تحليل التيارات السياسية من منظور الشهيد سيد محمد باقر الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ‌ ‌‌جریان‌‌شناسی سیاسی از دیدگاه شهید سید محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تستند هذه الدراسة إلى المنهج الوصفي-التحليلي، حيث تبحث وتوضح قراءة الشهيد سيد محمد باقر الصدر لموضوع دراسة التيارات السياسية. يتركز البحث بشكل رئيسي على سياق النشاطات الإسلامية في المجتمع العراقي والتقابلات الفكرية والسياسية في تلك الحقبة. الفكر الأصولي في العراق، بسبب طابعه الشيعي، كان يعكس نوعًا خاصًا من النشاطات الإسلامية في هذا المجتمع. هذا الفكر، الذي نشأ من بين السكان الشيعة (55٪)، كان في مواجهة مع النظام البعثي، وهو نظام يعتمد على قاعدة أقلية (20٪ من العرب السنة).

كان هناك عاملان أساسيان في خلق شعور المسؤولية لدى الشهيد الصدر تجاه التيارات الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي وخاصة في المجتمع العراقي: بداية الحراك النضالي لحركة الإمام الخميني عام 1342 هـ ش ونفيه إلى العراق. وعبقرية الشخصية الفقهية للشهيد سيد محمد باقر الصدر في حوزة النجف الأشرف.
تهدف هذه المقالة إلى الإجابة على السؤال المحوري: بالنظر إلى الظروف المذكورة، ما هو موقف الشهيد سيد محمد باقر الصدر وقراءته لدراسة التيارات السياسية؟

المؤلف: سجاد بناهي

المصدر: مجلة بحوث التاريخ والسياسة والإعلام، السنة الثالثة، العدد الأول، الصفحات ٨٨-٧٣

١. المقدمة

منذ ولادة الإنسان في هذا العالم، كان يسعى لاكتشاف طريق مضمون للعيش الأفضل، وفي العصور التاريخية الماضية، أبدع بعض أصحاب الفكر بإبداع مذهل، حيث خلقوا مواقف عظيمة في مسيرة حياة المجتمع البشري، وأسهموا في إنقاذ البشرية من نير هيمنة الطامعين والانتهازيين الديكتاتوريين، وسعوا جاهدين لرسم أفضل نوع من الحكم للبشر العطشى إلى العدالة الاجتماعية. ومن هؤلاء يمكن ذكر أفلاطون وأرسطو في عهد اليونان القديمة كرواد السياسة الاجتماعية. وفي قاموس الأديان السماوية، وخاصة الدين الإسلامي المبين، وُجد العديد من العلماء الذين كانت أفكارهم ومعتقداتهم مصدرًا لبناء الدولة، ومساعدة الدولة، ووضع القوانين. أكثر قضية محفوفة بالمخاطر تشغل فكر الإنسان اليوم هي كيفية النظام الاجتماعي، وهو نتاج تفكير التيارات السياسية، أي أي نظام اجتماعي يوفر أفضل بيئة للعيش للإنسان ويقوده إلى السعادة في الحياة الدنيا.

نوع النظام الاجتماعي في حياة الإنسان ذو أهمية بالغة، لأنه قد يكون مصدرًا للخير والبركات، وقد يكون أيضًا منبعًا لمخاطر لا تُعوض للإنسان والمجتمع الإنساني في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية. وبالطبع، إذا نشأت الأفكار الاجتماعية الراسخة والمعتمدة على قوانين واضحة ومتينة في المجتمع بدعم من النخب وشعبية عامة، فإنها تستطيع أن تحمي أفراد المجتمع ومنجزاته، وهي المعايير الاجتماعية لذلك المجتمع، كقلعة متينة.

مسألة النظام الاجتماعي لها جذور عميقة في تاريخ البشرية؛ أي أن النظام الاجتماعي الديمقراطي يتشكل في مجتمع يتمتع بالحزبية، والمجتمع المدني، والعادات، والقوانين، والعلاقات الاجتماعية المتبادلة. النظام الاجتماعي في الإسلام أكثر وضوحًا وعمقًا من أي نظرية أو مذهب آخر، لأنه مستمد من قوانين إلهية سماوية، وكان أنبياء الله ورسله هم من نشرها. وهو محمي من تدخلات البشر[1]. والقانون الذي يُسن بناءً على تعاليم الإسلام الراسخة لا يمكن أن يكون ناقصًا أبدًا، والحكومة التي تسير وفق هذا القانون قادرة على تحقيق تقدم ملحوظ في أقصر وقت ممكن في جميع المجالات (الاقتصادية، السياسية، والثقافية)، وهذا ينبع من قوة القوانين السماوية للإسلام(صدر، ١٣٩٤: ٢٦، ٧١ و ٩٢).

٢. الأسس الفكرية للتيارات السياسية من منظور الشهيد الصدر

٢-١. الفكر الثوري (التجديد الديني)

يرى الشهيد الصدر أنه في هذا العصر وهذه المرحلة التاريخية الحساسة، فإن إثارة الروح الثورية وإحياء وتحريك فكر المقاومة ضد الاستكبار بين المسلمين هو ظاهرة ضرورية ومقبولة وناجحة؛ إذا ما تم التجديد في إطار نظري وفكري عملي أصيل للإسلام النقي ومن خلال نشر تفسير صحيح وحيوي له على مستوى المجتمع، فسوف يحقق النجاح. وإلا فلن يفضي إلى شيء. ويكتب في هذا الصدد:

«الفكر التجديدي الذي يقوم على أساس غير ديني ويرتبط بأيديولوجيا لا علاقة لها بالإسلام، غير عملي؛ لأن هذا الفكر لا يمتلك القدرة على تفسير الإسلام بشكل صحيح، ولا يستطيع أن يجبر الأمة بأكملها على قبول وجهة نظره في تفسير الإسلام النقي.»

