الدفاعات عن نظرية حق الطاعة: قراءة نقدية واستجابة للنقد

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: دفاعیات‌ از نظریه حق الطاعه؛ خوانشی انتقادی (پاسخ به نقدهای کتاب نظریه حق الطاعه‌ در‌ بوته‌ نقد و بررسی) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تتناول هذه المقالة، بمنهج تحليلي – نقدي، دراسة وتقييم «الدفاعات عن نظرية حق الطاعة» للمحقق، الشهيد صدر. إن مذهب حق الطاعة من ابتكارات الشهيد صدر في تقديم جديد لحكم العقل على تنجز الظنون في الشبهات الحكمية، والذي يُعد كأصل عملي أولي، له دور مهم في تحليل مسائل مثل حجية القطع، البراءة، وقبح التجري. وفي هذا السياق، يُبذل أقصى جهد لتحليل نقدات آية الله محمدجواد فاضل لنكراني في كتابه «نظرية حق الطاعة في بوتقة النقد والمراجعة»، مع الردود المقدمة دفاعًا عن هذا الرأي (المنشورة في مجلة البحوث الأصولية). المنهج المتبع في هذه الدراسة هو إثبات عدم التلازم بين المنعمة والمنجزة للانكشاف بجميع درجاته، وبالتالي إثبات البراءة بمقتضى حكم عقلي مستقل في الشبهات البدئية بعد الفحص واليأس؛ إلا في الحالات التي تشبه الشبهات المتعلقة بالأعراض، الأموال والدماء، حيث يكون احتمال التكليف من منظور الأغراض التشريعية أكثر أهمية.

المؤلف: حمید ستوده

المصدر: پژوهش‌های اصولی، صيف 1401، العدد 31، ص 9 إلى 34.

المقدمة

موضوع حق الطاعة هو إثبات التكليف الشرعي بمقتضى إدراك العقل العملي في ظرف الشك وافتراض فقدان الدليل بعد الفحص. وفقًا لهذا الأساس، فإن كل درجة من درجات الانكشاف تُعد سببًا تامًا لثبوت حق الطاعة. لذلك، فإن تنجز التكليف لا يدور حول الوصول إلى القطع أو الظن المعتبر، بل المنجز له هو احتمال التكليف مع احتمال الاهتمام الشرعي به، مما وسع الاشتغال العقلي في التكليفات المشكوك فيها، المظونة والموهومة، ومادام لم يصدر ترخيص جدي من الشارع المقدس، فلا يُعذر المكلف بسبب ترك الاحتياط. وهكذا، الأصل الأولي في ظرف الشك هو اشتغال الذمة بالنسبة للواجب العملي، بسبب ثبوت الحق المولوي، ونتيجة لذلك، وبما أنه لا يوجد عذر أو تأمين لترك التكليف المحتمل، فإن استحقاق العقاب في حال مخالفة ذلك يكون مترتبًا. من وجهة نظر الشهيد صدر، هذه النظرية ليست برهانية، لكنها من الإدراكات الأولية للعقل العملي (عبدالساتر‌‌، ١٤٢٦هـ‌‌‌، ج ٦‌‌، ص ٤٤)، ولأن مسار البراءة العقلية وحصر الطاعة الإلهية في القطع يؤدي إلى تضييق دائرة حق الطاعة وتمييز في المولوية الحقيقية، فهو أمر مخالف للوجدان العملي (هاشمی‌‌، ١٤١٧هـ‌‌‌، ج ٤‌‌، ص ١٨٦).

تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة على السؤال التالي من خلال إعادة قراءة نظرية حق الطاعة: هل يؤدي مخالفة التكليف المحتمل بعد البحث العقلي إلى استحقاق العقاب من الناحية العقلية أم لا؟ وبالإضافة إلى الإجابة على هذا السؤال، تقوم الدراسة بتقييم آخر دفاعات أنصار هذا الرأي في سياق الانشغال العقلي، ومن خلال النقد والمراجعة، تحدد الواجب العملي للمكلَّف في مقام الشك. ولهذا السبب، في المرحلة الأولى، سيتم توضيح رأي الشهيد صدر، وفي المبحث التالي، سيتم عرض نقد الأستاذ المحترم على هذه النظرية، وسيتم عرض الردود التي قدمها بعض أنصار هذا الرأي على انتقاداته للنقد والمراجعة.

١. توضيح النظرية وبيان موضع النزاع

يتطلب العرض الصحيح وطرح موضع النقاش بدقة للنقد والمراجعة توضيح العديد من النقاط والتحليلات الأصولية والكلامية التي تلعب دورًا في الفهم العميق لها، ولكن نظرًا لمحدودية هذه الدراسة، سيتم ذكر بعض النقاط المختصرة.

١-١. نطاق الملوية

يرى الشهيد صدر أنه وفقًا لإدراك العقل العملي، فإن نطاق ملوية المولى الحقيقي وحق طاعته، يمتد إلى أوسع دائرة ممكنة (صدر‌‌‌، ١٤١٨هـ‌‌‌‌، ج ١‌‌، ص ١٧٥‌)، ولا يقتصر على التكليفات القطعية (حائری‌‌، ١٤٠٨هـ‌‌‌، ج ٣‌‌، ص ٧٢)، وذلك بشرط أن يكون اهتمام المولى بهذه التكليفات إلى حد لا يرضى فيه بترك التحفظ في ظرف الشك (حائری‌‌، ج ٢‌‌، ص ٢٠). لذلك، إذا لم يثبت إذن المولى بترك الاحتياط للمكلَّف، ولم يثبت أيضًا رضا الشارع عن ذلك، فإن العقل يأمر بالالتزام ووجوب الامتثال لهذا الحكم. ومن ثم، الأصل الأولي في كل تكليف يحتمل صدوره هو العمل بمقتضى الاحتياط (صدر‌‌، ١٤١٨هـ‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ٢٠). كما أن عقاب العبد بسبب مخالفة تكليف محتمل ليس قبيحًا عقلاً، إلا إذا كان لديه إيمان ومبرر شرعي لمخالفة ذلك (صدر‌‌، ص ٢٣؛ عبدالساتر‌‌، ١٤٢٦هـ‌‌‌، ج ٩‌‌، ص ١٣). لذلك، يُعتبر البراءة الشرعية سببًا لرفع اليد عن مثل هذا الاحتياط (عبد الساتر‌‌، ١٤٢٦هـ‌‌‌، ج ٩‌‌، ص ١٠-١٣)، كما هو الحال في القطع بعدم وجود تكليف فعلي أو بعدم إظهار اهتمام المولى (هاشمی‌‌، ١٤١٧هـ‌‌‌، ج ٨‌‌، ص ٥٠)، لأن العقل في هذه الحالة لا يعتبر المكلَّف مسؤولًا عن التكليفات الثبوتية التي لم تصدر من المولى (هاشمی‌‌، ١٤١٧هـ‌‌‌، ج ٨‌‌، ص ٤٩). لذا، فإن مجرد عدم القطع وحده لا يكفي للخروج من دائرة التكليف (هاشمی‌‌، المرجع نفسه‌‌‌، ج ٤‌‌، ص ١٨٦؛ صدر‌‌، ١٤١٨هـ‌‌‌، ج ١‌‌، ص ١٨٦).

٢-١. عدم التفريق بين الحجية والملوية

من وجهة نظر الشهيد صدر، فإن النقاش حول الحجية يعني النقاش حول حدود الملوية (المرجع نفسه‌‌‌‌، ج ٥‌‌، ص ٢٤‌)، وبما أن تكليف المولى يُعتبر ملوية، فإن التفريق بين الانجاز والملوية غير صحيح. في الواقع، الانجاز من لوازم انكشاف مناط ثبوت الحق المولوي حتى في ظرف الشك والاحتمال، ومن ثم فإن أي تمييز عقلي في الانجاز يعني تمييزًا في دائرة الملوية الحقيقية. وهذا في حين أن الحق المولوي ذاتي، ولا يمكن تصور التمييز في مثل هذه الملوية. ونتيجة لذلك، فإن جميع درجات وصول التكليف بالنسبة للطاعة من المولى الحقيقي تكفي من الناحية العقلية، بشرط أن يُحتمل اهتمام الشارع بأداء التكليف في ظرف الشك وعدم الرضا عن تركه؛ أي أن احتمال التكليف مع احتمال أهميته لدى المولى يؤدي إلى انجاز التكليف المحتمل (حائری‌‌، ١٤٠٨هـ‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ٢٠). والدليل على ذلك هو شهادة الضمير (صدر‌‌، ١٤١٨هـ‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ٣٣).

