الدين والتربية: دراسة في دور الإسلام في تشكيل نظام التربية الإسلامية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: دین و تربیت ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: في هذا المقال، تُدرس علاقة الدين والتربية من منظور الإسلام ودورهما في تشكيل نظام التربية الإسلامية. وبالنظر إلى أهمية إسلامية التعليم والتربية والثقافة العامة، يسعى هذا البحث إلى معالجة السؤال الأساسي حول مدى تغطية الدين الإسلامي لاحتياجات الإنسان التربوية، وما هو النصيب الذي تركه للعقل والتجربة البشرية. يقدم المؤلف تعريفًا دقيقًا للدين (مبنيًا على القرآن والسنة) وللتربية (مع التركيز على عناصر المنهج، الهدف، المربي والمتربي)، ويقيّم نطاق الدين في مجال التربية من منظورين «داخلي ديني» و«خارجي ديني». يستند هذا المقال إلى الآيات والروايات، ويؤكد على مكانة التعليم والتزكية في الشريعة، ويطرح مسألة منهجية تمهد الطريق لأبحاث كبرى لتوضيح آلية التنفيذ وفلسفة التربية الإسلامية.

المؤلف: محمود نوزری

المصدر: روش‌شناسی علوم انسانی، ربيع وصيف 1377، العدد 14 و15، ص 34 إلى 45.

العلاقة بين الدين ومجالات المعرفة البشرية المختلفة مثل الاقتصاد، القانون، علم النفس، علم الاجتماع، الأخلاق وخاصة السياسة كانت من المواضيع المهمة والبارزة في الأوساط العلمية والصحفية في البلاد خلال العقدين الأخيرين، وهي معروفة إلى حد ما للقراء رغم أنها لم تصل إلى المستوى المطلوب.

ما حظي باهتمام جاد من الباحثين حتى الآن هو علاقة الدين بالتربية[1]. ويمكن الإشارة إلى النقاط التالية كأسباب لذلك:

النقطة الأولى تتعلق بكيفية بيان القرآن والروايات بشأن التربية. فالقرآن يعلن بكل وضوح رسالته في تقديم برنامج لهداية البشر[2]، ورسالة النبي (ص) هي تلاوة القرآن وتعليم الكتاب وتزكية الناس[3]، ومن ثم لا يترك في النظرة الأولى مجالًا لطرح سؤال هل قدم الدين برنامجًا لتربية الإنسان، وما هي الاحتياجات التي يلبيها هذا البرنامج في مجال التربية؟

النقطة الثانية هي عدم وجود دافع للنقاش حول علاقة الدين بالتربية مقارنةً بمواضيع مثل الدين والسياسة والدين والاقتصاد. فالمواضيع السياسية والاقتصادية تجذب جمهورًا واسعًا بسبب خصائصها الخاصة وخصائص المجتمع الحالي، ومن الطبيعي أن يتناول أصحاب الفكر الذين لديهم حساسية تجاه الحاكمية هذه القضايا أكثر.

النقطة الثالثة تتعلق بطبيعة علم التربية. فالباحثون يعتبرون عادةً أن العلوم مثل علم النفس والاقتصاد وعلم الاجتماع علوم تجريبية، ثم يبحثون العلاقة بين الدين وهذه العلوم، بينما لا يوجد افتراض مماثل بشأن تجريبية علم التربية، ولا يزال هناك شك جدي في تجريبيته.

على أي حال، بالنسبة للعاملين في مجال التربية في البلاد، فإن الأسئلة التي تُطرح عند اتخاذ القرارات حول القضايا التربوية وتنفيذ البرامج التربوية هي نفسها التي تُطرح لدى السياسيين والاقتصاديين حول علاقة الدين بالسياسة والدين بالاقتصاد. وعندما يُطرح موضوع إسلامية الجامعات أو التعليم والتربية أو الثقافة العامة للمجتمع، يجب تحديد نظام التربية الإسلامية وكيفية تأثيره على التخطيط التربوي على المستويين الصغير والكبير، والنظام الإداري والبنية التنفيذية، حتى يتمكن صانعو السياسات والمخططون والمنفذون من تصميم وتنفيذ السياسات والبرامج المناسبة لذلك.

ومع ذلك، نُشير هنا إلى أن الكاتب لا يدعي تقديم إجابة نهائية أو حتى مقنعة، خاصة مع قلة الإمكانيات العلمية، وما سيُطرح هنا هو مجرد طرح للمسألة وتوفير أرضية للتأمل والبحث أكثر لأولئك الذين يسعون إلى إسلامية الجامعات والتعليم والتربية.

في دراسة علاقة «الدين والتربية» هناك أمر مسلم به وهو أن التربية والتربوي جزء من الدين. فمعنى العديد من الآيات والروايات الصريحة، وكيفية تصرف النبي (ص) مع الناس وحتى كيفية نزول القرآن الذي كان مصحوبًا باعتبارات تربوية، يثبت هذا الأمر. وما يُسأل عنه ويمكن أن يكون موضوع بحث هو: ما هي نسبة ما ورد في الدين إلى مجموع الاحتياجات الموجودة في مجال التربية؟ هل يغطي الدين جميع الاحتياجات الموجودة في مجال التربية، أم أنه تولى جزءًا منها وترك جزءًا للعقل والتجربة البشرية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة هذا الجزء، وما نوع الاحتياجات التربوية التي يلبيها؟ قبل الدخول في جوهر النقاش والإجابة على الأسئلة المطروحة، سيكون من المفيد توضيح مفهوم الدين، والتربية، والاحتياجات الموجودة في مجال التربية.

الدين

المقصود بالدين هنا هو دين الإسلام وليس الدين المطلق أو أي نوع من المعارف التي لها مصدر إلهي أو شهودي. فدين الإسلام هو ما أرسله الله تعالى بواسطة النبي محمد (ص) لهداية البشر، ومجموع أقوال وأفعال وتقريرات النبي (ص) والأئمة عليهم السلام، والتي تُعتبر جزءًا من الدين بحكم حديث الثقلين.

التربية

لقد بذل أصحاب الرأي جهدًا كبيرًا في تعريف التربية، وقد قدموا حتى الآن مئات التعريفات، ويمكن تقسيم هذه التعريفات من وجهة نظر واحدة إلى فئتين. فالفئة الأولى تبدأ بدراسة الجذر اللغوي للتربية وتطور مفهومها، ثم بناءً على رؤيتهم الخاصة للإنسان والعالم والمجتمع والمعرفة يستخلصون مفهومهم الخاص للتربية. وقد اتبع الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الاجتماع الذين سعوا لتعريف التربية، وكذلك معظم العلماء والفلاسفة التربويين هذا المنهج.

