تتحقق الظاهرة، ويُعبّر عن هذا في الفلسفة بقاعدة “الشيء ما لم يجب لم يوجد”، ومعناها أنه لا شيء يظهر حتى يصبح وجوده ضرورياً. بعضهم استند إلى هذه القاعدة لنفي اختيار الإنسان. الشهيد الصدر في بيان الشبهة يقول: هذه الشبهة لها مقدمتان:

المقدمة الأولى: الضرورة والإيجاب ينافيان الاختيار؛ لأن الضرورة مساوقة للإجبار، والإجبار ضد الاختيار. لذلك، كل فعل ضروري ليس اختيارياً، والعكس صحيح.

المقدمة الثانية: صدور الفعل من الإنسان ضروري؛ لأن فعل الإنسان أمر ممكن، ومثل أي ممكن آخر يخضع لقوانين وأحكام العالم الممكن، ومن هذه القوانين “الشيء ما لم يجب لم يوجد”. من هاتين المقدمتين يُستنتج أن الإنسان موجود غير مختار؛ لأن صدور الأفعال منه ضروري، والاختيار ينافي الضرورة.

ثم طرح الأستاذ العظيم أربعة مذاهب موجودة في حل هذه الشبهة، وفي النهاية بيّن رأيه الخاص.[۶]

المذهب الأول: هذا المذهب المنسوب إلى الفلاسفة المشهورين، يعارض تفسير الإرادة بـ “إن شاء وأراد فعل وإلا لم يفعل” في المقدمة الأولى (تنافي الضرورة مع الاختيار). هم يرون أنه كلما كانت القضية الشرطية صحيحة، يكون الاختيار صحيحاً، وإذا لم تكن صحيحة يكون سبب الاختيار كاذباً. كما أن القضية الشرطية لا تعبر عن حالة الشرط هل هو ضروري الوجود أو ضروري العدم أو ليس له ضرورة أصلاً. إذا افترضنا أن الشرط (الإرادة) ضروري، فإن الجزاء (الفعل) سيكون ضرورياً أيضاً. لكن بما أن هذه الضرورة اختيارية، فهي لا تنافي الاختيار، بل تؤكد ملازمة الشرط والجزاء للاختيار. بعبارة أخرى، ضرورة الإرادة ومقدماتها لا تؤثر في اختيارية أو عدم اختيارية الفعل؛ لأن المعيار هو صدق القضية الشرطية.

كلام كثير من العلماء ينظر إلى هذا المذهب، منهم المرحوم آخوند في الرد على عدم اختيار الكفر والعصيان بسبب عدم إرادية مقدمات الإرادة، حيث يقول:

قلتُ: العقاب إنما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما فإن السعيد سعيد في بطن أمه والشقي، شقي في بطن أمه.[۷]

النقد والمراجعة

بهذا التفسير للإرادة، يكون الدليل في هذا المقام كاملاً، لكن هناك مسائل مثل التكليف، الحساب والجزاء، والثواب والعقاب لا يمكن تفسيرها بهذا التفسير، وتصبح المسؤولية أمراً بلا معنى. بهذا التبرير، لا يبقى فرق بين الأفعال الاختيارية وغير الاختيارية؛ لأن الأفعال الاختيارية تنشأ من الإرادة، والإرادة بالضرورة تنشأ من مبادئ الإرادة، والمبادئ بالضرورة تنشأ من مبادئها، حتى تنتهي السلسلة إلى الواجب بالذات.

وبناءً على الحسن والقبح العقلي، في هذه الحالة يكون العتاب والمحاسبة على كلاهما (الفعل الاختياري والفعل غير الاختياري) قبيحاً، ولا فرق بينهما سوى في التسمية.

لكن بناءً على الحسن والقبح العقلي أيضاً، لا فائدة مترتبة على التكليف؛ لأن السؤال لا يزال قائماً: ما دافع المولى من التكليف؟ وما الأثر المترتب على هذا التكليف؟ بالطبع أجاب بعضهم بأن نوعية هذين الفعلين مختلفة؛ ففي أحدهما قد يكون التدخل التشريعي ممكناً وفي الآخر لا. بعبارة أخرى، العلم بالعتاب في أحدهما قد يؤدي إلى التوقف، لكن في الآخر لا. ومن البديهي أن هذا القدر لا يكفي في مسألة الجبر والاختيار؛ لأن الإنسان ليس مختاراً، وإذا كان يعلم لكان بالضرورة توقف عن الفعل.