٣-١. الملوية الذاتية وشكر المنعم كأساس لنطاق حق الطاعة

يعتقد الشهيد صدر أنه بما أن المنعمة الإلهية مطلقة، فإن ملكيتها وملويتها أيضًا حقيقية وذاتية، فإن وجوب الشكر والحفاظ على حرمة العبودية، مع مراعاة التلازم بين الملوية الذاتية وحق الطاعة، له أوسع نطاق شمول ممكن (عبدالساتر‌‌، ١٤٢٦هـ‌‌‌، ج ١١‌‌، ص ٥٣). ولهذا السبب، من الناحية العقلية، لا يقتصر وجوب طاعة التكليفات الصادرة من مثل هذا المنعم على الحالات القطعية التي يصدرها المولى، حتى لا يفوت أداء التكليفات المحتملة. وبذلك، لا تُعتبر الحجية والانجاز من شؤون القطع، بل يجب اعتباره من شؤون الملوية الحقيقية؛ على عكس الملوية العرفية التي هي أمر تعاقدي، حيث يكون حق الطاعة فيها مشروطًا بالوصول القطعي للتكليف. لذلك، فإن خصوصية الموالي العرفي لا تثبت للمولى الحقيقي الذي منعمته مطلقة وملويته ذاتية، ولا يشترك معها في شيء (صدر‌‌، ١٤١٨هـ‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ٣٣). ونظرًا لأن البراءة العقلية تؤدي إلى تضييق الملوية الذاتية وتمييز دائرة حق الطاعة وتقييدها بالتكليفات القطعية، فإن ذلك لا يتوافق مع العقل والضمير العملي (حائری‌‌، ١٤٠٨هـ‌‌‌، ج ٤‌‌، ١٨٦؛ عبدالساتر‌‌، ١٤٢٦هـ‌‌‌، ج ٨‌‌، ص ٤٨). لذلك، كلما شك المكلَّف في ثبوت تكليف سواء كان وجوبًا أو حرمة، ولم يجد دليلًا شرعيًا على إثباته أو نفيه، فإنه ملزم بالعقل بالاحتياط.

٢. انتقادات نظرية حق الطاعة

في هذا القسم، سيتم عرض باختصار انتقادات الأستاذ المحترم على نظرية حق الطاعة، ليتم عرض الردود من الناقد المحترم في القسم التالي، وفي النهاية، سيتم تقييمها مع الشرح اللازم.

١. بداهة أصل حق الطاعة لا تقتضي شمول نطاقه للتكليفات غير القطعية، وبما أن الحكم العقلي لا يقبل التقيد، فإذا كان نطاق «حق الطاعة» عقليًا، فإنه يلزم أن لا يستطيع الشارع المقدس التدخل في أحكامه.

٢. وفقًا لإدراك العقل العملي، فإن حق طاعة الله تعالى هو «ملاك الشريعة»، وموضوعه هو حالات الجعل والاعتبار. ومن ثم، فإن الملوية الذاتية التي تشكل أساس مسلك «حق الطاعة» ليست أساس الامتثال.

٣. وفقًا لإدراك العقل العملي في دائرة التكليف، فإن جهل العبد بالتكليف وتركه له يمنحه حقًا، ولا يمكن للمولى أن يعاقبه على ذلك.

٤. الغرض الاحتمالي للموالي، في الأصل، لا يتعلق بالبعث، وتحقيقه لا يستلزم الوجوب بالذات أو بالعرض.

٥. وفقًا لصفات مثل الرحمانية والرحمة الواسعة الإلهية، ما لم يصل التكليف إلى العبد، لا يوجد حق للطاعة في ذلك.

٦. الموالية للموالي أمر تكويني، والبراءة العقلية لا تستلزم تحديد الموالية، كما أن يقين المكلف بالتكليف الواقعي لا يؤثر في ذلك.

٧. موضوع العقاب هو تضييع حق الموالي، وطريقة تحديد هذا الحق بالعقل أو العقلاء، والعقلاء يرون العقاب جائزًا لإزالة الحق الثابت والمحسوس، ولا يثبتون حقًا للشارع المقدس بمجرد احتمال أولي.

٨. الحجية تتعلق بالدليل، ولا علاقة لها بموالاة الموالي بحيث يؤدي نفيها إلى نفي الموالاة.

٩. العقاب صحيح في فرض أن يكون تفويت التكليف مستندًا إلى المكلف، وفي الحالات الاحتمالية لا ينشأ مثل هذا العنوان أبدًا.

١٠. بما أن الشهيد الصدر يعتبر موضوع حق الطاعة هو إحراز التكليف ويوسع دائرته، فلا يمكنه اعتبار العقل حاكمًا على هذا الإحراز، لأنه حينما يحكم العقل بنفسه بحق الطاعة، لا يمكن أن يفسر موضوعه بنفس الحكم.

١١. بما أن احتمال الإباحة الاقتضائي مماثل لاحتمال التكليف الإلزامي، فقد يكون الشارع قد أباح نفس التكليف لمصلحة ما، ومن ثم إذا أراد العبد أن يعمل خلاف حكم الإباحة، فإنه وفقًا لنظرية حق الطاعة يكون قد تصرف ضد الموالاة الذاتية.

١٢. نظرية حق الطاعة تتناقض مع سهولة ويسر الدين، وتجعل التدين للبشر عبئًا وشدة.

١٣. الشهيد الصدر يربط هذه النظرية بأصالة الحظر (حائری‌‌، ١٤٠٨هـ‌‌‌، ج ٣‌‌، ص ٣٢٧-٣٢٩)، مع أنه رغم احتمال أن يكون الدليل في كلتا النظريتين واحدًا، إلا أن أصالة الحظر وحق الطاعة متضادتان موضوعيًا (ستوده‌‌‌‌، ١٣٩٤‌‌‌، ص ١٢٤١٤٦).

٣. رد الناقد المحترم على اعتراضات نظرية حق الطاعة

الناقد المحترم في مقاله، دفاعًا عن نظرية حق الطاعة، قدم ردودًا على اعتراضات الأستاذ المحترم، وملخصها كما يلي:

١. بالنظر إلى منعمية المولى الحقيقي وأن دليل أصل حق الطاعة هو الموالاة الذاتية، ووجوب شكر المنعم وطاعة المملوك المطلق للمالك، فإن العقل يعتبر موضوع حق الطاعة منذ البداية هو ذات دائرة حق الطاعة، ويوسع الحكم الذي يفرض الشارع اتباعه ليشمل الحالات الاحتمالية.

٢. وجوب طاعة الأحكام الاحتمالية هو بحكم العقل ومن باب وجوب شكر المنعم وكونه مالكًا، ومن ثم فإن عنوان “الشارعية” يدخل فقط في تحقق موضوع وجوب الطاعة، وليس في أصل وجوب الطاعة.

٣. الوصول الاحتمالي في المولى الحقيقي، بسبب الموالاة الذاتية الناشئة من الملكية والمنعمية الإلهية، يعد وصولًا قطعيًا، ومن ثم فإن القياس بين التكليف الاحتمالي والجهل في نفي العقاب قياس مع الفارق.

٤. إذا كان مطلوب المولى واحتماليًا، فإنه يوجب البعث، لأن الوصول الاحتمالي في المولى الحقيقي من حيث المنعمية والملكية المطلقة يعد وصولًا قطعيًا، خاصة وأن بعض أصحاب الرأي يرون أن تحقيق غرض المولى واجب، وإذا علم العبد أن غرض المولى تعلق بعمل ما، يجب أن يتصرف، ولا يُعتبر الشك في القدرة عذرًا.

٥. العقل في تحديد واجب المكلف، من حيث وجوب احترام المنعم، ينظر مطلقًا، ومن موضع حق الطاعة يحكم باستحقاق العقاب للعبد عند ترك التكليف الاحتمالي، لكن الشرع من موضع الرحمة يحكم بأن استحقاق العقاب يُغتفر.

٦. بما أن لزوم شكر المنعم على الإطلاق يقتضي أن يطيع العبد كل حكم إلزامي مهما كان احتماليًا، فإن البراءة العقلية تحد من نطاق الموالاة الحقيقية من حيث حكم العقل العملي، ومن ثم فإن ادعاء المعذورية في الحالات التي لم يصل فيها التكليف القطعي هو مغالطة.