إذا استند الفكر التجديدي إلى مبادئ الإسلام الحقيقي، وكان له ارتباط قوي بمصادر الإسلام النبوي والعليوي بين الجماهير، وأظهر الإسلام الاثني عشري في حكومة، فإنه قادر على دفع الناس إلى العمل الصالح والمرضي لله، ومنعهم من الأعمال السيئة، ويمكن لمثل هذه الفكرة أن تجذب المحافظين وأصحاب التقاليد إلى طريق البناء والتجديد الفكري وتحفيزهم على النشاط الاجتماعي.

يعتبر الشهيد صدر الأيديولوجيا مقدمة لعصر التقاء الأفكار والتصورات التي ظهرت في ظل نمو وتطور التكنولوجيا الإعلامية، سواء المكتوبة أو المرئية، والتي أصبحت مصدرًا للعديد من التحديات الفكرية والسياسية. كما واجه المجتمع الإسلامي فكرة ترى أن الإسلام يجب أن يتغير مع تغيرات الزمن ويتبع مجرى حياة الإنسان؛ لأنهم يظنون أن الإسلام، كما نزل على النبي صلى الله عليه وآله، لا يستطيع تفسير وضع الحياة الحالية للإنسان، ولذا يجب على المسلمين، من أجل توافق الدين مع الحياة، أن يكيفوا الإسلام مع الأوضاع والظروف الراهنة للحياة، لا أن يكيفوا الحياة مع القوانين العامة للإسلام. ومن خلال هذا الأسلوب، يُلون الإسلام بلون جديد ليواكب الوضع الحالي والعصر الحاضر؛ وبعبارة أخرى، هناك اليوم العديد من الشباب المسلمين الذين دخلوا سابقًا إلى المجتمعات الغربية بشعور ديني أو واجهوا أفكارًا جديدة، فتخذلوا تدريجيًا، وفي بعض الحالات، من أجل الحفاظ على قيمهم، وقعوا في التداخل الفكري، وبنوع من الطرق؛ وقعوا في فخ الأفكار الجديدة.

فهم الشهيد صدر هذا التحدي بشكل صحيح وادرك أبعاده، واعتقد أن الشريعة الإسلامية، بوصفها شريعة دائمة وعالمية للمجتمعات التي هي في حالة تحول وتطور دائم، لا تقتصر على أحكام متغيرة فحسب، بل تشرع أحكامها مع مراعاة الأهداف والأسس والقيم الإسلامية، متناسبة مع الزمان والمكان، وفق مبدأ دفع الأخطر بالأخف، حتى لا تقع المجتمعات الإسلامية في مأزق أو تحدي.

وكان التفسير السائد في عصر الشهيد صدر، الذي كان يضر بجوهر وفلسفة الفكر الإسلامي الأصيل، هو انتشار التفسيرات الخاطئة، والتأويلات المختلطة، والتفسيرات المتطرفة للدين والمفاهيم الدينية، وفي مقابل المتشددين، كانت هناك جماعات أخرى اتخذت طريق التطرف، واعتنقت في مظهرها الحداثي، الرؤية العالمية والأفكار المستوردة من الشرق والغرب، والفلسفات والمدارس الفكرية الخاصة بهم، فكانت تؤول وتفسر المعتقدات والتعليمات الدينية في أطر فكرية وأدوات معرفية خاصة بهم.

وقد سموا هذا الاستسلام الفكري والعقائدي، حسب ظنهم، بالتجديد الفكري، والتفكير المختلف، والتجديد في الفكر الديني، وسعوا إلى تنسيق ثقافة ومحتوى الإسلام مع الأفكار والمفاهيم الجديدة للبشر. ولكن نتيجة هذا الجهد لم تكن سوى موقف سلبي تجاه الإلحاد العلمي والفلسفي في العصر الحديث، وتراجع عن الفكر الديني، وتقليل من قيمة المقدسات الوحيانية، وتحويل الحقائق والمفاهيم الوحيانية إلى تجارب.

وكان الشباب المسلمون الذين كانوا يدخلون هذه الجماعات سابقًا بشعور ديني، يتلاشى إيمانهم تدريجيًا وينضمون إلى جماعات تبدو لهم أكثر استجابة لشغفهم ومشاعرهم.

وكان من بين هؤلاء الشباب الذين تحولوا فكريًا ووقعوا في فخ الجماعات المنحرفة، منظمات مثل مجاهدي خلق وفرقان في إيران، وكذلك جماعات مثل رزگاري والشيوعيين في العراق، وقد وجدوا مصيرًا غير سار. يقول الشهيد صدر:

«اليوم نرى في المجتمعات الإسلامية نوعًا من الفكر السائد حول تطور وتحول الإسلام وكيفيته بين كثير من المسلمين في العصر الحاضر، الذين يعتقدون أن أحكام الإسلام يجب أن تتغير مع تغيرات الزمن وتتبع مجرى حياة الإنسان، ولأن الإسلام، حسب ظنهم، لا يملك القدرة على تفسير وضع الحياة الحالية للإنسان كما نزل على النبي صلى الله عليه وآله، فلا بد للمسلمين من تزيين الإسلام بلون جديد ليواكب الوضع الحالي للعصر الغربي» (صدر، ١٣٧٦: ٤٤).

ويعتقد الشهيد صدر أنه يمكن، بالاستفادة من التعاليم الوحيانية والتجديد الفكري المبني على المعايير الإسلامية، تلبية متطلبات الحياة الدينية، ولا حاجة للجوء إلى الأفكار المصنوعة من قبل البشر، التي تقوم على استغلال الإنسان والطبيعة. وفي هذا السياق، لم يعتبر اتباع النصوص جمودًا يمنع التحول والتجديد في مختلف شؤون الحياة؛ لأن اتباع النصوص يعني الالتزام الكامل بالدين وتطبيق الأحكام الدينية دون أي تغيير أو تحريف (صدر، ١٤٠١: ٧٠).

ويعتبر الشهيد صدر التداخل الفكري تعريفًا انحرافيًا، ناتجًا عن جهل أو عمد، صنعه المغرضون في سبيل تشويه الدين الإسلامي المبين، الذي يسلب تعاليم النبي وأحكام أهل البيت عليهم السلام ويهديها إلى ثقافة المادية الشرقية والطبيعة الغربية المنفعة. وهو يؤمن بأن الإسلام منح حياة طيبة وإنسانية للبشر، وبالاعتماد على نصوصه يمكن حل المشكلات القائمة. ومع ذلك، لم يمنعه هذا التفكير، أي الاعتماد على النصوص، من التجديد الفكري، بل كان له ابتكارات نافعة في مجالات مختلفة.