الفئة الثانية من التعريفات هي التي قدمها أصحاب الرأي مع الأخذ في الاعتبار الحقائق المتطابقة مع هذا المفهوم، حيث قاموا بتحليل العناصر المشاركة في الفعل التربوي وأنواع العلاقات التي تربط هذه العناصر ببعضها البعض، ثم قدموا تعريفهم المطلوب دون أن يأخذ قالب رؤية خاصة، وفي الوقت نفسه يمكن لأي رؤية أن تضفي عليه محتوى. ربما يكون أفضل تعريف من هذا النوع هو الذي قدمه غاستون ميالار. «الفعل التربوي هو فعل يُمارس على فرد أو مجموعة من الأفراد، أو هو فعل يقبله الفرد أو المجموعة ويسعون إليه حتى يؤدي إلى تغيير عميق بحيث تنشأ قوى حية جديدة في الأفراد، ويصبح هؤلاء الأفراد أنفسهم عناصر فاعلة في هذا الفعل الذي يُمارس عليهم.»[4]

العلاقة بين الدين والتربية

يجب الآن أن نحدد أي تعريف من التعريفات نُقارن به الدين هنا. بما أن غرضنا هنا هو دراسة العلاقة بين الدين وكل من المكونات والعناصر والعلاقات الموجودة في الفعل التربوي بشكل منفصل أو في إطار برنامج ونظام، فلن نقارن الدين مع الفئة الأولى من التعريفات التي تكون عادة تعريفًا لهدف التربية. أما بالنسبة للفئة الثانية التي سأقارن الدين بها هنا، كما ذُكر، فإن أفضل تعريف هو الذي قدمه غاستون ميالار. وبناءً على هذا التعريف، يمكن عد العناصر والمكونات والعلاقات التالية في التربية:

1. الطريقة التربوية: وهي الفعل الذي يقوم به المربي لتحقيق هدف التربية.

2. الهدف التربوي: وهو التغيير الذي يُراد إحداثه في المتربي.

3. المربي: هو الشخص الذي يسعى لإحداث التغيير في المتربي.

4. المتربي: هو الشخص الذي يُمارس عليه الفعل التربوي.

بالإضافة إلى الأمور الأربعة السابقة التي تُستخلص صراحة من التعريف، تظهر احتياجات أخرى مثل تحديد المحتوى والبرنامج الدراسي ومراحل التربية ضمن الفعل التربوي، والتي لم يُشر إليها في التعريف.

قبل الدخول في جوهر النقاش ودراسة العلاقة بين الدين وكل من المكونات والعناصر المشاركة في الفعل التربوي بشكل منفصل أو في إطار برنامج ونظام تربوي، يبدو من الضروري الإشارة إلى طرق تحديد هذه العناصر وتقديمها في إطار برنامج ونظام تربوي، وأنواع البرامج والأنظمة التربوية، وكذلك مفهوم البرنامج التربوي المنهجي.

تحديد هذه العناصر وتقديمها في إطار برنامج ونظام تربوي قد تم في المعارف التربوية بطريقتين:

1. الطريقة التحليلية: المقصود بالطريقة التحليلية هو أن العالم أو الفيلسوف التربوي، بناءً على وجهات نظره حول طبيعة الوجود، الإنسان، المجتمع، المعرفة والقيم (تحليل محتوى المدرسة)، يحدد الاحتياجات التربوية. من خصائص البرنامج التربوي الذي يُعد بهذه الطريقة أنه لا يختص بزمن أو مكان أو مجتمع معين، ولهذا يتمتع بنوع من العمومية. كمثال يمكن ذكر البرامج والنظريات التربوية التي تُستخلص باستخدام تحليل محتوى مدرسة الواقعية أو المثالية أو البراغماتية، وكذلك المدارس التربوية التي يذكرها نلر[5] في الفصل الثالث والرابع والخامس من كتاب التعرف على فلسفة التعليم والتربية.

ومن الجدير بالذكر أن مجموعة الأفكار المنظمة حول التربية التي تكون ثمرة الطريقة التجريبية لم تُعد بعد[6]، وما يُطرح كنظريات منظمة حول التربية هو نتاج الطريقة التحليلية.

2. الطريقة الثانية هي أن العالم التربوي، بالإضافة إلى اهتمامه بوجهات النظر الوجودية، يولي اهتمامًا للظروف المادية والاحتياجات والظروف الموضوعية لمجتمعه، ويقدم برنامجًا تربويًا دقيقًا ومفصلًا لتحقيق الأهداف.

في إعداد هذه البرامج، يحدد العالم التربوي البرامج التعليمية، نظام الإدارة وتسلسل الوظائف والمسؤوليات، المباني والمنشآت الفيزيائية، الميزانية وطرق التقييم بناءً على السياسات والأولويات المحددة. ويتم التخطيط وتحديد هذه الأمور أحيانًا لدولة أو عدة دول، وأحيانًا لمستوى محدود مثل محافظة أو مدينة أو حتى مدرسة ابتدائية. اليوم، تمتلك جميع الدول برامج وأنظمة تربوية بهذا المعنى، وعندما يُناقش تصميم الأنظمة التربوية، يكون المقصود بهذا المعنى.

يمكن تقسيم البرامج والنظريات التربوية، بالإضافة إلى التقسيم السابق (أي التقسيم إلى برامج مخصصة لمجتمع معين وغير مخصصة لمجتمع معين)، إلى برامج ونظريات منهجية أو غير منهجية. المقصود بالبرامج المنهجية هي البرامج التي، مع مراعاة الهدف المحدد، تتوفر فيها الشروط[7] التالية:

1. جميع المكونات والعناصر وأنواع العلاقات بين المكونات والعناصر تؤخذ بعين الاعتبار.

2. المكونات والعناصر تتمتع بنوع من التماسك والتنسيق. والمقصود بالتماسك هو عدم التناقض والتعارض بين المكونات.

3. مجموعة العناصر ومجموعة العلاقات بين العناصر يتم وصفها وتفسيرها بواسطة نظرية.

الأنظمة المعيارية، ومنها النظام التربوي، بالإضافة إلى الشروط العامة السابقة التي يجب أن تتوفر في أي نظام، يجب أن تتوفر فيها أربعة شروط أخرى، الشرطان الأولان منهما من شروط تقويم النظام، والشرطان الآخران من شروط النظام المعياري المرغوب فيه. الشرط الأول هو أنه في الممارسة العملية، عندما يحتار المكلف بين أداء أمرين أو أكثر، يساعده النظام على تحديد واجبه. على سبيل المثال، في نظام أخلاقي يُقال إن الصدق جيد والكذب سيء، لكن المكلف في الممارسة العملية يشك في الصدق بسبب خاصية معينة مثل أن الصدق يؤدي إلى القتل. هنا، واجب النظام الأخلاقي هو أن يحدد معيارًا لحل هذا الشك.