٧. بما أن العقل يحكم من حيث وجوب احترام حق طاعة المنعم على الإطلاق، فإن نطاق التكليف الإلزامي يشمل الوصل والاحتمال، وسيكون استحقاق العقاب وعدم استحقاقه شاملًا، خاصة وأنه وفقًا لبعض المبادئ في حق الطاعة، فإن مرجع تحديد موضوع حق الطاعة هو العرف والعقلاء الذين لا يجيزون التردد في تحقيق أغراض المولى العرفي حتى لو كانت احتمالية، فكيف بالمولى الحقيقي.

٨. منشأ الموالاة الذاتية لله هو حق وجوب الطاعة من باب لزوم شكر المنعم على الإطلاق لكل التكليفات سواء الوصل أو الاحتمالي، والمولى يمكنه الاحتجاج بهذه الموالاة على العبد، ومن ثم فإن ما سبب الخطأ هو الخلط بين الموالاة الذاتية والموالاة العرفية المصطنعة التي تستند إلى العقد، والعقلاء يرون الطاعة لازمة فقط في الأحكام الوصلية.

٩. احتمال التكليف في نطاق المولى الحقيقي من وجهة نظر العقل وبسبب وجوب شكر المنعم وملكية الله أو مملوكية العبد يعد إيصالًا قطعيًا، ومن ثم فإن عدم فوت التكليف في الحالات الاحتمالية هو مغالطة.

١٠. الإهمال في حكم العقل مستحيل ثبوتًا، ومن ثم ليس صحيحًا أن يكون تحديد الموضوع من اختصاص العرف، فالعقل الحاكم على حق الطاعة يجب أن يعلم ما إذا كان نطاقه محدودًا بالإيصال أو أوسع منه.

١١. وفقًا لمبادئ الشهيد الصدر، في فرض عدم الترخيص الشرعي والفترة بين حفظ أغراض الترخيص والإلزام، يحكم العقل بتقديم احتمال أغراض الإلزام من باب حق الطاعة، لأن عدم إحراز الإباحة الاقتضائية يعني إحراز موضوع حق الطاعة.

١٢‌. حكم العقل بحق الطاعة تعليقي ومشروط بعدم إثبات البراءة الشرعية، كما أن سهولة ويسر الدين تتعلق بالولاية الشرعية؛ تمامًا كما أن آيات وصفات الرحمن والرحيم هي مصدر حكم الشارع بالبراءة الشرعية (الولاية الشرعية) وهي الحاكمة على حكم العقل؛ بينما نقاشنا يتعلق بالولاية العقلية للولي، ومن ثم لا تعارض بينهما.

١٣‌. دافع الشهيد الصدر من ربط نظرية أصالة التحريم بمذهب حق الطاعة هو نفي الإجماع على قاعدة قبح العقاب، لا إثبات دليل على حق الطاعة. (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٥٤٦٥)

٤‌. قياس وتقييم الردود

بملاحظة ردود الناقد المحترم (من الرد الأول إلى التاسع) يتضح أنه قد افترض نفس مبادئ مذهب حق الطاعة (اقتضاء المنعمية والملكية المطلقة لله تعالى في تنزيل التكليفات الاحتمالية كالأحكام القطعية، التمييز بين الولاية العرفية والذاتية، وتحديد ولاية المولى الحقيقي بسريان البراءة العقلية) دون محاولة لإثباتها، وكرر نفس النقاشات التي كانت موضع نزاع بصيغ ونتائج مختلفة كإجابة على اعتراضات الأستاذ المحترم. لذلك، سيتم بيان نقاط في نقد مبادئ هذا المذهب، وتجمع وتقييم الاعتراضات التي كررها الناقد المحترم ضمن ردوده، متناسبة مع كل نقطة، وفي النهاية تُشرح وتُحلل الردود التي تحتاج إلى دراسة منفصلة:

١‌. إجمالًا، لا يوجد خلاف في الأصل على حق الطاعة بين الأصوليين، والنزاع الرئيسي يتعلق بحدوده وشموله. (مکارم شیرازی‌‌، ١٤٢٨هـ‌‌‌‌، ج ٣‌‌، ص ٤٦‌)؛ أي أنه مع الاتفاق على ثبوت حق الولاية بحكم العقل العملي، يدور النقاش حول مدى هذا الحق من حيث السعة والضيق، هل يشمل الشبهات البدئية بعد الفحص أم أن العقل، كما يدرك أصل لزوم طاعة المولى بمقياس الإحسان والمنعمية، يشترط لزوم الامتثال أن يكون الحكم قطعيًا فقط. من وجهة النظر المشهورة (على خلاف رأي الشهيد الصدر) الامتثال القطعي وطاعة الأمر في الحالات التي يكون فيها طلب المولى معلومًا هو مقتضى قاعدة الولاية وموجب تحصيل العذر والتأمين من العقاب. (خویی‌‌‌، ١٤١٧هـ‌‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ١٥) كما أن الخروج من ولاية الرق والاعتداء على حرمة المولى هو أيضًا مقياس استحقاق العقاب. (اصفهانی‌‌، ١٤٢٢هـ‌‌‌، ج ٣‌‌، ص ٢٩) لذلك، استدل المشهور من الأصوليين على اقتضاء الولاية الإلهية بهذه القاعدة العقلية في مختلف مباحث الأصول. كمثال، استند المرحوم النائيني في دلالة العقل على ظهور صيغة الأمر في الوجوب إلى قاعدة العبودية والولاية، واعتبر أنه عندما تصدر صيغة الأمر من المولى، يحكم العقل بوجوب الامتثال، وأن ترك الامتثال لمجرد احتمال عدم لزوم مصلحة الحكم ليس صحيحًا إلا إذا وُجد دليل متصل أو منفصل عليه. (نایینی‌‌، ١٣٥٢‌‌، ج ١‌‌، ص ٩٥)

وبالتأمل في تعابير مختلفة من كتاب الدروس وتقارير الشهيد الصدر يتضح أنه مع الانتباه إلى هذا الفرق الموجود بين أصل حق الطاعة وحدوده، يحاول توسيع نطاقه ويقول: «كما أن أصل حق الطاعة للخالق والمنعم للإنسان هو من إدراك العقل العملي، فإن حدوده ما دام لا يوجد ترخيص جدي في ترك التحفظ عليها، ستكون على هذا النحو». (صدر‌‌، ١٤١٨هـ‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ٣٢١) كما أنه في باب التجري، يطرح نقاشًا موسعًا في تحديد نطاق الولاية، ويسعى إلى دراسة دائرة حق الطاعة ضمن ثلاث فرضيات. (عبدالساتر‌‌‌، ١٤٢٦هـ‌‌‌‌، ج ٨‌‌، ص ٤٣) وهذا في حين أن العقل لا يفترض له هذه القدرة على إدراك معايير التعبديات أو حدودها، ولو كانت حدود حق الطاعة مثل أصل وجوبه أمرًا بديهيًا وعقليًا ولا يوجد غموض في سعتها وضيقها، لما كان هناك حاجة إلى استدلال على نطاق حق الطاعة أو النزاع مع الإنكار المشهور في شأن دائرته. لذلك، الرد الأول للناقد المحترم وادعاء تطابق أصل حق الطاعة مع دائرته (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٥٥) غير مكتمل؛ خصوصًا كما أن العقل يدرك حق الولاية بشكل بديهي، فإذا أراد أن يحكم على نوعيته بمقياس شكر المنعم بنفس الإدراك الكلي والمستقل، سيؤدي ذلك إلى تناقض؛ بحيث يكون حق الطاعة في أداء التكليفات الاحتمالية التي يوجد فيها مناط الحكم العقلي، والتي لها مقياس قطعي وكامل الاقتضاء للامتثال من الإدراك العقلي الكلي، إلزاميًا إلا إذا أذن الشارع المقدس بترك التحفظ عليها؛ في حين أن تصرف الشارع وتقييده في الأحكام العقلية التي هي مستقلة وبديهية مثل تصرفه في اجتماع النقيضين محال. لذلك، اعتبار حكم العقل تعليقيًا كما ورد في القسم الأول من الرد الحادي عشر وتكراره في الرد الثاني عشر (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٤-٦٥) غير كامل ولا يمكن وقوعه، بحيث يكون حكم العقل الاستقلالي لازمًا وله مقياس قطعي، ومع ذلك لا يوجب الشارع المقدس طاعته. لذلك، مجرد وجود إمكانية تقييد الشارع المقدس لوجوب الامتثال وخلق حكم ترخيصي في الحالات غير القطعية، يدل عقلاً على أن حق الطاعة لا يمكن استنباطه من وجوب طاعة الأحكام الاحتمالية.