وكانت همومه الفكرية في بداية القرن العشرين الميلادي بداية الاستسلام الفكري لجماعات العالم الإسلامي أمام التقدم العلمي والتكنولوجي الغربي. وكان جهد كثير من الإسلاميين في تلك المرحلة يتمحور حول الاستشهاد برؤى وافتراضات غربية شائعة، وقياس المفاهيم الإسلامية بمعايير الغربيين، ودمج تراثهم وميراثهم مع بعض إنجازات الغرب في ذلك الوقت.

لكن مفكرين مثل الشهيد صدر حاولوا، بالاعتماد على مكانة العقل السليم[2] الإسلامي والأسس الجوهرية للإسلام، تقليل الهيمنة الغربية والخضوع لدى بعض المحدثين أمام التقدم التكنولوجي. وذلك في وقت كان التفكير السطحي والتبسيط يخيّم على كتابات كثير من الإسلاميين، وكان البعض يحاول مقاومة هذا الاستسلام من خلال تفسيرات تجريبية وعلمية وحرارية للآيات القرآنية،

استعرض الشهيد صدر مشكلات الأمة الإسلامية وتتبع أسباب الإخفاقات، فقام بتحقيق دقيق في التراث والنصوص المقدسة والتعليمات الوحيّة، وابتكر آراء جديدة تتناسب مع روح حاجات العصر، ولتجنب انبهار الشباب المسلم بالغرب واعتقاده به. وفي تتبعه لعوامل الإخفاق في المجتمعات الإسلامية، توصل إلى ثلاثة أنواع من الأضرار والتحديات في الفكر الإسلامي (داخلية، خارجية، ومزيجة) التي ضيقت المجال أمام الإسلام الأصيل والمسلمين.

٢-٢. الفكر الإلحادي (العدوان الخارجي على الشريعة الإسلامية)

كان المؤمنون بالإسلام يواجهون جبهة الإلحاد الشرقي وجبهة الاستعمار الغربي، حيث من جهة، كان فكر وأساليب الماديين الفلسفيين والأخلاقيين تنتشر بسرعة في المجتمعات الإسلامية، ومن جهة أخرى، كان الاستعمار يستهدف هوية المجتمعات الإسلامية من خلال مدارس وفلسفات مادية مصطنعة. في هذه المرحلة التي كان فيها المفكرون الإسلاميون يعانون بشدة ويبذلون جهودهم لمواجهة هذا العدوان.

توجه السيد محمد باقر صدر إلى جهود عميقة ليواجه بها الفكر الشيوعي وكذلك ليقف في وجه عداء الاستعمار للدين. فقد استهدف في كتابيه «فلسفتنا» و«اقتصادنا» كلا الجبهتين الهجوميتين (الداخلية والخارجية). وفي هذين العملين الرائعين، عرض نقداً جاداً لأفكار ومفاهيم المادية والمواديات في الشرق والغرب، وأظهر عجز فكرهم وآرائهم في تفسير منهج الحياة الصحيح (صدر‌، ‌‌١٣٩٩‌: ١٤٠).

رغم أن الشهيد صدر كان يعاني من خطر الإلحاد الشيوعي في العراق، إلا أن وجود هذا الخطر في باقي المجتمعات الإسلامية كان يضاعف ألمه، فقال في هذا الصدد:

«أنا الآن أشعر بألم ومعاناة كبيرة؛ لأن العراق يواجه خطر الشيوعية. ولكن إذا كان ألمي من أجل الله، وأن يُعبد الله في الأرض، وألا يخرج الناس جماعات من دين الله، عندها سأشعر بالألم والمعاناة بنفس الدرجة وبدون أي فرق بين العراق، إيران، باكستان، لبنان أو أي من دول العالم الإسلامي تجاه أي خطر يهدد الإسلام» (صدر، ١٣٥٩: ٢٨).

هذا الألم والمعاناة لم يثنياه ولم ييأسه، بل دفعاه إلى حركة جديرة، فبذل جهداً كبيراً في تأليف الكتب المذكورة، ولم يقتصر في نقده وتقييمه على مدارس وآراء المعتدين فقط، بل قدم دراسة مقارنة لنظريات الإسلام، أولاً لإخراج المسلمين من حالة السلبية، وثانياً لوضعهم في موقع مواجهة، وعدم تركهم في فراغ فكري وإيديولوجي. بالإضافة إلى ذلك، أوضح تفوق الأفكار الإسلامية. وقد أورد في بداية كتاب «فلسفتنا» نقاطاً منها: يجب على الإسلام أن يتحدث في ساحة قيادة المدارس، وبأسلوب قوي وعميق وصريح وواضح، وأن يشمل موضوع الإنسان والحياة الاجتماعية والحكم، لكي يستطيع المسلمون في هذه الساحة أن يبلغوا كلام الله إلى الناس. وفي هذا العمل العلمي الرائع، يعالج جزءاً من قضية النظرة العالمية للإسلام.

إلى جانب الرد على وجهات النظر المعرفية للماركسية، نقد الشهيد صدر أحدث مظاهر الفكر المادي، وهو الوضعية (البوزيتيفية). فالوضعية، التي ربما كانت ذروة المادية العلمية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كانت في الواقع تمرداً على الفلسفة والاتجاه الديني والأخلاقي؛ لأنها تعتمد فقط على المنهج التجريبي، وتعتبر البيانات علمية فقط إذا كانت تُحصل من خلال المعنى وصياغته، وتدعي أن الأحكام الدينية، لأنها لا تُحصل بالمنهج التجريبي، خالية من الفكر، وبالتشكيك في معاني الأحكام الدينية، تكون قد وجهت الهجوم الأشد والأساس على الفكر والمعرفة الدينية (صدر، ١٤٠٨: ٥٦).