الشرط الثاني هو القدرة على مواجهة المسائل المستجدة، فالنظام القانوني إلى جانب بيان المسائل التي طرأت حتى الآن يجب أن يحتوي على حلول للتعامل مع الحالات الجديدة داخله.

الشرط الثالث هو أن تكون الأهداف والمطلوبات محسوسة وملموسة للمخاطب.

الشرط الرابع هو أن يستطيع النظام أن يثبت تفوقه على الأنظمة الأخرى من جهة أو أكثر.

بالنظر إلى ما سبق من مطالب حول البرامج والأنظمة التربوية، يمكن طرح أسئلة البحث بشكل أوضح كما يلي:

1 هل قدم الدين مجموعة من المبادئ والأساليب المنهجية التي تُستخلص بطريقة تحليلية وفي الوقت نفسه لا تقتصر على مجتمع معين؟ بمعنى آخر، هل يتضمن الدين برنامجًا منهجيًا خالدًا للتزكية الذاتية وتزكية الآخرين على مستوى المجتمع والأسرة والمؤسسة التعليمية؟

2 هل قدم الدين برنامجًا منهجيًا في مجال التربية يراعي مسائل واحتياجات مجتمع معين؟ وإذا لم يقدم الدين مثل هذا البرنامج بسبب خلوده، فهل يعني ذلك أن هذا البرنامج لا يُنسب إلى الصفة الدينية؟ وما هي العلاقة والنسبة بين النظام التربوي الديني الخالد والبرنامج التربوي المنهجي الخاص بمجتمع معين؟ وكيف يمكن حقن النظام التربوي الديني في هيكل برنامج تربوي خاص ليكتسب الصفة الدينية؟

3 هل صمم الدين هيكلًا إداريًا وتنفيذيًا منهجيًا خاصًا لتنفيذ برامجه؟ وإذا لم يكن كذلك، فهل يقبل الدين أي نوع من الهياكل التنفيذية والإدارية لتنفيذ برامجه، أم يجري تعديلات عليها ويُنشئ هيكلًا تنفيذيًا خاصًا؟

الدين والنظام التربوي

كما أُشير، لم يكن إثبات أو نفي تقديم نظام تربوي بواسطة الدين والإجابة على الأسئلة السابقة موضوعًا مستقلاً ومفصلًا لدى أصحاب الرأي، ولذلك لم تُقدم حجة مستقلة تؤيد أو ترفض ذلك.

ما يمكن الاستعانة به كمقدمة ومدخل لهذا الموضوع هو النقاشات والحجج التي أُجريت حول حدود مجال الدين وإثبات أو نفي التنظيم بواسطة الدين بشكل عام أو في مجالات خاصة أخرى.

عادةً يبدأ المفكرون النقاش بتحديد مجال الدين بإحدى الطريقتين: الداخلية أو الخارجية أو كلاهما، ثم يحددون بناءً على الرأي المعتمد ما هي الاحتياجات التي يلبيها الدين وبأي نموذج يمكن استكشاف ذلك من الدين.

ونحن هنا أيضًا، من خلال تحديد حدود مجال الدين وتحديد نوع توقعنا من الدين من منظورين داخلي وخارجي، نجيب على الأسئلة المطروحة حول علاقة الدين بالتربية والنظام التربوي.

1 تحديد مجال الدين بالطريقة الداخلية: المقصود بالطريقة الداخلية هو تحديد مهام الدين في تلبية الاحتياجات التربوية أو غير التربوية بالرجوع إلى الآيات والأحاديث التي تبيّن مهام الدين.

في هذا الصدد، هناك العديد من الآيات والأحاديث التي يمكن تقسيمها إلى فئتين: الفئة الأولى هي الآيات والأحاديث التي تثبت مجالًا واسعًا للدين وتدل على أن القرآن لم يُغفل شيئًا وأن بيان كل شيء وارد في القرآن والسنة. مثل الآيتين «تبينا لِكل شي‌ء»[8] و«تفصيل كلّ شي‌ء»[9] اللتين تدلان على أن القرآن يوضح كل شيء، ولا يوجد أمر فردي أو اجتماعي أو علمي إلا وقد بيّنه القرآن.

ومع ذلك، يُفسر التوضيح القرآني لكل شيء بأن جزءًا منه وارد في القرآن نفسه وجزءًا آخر بيّنه النبي (ص) والأئمة عليهم السلام. يمكن الاستدلال على ذلك من الآية «لتبين للناس ما نزل عليهم»[10] التي تُبيّن مهمة النبي (ص) في توضيح القرآن، ومن الحديثين التاليين: «هل كل شيء موجود في الكتاب والسنة النبوية أم يظنون ذلك؟ قيل: ليس ظنًا، كل شيء موجود في الكتاب والسنة النبوية»[11] و«أنا أعلم بما في السماء والأرض والماضي والمستقبل، وما أعلمه أخذته من القرآن، لأن القرآن يقول: تبينا لكل شي»[12].

الفئة الثانية هي الآيات والأحاديث التي تُعرّف القرآن بأنه كتاب هداية وتوضح هدف نزوله، مثل آيات البقرة / 2 والمائدة 15 و16.

يقول العلامة طباطبائي (ره) بعد ذكر اختلاف اللغويين والمفسرين في معنى الهداية: «الهداية تعني إظهار الغاية والطريق إلى الغاية، وليست إيصال المطلوب»[13]. لذلك، عندما يُقال إن القرآن هداية للمتقين أو يهدِي الإنسان إلى النور والصراط المستقيم، المقصود هو أن القرآن يبين الغايات وطرق الوصول إليها.

يمكن القول إن الفئة الأولى التي تعتبر القرآن بيانًا لكل شيء، والفئة الثانية التي تعرف القرآن بأنه كتاب هداية، تجمع بينهما بحيث تشير الفئة الأولى إلى كمية المسائل الواردة في القرآن، والفئة الثانية إلى محتوى الكتاب. كأن يُقال إن هذا الكتاب عن علم الفيزياء، ثم يُقال إنه يبيّن كل شيء، فالمعنى أن هذا الكتاب شامل وكامل في علم الفيزياء. وبعبارة أصولية، الفئة الأولى عامة والفئة الثانية خاصة، وعمومية الكل في «تبينا لكل شي» تقتصر على مسائل هداية الإنسان. لذلك، الجمع بين الفئتين هو القول بأن القرآن في مجال هداية الإنسان يبيّن كل شيء.