المذهب الثاني: أنصار هذا الرأي، وهم بعض الفلاسفة المتأخرين غير المسلمين، ناقشوا عكس المذهب الأول في المقدمة الثانية، وأنكروا قوانين العلية. من وجهة نظرهم، «الممكن» حتى في وقت الصدور ممكن، والفاعل المختار يمكنه أن يوجده أو لا. لقد ظنوا أن الاختيار مساوق للإمكان وعدم الوجوب.

النقد والمراجعة:

هذا الرد، مثل أصل الشبهة، خاطئ. في الشبهة، أُخذ الضرورة مطلقاً على أنها منافية للاختيار، بينما إذا كانت الضرورة في طول الاختيار، فلا تنافي بينها وبين الاختيار. في هذا الرد، فُرض أن الإمكان والنفي، والضرورة ومبادئ العلية، مساوقة للاختيار، في حين أن إنكار مبادئ العلية يعني قبول الصدفة، والصدفة غير اختيارية. لذلك، لا يكفي لكون الفعل اختيارياً أن يكون غير ضروري فقط. وسيأتي النقاش المتعلق بقواعد العلية وتخصيصها.

المذهب الثالث: الموجودات التي توجد في هذا العالم يمكن لكل منها أن تتحرك ضمن نطاق معين. في الجمادات هذه الدائرة أضيق، وفي الحيوانات أوسع مقارنة بالجمادات، وفي الإنسان أوسع مقارنة بالحيوانات. سبب زيادة الفرص في مسار الحركة الطبيعية للإنسان يعود إلى سببين:

أ ـ الأهواء والغرائز الإنسانية أكثر تعقيداً وشدة من الحيوان.

ب ـ الإنسان بسبب عقله يراعي المصالح والمفاسد في الأفعال.

إن تعدد هذه الفرص هو ما يجعل معرفة ما سيفعله الإنسان في المستقبل أمراً صعباً، ومن هذه الفرص المتعددة التي تتيحها الطبيعة للإنسان يُستخلص الاختيار.

النقد والمراجعة:

النتيجة العلمية لهذا القول ليست سوى القول بالجبر؛ لأنه إذا أمكن معرفة كل الظروف الخارجية والخصائص النفسية للفرد، فيمكن التنبؤ بدقة بما سيفعله الفرد، بنفس الدقة التي يمكن التنبؤ بها في الجمادات.

المذهب الرابع: قول المحقق نائيني(قدس سره). لقد قبل كلا المقدمتين، لكنه شكك في إطلاق المقدمة الثانية، وقال: قوانين العلية لا تشمل الأفعال الاختيارية. فبالتالي، عندما يختار الإنسان فعلاً مثل الصلاة، لا يصبح هذا الفعل واجباً عليه بحيث لا يستطيع الإنسان القيام به، لأن الإنسان بعد الإرادة لا يزال مختاراً. ثم يوضح هذا القول قائلاً: في الحقيقة، بعد الإرادة يصدر من النفس فعلان متتاليان:

أ ـ الفعل الخارجي؛

ب ـ الفعل النفسي وهو الفعل الداخلي ومرتبته مقدمة على الفعل الخارجي، وهذا الفعل النفسي هو النفس، أي الهجوم، التأثير، إحداث الأفعال… هذا الفعل النفسي لا يخضع لقوانين العلية ولا هو معلول الإرادة، بل هو فعل النفس. لذلك كلا الفعلين اختياريان؛ لأن الفعل النفسي المعتاد ليس إرادة ضرورية حتى يصبح واجباً.

أما الفعل الخارجي فيصبح ضرورياً بعد الإرادة. لكن هذه الضرورة لا تتنافى مع الاختيار؛ لأن الضرورة في طول الاختيار ومنشؤها الاختيار.[۸]

النقد والمراجعة:

في المتابعة يقول الأستاذ: نوافق إجمالاً على قول المحقق نائيني في أن إطلاق قوانين العلية لا يشمل الأفعال الاختيارية، لكن شرح وتفصيله قابل للتأمل من عدة جوانب:

  • أن يُفترض للنفس فعلاً غير الفعل الخارجي؛ لأن ما طرحوه كفعل نفسي (الأفعال، التأثير، الإحداث…) لا يمكن تصور حقيقة غير الأفعال الخارجية، وكل هذه المفاهيم مجردة. على سبيل المثال، الأفعال والعمل، التأثير والإحداث والوجود، رغم اختلاف المفاهيم، إلا أنها في الخارج حقيقة واحدة ومتحدة، مثل الإحراق والاحتراق اللذين في الخارج فعل واحد فقط. فإذا نظرنا إلى الفعل نسبة إلى الفاعل فهو إحراق، وإذا نظرنا إليه نسبة إلى المفعول فهو احتراق.
  • افتراض وجود فعل نفسي كوسيط بين الإرادة والفعل الخارجي لا يؤثر في حل الشبهة؛ لأنه إذا كان تخصيص قانون العلية ممكناً، فلماذا نخصص القانون من البداية للفعل الخارجي حتى لا تظهر هذه المحاذير.
  • قانون «الشيء ما لم يجب لم يوجد» هو قاعدة عقلانية وقاعدة عقلية لا تقبل التخصيص، والخروج من هذه القاعدة سواء كان الفعل (سواء الفعل النفسي أو الاختياري) تخصيص للقاعدة العقلية.