كان الشهيد صدر من بين المفكرين الإسلاميين القلائل الذين ردوا في مؤلفاتهم الفلسفية والمنطقية على الشبهات المعرفية لهذا الاتجاه. فقد جهزها لمواجهة هجوم المدارس الغربية الجديدة. وهكذا، ساهم في توعية الجيل الشاب المعاصر والأجيال القادمة على الصمود والمواجهة خارجياً ضد الثقافة الغربية الاستعمارية والشرق الإلحادي (مخلصی، د.ت.: ١٣٠).

٢-٣. الدغماتية (الفكر المغلق أو الجمود الداخلي الطائفي)

ظاهرة الجمود أو الفكر المغلق والانكماشي، هي من الآفات التي منذ القدم، ومن داخل مجتمع المؤمنين بالدين، أدت إلى ركود الفكر في المجتمع الإسلامي. هذه الكلمة التي تعني في اللغة التحجر أو الصلابة، تعني اصطلاحاً تجاهل الحقائق، والملل النفسي، وامتناع الإنسان عن قبول الحق والابتعاد عن الله (راجع: فرهنگ معين). المقصود هنا بالتحجر هو أن المفكرين، وخاصة علماء الدين، يتجاهلون الحقائق الموجودة في المجتمع الإسلامي، ويكتفون بحل المسائل الفردية، ويعتبرون أنفسهم مكلفين بوصف وصفة علاج لمشاكل الأفراد والشؤون الشخصية للمسلمين، بينما يصمتون عن كثير من قضاياهم السياسية والاجتماعية، لأن الطريق شاق ووعر. هذه الظاهرة ظهرت بقوة في العقود السابقة في مجالين إيران والعراق، وهما مجالان كانا بفضل الفكر الإسلامي قد حركا المسلمين وحفزاهم على الحركة والنشاط بحيث أجبروا القوى الكبرى في زمانهم على الخضوع لإرادتهم وسلوكهم. ولا شك أن أحداث الدستور والمسائل التي تلتها لم تكن بلا تأثير في هذا الأمر.

كان استدلالهم أن الطريق مليء بالعقبات؛ طريق طويل جدًا إلى درجة أنه مع هذه الجهود الضئيلة لا يمكن الوصول إلى مكان ما أو تجاوز الصعوبات. لا أحد قادر على رؤية نهاية الطريق. لكن الشهيد الصدر، في الرد، يقول:

«الطريق طويل. ولكن مقابل أي هدف؟ عندما يكون الهدف هو الدعوة إلى الله وطريق الله، فإن بعد وطول الطريق لا شيء. هل يريد المسلم في نهاية هذا الطريق أن يصل إلى نفع مادي؟ لا شك أن الطريق مليء بالأشواك والأشجار الجافة، ولا أحد يقول إن الطريق ممهد. هذا الطريق هو طريق البناء وطريق عودة الأمة إلى القرآن، طريق العودة إلى المركز الذي انحرفت عنه. في هذا الطريق، الأشواك تسيل دماء الأيدي التي تريد إزالتها من الطريق وتجرحها، لكن في النهاية تستسلم الأشواك الضعيفة أمام الإرادة الحديدية والعزم الثابت للبشر» (صدر، . 9-11:1379)

ما كان الشهيد يسعى إليه هو الوصول إلى وجهات النظر الأصيلة للإسلام حول المجتمع والتاريخ والسياسة والاقتصاد. في هذا المقام، فتحت آفاق واسعة لم يتقدم عليها أحد من بين القلائل الذين فكروا في هذا المجال. اتبع في هذا الطريق منهجًا لم ينتبه إليه المفكرون السابقون أو قل من اتبعه. منهجه كان البحث في جميع جوانب الموضوع، وليس دراسة تفصيلية لموضوع معين فقط. على سبيل المثال، كان لديه نظرة مختلفة لحياة وتاريخ أئمة الشيعة عليهم السلام؛ منهج ينظر إلى حياة كل إمام عليه السلام كظاهرة كلية وليس جزئية. يعتبر الأئمة عليهم السلام وحدة متصلة، ومن خلال العلامات والأهداف المشتركة بينهم يمكن من خلال النظرة الشمولية إلى حياة الأئمة المعصومين عليهم السلام الوصول إلى إنجازات جديدة لا تستفيد منها النظرة الجزئية؛ لأن النظرة الشمولية تتيح إدراك الروابط التي توجد بين سلوك الأئمة عليهم السلام (صدر، 58:1403).

٢-٤. الفكر البعثي (الوهابي التكفيري)

قرر نظام البعث في العراق لمنع انهياره أن يجعل العراق كله بعثيًا، وبدأ بإصدار أوامر لجميع الإدارات، وخاصة موظفي النظام التعليمي في البلاد، بضرورة الانضمام إلى تنظيم حزب البعث وتنفيذ برامج الحزب على جميع المستويات التعليمية. في هذه المرحلة، أدرك آية الله سيد محمد باقر الصدر موقف حزب البعث، وبصفته مرجع الشيعة الإثني عشرية والراية الوحيدة لمواجهة الفكر التكفيري (حزب البعث)، أصدر فتوى ثورية تحرم الانضمام إلى تيار البعث وأي تعاون معه. تعرف الشعب العراقي على واجبهم من خلال هذه الفتوى الثورية وامتنعوا عن الانضمام إلى حزب البعث. من أهم أعماله لإيقاظ الشعب العراقي وإعداده للثورة ضد نظام البعث كان عقد دروس تفسير موضوعي للقرآن، خاصة للطلاب الشباب، وذلك بعد إلغاء درس الخارج في الفقه؛ لأن ذلك كان أمرًا نادرًا في حوزة النجف أن يقوم مرجع تقليد بإلقاء تفسير للقرآن بدلاً من درس الخارج في الفقه، مما أثار دهشة الآخرين.