٢. أصالة الاشتغال في فرض الشكّ ومع وجود الفحص واليأس، ادعاء لا دليل له سوى الإحالة إلى المنبهات الوجدانية. وقد أكد الناقد المحترم في معظم ردوده (من الرد الأول إلى التاسع) على هذه النقطة أن العقل، لوجوب احترام حق الطاعة للمنعم على الإطلاق، يحكم بأن هذا المجال، سواء أكان متعلقًا بالتكاليف الأصلية أو الاحتمالية، مشمول بذلك (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦١)؛ مع أنه لم يأتِ بدليل لإثبات هذا الادعاء أو تقويته من المنبهات. وهذا في حين أن أدلة شكر المنعم لبيّنة، وشمولية وإطلاقية لأداء الواجبات الاحتمالية ليست ضرورية؛ كما أن المنعمية لا تزول بالمخالفة الاحتمالية، ويتضح على الأقل بالتأمل في مدركات العقل العملي أن مثل هذا الوجوب للتكاليف المشكوك فيها في مقابل النعمة التي وهبها الله للإنسان ليس واضحًا، بل القدر المتيقن لوجوب الطاعة من باب الشكر هو فقط التكاليف التي لها حكم فعلي أو تقتصر على حجية الأمارات الإلزامية التي تؤدي إلى تنجّز التكليف؛ وعلاوة على ذلك، من وجهة نظر الشهيد الصدر، فإن ملازمة احتمال التكليف والاهتمام به من قبل الشارع ضرورية لتنفيذ الحكم، وهذه الملازمة نفسها قرينة على أن الموضوع يُدرَك عقليًا لوجوب الطاعة استنادًا إلى أغراض تشريعية من المولى، وكل المعيار مبني على إظهار الاهتمام الشرعي به. ومن ثم، رغم أن الله تعالى هو المالك الحقيقي والمطلق، إلا أنه في هذا المقام، من حيث الملكية أو المنعمية، قد تنازل ولم يشرع حكمًا؛ لأن الاستناد إلى ذلك (على عكس وصف الشارع) لا يتلازم مع اهتمام الشارع المقدس في المسائل المشكوك فيها. ومن جهة أخرى، يتضح تمامًا من تحليل المرتكزات الوجدانية أن هذا الادعاء من مدركات العقل العملي واضح ولا يمكن إنكاره مثل حسن العقل في العدل أو قبح الظلم، بحيث يرغب المولى في مقام التنفيذ والعقاب في الاعتماد على مثل هذا المرتكز ويعتبر مخالفة العبد مع وجود الفحص واليأس دليلًا فعليًا على الشبهة البدئية، ويستحق اللوم والعقاب. ومن ثم، عبر التاريخ، لم يلتفت نوع الناس إلى أصالة الاشتغال كحكم مرتكز في الشبهات البدئية، بل عملوا بحكم استقلال العقل في البراءة؛ كما يذكر المحقق العراقي أن البراءة العقلية من القضايا الواضحة والمسلّمة التي لم يكن هناك نزاع أصلاً حول هذه الكبرى، ولا يمكن تصور إنكارها (عراقی‌‌، ١٤١٧هـ‌‌‌، ج ١‌‌، ص ١٩٩)؛ ودليل هذا الادعاء، بالإضافة إلى إرشاد النبي الأكرم إلى استعمال أصالة الحلية والبراءة العقلية في الجدل مع أحبار اليهود (انعام /١٤١)، هو كمرتَكز عقلي واضح في الأذهان، وهو أن التعبير عن الاعتراض والاحتجاج من الناس في القرآن الكريم في فرض أن الله لم يرسل لهم نبيًا (طه /١٣٤)، يعني أن وجوب الاحتياط العقلي بعد الفحص واليأس ليس له مكانة في الوجدان العرفي للجماهير، وأنهم بناءً على إدراكهم العقلي يعتبرون عقاب الفرد الذي لم يصل إلى الحكم بعد إجراء الفحص الكامل لأداء الواجب بحكم المولى قبيحًا ومخالفًا للعدل والحكمة الإلهية. كما يتضح من ظهور الآيات الدالة على الرحمة والرحمانية الإلهية أن شأن ومكانة مثل هذا المولى بعيدة عن الرضا بإلزام العباد بالتكليف بالاحتياط ومراعاة الواجبات المحتملة. وهذه الأدلة، مثل الآيات التي تدل على نفي الاحتجاج على الله، ليست مجرد ظاهر في عنوان تعبدي، بل هي في الحقيقة كاشفة عن مرتكز عقلي في التعاملات الولائية وجريان نفس المنهج السائد بين العرف والعقلاء (قبح العقاب بلا بيان). ونتيجة لذلك، فإن شخصية مثل هذا المولى مع مولويته الذاتية والحقيقية ليست على نحو يرغب في اعتبار المكلفين مستحقين للعقاب في ترك التكليف المشكوك فيه بعد الفحص، ثم يعفو عنهم برحمته، بل أساسًا لا يعتبر الأشخاص الذين بذلوا كل جهدهم في البحث عن وجود الحكم ولم يصلوا إليه مستحقين للعقاب، كما أن هؤلاء الأشخاص في نظر العقلاء لا يُفترض فيهم تقصير في أداء واجباتهم ولم يخرجوا عن رسم العبودية تجاه المولى. لذلك، فإن التيار العقلي للاحتياط في الواجبات الاحتمالية بعد الفحص مخالف للمرتَكزات العقلية والعقلائية، وهذه النقطة نفسها كقرينة لُبّية تكشف عن عدم اهتمام الشارع بحجية الاحتمال وتنفيذها في الشبهات الحكمية، وبناءً على ذلك، من الناحية العقلية لا يمكن اعتبار العبد مستحقًا للعقاب في حالة مخالفة التكاليف الاحتمالية القطعية، خاصة بالنسبة للفرد الذي يؤمن بقاعدة قبح العقاب بلا بيان (صدر‌‌، ١٤١٨هـ‌‌‌، ج ١‌‌، ص ٣٧١) ولا يعلم بالتكليف ولا بإظهار اهتمام المولى، لأنه لم يقم عليه حجة فعلية وهو معذور. ومن ثم، فإن الجزء الأول من الرد السادس للناقد المحترم الذي يعتبر عذر المكلف استنادًا إلى البراءة العقلية مغالطة في الطلب، غير صحيح (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٠). وهذا في حين أن رأي الشهيد الصدر في صحة التمسك بالعام في الشبهات المفهومية بسبب عدم ثبوت الدلالة على التخصيص في المقدار الزائد والمشكوك، كأنه من وجهة نظره أن الحكم المخصص في ذلك لا ينجز عقليًا (صدر‌‌، ١٤١٨هـ‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ٥٦٢). ويبدو أن هذا الاستدلال يمكن اعتباره بمثابة إيمان مرتكز لديه بالبراءة العقلية، وإلا لوجب، وفقًا لمنهج حق الطاعة، أن يكون المقدار الزائد المشكوك فيه مجرى للاشتغال العقلي.

به هذه التوضيحات، يتضح أن الإجابة الثانية والثالثة والخامسة للمؤلف المحترم أيضًا غير مكتملة؛ لأنّه في هذه الملاحظات يؤكد على أن موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة يتحقق بسبب المنعمية المطلقة. ومن ثمّ، يعتبر الوصول الاحتمالي بسبب المولوية الذاتية بمثابة وصول قطعي، ويحسب وظيفة حكم العقل في حالة المخالفة استحقاق العقاب في مقام الإثبات؛ كما يعتبر العفو والمغفرة في مقام الإثبات وظيفة وصف الرحمن والرحيم (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٥٦٥٩)؛ في حين تبين أن عنوان «المنعمية المطلقة» يتعلق فقط بأصل حق المولوية، وبالنسبة لتحقيق موضوع وجوب الطاعة، يُعتبر فقط سببًا تعليليًا للشرعية، ولأن معيار الحكم العقلي في التنجيز هو تفعيل التكليف، فلا يعقل أن يكون نفس الدليل الدال على أصل حق الطاعة دالًا على تنجز الظنون في الشبهات الحكمية أيضًا. ونتيجة لذلك، بما أن الوصول الاحتمالي لا يعني تفعيل التكليف، فإن هذا الأمر يُعتبر جهلًا بالتكليف، ولا يلزم العقلاء بالامتثال.