مذهب الشهيد الصدر

من البديهي أن أفعال الإنسان، سواء النفسية أو الخارجية، من الأمور الممكنة وتحتاج في وجودها إلى مصحح. وفي الإجابة عن سؤال: ما هو مصحح وجود هذه الأفعال؟ هناك عدة احتمالات:

الاحتمال الأول: مصحح وجود هذه الأفعال هو ضرورة وجوبية تُكتسب من غيرها.

الاحتمال الثاني: مصحح الوجود هو الإمكان الذاتي. وبطلان هذا الاحتمال واضح؛ لأن الإمكان هنا لا يختلف عن الحالات الأخرى التي لا يكفي فيها الإمكان لوجود الشيء.

الاحتمال الثالث: الفعل الخارجي هو الهجوم والتأثير من النفس. ولكن لرد هذا الاحتمال أيضًا يمكن القول إن هذا الهجوم والتأثير ذاته فعل ويحتاج إلى فاعل، وبما أن الفاعل هو النفس، فلا بد أن يتحقق لهذا الفعل من النفس هجوم وأفعال أخرى للنفس، وننقل الكلام إلى تلك الأفعال… فينتج تسلسل لا نهاية له.

الاحتمال الرابع: مقابل مفهوم الوجوب والإمكان يُطرح مفهوم ثالث وهو مفهوم السلطنة، وبهذا يتضح بطلان الجبر. وسنوضح الموضوع مع بعض النقاط:

النقطة الأولى: إذا كانت القاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجب» قاعدة عقلية برهانية، فإن تخصيصها لا معنى له، ولكن هذه القاعدة من المسلّمات والبدهيات العقلية الأولية وليست قاعدة عقلية بديهية. مع أن الاستدلال عليها تم بالامتناع من حدوث حادث بدون سبب وباستحالة التفضيل بلا مبرر، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن رجوع التفضيل بلا مبرر أيضًا إلى وجود معلول بدون سبب. وإذا نظرنا إلى هذه القاعدة بالفطرة السليمة وبعيدًا عن المصطلحات والكلمات الفلسفية المعقدة، يتضح نطاق وكم الحكم.

النقطة الثانية: من البديهي أن مجرد الإمكان الذاتي لا يكفي للوجود، بل من وجهة العقل هناك طريقان للوجود: ١- الوجوب بالغير، ٢- السلطنة. فإذا وُجد في العالم ذات يمتلك السلطنة والحكم، فإن العقل يعتبر هذه السلطنة كافية للوجود. ولتوضيح معنى السلطنة يجب الانتباه إلى أن السلطنة والإمكان يشتركان في وجه ويختلفان في وجه آخر، وكذلك السلطنة والوجوب.

وجه الاشتراك بين السلطنة والإمكان هو أنهما متساويان بالنسبة للوجود والعدم، لكن الإمكان وحده لا يكفي لتحقيق أحد الطرفين، بل يحتاج تحقيق كل طرف إلى أمر خارجي. أما السلطنة فليست كذلك، بل من المستحيل افتراض الحاجة للسلطنة. لذلك إذا كانت هناك سلطنة فلا مفر من الالتزام بكفايتها لتحقيق أحد الطرفين.

وكذلك تشترك السلطنة مع الوجوب؛ لأنها تكفي للوجود دون حاجة إلى غيرها، وتختلف عنه؛ لأن صدور الفعل من الوجوب ضروري، أما صدور الوجوب من السلطنة فليس ضروريًا، وإذا صار ضروريًا فهذا يخالف الفرض ولا تكون سلطنة؛ لأن هناك فرقًا بين حالة «له أن يفعل» وحالة «عليه أن يفعل». والفرق الآخر بين السلطنة والوجوب هو أن العقل يستخلص من السلطنة مفهوم الاختيار، لكنه لا يستخلصه من الوجوب أو الصدفة.

نتيجة النقاش هي أنه إذا ثبت وجود سلطنة في العالم، فإن تلك السلطنة تعادل الاختيار وتكفي لصدور الفعل.