حتى إن أحد تلاميذه سأل عن ذلك فأجاب: التدريس والتأليف والبحث ليست مهنة أو هدفًا في حياتي، بل أداء الواجب الشرعي بأي طريقة ممكنة هو الأهم بالنسبة لي، لأن في هذه المرحلة من تاريخ الإسلام والمسلمين، حيث وصلت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني رحمه الله إلى مبتغاها، وهزمت القوة الوهمية للغرب والشرق (الفكر الاستعماري والإلحادي) وأطلقت ناقوس اليقظة في الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم الإسلامي، أرى من واجبي أن أحفز أذهان الأمة الإسلامية من خلال تفسير القرآن، وأوعيهم بمخططات العدو، وأعرض أهداف وآمال النظام الإسلامي في إيران بقيادة الإمام الخميني رحمه الله من خلال بيان مفاهيم موضوعية وحماسية قرآنية، وأهيئ القلوب للالتحاق بالثورة الإسلامية في إيران بشكل حماسي واجتماعي.

أحدث درس التفسير الموضوعي لديه ثورة ثقافية وسياسية في أذهان الشعب العراقي، حتى أن حكومة البعث في العراق رأت في هذه الظاهرة القرآنية المؤثرة تهديدًا خطيرًا لطبيعتها ووجودها، ولمنع أي تحرك شعبي، شنت هجومًا شاملًا واعتقلت جميع ممثلي المرجعية في المدن الشيعية العراقية وسجنتهم. بعد ذلك أعلن سيد محمد باقر الصدر يوم السادس عشر من رجب المرجب عام ١٣٩٩ يوم احتجاج وإعلان استنكار للأعمال الظالمة لنظام البعث العراقي. فقام الشعب العراقي باتباعه ووقفوا عن العمل وأغلقوا الحوزة والسوق، وذهبوا إلى منزله بحماس لا يوصف وبايعوه.

في تلك الليلة نفسها، اعتقل نظام البعث السيد ونقله إلى جهاز أمن بغداد وطلبوا منه التوقف عن دعم الثورة الإسلامية في إيران؛ لكنه أجاب: أنا مسلم، ولست مسؤولًا فقط عن مصير المسلمين في إيران والعراق، بل عن مصير جميع المسلمين في العالم، لذلك سأظل وفيًا لواجبي الشرعي، ودعم الثورة الإسلامية في إيران هو واجب إلهي وشرعي.

في هذا الموقف، قامت أخت السيد (بنت الهدى) في الحرم المطهر للإمام علي عليه السلام بإلقاء خطاب وناشدت شعب العراق بالاحتجاج على اعتقال مرجع تقليدهم ضد حكومة العراق، فخرج الناس في الليلة التالية إلى الشوارع واضطرت الحكومة إلى إطلاق سراح السيد؛ لكن القوات الأمنية حاصرت منزل السيد لمدة تسعة أشهر تقريبًا، ربما ليتمكنوا من ثنيه عن دعم الثورة الإسلامية في إيران؛ إلا أنهم أدركوا أن السيد ثابت ومستمر في موقفه ولن يتخلى عن فكرته أبدًا. لذا اقتحم أبو سعيد رئيس جهاز الأمن العراقي مع مجموعة منزل السيد وأخبروه بأن يكون مستعدًا للذهاب إلى بغداد. فأجابهم السيد بأنه مستعد للشهادة منذ زمن بعيد (آويني، د.ت.).

قبل نقله إلى بغداد، أصدر السيد فتوى أعلن فيها أن الذين يقاتلون ويموتون في إيران دفاعًا عن الإسلام والمسلمين هم شهداء، وأن الله سبحانه وتعالى سيجمعهم في الجنة مع الإمام الحسين عليه السلام. هذه الفتوى أثارت ثورة في العراق وجعلت شعب العراق يشعر بالأخوة تجاه شعب إيران والشهداء الذين ناضلوا في سبيل الثورة، ومالت قلوبهم نحو إيران؛ لكن من جهة أخرى، خاف قادة نظام البعث العراقي من صدور هذه الفتوى الثورية واعتبروها تهديدًا ضمنيًا لأمنهم وسيادتهم. لذلك عقد مجلس القيادة العراقي اجتماعًا تحت عنوان «دفع خطر الخميني في العراق» وقدموا خططًا للقضاء على آية الله السيد محمد باقر الصدر.

عندما زاد نظام البعث العراقي من ظلمه وقمعه لشعب العراق وارتكب مجازر بحق الأبرياء من الشيعة، خصوصًا شيعة الجنوب ورجال الدين، أعلن السيد الجهاد بفتوى؛ فخاف النظام العراقي وحاصر منزله. وفي هذه الأثناء، أصدرت بنت الهدى، أخت السيد الشجاعة والثورية التي كانت دائمًا إلى جانبه، بيانًا حماسيًا قالت فيه:

«أقسم بالله أنني أعيش في أمل الشهادة في سبيل الله، وسأواصل طريقي طالما كنت متأكدة أن عملي لرضا الله؛ حتى لو قُتلت في هذا الطريق، لأن الشهادة دائمًا تجذبني إليها».

وفي النهاية، وبعد عشرين عامًا من النضال، اعتُقل السيد يوم الثلاثاء السادس عشر من فروردين عام ١٣٥٩ هـ ش على يد قوات البعث ونُقل إلى سجن بغداد، وفي اليوم التالي اعتُقلت أخته المجاهدة ونُقلت إلى بغداد، وفي التاسع عشر من فروردين عام ١٣٥٩ نالوا شرف الشهادة. وقال صدام بعد استشهاد آية الله الصدر: «لقد قتلنا خميني العراق» (حمدانی، ١٣٩٤: ٢٥ – ٢١).

بشكل عام، كان آية الله الشهيد محمد باقر الصدر من أعظم المفكرين في عصره، أي حكيمًا فريدًا، وفقهًا جامع الشرائط، ملمًا بالفلسفة، متمكنًا من التفسير، ومفكرًا واعيًا بعلوم العصر وموضوعات الثقافة والاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع.

إلى جانب نشاطاته العلمية القيمة وتأليف الرسائل المهمة والكتب الخالدة، ربى الشهيد الصدر تلاميذ بارزين وفاعلين ساروا على نهجه وأصبحوا مصدرًا للأعمال والنشاطات العلمية المفيدة في مجالات الابتكار في العلوم الدينية وإحياء المعارف الإسلامية بما يتناسب مع مقتضيات العصر، مثل المرحوم آية الله سيد محمود هاشمي الشاهرودي الذي لقب بوريث الصدر؛ آية الله الشهيد سيد محمد باقر الحكيم الذي لقب بذراع الصدر؛ آية الله سيد كاظم الحائري، وآية الله سيد حيدر كمالي الذي لقب بفقهاء الصدراء في العالم العربي (مجله حوزه، ٧٩ و ٨٠).