٣. بالنظر إلى أن شأن العقل هو إدراك حقائق النفس الأمر، فإن إلزام الاحتياط في الشبهات البدئية بعد الفحص واليأس غير معقول؛ خاصة وأنه غالبًا ما قد يصادف في هذه الحالات احتمال تكليف إلزامي يتعرض لمعارضة أقوى، وقد يكون مراعاة الاحتياط مكروهًا شرعًا. ومن ثم، يجب مراعاة حق المولى في ترك الاحتياط. والشرح أن الشهيد الصدر في تنجز الاحتمال يؤكد أنه بالإضافة إلى احتمال التكليف، يجب أيضًا أخذ احتمال اهتمام الشارع بذلك التكليف في الاعتبار؛ بحيث لا يكون عدم الإتيان به قابلًا للتجاوز. وهذا في حين أن اهتمام المولى في الحالات المشكوك فيها غير مثبت؛ لأنّه من جهة الثبوت، مقابل احتمال المرغوبية في فرض الشك، يمكن أن يكون احتمال المكروه محل اهتمام الشارع أيضًا، وفي الحالات التي يُحتمل فيها الوجوب والتحريم معًا في آن واحد، كما في حالة الأمر بين المحذورين، لا يمكن أن يكون هناك لزوم عقلي للاحتياط وتحقيق مطلب المولى الاحتمالي؛ كما أنه من جهة الثبوت قد يكون سبب الحكم الحقيقي بالاحتياط هو أن تكلفة الوصول إليه في فرض الشك مرتفعة، مما يؤدي إلى عدم اهتمام المولى وعدم بعث عقلي للاحتياط (عدم تنزيل الوصول الاحتمالي على أنه وصول قطعي). ومن ثم، على خلاف رأي الناقد المحترم في الإجابة الرابعة (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٥٨)، فإن مجرد احتمال وجود أغراض حقيقية لا يوجب البعث، ولا يلزم العقلاء تحصيلها؛ لأن هذه الأغراض تُعتبر كحيثيات تقييدية، والعقل لا يقدر على تحقيقها إلا إذا كان المكلف يعلم بوجودها من خلال حجة شرعية أو دليل عقلي؛ مثل الحالات التي يحصل فيها العلم بفوت غرض المولى بسبب عدم تحصيل المقدمات، ويأمر العقل بالحفاظ على ذلك الغرض. لذلك، فإن مقارنة ذلك بالأغراض التي لها وجوب عقلي مقدمي، مثل استيفاء غرض المولى في المقدمات المفقودة التي أشار إليها الناقد المحترم في الإجابة الرابعة كمؤيد، أو استشهاده بالملكية على الإطلاق في هذه الإجابة (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٥٩)، غير صحيحة؛ لأنّه كما أن فرض وجود أغراض مالكيّة مستبعد أساسًا استنادًا إلى غنى الله تعالى بذاته ووجوب وجوده الذاتي، وبالتالي لا موضوع للامتثال، ففي هذه الحالات أيضًا، الغرض يُعتبر فقط كمقدمة عقلية لإسقاط الأمر المعني، بحيث لو لم يصدر ذلك الأمر، لما كان لهذا الغرض وجوب تحصيل. ومن ثم، فإن وجوب المأمور به مقدمي، كعلاقة السبب والمسبب، ينبثق من ذلك الاعتبار، وفي الواقع يعود إلى شوق تبعي للمولى نحو الفعل، وعلى خلاف الإجابة التاسعة للناقد المحترم والمؤيد الذي نقل عن كلام المحقق داماد في ضمن الإجابة العاشرة بأن ترك المحتمل التكليف هو في الواقع تفويت غرض المولى الحقيقي (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٢‌-٦٣‌)، يتحد مصب الاعتبار مع مصب إرادة المولى في الحالات التي تعلق فيها بالفعل أمر أو نهي على موضوع، وبطبيعة الحال يثبت محل حق الطاعة في نفس الحالة، ولا يكون الامتثال الحكمى أبعد من ذلك لزومًا عقليًا؛ كما أن عدم الإتيان به لا يتعارض مع الذلّة والعبودية، ولا يحد من سعة حق الطاعة. وعلاوة على ذلك، بما أن شروط صحة البعث تضيق الغرض من الأمر، ومن شروط البعث أيضًا أن يكون المأمور به قادرًا ومتيقظًا، فلا يمكن أن يُخاطب عبد ما لم تتوفر فيه هذه الصفات (ستوده خراسانی‌‌، ١٣٩٢‌‌، ص ٦٦). لذلك، في هذا الفرض، حتى لو أتى المكلف بما يريده المولى دون الانتباه إلى أمره أو عن غفلة، لا يُعتبر امتثالًا؛ كما أن حصول مثل هذا الفعل لا يُعتبر غرضًا من الأمر ولا بعثًا. ومن ثم، رغم أن الاحتياط لازم في حالات الشك في القدرة، إلا أنه إذا لم يتضح الخطاب، يكون مجرى البراءة العقلية؛ إلا في حالة حصول العلم بالمعيار وعدم إثبات الترخيص الظاهري، وفي هذه الحالة يُحفظ على المعايير المعروفة المحددة.

٤‌. بما أن العقلاء هم الذين يملكون حق التشريع أو نفي التكليفات، فإن صفة الشارع مقدسة تدخل في تكوين حقيقة الحكم، ونتيجة لذلك، يُعتبر حق الطاعة من لوازم المولوية والأغراض التشريعية. “الحق” في هذا الاصطلاح يعني الأهلية في التشريع والتأليف، باعتبارها مناط شأنية الذات الإلهية للعبودية. بعبارة أخرى، “الحق” في هذا النقاش يعني “امتلاك الحق” وهو موضوع فقهي يقع على عاتق المكلف كواجب؛ وهو حق أصيل وحقيقي مقابل الأمر الاعتباري، وليس بمعنى “الحق كصفة” التي هي صفة ذاتية لله تعالى. ومن ثم، فإن تشريع هذا الحق يعني أن المولى جعل حقه هو طاعة العباد له [1]. ونتيجة لذلك، فإن العذرية للعبد استنادًا إلى البراءة العقلية في الشبهات الحكمية بعد الفحص لا تنفي حقيقة المولوية؛ لأن ما هو واجب عقليًا من الطاعة هو الوصول القطعي أو الظني المعتبر الذي هو موضوع انجاز التكليف؛ إذ إن معيار الوجوب العقلي للطاعة من المولى هو ظهور اندماجي للخطاب المنشأ يتضمن الوعيد بالعقاب، وهو منشأ حكم العقل بوجوب الطاعة الحصرية خصوصًا في حالة الوصول القطعي والفعلي. وهذا في حين أن البراءة العقلية بعد الفحص توفر تأمينًا ظاهريًا للمكلف ويُعتبر الجهل بالحكم التكليفي عذرًا. وبما أن العقاب يحتاج إلى مبرر، فإذا كان هناك طلب فعلي، فإن العبد حتى مع التحقيق الكامل لم يصل إلى حكم المولى، فلا يُعتبر في نظر العقلاء ظالمًا أو مقصرًا تجاه المولى، وباستناد إلى حكم العقل القطعي، فإن مثل هذا العقاب على ترك التحفظ قبيح. والدليل على ذلك أن العقل يستنبط استحقاق العقاب من القبح الحقيقي للمعصية؛ بحيث يعارض العبد تكليفًا إلزاميًا ومحسوسًا من المولى، ولكن إذا كان لديه إيمان وعذر بعد الفحص واليأس، فلا يحتمل العقلاء وجود عقاب، في حين أن العقاب في مخالفة حالات الشك في مطلوب المولى قبل الفحص أو المرتبطة بعلم إجمالي ليس قبيحًا. ويمكن تلخيص سبب ذلك كما يلي:

أولًا، حكم العقل القطعي بالبراءة العقلية يسري عندما لا يكون هناك مجال لعدم البيان المحقق ويُستبعد احتمال الخلاف؛ بينما في الشبهات البدئية قبل الفحص ليس الأمر كذلك.