النقطة الثالثة: النقاش حول ثبوت السلطنة، هل توجد السلطنة في عالم الوجود أم لا؟ في شأن الله تعالى يمكن إثبات السلطنة بالبرهان، وهذا يُناقش في الكلام في مبحث القدرة الإلهية. أما بالنسبة لسلطنة الإنسان فلا يمكن إقامة برهان عليها، والطريق الوحيد لإثباتها هو الشرع أو الوجدان. كما أننا نعلم صفاتنا مثل الحب والبغض والجوع والعطش… علمًا حضورياً، كذلك نعلم حضورياً سلطنتنا وندرك مباشرتًا وجود سلطتنا. بالإضافة إلى ذلك، وقوع تفضيلات بلا مرجح في الحياة دليل آخر على وجود سلطتنا، مثل رغيف الجائع، الهارب… فإذا لم يصل الفعل إلى حد الوجوب، فلا يتحقق، فيجب أن يبقى الشخص الجائع جائعًا حتى يموت لأنه لا يوجد مرجح لأي من أرغفة الخبز. لكن وفقًا لقاعدة السلطنة يفضل أحدها بلا مرجح. ويقول الحكماء: في هذه الحالات يوجد المرجح في علم الله أو الملائكة، ولكن في الجواب يجب القول: الوجدان هو الحاكم، فلا يوجد دائمًا مرجح حتى في علم الله أو الملائكة. ثم يذكران تنبيهين:

التنبيه الأول: في المنهج الكلامي لبيان فاعل أفعال الإنسان ذُكر خمسة احتمالات. وهنا نذكر أن الوجهين الثالث والرابع معتدلان، إلا إذا ثبتت السلطنة بالشرع أو الوجدان. وبقبول السلطنة يتضح بطلان الوجه الرابع؛ لأن الوجه الرابع يستلزم الجبر، وإذا افترضنا الإرادة حالة نفسية نسبةً إلى محلها، فلا يبقى اختيار للإنسان؛ لأن وفق هذا الوجه تكون الإرادة قد تحققت بالضرورة، والفعل الذي يصدر بعدها يخلقه الله، وإذا لم نفترض الإرادة حالة نفسية بل فعلًا من أفعال النفس، فهذا الفعل أيضًا صادر من الله كما كل الأفعال الأخرى؛ لأن في هذا الوجه (الوجه الرابع) كل الأفعال تُعتبر فعل الله، وفعل الله لا يختص بفعل دون فعل آخر.

التنبيه الثاني: الاختيار في الإنسان ليس مطلقًا؛ لأن كثيرًا من الأمور خارجة عن اختيار الإنسان، والضابط والمعيار في الاختيار هو أن يكون الاعتقاد بالمفسدة أو المصلحة في الفعل قد لعب دورًا في تحقيق ذلك العمل.[۹]

النتيجة والتقييم

حتى الآن قدمنا ملخصًا لما ورد في نقاش الجبر والاختيار في تقاريرهم، لكن يبدو أن هذا الاستدلال قابل للنقاش والبحث من عدة وجوه.

١- طرح مفهوم السلطنة مقابل مفهوم الوجوب والإمكان، مع أن تقسيم الوجود إلى ممكن وواجب تقسيم ثنائي وعقلي، لا وجه له؛ لأن كل ما له نوع من التحقيق والثبوت في العالم، لا يخلو من هذين الوجهين، إما أن يكون وجوده ضروريًا (واجب) أو غير ضروري (ممكن). طرح مثل هذه المسألة يشبه الاعتقاد بالحال التي تُعتبر وسيطًا بين العدم والوجوب.

٢- السلطنة بالمعنى الذي قُدم غير متصورة، بينما التصديق فرع التصور.

كيف يمكن افتراض شيء تكون نسبة الوجود والعدم له متساوية، لكنه لا يحتاج إلى ملحق أو مئونة زائدة لتحقيقه؟ يجب الانتباه إلى أن في مفهوم الإمكان لم يُؤخذ في الاعتبار معنيان؛ أحدهما تساوي نسبة الوجود والعدم، والآخر الحاجة إلى الملحق، بل هذا التساوي هو سبب الحاجة. لذلك حيثما وُجد التساوي وُجدت الحاجة، وحيثما وُجدت الحاجة وُجد الإمكان أيضًا.

٣- يبدو أن ما ثبت في هذا المقام باسم السلطنة هو ذاتها الاختيار؛ لأن الضمير ليس إلا اختياراً إلا إذا أخذنا السلطنة بمعنى الاختيار نفسه.