٣. نظرة الشهيد الصدر إلى التيار السياسي في إيران (الثورة الإسلامية في إيران)

قبل الثورة الإسلامية في إيران، دعم الشهيد الصدر حركة الإمام الخميني رحمه الله وزاد اتصاله بالإمام يومًا بعد يوم. ففي عام ١٣٨٥ هـ ق، طلب من أتباعه وتلاميذه استقبال الإمام الخميني رحمه الله عند دخوله النجف الأشرف، بعد نفيه إلى تركيا من قبل نظام الشاه، والاستفادة القصوى من وجوده كقائد للحرية في العالم في الحوزة العلمية في النجف.

هذا الطلب أدى إلى نشاط جديد، خاصة في الحوزة العلمية في النجف، مع دخول الإمام رحمه الله إلى العراق. رغم أن علماء العراق كان لديهم آراء مختلفة حول استقبال الإمام، إلا أن السيد محمد باقر الصدر بحماس كبير شارك مع علماء آخرين في مراسم الاستقبال والترحيب بالإمام عند مدخل مدينة النجف، وخلال الأربعة عشر عامًا التي قضاها الإمام في النجف الأشرف، حافظ على علاقة وثيقة معه وأحبّه، وكان إلى جانبه في النضال، وكانوا يأملون كثيرًا في ثورة الإمام في إيران.

بعد نفي الإمام إلى باريس، كتب له الشهيد الصدر رسالة دعم فيها الثورة المجيدة والشجاعة للشعب الإيراني بقيادة الإمام الحكيم، وأعلن بكل إخلاص وشجاعة استعداده للتعاون مع الإمام الخميني رحمه الله والأمة الإيرانية البطلة. وبعد هذه الرسالة، كتب رسالة أخرى إلى تلاميذه وأتباعه وأنصاره في إيران، وأمرهم بأن يكونوا متعاونين ومتضامنين مع الشعب الإيراني في النضال ضد النظام الإيراني، وألا يبخلوا بأي تضحية في سبيل انتصار هذه الثورة، وأن يذوبوا في طاعة الإمام الخميني رحمه الله، كما ذاب هو في سبيل الأهداف والمبادئ الإلهية.

كان آية الله صدر من الداعمين الصادقين للنظام الإسلامي في إيران بقيادة الإمام الخميني رحمه الله، وبالإضافة إلى الدعم السابق الذي أعلنه كتابيًا في رسالتين، مما أدى إلى دفع الشعب العراقي لدعم الثورة الإسلامية في إيران، قام بتأليف كتاب «الإسلام يقود الحياة» الذي يتألف من ستة مجلدات تشمل مناقشات مثل الدستور الإسلامي للجمهورية الإسلامية في إيران، مصادر القوة، الأحزاب الإسلامية، الدولة الإسلامية، واقتصاد المجتمع الإسلامي. وفي دعوة شاملة للشعب العراقي، وخاصة أهل وعلماء مدينة النجف الأشرف المقدسة، دعا إلى دعم الثورة الإسلامية في إيران والتجمع في مسجد الجواهري في النجف الأشرف. وذهب بنفسه في تلك الليلة إلى المنبر وتحدث لشعب العراق عن طبيعة الثورة الإسلامية في إيران والدور الفريد للإمام الخميني رحمه الله في إحياء الأفكار الدينية وإصلاح الأمة الإسلامية. ومن خلال هذا الخطاب أوضح موقف الشعب العراقي تجاه النظام البعثي المعادي للدين، وبذلك رسم طريق الثورة والنضال بوضوح، فخرج الشعب العراقي في اليوم التالي في معظم المدن الشيعية في مسيرات دعمًا للثورة الإسلامية في إيران (حمداني، المرجع نفسه).

٤. استراتيجية الشهيد صدر في مواجهة التحديات الناجمة عن التيارات الاجتماعية

غالبًا ما كان العلماء والمفكرون في المجتمعات الفكرية يتصرفون بشكل مختلف في بعدين: معرفي وعلاجي، فيما يتعلق بالتحديات المقبلة؛ بمعنى أنهم في البعد المعرفي قد يسلكون الطريق الصحيح ويحددون التحديات بدقة، لكن في البعد العلاجي والتحرر منها قد يواجهون تحديات أعمق وأوسع. الشهيد صدر من بين القلة من المفكرين الذين نجحوا نسبيًا في كلا البعدين، المعرفي والعلاجي. فهو لم يكتفِ بتحديد التحديات القائمة في المجتمع الإسلامي بدقة، بل سعى من خلال تقديم «فقه النظرية» إلى سد النقص النظري في ميدان الفقه. وقد ساعد هذا الفقه الشيعي في فهم التحديات الفكرية وإنقاذ المجتمع الإسلامي من الأضرار السياسية والاجتماعية، لا سيما الأفكار الناشئة والفراغ في الفكر الإسلامي الأصيل الحقيقي.

فقه النظرية عند الشهيد صدر هو عملية استنباط واكتشاف إطار فقهي كلي يوجه في مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والقضائية والسياسية للإنسان، بحيث يوضح الحلول الإسلامية ويجمع الأحكام الفرعية المتعددة حول محور واحد ليخلق بنية أساسية لتنظيم حياة الإنسان المسلم. وفقًا لمنهج فقه النظرية، فإن الدين والشريعة الإسلامية تحتويان على أُطُر كُلية لتنظيم الحياة (غفوری، د.ت.: ١٢٣؛ صدر، ١٩٧٩: ٣٠٣).