ثانيًا، معيار حكم العقل بالتنجيز هو فعالية التكليف. لذلك، العقل مع وجود تكليف إلزامي في حدود العلم الإجمالي يحكم بوجوب التحفظ على المعيار ويعتبر الاحتياط دائمًا ضروريًا. ومن ثم، فإن الاحتياط في هذين الحالين يتعلق بشؤون المكلف، والعبد إذا خالف بشكل قطعي يستحق العقاب؛ لكن قاعدة قبح العقاب تتعلق بمقام المولى، والمقصود منها أن التوبيخ والمحاسبة للعبد في تكاليف لم يُتم فيها الحجة عليه تسبب ظلمًا من المولى للعبد وهو قبيح. كما يمكن للعبد أن يحاجج المولى بأن بيانًا لم يصل إليه (طه /١٣٤) وأن تفويت التكليف لا يُنسب إليه، بل يعود عدم الوصول إما إلى المولى نفسه أو إلى أسباب أخرى خارجة عن إرادة المكلف. لذلك، الجزء الثاني من الرد التاسع للناقد المحترم (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٢‌) غير مكتمل، إذ اعتبر بتقديم اعتراض نقضي أن تفويت التكليف في الشبهات البدئية قبل الفحص والمقرون بالعلم الإجمالي مستند إلى ترك التكليف المحتمل وجعل العبد مستحقًا للعقاب، بينما لا وجود لأي تلازم بين معايير هذين الموضوعين، والدليل لا يطابق المطالب.

وكذلك مع الشروحات التي ذُكرت، يبدو الرد السادس للناقد المحترم بشأن تحديد نطاق المولوية من حيث العقل العملي مع وجود البراءة العقلية (زروندی‌ رحمانی‌‌‌، ١٣٩٩‌‌‌، ص ٦٠) غير مكتمل، خاصة أن موضوع حكم العقل في باب الامتثال يتعلق فقط باحتمال العقاب في فرض إثبات التكليف الذي له وجوب عقلي، ويُدفع الاحتمال الموجود بانبعاث أو انزجار المكلف؛ أما الموضوع في نظرية حق الطاعة فهو احتمال العقاب مع فرض احتمال التكليف، وإذا كان هذا الاحتمال هو معيار استحقاق العقاب، فيلزم صحة العقاب حتى مع وجود عذر، بينما مع هذا البيان يتضح أن العقل في هذا الفرض يؤمن للعبد، ولا يلزم دفع هذا الاحتمال بتنجيز حق الطاعة في الحالات المشكوك فيها. وإلا، فإن مناط عدم تحديد المولوية لا يقتصر على هذه الحالات فقط، بل يجب أن يشمل أشخاصًا مثل الساهي والعاجز وحتى الجاهل المركب، بينما العقل لا يصدر حكمًا كهذا ليشمل حق الطاعة المكلفين الذين لا يدركون هذه المسألة (حسینی شیرازی‌‌، ١٤٢٧هـ‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ٣٥١). كما يلزم أن يكون لحاكم حق الطاعة في حق الله تعالى فرق عن حاكم حق الطاعة في الموالي العرفية، كما أشار الناقد المحترم في الرد الثامن، حيث اعتبر أن منشأ نطاق المولوية في الموالي العرفية يختلف عن المولى الحقيقي (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٢‌)؛ بينما وجدانيًا، الحاكم هو العقل العملي فقط ولا يفرق بين الذاتي والاصطناعي في طاعة المولوية، كما لا فرق في الحجية بين الله تعالى وباقي الموالي العرفية. ومن ثم، فإن إحالة دائرة الحجية إلى المولوية التي وردت في الرد الثامن للناقد المحترم (زروندی‌ رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٢) غير صحيحة، لأنه لم يقدم أي دليل على هذا الادعاء. وأصلًا، الحجية تتعلق بمقام الدليل والطريقية ولا تغير في دائرة المولوية.

ثانيًا، عند تزاحم الواجبات، لا يدخل منشأ الحكم في باب التكليفات، ويُرجح المهم من حيث متعلق الأمر. وهذه النقطة نفسها تدل على نفى الفرق بين المولوية الحقيقية والعرفية.

وبذلك، ما كان مقصودًا من جهة المشهور في مقام المولوية هو وحدة المصدر الإدراكي؛ أي أن العقل العملي، كما هو حاكم على الحسن والقبح، فهو أيضًا حاكم على أصل حق الطاعة، لكن شرط وجوب الامتثال للواجبات هو الوصول القطعي. على أي حال، لله تعالى هذا الحق أن يطلب الطاعة والعبادة حتى في الواجبات الاحتمالية، ولكن الشرط لذلك هو التبليغ والوصول إلى المكلفين. ما لم يتم هذا التبليغ، فإن حكم العقل القائل بقبح العقاب يكون نافذًا.

من جهة أخرى، في الحالات التي يكون للعقل فيها حكم قطعي ولا يقبل الاستثناء، لا يحتمل أن تكون سيرة العقلاء مخالفة لذلك، ومن ثم لا يمكن الالتزام بسيرة عقلائية في وجوب الاشتغال مقابل براءة الذمة من الحكم العقلي؛ لأن إثبات الاحتياط بالاستناد إلى سيرة العقلاء، حتى لو قبلنا هذا الادعاء، يكون معتبرًا فقط في دائرة أمورهم الخاصة، ووجود سيرة عقلائية بحد ذاته لا يلزم وجود مثل هذا الأمر في نطاق الشريعة، كما أن عدم ردع الشارع لا يعني بالضرورة إقرار ذلك، إذ قد لا يكون في المصلحة بيان رادع، خاصة وأن الاحتياط في بعض الحالات يكون حسنًا في المجمل. لذلك، المؤيد الذي ذكره الناقد المحترم من محقق داماد في ضمن الرد الرابع والسابع بأن العقلاء لا يرون جواز التمهل في تحصيل الأغراض الاحتمالية للمولى العرفي فكيف بالمولى الحقيقي، هو أمر قابل للشك. (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٥٨)

٥. من منظور أصولي، هناك فرق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، وتحقيق الحكم العقلي في مقام الثبوت لا يلزم وجوده في مقام الإثبات، بل مجرد التحقيق في مقام الثبوت يتيح إمكانية تحقيقه في مقام الإثبات. لذلك، الحكم الفعلي الذي يثبت الموضوع بكل خصائصه وحدوده هو حكم قطعي وتنفيذي، ولا مجال للشك فيه للعقل، لأن العقل في هذه الحالة لا يشك في مناط حكمه. وهذا في حين أن الحكم العقلي في الحالات التي يكون فيها حكمًا اقتضائيًا قد يكون موضوعه غير واضح من حيث الخصائص، فيحكم العقل بصورة شأنية أو كلية أو كبرى على الحسن أو القبح الفعلي (نفس المصلحة أو المفسدة)، وبالضرورة مع وجود الشك والتردد فيه لا يصدر حكم. لذلك، مع أن حكم العقل على حق الطاعة ثبوتًا تابع للواقع محفوظ، إلا أن التردد في وجوب الواجبات الاحتمالية يتعلق بمقام الإدراك والتحقق، حيث لا يصدر العقل حكمًا في هذا الموضع بسبب وجود الشك (عدم الوضوح) ليُفسر موضوعه. ومن ثم، يمكن أن يكون الحاكم على هذا التحقيق هو العرف. وباقي موضوعات الأحكام العقلية مثل حسن العدل أو قبح الظلم هي على هذا المنوال. خلاصة القول أنه لا معنى لأن يكون للعقل حكمان أو إدراكان في شأن حسن العدل، أحدهما متعلق بأصل حسن العدل والآخر مرتبط بجودته. لذلك، في تحقق هذه العناوين يمكن الرجوع إلى العرف أو الشرع، كما أن الناقد المحترم نفسه أقر تحت جزء من الإشكال السابع بأن وفقًا لبعض المبادئ في حق الطاعة، مرجع تشخيص موضوع حق الطاعة هو العرف والعقلاء. (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦١)

كان رد الناقد المحترم في الإشكال السابع والعاشر أن الإهمال في حكم العقل ثبوتًا مستحيل، فلا يصح أن يكون تشخيص الموضوع من اختصاص العرف، فالعقل الحاكم على حق الطاعة يجب أن يعلم هل نطاقه محصور في الإيصال أم أعم منه. (زروندی رحمانی‌‌،

١٣٩٩‌‌، ص ٥٨) وبالنظر إلى هذا الأمر الأخير، يكون هذا الرد غير مكتمل. بمعنى آخر، لا معنى للحكم العقلي القطعي في الحالات غير اليقينية، لأن شأن العقل من جهة هو إدراك حقائق النفس الأمر، وحجيته بسبب كاشفيته عن الواقع، ومن جهة أخرى، معيار تنفيذ التكليف الذي يشك العقل شرعيًا في جعله غير كامل، فلا يمكن أن يصدر حكمًا في هذه الحالة، خصوصًا مع احتمال وجود معايير أخرى قد تكون قطعيًا أوسع من هذا الحكم العقلي.