  • ما ذُكر بشأن قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» (الصحيح أنها قاعدة بديهية بل هي قاعدة وجدانية من المدركات الأولى للعقل) يستحق التأمل؛ لأن:

أولاً: إذا أخذنا القاعدة من الأوليات فهي قاعدة عقلية لا تقبل التخصيص. فلا يمكن تخصيصها بالسلطة، وإذا أخذناها من الوجدانيات فإن الضمير أيضاً يحكم على إطلاقها وعمومها؛ لأن لفظ شيء ورد. إذن في كل الأحوال القاعدة لا تقبل التخصيص.

ثانياً: مع أن أصل العلية قاعدة أولى عقلية ولا تحتاج إلى برهان، إلا أنه يمكن إقامة برهان على قاعدة «الشيء ما لم يجب…» كما يستفاد من كلامه في الأسس المنطقية، فمع قبول أولوية أصل العلية، لا مانع من الاستدلال على هذه القاعدة بالشكل التالي.

الماهية الممكنة إذا وُجدت علتها فإما أن تكتسب منها الوجوب وإما أن لا تكتسب ورغم ذلك توجد. والأول هو المطلوب. والثاني يعني: أن الماهية الممكنة من الجائز أن توجد رغم عدم وجوبها، وتساوي نسبتها إلى الوجود والعدم. وهذا يؤدي إلى إمكانية وجود الماهية بدون علة رأساً، إذ لو جاز أن توجد في حالة وجود العلة مع تساوي نسبتها إلى الوجود والعدم، جاز أن توجد في حالة عدم وجود العلة أيضاً مع تساوي نسبتها إلى الوجود والعدم.[۱۰]

  • أما ما ذُكر كوقوع ترجيح بلامرجح في مثال «هارب» و«رغيف الجائع» ليكون دليلاً على وجود السلطنة، فيجب القول: في كلتا الحالتين كان هناك مرجح بالتأكيد، ليس في علم الله وعملائه فحسب، بل في الخارج وللفرد نفسه؛ مع أنه قد لا يكون لديه علم أو انتباه للترجيح أو لا يستطيع التعبير عنه. مثلاً، الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليمنى عادةً يفرون من الجانب الأيمن عند الهروب ويميلون إلى ذلك الجانب. والنقطة الجديرة بالذكر أن شيئين متساويين من كل جهة لا وجود لهما أصلاً؛ لأنه إذا لم يكن هناك فرق بينهما فهما واحد وليس شيئين، فإذا كان هناك تمايز فالترجيح يعود إلى هذا التمايز. إذن، قد تكون هناك أمور متعددة تسبب الترجيح ونحن لا ننتبه إليها.
  • في التنبيه الأول جاء أن بدون القول بالسلطنة، الاحتمال الرابع من الاحتمالات المذكورة في النهج الكلامي سيكون معقولاً؛ مع أن هذا الاحتمال يستلزم الجبر. والرد هو: إذا كان هذا القول يؤدي إلى الجبر فهو أفضل دليل على عدم معقوليته. بالإضافة إلى أن الضمير هو أفضل حاكم على أن الإنسان يجد نفسه فاعلاً لأفعاله، لا مقدمات عددية تُهيئ المجال لفعل الله.

من مجموع ما سبق نستنتج:

أ ـ وجود الاختيار في الإنسان أمر قطعي وأفضل دليل على ثبوته هو الضمير والفطرة السليمة، ولإقناع المخالف يجب استخدام المنهج العلمي. مثلاً، بعد إيذائه نستدل بأن إذا أصابه ضرر من جانبنا فليس تقصيرنا، بل كنا مجبرين.

ب ـ الإنسان فاعل مباشر للأفعال الصادرة عنه، ولكن بما أن هذه القوة والقدرة أعطاها الله له، فيمكن نسب الفعل إلى الله أيضاً، لكن الفاعلان متتابعان لا متزامنان.

ج ـ قاعدة «الشيء ما لم يوجد» قاعدة عقلية لا تقبل التخصيص، سواء اعتبرناها قاعدة عقلية أولى أو عقلية برهانية.

د ـ في أفعال الإنسان، الاختيار جزء وركن أساسي، والإرادة هي التي تعطي الأفعال الضرورة والوجوب. لذلك، بما أن الوجوب في طول الاختيار، فلا تعارض بينهما. كما يؤكد آية الله صدر(قدس سره) على هذه النقطة:

الضرورة إذا كانت في طول الاختيار فهي لا تنافي الاختيار.[۱۱]

ج) النهج السوسيولوجي والجبر التاريخي

نوع آخر من الاعتقاد بالجبر في حياة الإنسان، الذي ظهر مع تقدم الوعي والمعرفة البشرية، هو جبر المجتمع والتاريخ. من المدافعين والمروجين لهذا الاعتقاد مذهب الماركسية. من وجهة نظر الماركسية، الإنسان كائن تتشكل هويته وشخصيته في المجتمع ولا يُتصور له أصالة أو شخصية مستقلة عن المجتمع. أبعاده الوجودية تتشكل مع التغيرات والتحولات الاجتماعية، والمصير يحدده المجتمع أيضاً. لذلك، الإنسان في حياته محكوم بالمجتمع وقوانينه الحاكمة، ولا يملك إمكانية العصيان أو تحديد مصيره بنفسه.