الآيات التي تبيّن واجبات النبي(ص) تجاه الناس لا تثبت شيئًا أكثر من تلاوة الكتاب وتزكية وتعليم الكتاب والحكمة بهدف إخراجهم من الضلالة.[14] لكن السؤال المهم الذي يُطرح هنا هو: هل بيّن القرآن كل شيء في مجال المسائل المتعلقة بهداية الإنسان أم لا؟

الغالب من أصحاب الرأي الذين تناولوا هذا الموضوع، بسبب إدراكهم لنتائج القول بجامعية الدين في كل العلوم وفي كل المسائل الفردية والاجتماعية، وأيضًا الآيات التي تُعرّف القرآن بأنه كتاب هداية، قد قيدوا جامع القرآن بمسائل الهداية فقط، لكنهم أدركوا لاحقًا أن القرآن حتى في هذا النطاق لم يذكر العديد من المسائل الضرورية. فمثلاً، الفخر الرازي تحت آية «تبينا لكل شيء» وفي تبريره لعدم ذكر العديد من فروع الأحكام في القرآن مع أن القرآن يدعي الجامعية، يلجأ إلى براءة الذمة ويقول إن الأصل في كل ما لم يُذكر في القرآن هو براءة الذمة. وذكر بعض المفسرين الآخرين عدم بيان بعض المسائل الكلامية المهمة أو بيانها بشكل غير واضح في مسائل مثل الجبر والاختيار والقضاء والقدر.

صاحب الميزان في تفسيره للآية 89 من سورة النحل، في شرح تبيان القرآن لكل شيء، يرى أن بيان القرآن في مسائل الهداية يكون ضروريًا حيث يحتاج الناس إليها، وإذا كانت المسألة متعلقة بالهداية وكان الناس قادرين على إدراكها بعقولهم، فلا ضرورة لبيانها في القرآن.

الأمر الذي يصعب فهمه إلى حد ما هو أن القرآن يناقش أحيانًا مسائل مثل الطلاق أو خلافات الزوجين وأمور عقلانية أخرى، لكنه يكتفي في العديد من المسائل ضمن نطاق الهداية بذكر الكليات أو ببيان إيحائي أو لا يذكرها إطلاقًا.

لذا، ما يمكن الجزم به هو أن القرآن قد بيّن كل ما يلزم بيانه في نطاق هداية الإنسان، والذي لا يمكن معرفته إلا من طريق الوحي، أما المسائل الأخرى فقد بيّن بعضها وترك بعضها للإنسان ليكتشفها بعقله وجهده.

بالطبع، هناك من لا يستندون إلى الآيات والأحاديث، بل يستندون إلى سيرة النبي(ص) في تشكيل الحكم وإدارة الشؤون الاقتصادية والتربوية والسياسية، فيعتقدون أن الدين يجب أن يقدم نظامًا خاصًا في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية، كما أن النبي(ص) وفقًا للظروف المكانية والزمانية في ذلك الوقت، وكذلك المبادئ والأسس الدينية، نظم نظامًا لإدارة الشؤون الاجتماعية للمجتمع الإسلامي آنذاك. سأوضح هذا الدليل ومراد الذين استندوا إليه لإثبات نظامية الدين.

بعد توضيح وجهة نظري حول نطاق الدين، يحين دور دراسة علاقة الدين بكل من المكونات والعناصر الموجودة في العمل التربوي والبرامج والأنظمة التربوية، ولكن بما أن هذه الدراسة والتقييم ستتم أيضًا بعد تحديد نطاق الدين من منظور خارجي، ومن المحتمل أن تتكرر بعض النقاشات، فسأؤجل النقاش إلى ما بعد تحديد نطاق الدين من منظور خارجي.

2 تحديد نطاق الدين بالطريقة الخارجية:

المقصود بالطريقة الخارجية هو تحديد نطاق الدين من خلال التقييم العقلي والحكم العقلي، وليس بالرجوع إلى النصوص الدينية. يتم التقييم والحكم العقلي مع مراعاة الاحتياجات المتنوعة والمتعددة للإنسان وتحليلها. يحدد العقل نطاق الدين بتحديد أنواع الاحتياجات والاحتياجات التي يعجز العقل والحس عن فهمها. في هذا المجال، قُدمت نظريات مختلفة، ويمكن تقسيمها بشكل عام إلى فئتين: أقلية وأغلبية. مع شرح موجز ونقد ومراجعة بعض النظريات التي بعضها أغلبية وبعضها أقلية، سأوضح وجهة نظري في هذا الشأن.

نظرية الشهيد صدر والشهيد مطهري: قسم الشهيد صدر احتياجات الإنسان إلى احتياجات يعجز العقل عن تنظيمها واحتياجات يستطيع العقل تنظيمها، وذكر الاحتياجات والمسائل التالية كمسائل يعجز العقل عن تنظيمها:

«1. الإنسان غير قادر على حل تعارض مصالحه الشخصية مع مصالح المجتمع. 2. الإنسان لا يدرك كل مواهبه التي قد تؤدي إلى هلاكه، وإذا تُرك لنفسه يغرق في بئر شهواته الحيوانية. 3. الإنسان عاجز عن تمييز النظام الاجتماعي الأصلح، وإذا أدركه فهو عاجز عن تطبيقه.

وقد حدد الشهيد صدر للدين الوظائف التالية بناءً على هذه الأمور: 1. الدين كنظام، كدليل موثوق وواعٍ، يوجه الإنسان نحو الكمال المطلق والعالم المعنوي. 2. الدين يعرّفنا بالنظام الاجتماعي الأصلح ويساعدنا في تطبيقه. 3. يجب على الدين أن يحدد الحاكم ونمط الحكم بناءً على الأسس الدينية.»[15]

وبناءً على هذه المعتقدات، يسعى الشهيد صدر إلى شرح النظام الاقتصادي الديني. ويرى أن النظام الاقتصادي يتكون من ركنين أساسيين: 1. المبادئ الثابتة للنظام التي تُستمد من النصوص أو بالرجوع إلى الأحكام الفقهية واكتشاف أسسها. 2. منطقة الفراغ: أي المكان الذي لا يوجد فيه حكم من الشارع، حيث يحدد الحاكم الإسلامي الحكم بناءً على المبادئ الثابتة والظروف الزمانية والمكانية. نتيجة هذا الرأي هو بيان الطرق العامة لحل المسائل الاقتصادية، وهي طرق ترتبط بالعدالة الاجتماعية وتضمن تحقيقها.[16]

النتيجة أن الشهيد صدر في مقام الاستدلال يثبت حضور الدين الجاد والشامل في ميادين الحياة الاجتماعية المختلفة، لكنه في مقام بيان ما يشمله الدين في مجال الاقتصاد يكتفي بذكر التوجهات العامة التي يستمد بعضها من النصوص الدينية والبعض الآخر من المبادئ الثابتة للدين مع مراعاة الزمان والمكان.