٦. في القسم الثاني من الرد على الإشكال الحادي عشر، يرى الناقد المحترم أنه وفقًا لمباني الشهيد الصدر، في فرض عدم الترخيص الشرعي وفترة ما بين حفظ الأغراض الترخيصية والإلزامية، يحكم العقل من باب حق الطاعة بتقديم احتمال الأغراض الإلزامية. (زروندی‌ رحمانی‌‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٤) وهذا في حين أنه لا دليل على تقديم معيار المحتمل الإلزامي على معيار المحتمل في الترخيص، وكما ذُكر إجمالًا في النقطة الثالثة، لكل من هذين الحكمين الإلزامي والترخيصي مناطه الخاص، وعند وقوع تزاحم بين مقتضى حكمين احتماليين لا يتحدد جنس الإلزام. ونتيجة لذلك، مع بطلان تنفيذ أي من الاحتمالين، تسري براءة الذمة العقلية، كما أن احتمال عدم التكليف موجود أيضًا في فرض الشك، وإذا أراد التكليف الظني الذي لا يطابق الواقع أن يكون منجزًا، فسيكون احتمال التناقض فيه قائمًا قطعيًا.

بعبارة أوضح، بما أن في الشبهات الحكمية احتمال الالتزام بالحكم الإلزامي للاحتياط يتعارض مع احتمال الالتزام بالحكم الترخيصي، فإن مراعاة الاحتياط بسبب كفاية احتمال دوران بين المحذورين مع تحقق التكليفات المحتملة أمر مستحيل؛ كما هو الحال في فرض الشك، حيث يوجد احتمال عدم التكليف، ومع عدم التكليف لا معنى لحق الطاعة. لذلك، لا يمكن في الشبهات الحكمية بعد البحث أن يُعتبر الاحتياط واجبًا عقليًا؛ كما قد يكون من الثابت أن الشارع المقدس قد أولى اهتمامًا مطلقًا لاحتمال المصلحة المحتملة الترخيصية أو اعتبرها أقوى من احتمال اللزوم، لأن غالبًا ما يوجد احتمال اختلال النظام أو تفويت المصلحة في تسهيل حالات الاحتياط في الشبهات البدئية بعد البحث أو غير المحصورة. ومن ثم، قد يكون من الثابت أن الحكم الترخيصي هو الأكثر اهتمامًا من قبل الشارع، ومع وجود احتمال المفسدة في لزوم الاحتياط الذي لا يوجد للعقلاء دليل على دفعه، يبقى احتمال حرمة الاحتياط الظاهر قائمًا. ونتيجة لذلك، قد يكون ترك الأحكام الاحتمالية ضمن دائرة حق الطاعة وليس مراعاتها. لذلك، لا يمكن الادعاء بأن الإدراك العقلي في هذه الحالات يفضّل الحكم الاحتمالي الإلزامي. ومن ثم، كما يجب الانتباه إلى الالتزام بما يلتزم به الشارع المقدس، فإن للعقلاء أيضًا الحق في حماية معاييرهم الأخرى.

لذا، حتى لو قبلنا أن معيار حق الطاعة هو بسبب حرمة المولي، فإن من الناحية العقلية فإن مراعاة هذا الحرم يقتصر على تفعيل حق الطاعة في الحالات التي صدرت فيها الأحكام ويكون المكلف على علم بها. أما الطاعة في مكان لا يوجد فيه حكم، فلا معنى لها بالضرورة، ولن تكون دليلًا للعقل والضمير العملي.

٧. يكتب الناقد المحترم في الرد الثاني عشر أن الحكم العقلي بحق الطاعة معلق ومشروط بعدم إثبات البراءة الشرعية، وأن سهولة الدين ومرونته تتعلق بالمولوية الشرعية، كما أن آيات وصفات الرحمن والرحيم تتعلق بالبراءة والمولوية الشرعية، بينما نقاشنا يتعلق بالمولوية العقلية للمولى.

لذلك، لا تعارض بينهما. (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٤-٦٥)

مع ذلك، في نقد هذا الرد، من المناسب التذكير بأنه بالرغم من أن المولوية الحقيقية للمولى من جميع الجوانب تستلزم أن يُراعى حق طاعته القصوى بطريقة إلزامية، إلا أن هناك نقطتين تبقيان:

أولًا، هذا الحكم مشروط بإدراك العقل لشخصية المولى وكيفية ممارسة مولويته تجاه العباد. التأمل في ظهور مجموع الآيات والروايات التي تدل على الرحمة والرحمانية اللامتناهية الإلهية يكشف حقًا عن علاقة ومكانة وتفاعلات الولاية مع المكلفين التي لا تخضع لأغراض الملكية. المولى الحقيقي لم يطلب أبدًا مراعاة هذا الحق في الاحترام الأقصى استنادًا إلى ملكيته ومنعمته على عباده، ولم يتعامل معهم بقسوة، كما أن العلم بتشريع الأحكام بقدر وسع العباد، وغلبة الترخيصات في الدين على الالتزامات الإلزامية، وصمت الشارع المقدس في مقام البيان عن إيصال الأحكام الشرعية إليهم مع وجود القدرة التكوينية على إلقاء الأحكام بطريقة تفي بكل المقصود (نایینی‌‌، ١٣٥٢‌‌، ج ١‌‌، ص ٤٨٨) أو عدم جعل حجج تُنجز التكليفات المشبهة، كلها تكشف عن معيار عقلي أو عقلائي في مقام الاحتجاج بأن هذا المولى من باب اللطف والامتنان قد خفض مكانته كما هو متعارف عليه في علاقات العبيد والموالي، وليس من شأنه أن يعتبر عباده مستحقين للعقاب على ترك التكليف الاحتمالي ثم يعفو عنهم برحمته.

ثانيًا، بما أن الامتثال يحتاج إلى تحديد، والشبهات الحكمية لا تتسم بالتحديد، فإذا رُغِب في طلب هذه الحالات للاحتياط الإلزامي، فسيؤدي ذلك إلى تكليف لا يُطاق.

علاوة على أن حتى فرض الإلزام في الشبهات الحكمية والاعتماد على التشدد في الشريعة قد يؤدي إلى نوع من الاضطراب النفسي والروحي للمكلفين في أداء الواجبات الشرعية. لذلك، يبدو أن نظرية حق الطاعة تتعارض مع مقتضى طبيعة الشرع وأساس تشريع الأحكام، ووفق هذا المنهج، لا يمكن اعتبار الحكم العقلي بخصوص حق الاحترام الأقصى حكمًا مطلقًا وفي مستوى العلة التامة؛ لأن العقل العملي يدرك أن الشارع قد يرخّص في غير القطعيات. ومن ثم، بناءً على المعرفة التي يمتلكها عن شخصية الشارع في مقام ممارسة مولويته، ومع إدراك مكانة ومولوية المولى الحقيقية، لا يكون هناك حكم يلزم المكلف بعد البحث واليأس بأن يراعي جميع الاحتمالات الضعيفة استنادًا إلى الملكية والمولوية الحقيقية.

٨‌. يذكر الناقد المحترم في الرد على الاعتراض الثالث عشر أن دافع الشهيد صدر من ربط نظرية أصالة التحريم بمذهب حق الطاعة هو نفي الإجماع على قاعدة قبح العقاب (زروندی رحمانی‌‌، ١٣٩٩‌‌، ص ٦٥)، لا إثبات دليل على حق الطاعة؛ لكن من ظاهر تعابير الشهيد صدر يبدو أنه افترض توحيد مسألة التحريم والإباحة مع مسألة البراءة – وإن كان في حد الظن والاحتمال – بينما هاتان المسألتان مختلفتان تماماً؛ بحيث لا يُفترض الشك في مسألة التحريم والإباحة، ومن وجهة العقل، المحور في هذا الباب هو دراسة العناوين الأولية للمواضيع مع التجاهل لوجود حكم شرعي أو شك في الحكم عليها. وهذا في حين أن مركز البحث في أصل البراءة هو الشك في التكليف الإلزامي وموضوعه دراسة واجب العبد تجاه شيء مشكوك الحكم (اصفهانی‌‌، ١٤٢٩هـ‌‌‌، ج ٢‌‌، ص ٤٩٤)؛ كما أن أساس مسألة التحريم والإباحة دون النظر للحكم وإرادة المولى يعود إلى ملكيته وقبح التصرف في ملكه بدون إذنه (نائینی‌‌، ١٣٧٦‌‌، ج ٣‌‌، ص ٣٢٩)، وهو ما يعني ظلم العبد للمولى؛ بينما قبح العقاب بلا بيان، باعتباره أساس البراءة العقلية، ومن ثم فإن العقاب بلا بيان يُعتبر ظلماً من المولى للعبد. ولهذا السبب، يستند العبد إلى هذا الحكم في تحصين نفسه من العقاب. لذلك، مع اعتبار اختلاف المعايير والمواضيع، لا يمكن افتراض توحيدهما حتى في حد الظن، ولا يمكن أيضاً مع هذا الافتراض التفريقي اعتبار أصل التحريم دليلاً على نفي الإجماع على قاعدة قبح العقاب؛ كما أنه بالنظر إلى اختلاف الآراء حول هذا الأصل، لا يمكن اعتباره دليلاً موجباً لشيء مرغوب فيه آخر.