من جهة أخرى، المجتمع محكوم بقوانين التاريخ. تتشكل التحولات والأحداث التاريخية وظهور المجتمعات المختلفة بناءً على هذه القوانين. في هذا المنظور، الإنسان له دور القبول والانفعال فقط تجاه القوانين الحاكمة للمجتمع والتاريخ، ودائماً في انتظار أن يقبل كل ما تفرضه القوانين الاجتماعية السائدة! وإذا تصور له دور فاعل فهو فقط في تسريع تنفيذ قوانين الجبر التاريخي، مما يسرع سير التاريخ، لكنه لا يعني توقف حركة التاريخ الضرورية في حال غياب هذا العامل.

العالم الفذ حضرة آية الله السيد محمد باقر صدر(قدس سره) في مواجهة هذا الرأي بأسلوب مبتكر وجديد وفي الوقت نفسه مستدل، من خلال طرح وتبيين القوانين والسُنن الإلهية الحاكمة على التاريخ وبيان دور الإنسان فيه، يضع خطاً فاصلاً على كل هذه الأفكار الوهمية. ويشير إلى أن السنن التاريخية بطبيعتها لا تكسر حرية الإنسان، بل هي سنة تاريخية بأن التغيير والتطور في الأمم والشعوب يجب أن يتم على أيديهم: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ».[۱۲]

أول شكل يقدم فيه القرآن السنن التاريخية هو على هيئة قضية شرطية؛ أي أن هناك رابطًا بين حدثين أو مجموعة من الأحداث والنتيجة المترتبة عليهما يشبه الشرط وجزاء الشرط. فإذا تحقق الشرط، يجب أن نتوقع أن يتبعه الجزاء. بعض الآيات التي عرضت السنن التاريخية على شكل قضية شرطية هي:

النموذج الأول: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ».[۱۳] رغم أن الآية من الناحية النحوية لم تُعبر عن قضية شرطية بشكل مباشر، إلا أن الآية تعرض تغيرين أساسيين (تغير المحتوى الداخلي للإنسان وتغير الوضع الاجتماعي) وهو الترابط الحاكم الذي في القضية الشرطية يعبر عن الشرط وجزاء الشرط. أي أنه عندما يُحدث المجتمع التغيير اللازم في حياته النفسية، فلا محالة سيتغير وضعه الاجتماعي أيضًا.

النموذج الثاني: «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّريقَهِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً؛[۱۴] إذا ثبتوا على الطريق المستقيم، بالتأكيد سنُسقيهم ماءً غدقًا (نعيمًا متنوعًا)».

النموذج الثالث: «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَهً أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْميراً؛[۱۵] إذا أردنا هلاك قرية، أمرنا أناسها المترفين، ففسقوا فيها، وحينما انحرفوا واستحقوا العقاب، دمرناها تدميرًا».

هذه السنن لا تتعارض فقط مع حرية الإنسان وإرادته، بل على العكس تؤكد على حرية الإنسان وإرادته وتشرح نتائج أفعاله لكي يضع أمامه الطريق الذي يؤدي إلى تلك النتيجة، وبنور ذلك يصل إلى نتيجة عمله.[۱۶]

وفي بيان الخاصية الثالثة للسنن التاريخية، تناول الشبهة المتعلقة بجبر التاريخ فقال:

الحقيقة الثالثة التي يركز عليها القرآن كثيرًا في آياته هي مسألة حرية الإرادة والاختيار لدى الإنسان… النقاش حول السنن التاريخية أوجد تصورًا خاطئًا يلخصه وجود نوع من التعارض والخصومة بين حرية الإنسان والسنن التاريخية. ونتيجة لذلك، إذا قبلنا السنن التاريخية، يجب أن نرفض إرادة الإنسان وحرية اختياره، وإذا اعتبرنا الإنسان كائنًا حرًا ذا إرادة واختيار، فعلينا أن نرفض السنن التاريخية وكل قانون ثابت في هذا المجال. عندما يريد القرآن إثبات السنن التاريخية، من الضروري أن يحارب هذا التصور الخاطئ، ولهذا يؤكد بشدة على هذه الحقيقة أن مركز الأحداث والقضايا التي تتوالى في هذا العالم هو إرادة الإنسان… .[۱۷]