أما الشهيد مطهري، فبعد تحليل حاجات الإنسان، يرى أن «هناك سلسلة من الحقائق وطرق يحتاجها الإنسان، لا توجهه إليها الغريزة ولا يمكن للحس والعقل أن يرشده إليها، هنا يأتي الوحي لمساعدة الإنسان وإرشاده.»[17] ومن وجهة نظره، الدين هو متمم ومكمل للعقل والحس والغريزة؛ أي أن حدود الدين تبدأ حيث يعجز العقل والحس والغريزة عن الإرشاد. ويذكر مسألتين محددتين باعتبارهما من مسائل اختصاص الدين: الأولى هي تعريف المصالح الاجتماعية، والثانية هي تعريف الأمور التي تساعد الإنسان على بلوغ السعادة الروحية والكمالات الإنسانية «الأنبياء جاءوا من أجل أمرين: إرشاده إلى المصالح الاجتماعية، ومنحه قوة تُسمى “الإيمان” التي بموجبها ينفذ تلك المصالح الاجتماعية.»[18] يحاول الشهيد مطهري في تفريق مجال الدين عن مجال الحس والعقل تقسيم حاجات الإنسان إلى حاجات ثابتة وحاجات متغيرة تتبع ظروف الزمان والمكان، ثم يوضح أن مهمة الدين هي بيان الحاجات الثابتة وغير المتغيرة «من خصائص الدين الإسلامي أنه يركز دائماً على الحاجات الإنسانية الثابتة، أما الحاجات المتغيرة فقد جعلها تابعة للحاجات الثابتة.»[19] ويرفض الشهيد مطهري القول بأن الدين الإسلامي، لكونه جامعاً، يجب أن يحدد موقفاً معيناً في التفاصيل، ويقول «في الواقع، جامعيت الدين تقتضي أن لا يكون له تعليمات في كثير من الأمور، وليس أن لا يكون له أي تعليمات، بل تعليمه هو أن يكون الناس أحراراً.»[20]

لذلك، يرى الشهيد مطهري أن مهمة الدين هي بيان المسائل الفردية والاجتماعية ضمن نطاق الحاجات الثابتة للبشر، في الجزء الذي لا يستطيع فيه العقل والحس والغريزة إرشاد الإنسان.

ما يوضح وجهة نظر الشهيد مطهري أكثر هو جهده لاكتشاف النظام الاقتصادي للإسلام. ففي كتابه “نظرة إلى النظام الاقتصادي الإسلامي” يحاول أن يظهر طرق الاقتصاد الإسلامي في نظرة مقارنة مع الرأسمالية والماركسية. والطرق التي يذكرها في الفصل الأخير من الكتاب تحت عنوان “طرق الاقتصاد الإسلامي” ليست سوى الطرق العامة لحل المسائل الاقتصادية الإسلامية التي ذكرها الشهيد صدر، والتي تتوافق مع مبناه.

من بين النظريات المطروحة في السنوات الأخيرة، سأذكر نظريتين؛ إحداهما تميل إلى الإفراط والأخرى إلى التفريط. والفرق بين هاتين النظريتين ونظرية الشهيد مطهري والشهيد صدر هو أن أبعاد وجوانب المسألة أصبحت أكثر وضوحاً لهما، وهي بالضبط تتعلق بالأسئلة التي طرحناها في بداية النقاش.

نظرية السيد سروش: يرى سروش، مثل الشهيد مطهري، أن الله لم يرسل الدين لتعطيل عقول البشر، بل ليكمل ويعوض نقص العقل والحس. ويذكر مسألتين باعتبارهما من مسائل اختصاص الدين: الأولى هي المسائل التي يتجاوز فهمها التجربة البشرية، مثل مسألة المعاد والعالم بعد الموت، التي لو لم يخبر بها الأنبياء لما استطاعت التجربة البشرية إدراكها.

والثانية هي المسائل التي يؤدي اختبارها وفهمها إلى هلاك المختبر. أما خارج هاتين المسألتين، التي هي في الواقع مسائل تتعلق بالسعادة الأخروية، فإن تدبير الحياة البشرية يُترك للعقل البشري. والمقصود بالعقل البشري هو التجربة التاريخية والحالية للبشر.[21] وبناءً على هذا الأساس، يرى أنه كيف يجب تشكيل الحكومة، وكيف يجب أن تُدار، وكيفية التعامل مع المشاكل والفساد الاجتماعي، وكيفية ضبط السلطة السياسية في المجتمع الديني، وكيفية تحقيق العدالة الاجتماعية، كلها أسئلة لا تتعلق بالشرع والدين. ويجب أن تُستمد طرقها ونظمها من الفكر والتجربة البشرية، وباستخدام العقل الساعي إلى المنفعة، وأن يُؤسس نظام عقلاني يعتمد على القدرات والحضور المستمر للشعب.[22]

نظرية آية الله جوادي آملي: هذه النظرية تمثل نظرية قصوى في مجال الدين. فهي تثبت للدين مجالاً واسعاً جداً. فمن جهة، يلبي الدين جميع الحاجات الثابتة والمتغيرة للفرد والمجتمع، ومن جهة أخرى يتولى تفسير وبيان جميع العلوم، سواء كانت فلسفية أو تجريبية طبيعية أو تجريبية إنسانية.