النتيجة

من وجهة نظر الشهيد صدر، أصل حق الطاعة ودائرته من المسلّمات الأولى وموضوع غير برهاني، كما أن الانجازية تُعتبر من لوازم الانكشاف بجميع درجاته بحيث لا تستلزم تحديد حق الملوكية، ومن ثم، ليس فقط العقوبة على مخالفة التكليف القطعي ليست قبيحة، بل في العلاقة مع المولى الحقيقي، العقوبة على مخالفة التكليف غير القطعي كذلك، والخروج من دائرة التكليف مشروط بالإعفاء الجدي في ترك التحفظ.

الناقد المحترم أيضاً وفقاً لنفس الأساس وبالاستناد إلى الملكية والمنعمية المطلقة أو الملوكية الذاتية، يعتبر نطاق التكليفات أعمّ من أن تكون واصلة أو احتمالية، مع أنه لم يأتِ بدليل لإثبات هذا الادعاء أو لتعزيز المنبهات الوجدانية. من جهة أخرى، مع نقد ومراجعة ردوده، تبين تماماً عدم كمالها، إذ إن العقل العملي يحكم بالبراءة المستقلة وحق الطاعة لا يشمل التكليفات الاحتمالية؛ لأن حكم العقل العملي بالإنجاز الاحتمالي، حتى على أساس حق الاحترام الأقصى في غير القطعيات، مشروط بإدراك العقل لتطبيق الملوكية الإلهية على أساس الملكية والقهر. وهذا في حين أن تحليل المسلّمات العقلية والارتكازات العقلائية المفصل في هذه المقالة كشف أن الشارع المقدس قد قبل المعيار المتعارف عليه بين الجميع (قبح العقاب بلا بيان) في تعامله مع العباد، ومع وجود الملوكية الحقيقية، لم يعرف مكانته بحيث يعتبر عباده مستحقين للعقاب على ترك التكليفات المشكوك فيها بعد الفحص، ثم يريد أن يعفو عنهم برحمته؛ خصوصاً أن فرض وجود المشتهيات والأغراض المالكية، استناداً إلى وجوب الذات الإلهي، منتفى أصلاً. ومن ثم، جميع الأحكام مبنية على الأغراض التشريعية؛ أي المصالح والمفاسد أو الأسباب والحكم ذاتها. لذلك، الإلزام العقلي بالاحتياط في التكليفات المحتملة بعد الفحص يُعتبر مخالفاً للارتكازات العقلية والعقلائية، وهذه النقطة بحد ذاتها، كقرينة واضحة، تكشف عن عدم اهتمام الشارع المقدس بصحة ذلك؛ كما أنها تمنع انعقاد الظهور في إنجاز الخطاب المحتمل، وبالتالي، لا معنى لاستحقاق العقاب العقلي على مخالفة قطعية في الحالات الاحتمالية، خصوصاً للفرد الذي يؤمن بقبح العقاب العقلي في الحالات التي لا يُظهر فيها المولى اهتمامه بالتكليف الحقيقي؛ لأن موضوع حكم العقل من هذا المنظور هو دفع احتمال العقاب؛ احتمال عقاب يكون فقط في فرض احتمال وجود التكليف، لكن العذر والتأمين الظاهري مع سير البراءة العقلية في تركه قد تحقق.

المصادر والمراجع

* القرآن الكريم

١‌‌. اصفهانی‌‌‌، محمدحسین (١٤٢٩ق )‌‌. نهایة الدرایة فی شرح الکفایة‌‌‌. دوم‌‌‌. بیروت: موسسه آل البیت‌‌‌.

٢‌‌. حائری‌‌، کاظم (١٤٠٨ق )‌‌. مباحث الاصول‌‌‌، تقریر درس خارج اصول آیت الله سید‌ محمد باقر صدر‌‌. اول‌‌‌. قم: مکتب الاعلام الاسلامی‌‌‌.

٣‌‌. حسینی شیرازی‌‌، صادق (١٤٢٧ق )‌‌. بیان الاصول‌‌‌. دوم‌‌‌. قم: دار الانصار‌‌.

٤‌‌. خویی‌‌، سید ابوالقاسم (١٤١٧ق )‌‌. محاضرات فی اصول الفقه‌‌‌. تقریر محمد اسحاق فیاض‌‌‌. چهارم‌‌‌‌. قم‌: دار الهادی للمطبوعات‌‌‌.

٥‌‌. زروندی رحمانی‌‌‌، محمد (١٣٩٩ش )‌‌. «پاسخ نقدهای نظریه حق الطاعه »‌‌. فصلنامه پژوهش‌‌های اصولی‌‌، ٧ (٢٥)‌‌. ٤٧٦٨‌‌.

٦‌‌. ستوده خراسانی‌‌‌، حمید (١٣٩٢ش )‌‌. الخط ابات القانونیة‌‌‌، رؤیة مبتکرة عند الامام الخمینی‌ دراسة‌ تحلیلة نقدیة‌‌‌، تقریر درس خارج اصول آیت الله محمد جواد فاضل لنکرانی‌‌. اول‌‌‌. قم: مرکز فقهی ائمه أطهار‌‌‌.

٧‌‌. ستوده‌‌‌، حمید (١٣٩٤ش )‌‌. نظریه حق الطاعه در بوته نقد و بررسی‌‌، تقریر‌ درس‌

خارج اصول آیت الله محمد جواد فاضل لنکرانی‌‌‌. اول‌‌‌. قم: مرکز فقهی ائمه اطهار‌‌‌.

٨‌‌. صدر‌‌، محمد باقر (١٤١٨ق )‌‌. دروس فی علم الأصول‌‌‌. پنجم‌‌‌. قم: منشورات اسلامی‌‌‌.

٩‌‌. عبدالساتر‌‌، حسن (١٤٢٦ق‌ )‌‌. بحوث‌ فی‌ علم الاصول‌‌‌، تقریر درس خارج‌ اصول‌ آیت‌ الله سید محمد باقر صدر‌‌. اول‌‌‌. بیروت: دار الاسلامیه‌‌‌.

١٠‌‌. عراقی‌‌، ضیاء الدین (١٤١٧ق )‌‌. نهایة الافکار‌‌، مقرر: محمد تقی بروجردی نجفی‌‌‌‌. سوم‌‌‌‌. قم‌: دفتر منشورات اسلامی‌‌‌.

١١‌‌. کلینی‌‌، محمد بن یعقوب‌ (١٤٠٧ق‌ )‌‌. الکافی‌‌. اول‌‌‌. تهران: دار الکتب الإسلامیه‌‌‌.

١٢‌‌. مکارم شیرازی‌‌، ناصر (١٤٢٨ق )‌‌. انوار الاصول‌‌‌. دوم‌‌‌. قم: مدرسه امام علی‌ بن‌ ابی‌ طالب‌‌‌.

١٣‌‌. نایینی‌‌، محمد حسین (١٣٧٦ش )‌‌. فوائد الاصول‌‌‌. اول‌‌‌. قم‌: جامعه مدرسین‌‌‌.

١٤‌‌. نایینی‌‌، محمد حسین (١٣٥٢ش )‌‌. أجود التقریرات‌‌‌، تقریر سید ابوالقاسم خویی‌‌. اول‌‌‌. قم: مط بعة العرفان‌‌‌‌.

١٥‌‌‌. هاشمی‌ شاهرودی‌‌‌، محمود(١٤١٧ق )‌‌. بحوث فی علم الاصول‌‌‌، تقریر درس خارج اصول‌ آیت‌ الله سید محمد باقر صدر‌‌. سوم‌‌‌. قم: موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی‌‌‌.

[1] عن أمير المؤمنين: «… ولكن جعل حقه على العباد أن يطيعوه… .» (کلینی‌‌، ١٤٠٧هـ‌‌‌، ج ٨‌‌، ص ٣٥٣)