ثم استشهد بالآيات التي ذُكرت سابقًا والآية «وَ تِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً»[۱۸]، واستمر في القول:

انظر كيف أن السنن التاريخية ليست فوق قدرة الإنسان، بل كلها تمر تحت يده؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد جعل كل تغيير مرغوب في حياة الإنسان بيده، وإذا غيرت أمة طريقها المستقيم، فإن الله يجعلها تنعم بحياة طيبة. هذه مواقف إيجابية للإنسان ليُظهر حريته واختياره وقراره الحر».[۱۹]

لذلك، يحذر القرآن عقل الإنسان من أن هناك سننًا وقوانين تحكم العالم، ولكي يستطيع الإنسان أن يسيطر على مصيره، من الضروري أن يعرف هذه السنن والقوانين، وأن يفتح عينيه ليرى هذه القوانين والسنن ويتحكم بها.

النتيجة

في الختام، يستخلص نتيجة جميلة مفادها أن قانونية المجتمع والتاريخ ليست سببًا للجبر بل دليلاً على الاختيار:

لماذا أقام الله نظام العالم وفق قوانين عامة وأنظمة دائمة وعامة وسنن ثابتة؟ لأن الله يريد أن يبين مكانة الإنسان في هذا النظام، ويعرّفه بالوسائل التي تؤثر في بناء بيئته الحياتية، ليُلبّي حاجاته بيده. لو كان غليان الماء يحدث صدفة وبدون أي قانون عام وبدون حاجة إلى حرارة، لما استطاع الإنسان أن يتدخل فيه، ولا كان بإمكانه أن يُحدث ذلك الظاهرة متى شاء أو يمنعها متى أراد. هذه القوة للإنسان جاءت من معرفته بسنة العالم وقانونه الثابت.[۲۰]

الجبر والاختيار في القرآن

لختم الموضوع، نذكر مبدأين قرآنيين يدلّان بوضوح على حرية الإرادة والاختيار لدى الإنسان:

أ- الخلافة الإلهية [۲۱]

يقول الأستاذ الجليل في هذا المجال: ميز الله الإنسان على جميع عناصر الكون وجعله خليفته على الأرض، وبفضل هذه الخلافة استحق الإنسان أن تسجد له الملائكة وأن تطيع كل القوى الظاهرة والخفية في العالم. هذه الخلافة التي يرويها الله في آيات القرآن ليست إعلان خلافة لشخص آدم(عليه السلام) فقط، بل المقصود جنس الإنسان بشكل عام؛ لأن الذي يفسد في الأرض ويرتكب القتل ليس آدم(عليه السلام) كما خشيت الملائكة. لذلك، الخلافة هي للإنسانية على الأرض.

مفهوم النيابة في الأرض التي كرّم الله الإنسان بها لا يجعله فقط خليفة الله في الأرض، بل وسع هذه النيابة لتشمل كل سلطة يملكها الله في العالم وكل أمر يعود إليه. خلافة الإنسان في الأرض تعني أن الله جعل البشر نوابه في قيادة وإعمار العالم من الناحية الاجتماعية والطبيعية، أي من الناس للناس. لذلك، فإن البشرية ملزمة بأن تقود العالم نحو الكمال وأن تدير شؤون الإنسانية وأن تضع البشرية على طريق الخلافة الإلهية الحقيقية.[۲۲]

كل وجدان يقظ يدرك بوضوح أن هذا المقام لا يتوافق بأي حال مع القول بالجبر.

كيف يمكن أن يكون خليفة الله العليم القدير إنسانًا مجبورًا ومغلوبًا؟!

ب- قبول الأمانة:[۲۳]

في هذا الشأن أيضًا يقول الأستاذ العظيم آية الله محمد باقر الصدر: إن القرآن الكريم كما نقل من الله تعالى عمل الخلافة للإنسان، يذكر قبول المسؤولية أيضًا باعتبارها قبول أعظم أمانة لم يكن بمقدور أي من أنواع الموجودات في العالم تحملها.

الأمانة تحمل المسؤولية، وفي كلمة الأمانة يكمن شعور بالألم في أداء الواجب؛ لأن الشخص ما لم يشعر بالمسؤولية لا يمكنه تحمل ثقل الأمانة ولا يؤدي دور الأمين برغبته، “إن العهد كان مسؤولاً”. المراد بالمسؤولية الإنسانية هو أن الإنسان كائن حر. بدون الحرية، لا معنى للمسؤولية. ومن هنا يمكن استخدام عنوان خليفة الله لوضع الإنسان على الأرض. فقد وضع الله كائنًا حرًا مختارًا على الأرض ليكون بإرادته مصلحًا أو مفسدًا في الأرض، وليختار طريقه بحرية.[۲۴] “إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً؛[۲۵] لقد أرشدناه إلى الطريق المستقيم وطريق النجاة، إما أن يشكر ويسلك هذا الطريق، أو أن يكفر ويعصي ويسلك طريق الضلال والغي.”