ويستند لإثبات نظريته إلى برهان ابن سينا في “الشفاء” والتوضيح التكميلي للمحقق الطوسي في هذا الشأن. وملخص البرهان، حسب تعبير صاحب النظرية، هو: «الإنسان لا يستطيع، مثل باقي الحيوانات، أن يستغل الطبيعة مباشرة. فهو يحتاج للحد الأدنى من المعيشة من طعام ولباس ومسكن تُعدّ عبر التصرف والتدخل في الطبيعة، وكل هذا لا يتأتى إلا بالتعاون والتنسيق مع الآخرين، وهذا التعاون والتنسيق يحتاج إلى تنفيذ قوانين معينة ومحددة، وهذه القوانين لكي تضمن الحياة الاجتماعية يجب أن تستند إلى الوعي بالمصالح العامة، وأن تكون خالية من الأهواء التي تسعى وراء المصالح الشخصية والجماعية… والقانون المعصوم من الخطأ، المحصن من الهوى، لا يمكن أن يصدر إلا عن إنسان معصوم يعتمد على الوحي الإلهي من ذات الله القدوس.»[23]

يقول تحقيق الطوسي: إذا ما وضعنا الآخرة فوق الدنيا وأخذنا الحياة الدنيوية والآخروية معًا في الاعتبار، فإن برهان ابن سينا يكون كاملاً، وإلا فلا حاجة لتنظيم الحياة الدنيوية بقانون معصوم من الخطأ ومحفوظ من الهوى يُستمد عبر الوحي. والدليل على ذلك هو قدرات الأمم غير المسلمة في تنظيم حياتها الدنيوية.

صاحب النظرية حول كيفية تلبية الاحتياجات المختلفة بواسطة الدين، مع أن كثيرًا منها لم يُذكر في الدين، يقترح طريقين. الطريق الأول هو استخدام المنهج الاجتهادي والقول بتنفيذ الحديث «علينا إلقاء الأصول وعليكم بالتفريع» في جميع العلوم.[24] والطريق الثاني هو إثبات حجية شرعية للأحكام العقلية.

النتيجة: نعتقد أنه عند دراسة المسألة من منظور خارجي للدين نصل إلى نفس النتيجة التي توصلنا إليها من منظور داخلي للدين، وهي أن بيان جميع الاحتياجات لم يرد في الدين، ولا يمكن تلبية كل الاحتياجات بالرجوع إلى النصوص الدينية. ولإثبات هذا الادعاء، بدا من الضروري في البداية تقديم تقرير دقيق لموضع النزاع بين النظريات المختلفة. النظريات التي تم عرضها حتى الآن تتفق على أن الدين متمم ومكمل للعقل، وأن مهمة الدين هي بيان المسائل التي لا يستطيع الإنسان إدراكها بالعقل أو الحواس، أو إذا أدركها لا يستطيع إظهار طرق الوصول إليها. بعبارة أخرى، لا يوجد نزاع كلي بين النظريات المختلفة، وهذه القضية العامة (كل حاجة لا يستطيع العقل تلبيتها تقع على عاتق الدين) مقبولة لديهم.

كما أنه لا يوجد نزاع في الصغرى الاستدلالية في بعض الحالات. فجميع النظريات تؤمن بأن مسائل مثل مسألة المعاد وطرق الوصول إلى السعادة الآخرة وبعض المصالح الاجتماعية لا تُدرك بالحس والعقل، ومن ثم فإن بيانها من مهام الدين.

الاختلاف بين النظريات يكمن في إثبات نطاق أوسع للدين مما ذُكر آنفًا، فمثلاً شهيد صدر يقدم نظامًا اجتماعيًا أصلح، وآية الله جوادي آملي يعتبر بالإضافة إلى ذلك أن بيان جميع العلوم التجريبية الإنسانية والطبيعية من مهام الدين.

للحكم على هذه الادعاءات يجب التمييز بين مقام الاستدلال ومقام الاستكشاف.

في مقام الاستكشاف لا يُلاحظ فرق كبير بين النظريات القليلة والكثيرة، لأن النظريات الكثيرة في مقام استكشاف النظام الديني أو الادعاءات الأخرى تواجه مشكلة أن كثيرًا من الادعاءات لا توجد صراحة أو ضمنًا في النصوص الدينية، ولهذا السبب بعضهم يؤمن بمنطقة الفراغ، وبعضهم يعتقد بتنفيذ الحديث «علينا إلقاء الأصول وعليكم بالتفريع»، وبعضهم يؤمن بحجية شرعية للأحكام العقلية وكونها دينية، والمفهوم الدقيق لذلك هو تفويض حل بعض المسائل الاجتماعية والدنيوية للعقل البشري.

في مقام الاستدلال، لا برهان ابن سينا ولا بيان شهيد صدر يدل على هذا الادعاء. أن الدنيا مزرعة الآخرة (الدنيا مزرعة الآخرة) وأن السعادة الآخرة تُنال من خلال الحياة الدنيوية، وأن الإنسان لا يعلم بكل المهالك التي تحيط به أو يعجز عن الجمع بين المصالح الشخصية والاجتماعية، كل ما يثبته هذا هو أن الدين يجب أن يوضح بعض المصالح الفردية والاجتماعية التي تؤثر في الحياة الآخرة.

إذا قيل، كما ادعوا، أنه لا يوجد عمل خالٍ من أحد الأحكام الشرعية (الوجوب، الحرمة، الكراهة، الاستحباب، الإباحة)، ومن ثم فإن مهمة الدين تحديد ذلك، فإن التمييز بين مفهوم التخطيط لتحسين الوضع الفردي والاجتماعي ومفهوم عدم خلو أفعال الإنسان من حكم شرعي يوضح المسألة. فعدم خلو أفعال الإنسان من حكم شرعي لا يعني أن الدين يعطينا برنامجًا وحلًا لتلبية كل الاحتياجات والمسائل والمشكلات التي تواجه مجتمعنا اليوم، بل يعني أنه بعد تقديم الحل والبرنامج، وبما أن التنفيذ يتم بواسطة الإنسان وهو فعل من أفعال الإنسان، يمكن للدين أن يصدر حكمًا بالجواز أو عدم الجواز. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الادعاءات، كما أشار بعض المفكرين، تتعارض مع خلود الدين وأن الله أرسل الدين لإزدهار عقل الإنسان لا لتعطيله.

حتى الآن تم نفي توقع تلبية كل الاحتياجات بواسطة الدين، لكن لم يُحدد بدقة الاحتياجات التي يلبيها الدين. بيان شهيد مطهري بأن الدين يلبي الاحتياجات الثابتة للإنسان، أو قول السيد سروش بأن الدين يهتم بالدنيا حيثما تكون الدنيا مؤيدة أو معيقة للسعادة الآخرة، مصحوب بنوع من الغموض ولا يحدد واجب الإنسان في الممارسة العملية. المشكلة تنبع من اختلاط الجوانب الدنيوية والآخروية، وكل جانب يُسمى فقط دنيويًا أو فقط آخرويًا يصعب إثباته ويثير التساؤلات، وكذلك الأمر في التمييز بين الحاجة الثابتة والمتغيرة. نرى أنه من الضروري أولًا تعريف احتياجات الإنسان في أبعادها المختلفة السياسية والاقتصادية والتربوية بدقة (كما ذكرنا في بداية البحث الاحتياجات التربوية) ثم قياس علاقة الدين بها. بيان المعايير العامة مثل أن الدين يلبي الحاجات الثابتة للإنسان مفيد إلى حد ما في تحديد حدود مهمة الدين والعقل لكنه غير كاف.