هذا المنهج يسعى إلى بناء إطار للنظام الفقهي؛ لأنه يرى الفقه منظومة منظمة، وهذه التنظيمية تعني أن مجموعة أحكام الشريعة مرتبطة ببعضها البعض. على عكس المناهج الفقهية الأخرى التي تعيد كل حكم إلى أدلته الخاصة، فإن فقه النظرية يصدر الحكم عبر شبكة، مما يتيح للفقهاء اكتشافات فقهية. ومن هذا المنطلق، يُفهم أيضًا علاقة الفرد والدولة والتيارات الفكرية ضمن هذه الشبكة (خراسانی، ١٣٩٠: ٢٦٥).

يرى الشهيد صدر أنه إلى جانب أصول وقواعد الاستنباط، يمكن الاعتماد على النظرية والتأصيل النظري أيضًا. ونظرًا لشمولية الشريعة، فإن النظرية موجودة فيها. لذلك، فإن الاكتشاف النظري هو أهم هاجس منهجي في فقه النظرية؛ لأن النظرية الفقهية تمنح الفقه والاجتهاد القدرة على التنبؤ. ورغم أن النظرية قد تخلق أحيانًا زوايا جديدة وتتنافى مع بعض الأدلة والقواعد، إلا أن الفقيه يمكنه بنظرته العميقة أن يمنع تحريف المجتمع الإسلامي (خراسانی‌، ١٣٩٠: ٢٦٥).

وقد تم طرح هذه النظرية في كتاب «اقتصادنا» للشهيد السيد محمد باقر صدر، حيث أشار إلى وجود مجال خالٍ من الحكم في الدين الإسلامي المبين؛ أي أن الإسلام يسمح للحاكم الإسلامي الذي وصل إلى السلطة عبر تنافس حزبي سليم، بوضع حكم وقانون في بعض القضايا الاجتماعية مع مراعاة الضوابط والاحتياجات الزمنية والمكانية. ويمكن تتبع جذور هذه النظرية في فكر العلماء الذين عاشوا قبل الشهيد صدر، ومن بينهم في عصر الدستور وفي مؤلفات العلامة النائيني مثل «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» (صدر، ١٣٥٩: ٢٨).

من وجهة نظر الشهيد الصدر، المدرسة الاقتصادية الإسلامية التي أشار إليها في كتاب «اقتصادنا» تنقسم إلى قسمين؛ قسم وضع الإسلام أحكامه وقوانينه فيه بطريقة لا تقبل التغيير أو التحوير. وقسم آخر تُكلَّف فيه مهمة تشريع القانون إلى الدولة الإسلامية التي وصلت إلى السلطة عبر التفكير الحزبي في الإسلام؛ وعلى المشرع أو الحاكم الإسلامي أن يتدبر ويحصي القانون بناءً على قاعدة الزمان والمكان مع مراعاة موقع وواقع عصره. لذلك، يطلق الشهيد الصدر على ذلك الجزء من الإسلام الذي يفتقر إلى أحكام وقوانين واضحة مصطلح منطقة الفراغ، ويعتقد أن النبي محمد صلى الله عليه وآله قد استعمل ذلك أيضاً وأصدر تشريعات بصفتِه حاكمًا للمجتمع الإسلامي (وليس من بعد النبوة). وبالطبع، يرى أن هذه التشريعات النبوية ليست دائمة ولا تُعد جزءًا ثابتًا من المدرسة الاقتصادية الإسلامية.

٥. إصلاح التيارات الحوزوية من وجهة نظر الشهيد الصدر

لقد كان يدرك جيدًا نقائص وانحرافات الفكر الحوزوي، وقام بتحليلها بدقة متناهية، وكان دائمًا يذكر الحوزويين بمسؤولياتهم في كل فرصة. كان يعتبر التغيير في الحوزة الخطوة الأولى لبناء الحضارة الإسلامية وحماية الفكر الإسلامي، والحفاظ على الأمة الإسلامية، ولهذا صمم منهجًا جديدًا في التدريس، وكتب نصوصًا تعليمية جديدة مثل: «حلقات الأصول» في ثلاثة مستويات و«المعالم الجديدة» لتعليم المستوى. كان يؤمن بأن الهدف من الاجتهاد قد ضاع في الحوزات، وضلّ الناس في أمور غير ضرورية.

كان يرى أن رسالة الاجتهاد مهجورة، وكتب رسالة توضيحية لأهداف الاجتهاد لإحيائه. وطرح سؤالًا: «إلى أين يتجه الاجتهاد في المستقبل؟» ليؤسس لأسس تحول الاجتهاد وينتقد الوضع القائم. كان يعتقد أن المسلمين لن يصبحوا أقوياء وقادرين إلا إذا طابقوا حياتهم مع نظرية الإسلام، وهذا لا يتحقق إلا بحدوث تحول في مؤسسة الاجتهاد.

كان يرى أن سيرة المعصومين عليهم السلام فُسرت وبيّنت فقط في المجال الفردي، وهذا أدى إلى ابتعاد الشيعة عن الحكم وخلق تفسير فردي وفردي التفكير باسم الإسلام.

كان يعتبر النظرة التقليدية والشائعة لمؤسسة الاجتهاد نظرة أحادية الجانب، وأن التحرك نحو رؤية الهدف الكامل للاجتهاد هو العامل في إحياء الشريعة الإسلامية، وكان يؤكد أن الإسلام لا ينقسم، بل هو مجموعة كلية وفاعلة، ويرى أن تحقيق المساواة في الحياة الفردية مرتبط بتحقيق المساواة في المجتمع؛ أي يجب أن يُنظر إلى الفرد ضمن المجتمع ورسم هندسة حياته. لا يمكن رؤية الفرد منفصلًا عن ارتباطاته المجتمعية.