وبهذا الشكل، دفع هذا الأستاذ الفذ شبهات تعارض التعاليم الدينية مع اختيار الإنسان، وبيّن أن القرآن يعتبر الإنسان كائنًا مكلفًا وقابلًا للتكليف والمسؤولية، وله جزاء وعقاب وموعظة، وهذا الأمر لا معنى له بدون الاختيار.

 

  1. سيد محمد باقر صدر، «الحرية من منظور القرآن» مجموعة آثار الشهيد سيد محمد باقر صدر (الطبعة الأولى: منشورات روزبه)، ص ٢٢.
  2. ٢. انظر: نفسه، مقدمة كتاب الفتاوى الواضحة والموجزة في أصول الدين.

[۳]. انظر: سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول (تقريرات درس آية الله سيد محمد باقر صدر)، (ط.١: مجمع علمى شهید صدر، رمضان ۱۴۰۵)، ج ٢.

[۴]. هذا الرأي من المرحوم اللاهيجي في جوهر المراد والملا صدرا في مسألة خلق الأعمال.

[۵]. هذا رأي الشيخ شهاب الدين السهروردي.

[۶]. انظر: سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ص ص ٣٠ ـ ٣٩.

[۷]. محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول (ط.٢:المکتبه العلمیه الاسلامیه، بهار ۶۴)، ج ١، ص ١٠١.

[۸]. . انظر: أبو القاسم الخوئي، أجود التقريرات في علم الأصول (الطبعة الثانية: طهران، منشورات بوزرجمهري) ص ٩٠ ـ ٩٢.

[۹]. انظر: هاشمي، نفسه، ص ٣٦.

[۱۰]. محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء (ط.٥: دارالتعارف للمطبوعات، ۱۴۰۶هـ)، ص ١٠٤.

[۱۱]. هاشمي، بحوث في علم الأصول، ص ٣٣.

[۱۲]. سورة الرعد (١٣)، آية ١١.

[۱۳]. سورة الرعد (١٣)، آية ١١.

[۱۴]. سورة الجن (٧٢)، آية ١٦.

[۱۵]. سورة الإسراء (١٧)، آية ١٦.

[۱۶]. انظر: سيد محمد باقر صدر، السنن التاريخية في القرآن (تفسير موضوعي)، ترجمة الدكتور سيد جمال موسوي أصفهاني (منشورات إسلامية تابعة لجمعية المدرسين في الحوزة العلمية في قم)، ص ص ١٦١ – ١٧١؛ الإنسان المسؤول وصانع التاريخ من منظور القرآن، ترجمة محمد مهدي فولادوند (ط.٢:بنیاد قرآن، آذر ۶۷)، ص ص ٤٨- ٥٢؛ السنن الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مدرسة القرآن، مقدمة وتنظيم جلال الدين علي الصغير، ترجمة وكتابة حسين منوچهري (ط.١: ۱۳۶۹)، ص ص ١٤٢-١٥١.

[۱۷]. سيد محمد باقر صدر، السنن التاريخية في القرآن، ص ١٤٥- ١٤٦.

[۱۸]. الكهف (١٨)، آية ٥٩.

[۱۹]. سيد محمد باقر صدر، السنن التاريخية في القرآن، ص ١٤٦- ١٤٧.

[۲۰]. سيد محمد باقر صدر، السنن التاريخية في القرآن، ص ١٦٥.

[۲۱]. «وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…»: البقرة (٢)، آية ٣٠.

[۲۲]. انظر: سيد محمد باقر صدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء (منشورات بعثت، قسم الإعلام الخارجي)، ص ص ٦ – ٩ و ترجمتها: خلافة الإنسان على الأرض وشهادة الأنبياء، ترجمة الدكتور سيد جمال موسوي (منشورات نصر)، ص ص ١٢- ١٧.

[۲۳]. «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا»: الأحزاب (٣٣)، آية ٧٢.

[۲۴]. انظر: سيد محمد باقر صدر، خلافة الإنسان على الأرض وشهادة الأنبياء، ترجمة الدكتور سيد جمال موسوي، ص ص ١٦ – ٢٠.

[۲۵]. الدهر (٧٦)، آية ٣.