دراسة علاقة الدين بالنظام التربوي وبكل من مكوناته وعناصره الموجودة في العمل التربوي:

في هذا الجزء سأحاول توضيح الأسئلة المطروحة حول علاقة الدين بالنظام التربوي (بالمعاني الثلاثة التي شرحناها سابقًا) وكذلك علاقة الدين بكل من المكونات والعناصر الموجودة في العمل التربوي (المربي، المتربي، المبادئ والأساليب التربوية، وغيرها).

من خلال المناقشات السابقة حول نطاق الدين، تبين أن الدين لم يتحمل مسؤولية بيان وتوضيح جميع حاجات الإنسان، بل اقتصر على توضيح المسائل التي أولاً تتعلق بهداية الإنسان وثانياً لا يمكن بيانها بالعقل أو الحواس. لذلك، لا ينبغي توقع أن يقدم الدين نظاماً تربوياً بمعنى بيان جميع عناصره وشرح أنواع العلاقات بين هذه العناصر وتبريرها أو تقديم شرح كامل وشامل لكل جزء وعنصر مشارك في الفعل التربوي. إذا شبهنا نظاماً تربوياً أو وصف كل عنصر من عناصر النظام بجدول يتكون من مربعات فارغة متعددة، فإن الدين يملأ بعض هذه المربعات الفارغة فقط، ولا ضرورة لملء البقية بواسطة الدين. وعبارة “لا ضرورة” تعني أنه من الممكن أن تُملأ هذه المربعات الفارغة بواسطة الدين، ومن الممكن ألا تُملأ، وفي هذه الحالة يكون هناك حاجة للاستعانة بالعقل والتجربة البشرية.

وبناءً على ما سبق، يطرح سؤالان. السؤال الأول يتعلق بكيفية تدخل الدين في صياغة النظام وشرح كل جزء وعنصر. هل يتدخل الدين دائماً بنفس الطريقة في صياغة النظام وشرح العناصر ويملأ مربعات فارغة محددة، أم أن هناك صوراً مختلفة لذلك؟ وإذا كانت هناك صور مختلفة، فما الجزء من النظام ونوع الشرح الذي يتحمله الدين عن كل جزء وعنصر؟ السؤال الثاني هو: هل النظام الذي يُصاغ جزئياً بمساعدة مقولات دينية وجزئياً بمساعدة المعرفة البشرية يُوصَف بالديني، وهل يمكن تسميته نظاماً دينياً؟

فيما يخص السؤال الأول، طرح المختصون صوراً مختلفة عن كيفية تدخل الدين في صياغة النظام:

الصورة الأولى هي القول بأن هناك نظاماً تربوياً كامناً في الدين، ومهمتنا هي اكتشافه. أحياناً يُعبَّر عن هذا الافتراض بأن وراء المقولات التربوية الظاهرة المتفرقة الموجودة في نصوص الكتاب والسنة، توجد مبادئ كلية منظمة استُنبطت على أساسها هذه المقولات. ويبدو أن المقصود من “النظام الديني” عند الشهيد صدر هو هذا المعنى والمفهوم. فمحاولته في “إقتصادنا” تهدف إلى الوصول إلى الأسس التي تبدو له منظمة والتي تشكل النظام الاقتصادي الإسلامي، باستخدام النصوص الدينية والأحكام الفقهية المتعلقة بالتجارة والمعاملات.

الصورة الثانية هي أن الدين يزودنا بالمواد الخام لبناء النظام، ونحن من خلال جمعها وصياغتها يمكننا الحصول على نظام تربوي. والفرق بين هذا الافتراض والافتراض السابق هو أن في الافتراض السابق نبحث عن نظام وضعه الله وراء المقولات التربوية، أما في هذا الافتراض فالعناصر مأخوذة من الدين، والتشكيل والتنظيم هو عمل العقل والذهن، وبالتالي يمكن أن يكون لدينا أنظمة مختلفة حسب الأهداف المرجوة.

الصورة الثالثة هي أن بناء النظام عمل العقل والتجربة البشرية، لكنه ليس منفصلاً عن الدين، فالدين إما يزودنا بالافتراضات المسبقة لصياغة النظام، أو يحدد بعد صياغة النظام مدى توافقه أو عدم توافقه مع المبادئ الدينية المقبولة. الجدول أدناه يوضح الفرضيات المختلفة للمسألة بناءً على صور تدخل الدين المختلفة من جهة، والمعاني المختلفة للنظام وأنواع العناصر والأجزاء الموجودة في الفعل التربوي التي أشرنا إليها في بداية النقاش.

فيما يتعلق بالسؤال الثاني، الجواب إيجابي، ويبدو أن المقصود من قبل كثير من المفكرين الذين يدعون وجود “نظام ديني” هو أننا نأخذ من الدين المساعدة بقدر ما نتوقعها منه، وليس أن يصف الدين جميع الأجزاء والعناصر والعلاقات بينها ويشرحها بنظرية ما. لذلك، جميع الصور المطروحة تُوصَف بالدينية، لكن مقدار وكيفية تدخل الدين في صياغتها يختلف، والنقطة المستفادة من ما سبق هي أن النزاع في إثبات أو نفي النظام الديني قبل تحديد التوقع من النظام الديني ومقدار تدخل الدين في بناء النظام هو نزاع لفظي، وللأسف حدث مثل هذا النزاع كثيراً.

عند دراسة كيفية تدخل الدين في صياغة النظام وشرح الأجزاء والعناصر، كما يظهر من الجدول، هناك 35 صورة قابلة للنقاش والدراسة. ولكن نظراً لأن هذه الدراسة معدة كمقال لمجلة، ولا تسمح الظروف بمناقشة جميع الصور، سنأخذ من بين الصور المختلفة لتدين النظام أو أجزائه، الصورة الثانية (الدين يزود بالمواد الخام لبناء النظام…)، ومن بين الحاجات الموجودة في نطاق التربية، النظام التربوي بالمعاني الثلاثة التي ذُكرت سابقاً، وسنقارنها ونبحثها. المقصود من البحث والمقارنة هو توضيح أي من الصور الثلاث لصياغة النظام التربوي يتدخل الدين فيها أكثر، ويشرح جزءاً أكبر منها، وكيف يتم هذا التدخل (الشرح والتفسير للأجزاء والعناصر).