وصل الشهيد الصدر إلى قناعة أن الاستعماريين وعملاءهم الخفيين يؤكدون كثيرًا على عدم جدوى النشاطات السياسية ونشر عقيدة فصل الدين عن السياسة، ويستفيدون استفادة كبيرة من الإحباط واليأس السائدين في حوزة النجف. وقد رأى الشهيد الصدر أن نتائج النظرة الأحادية للفقهاء في الاجتهاد كارثية، وعدّد عواقبها كما يلي:

  • ابتعاد الفقه عن صلب حياة الإنسان
  • تأييد نظرة أحادية للفقهاء في التشريع وتغلغل الفردية في تفسير الشريعة الإسلامية
  • تأثير سلبي على فهم نصوص الشريعة
  • ركود الاجتهاد، خاصة في مجال الحياة

كان مشروع المرجعية لديه في الحقيقة مشروع تغيير الحوزة، إذ كان يعتبر خليفة الله على الأرض، خصوصًا في عصر الغيبة، متجسدًا في المرجعية، وكان اعتقاده قائمًا على أن الشريعة لا تُحفظ إلا بتشكيل المجتمع الإسلامي؛ لأن البنية التحتية لفكره السياسي والاجتماعي تدور حول خلافة الإنسان، الذي هو الوكيل المباشر لله تعالى على الأرض. ولهذا كان يرى ضرورة الإصلاح في ثلاثة محاور:

  • إصلاح النظام الإداري في الحوزة
  • إصلاح النظام التعليمي والفكري في الحوزة
  • إصلاح النظام الثقافي في الحوزة: هذا المحور كان أكثر أهمية وحيوية من المحاور الأخرى، لأنه يشكل مصدرًا ومصدرًا للمراجع لبقية أنشطة الحوزة، أي أن الإنسان لا ينجح في الإدارة والتعليم إلا إذا كان لديه ثقافة إدارية في مجالات عمله الحوزوية (مجله حوزه، ١٣٩٧: ٣٢).

٦. الخلاصة:

يرى الشهيد الصدر أن كل القوى والقدرات الفكرية البشرية مصدرها إلهي، ومن خلال هذه القوة يمكن إحداث تغيير عظيم في العالم، وتحرير الإنسان من التيارات المنحرفة، وتوجيهه إلى عبودية الله، وهو ما يتوافق مع أهداف الأنبياء عليهم السلام[3]. فالله هو مصدر كل القوى، ولا يقبل سيطرة إنسان على آخر إلا برضاه وإرادته وسيادة رسله الذين لم يكن هدفهم سوى هداية البشر. لقد أثرت الأفكار السياسية للشهيد الصدر في إطار نظرية جوهري منطقة الفراغ تأثيرًا بالغًا على معظم التيارات في العالم الإسلامي، وكانت وستظل سببًا لهدايتهم.

وفقًا للمعتقدات الاجتماعية، الإنسان هو الذي يصنع بيئته؛ إذًا هذا الإنسان بذاته هو الذي يمكنه بفكره أن يكون نورًا يهدي الآخرين، ويكتب صحائف، ويصبح هاديًا ومرشدًا للخلق، ويحقق نفعًا اجتماعيًا عظيمًا للإنسانية. في الحقيقة، هذا الفكر النقي للإنسان المؤمن بالدين هو الذي يمكنه تشكيل لبنة حياة البشرية، ويعرف الإنسان المسافر والتيه، ويخلصه من دوامة الانحرافات والتيارات الاجتماعية، ويجعله راسخًا على عجلة الحياة.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

صدر، سید محمد باقر (١٣٧٦). اقتصادنا. مشهد: مکتب الاعلام الاسلامی.

‌——————–(١٤٢١‌). الاسلام‌ یقود الحیاه. قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید صدر.

——————–(١٤٠١). المدرسه الاسلامیه. تهران: مکتبه‌ اعتماد کاظمی.

——————–(١٣٩٩ق.). خلافه الانسان و شهاده الانبیاء. بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.

——————–(١٤٠٧‌). رسالتنا. تهران: توحید.

دکمجیان‌، هرایر‌ (١٣٧٧). جنبش‌‌های اسلامی معاصر در جهان عرب. ترجمة حمید احمدی، تهران: کیهان.

————— (١٣٥٩). لمعه فقیهه تمهیدیه عن مشرورع دستور الجمهوریه الاسلامیه فی ایران. تهران: بنیاد بعثت.

—————(١٣٩٤). اسلام راهبر‌ زندگی. ترجمة سید مهدی زندیه، قم: دارالصدر.

—————(١٣٩٤). بارقه ها. ترجمة سید امید موذنی، قم: دارالصدر.

حمدانی، طالب (١٣٩٤). نظریه سیاسی شهید صدر. ترجمة اسماء خواجه زاده، قم: کتاب فردا.

الملاط‌، شبلی‌ (١٩٩٨). تجدید الفقه الاسلامی. بیروت: دارالنهاد.

«اندیشه ماندگار١»، دبیرخانه کنگره بین المللی آیت الله العظمی صدر، قم: شهریور ١٣٧٩.

«اندیشه ماندگار٢»، مصاحبه با آیت الله سید محمد باقر حکیم، قم‌: آذر‌ ١٣٧٩.

انصاری، محمدابراهیم (١٤١٢). احیاء موات تقریرات درس شهید صدر. بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.

شفیعی مازندرانی، سید محمد حسین (١٣٨٧). درس‌‌هایی  از وصیت نامه امام خمینی. قم: دون ناشر.

صحیفه‌ نور‌. ج ١٢.

معموری، علی(١٣٧٩). نظریه سیاسی شهید صدر. قم: اشراق.

صورت ‌ ‌مشروح مذاکرات مجلس نهایی قانون اساسی جمهوری اسلامی ایران. تهران: اداره کل امور فرهنگی و روابط عمومی مجلس شورای‌ اسلامی‌، الطبعة الأولى، ١٣٦٤؛ ج ١، ٢ و ٣.

ورعی‌، جواد‌(١٣٩٣‌). «حق انتخاب و تعیین سرنوشت در القرآن الكريم »، أعمال المؤتمر بین المللی حقوق عمومی در القرآن الكريم، دانشگاه شهید بهشتی و معاونت‌ حقوقی‌ ریاست‌ جمهوری، تهران: نهاد ریاست جمهوری.

 

 

[1]سورة البقرة، الآية الكريمة ٢٣: «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين»؛ «وإن كان لديكم شك في القرآن الذي أنزلناه على عبدنا (محمد صلى الله عليه وآله وسلم)، فأتوا بسورة مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين.»

[2]العقل السليم يعني الحكم بالعقل والحكم بالشرع.

[3]وفقاً لرأي الشهيد صدر، هو نفسه شهادة الأنبياء.