بالتأكيد، يلعب الدين الدور الأكبر في صياغة النظام التربوي الخالد وغير المرتبط بمسائل واحتياجات زمان أو مكان معين. وهذا الأمر من مقتضيات القول بعالمية وديمومة الدين الإسلامي. لأن ديمومة الإسلام، القرآن (وما هو إلا ذكر للعالمين. 52 القلم) والرسالة (ص) التي هي رحمة للعالمين (ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. 107 الأنبياء) تقتضي أن تكون الأوامر الهادية في القرآن، سواء في تقديم الغايات أو في تقديم الطريق للوصول إلى الغايات، أوامر تلبي حاجات الإنسان وتحل مشكلاته بغض النظر عن الخصائص الزمنية والمكانية.

المطلب السابق لا يعني أن الدين لا يتدخل في صياغة النظام بالمعنى الثاني (النظام التربوي المصاغ لمجتمع معين) والثالث (النظام التنظيمي والإداري التربوي). فالدين يوفر أجزاءً من النظام بالمعنيين الثاني والثالث، ولكن بالمقارنة مع النظام بالمعنى الأول يكون تدخل الدين أقل وتدخل العقل أكبر. ولتوضيح الأمر، من الضروري شرح العلاقة بين النظام بالمفاهيم الثلاثة التي ذُكرت له: النظام بالمفاهيم الثلاثة المذكورة في الواقع يمثل ثلاث مراحل لتكوين وإنتاج الفكر التربوي، وتحول الفكر إلى برنامج، وظهور البرنامج في قالب تنفيذي. النظام التربوي بالمعنى الأول هو مرحلة تكوين وإنتاج الفكر التربوي (المدرسة التربوية)، بمعنى أن الفيلسوف والمربي في مجال التعليم والتربية، بناءً على رؤاه العامة حول الوجود والإنسان والمجتمع، يحدد الأهداف والمبادئ والأساليب التربوية بطريقة تحليلية للمحتوى، دون أن يكون مرصودًا لزمان أو مكان أو مجتمع معين. النظام التربوي بالمعنى الثاني هو المرحلة التي، مع الأخذ في الاعتبار الإمكانيات المادية والاحتياجات والظروف الموضوعية للمجتمع، وبناءً على المدرسة التربوية المقبولة من الدين، تُحدد الطرق الدقيقة والتفصيلية لتحقيق الأهداف. النظام التربوي بالمعنى الثالث هو التجلي المادي والظاهري للنظام بالمعنيين الأول والثاني. فإذا تم في صياغة النظام بالمعنى الثاني وتصميم النظام بالمعنى الثالث الانتباه إلى المدرسة التربوية التي يراها الدين، فإنهما يُنسبان إلى الطابع الديني. والمقصود بالانتباه إلى المدرسة التربوية التي يراها الدين هو أن المخطط في مرحلة تحديد الأهداف والأولويات التربوية والإجراءات اللاحقة، أي تحديد البرامج التعليمية، ونظام الإدارة، وتسلسل الوظائف والمسؤوليات، والمباني والمنشآت الفيزيائية، والميزانية، وأساليب التقييم، يستعين بما أشار إليه الدين صراحة أو ضمنًا. في الواقع، العالم الديني والفرد المتدين في مرحلة واحدة يحدد المدرسة التربوية الدينية، وفي المرحلة التالية يطابقها مع الوضع الموضوعي لمجتمعه ويحقن المدرسة التربوية الدينية في هيكل البرنامج التربوي. أما بالنسبة للسؤال عن المرحلة التي يلعب الدين فيها دورًا أكبر في صياغة المراحل المذكورة، فذلك يحتاج إلى بحث، ولكن مما يمكن قوله بنظرة أولية إلى محتوى الدين هو أن حضور الدين في تحديد الأهداف والأولويات التربوية وكذلك في تقديم الأساليب لتنظيم العلاقة بين المربي والمتربي وبيان خصائص المربي والمتربي أوسع وأشمل.

[1] المقصود بالتربية هنا أمر مختلف عن الأخلاق. فالأخلاق تتناول بيان المرغوبات والخيرات والرديئات، والتربية تبين طرق الوصول إلى المرغوبات.

[2] … أُنزل فيه القرآن هدى للناس …، البقرة/185.

[3] لقد أنعم الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. (ال عمران / 164)

[4] ميلاره، غاستون؛ معنى وحدود العلوم التربوية، ترجمة علي محمد كارْدان، ص 29.

[5] George F. Kneller.

[6] انظر: نلر، جرج ف، التعرف على فلسفة التعليم والتربية، ترجمة فريدون بازركان، ص46.

[7] الشروط الأول والثاني والثالث مأخوذة من تعريف ورد في دائرة المعارف الدولية للعلوم الاجتماعية للنظام (system)، وبقية الشروط استخدمت من محاضرات الأستاذ ملكيان بتاريخ 26/11/76 و23/9/76 التي أُجريت في مكتب التعاون.

[8] يوسف / 111

[9] النحل / 89

[10] النحل / 44

[11] تفسير نور الثقلين / المجلد 3، الحديث 184

[12] المرجع نفسه / الحديث 174

[13] تفسير الميزان ج1 عربي ص32

[14] آل عمران / 164

[15] انظر: أحمدي، محمد أمين، الانتظار من الدين من وجهة نظر المفكرين المسلمين في القرنين الأخيرين، قم، مؤسسة البحوث الاستراتيجية، فصل الانتظار من الدين من وجهة نظر الشهيد صدر.

[16] انظر: صدر، محمد باقر، اقتصادنا، المجلد الثاني، المدرسة الاقتصادية والإسلام.

[17] مطهري، مرتضى، الإسلام ومتطلبات العصر، قم، منشورات صدرا، 1362، ص208

[18] مطهري، مرتضى، مجموعة الأعمال، المجلد 4، الطبعة الثانية، قم، منشورات صدرا، 1374، ص351.

[19] مطهري، مرتضى، الإسلام ومتطلبات العصر، المجلد الأول، قم، منشورات صدرا، 1368، ص281

[20] مطهري، مرتضى، الإسلام ومتطلبات العصر، المجلد الأول، قم، منشورات صدرا، 1362، ص165

[21] انظر: سروش، عبد الكريم، الأيديولوجيا والدين الدنيوي، كيان، العدد 31.

[22] انظر: سروش، عبد الكريم، أكثر بدانة من الأيديولوجيا

[23] جوادي، عبد الله، الشريعة في مرآة المعرفة، الطبعة الأولى، قم، نشر ثقافي رجاء، 1372، ص115 و116.

[24] المرجع نفسه، ص162