توضيح نظام الفكر الأصولي للشهيد صدر في تصور تعارض تزاحم الامتثال

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تبیین نظام اندیشه اصولی شهید صدر درتعارض انگاری تزاحم امتثالی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: توضيح نظام الفكر الأصولي لـالشهيد صدر في مواجهة تحدي عودة «تزاحم الامتثال» إلى «التعارض» هو الموضوع الرئيسي لهذا المقال. رغم أن المكلف في حياته اليومية يواجه تزاحم الامتثال، إلا أن هذا التحدي يتعمق عندما يُسحب إلى مستنقع التعارض. تُظهر هذه الدراسة من خلال تحليل النظام المنطقي في آثار الشهيد صدر أن هناك أربعة أسس متداخلة في حل هذه المسألة: أولاً، أسسا «انحلال الشخصي في الجعل» و«مراحل الحكم» التي تسحب تزاحم الامتثال إلى وادي التعارض؛ ولكن بعد ذلك، بالاعتماد على أسسي «إمكان الترتب» و«القدرة بالمعنى الأعم»، تخرج هذه المسألة من حضن التعارض ويبقى فقط المشكل في منطقة امتثال المكلف.

المؤلف: علی فروتن، میلاد چوبداری، محمد محمدپور

المصدر: پژوهش‌های اصولی، صيف 1401، العدد 31، ص 121 إلى 138.

المقدمة

أحد المواضيع المهمة والعملية في علم الأصول هو بحث تزاحم امتثالي المكلف في الحياة اليومية. هذا المصطلح في تعبير الأصوليين يعني التنافي بين خطابين ناتج عن عدم قدرة المكلف على الجمع بين حكمين في مقام الامتثال. (نایینی‌، ١٣٥٢‌، ج ٢، ص ٥٠٣؛ خویی، ١٤٢٢، ج ٢، ص ٤٢٧؛ صدر، ١٤١٧، ج ٧، ص ٢٦) إذا لم يُعثر على حل مناسب لفك هذا العقدة، سيصاب المكلف بحيرة في مقام الامتثال للواجبات الشرعية. كل هذه الأمور صحيحة في حال عدم وجود مكانة راسخة ومثبتة لهذا الموضوع في بنية علم الأصول. لذلك، يُطرح أحيانًا تحت عنوان التعارض وأحيانًا أخرى ضمن بحث الضد.

أحد التحديات الأساسية للأصوليين في بحث تزاحم الامتثال هو سقوط هذا البحث في مستنقع التعارض. «التعارض» في نظر الأصوليين يعني تنافي مدلولين لدليلين بحيث نعلم أن هذين المدلولين لا يمكن أن يكونا ثابتين معًا، وعدم ثبوتهما في الخارج يعود إلى اجتماع نقيضين أو اجتماع ضدين. (نایینی‌، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٥٠١؛ خویی، ١٤٢٢، ج ٢، ص ٤٢٨؛ صدر، ١٤١٧، ج ٢، ص ٤٥٣و٥٤١) بعض الأصوليين مثل آخوند خراساني، كما يظهر من عباراتهم، يعتبرون تزاحم الامتثال تعارضًا ويحلّون المشكلة الناتجة عنه بحل مناسب للتعارض. (آخوند خراسانی، ١٤٠٩، ص ١٦٣و٤٤٠) كثيرون من الأصوليين الآخرين يفصلون بين بحث تزاحم الامتثال وبحث التعارض ويحاولون إظهار مسار هذين البحثين منفصلًا عن بعضهما.

أحد الأصوليين البارزين والمتميزين الذين نظروا إلى بحث تزاحم الامتثال من زاوية التعارض هو الشهيد صدر. المسألة الرئيسية في هذا المقال هي محاولة تحليل وفحص نظام وسير الفكر الذي سلكه الشهيد صدر في الرد على تصور تزاحم الامتثال كتعارض بشكل منهجي. التجديد في هذا المقال يكمن في ترتيب مراحل سير الشهيد صدر جنبًا إلى جنب، كقطع أحجية، من مواجهة المسألة إلى حلها مع توضيح التسلسل المنطقي لها. وهذا أمر لم يقم به الشهيد نفسه في مؤلفاته الأصولية رغم توفر الإمكانات اللازمة.

التعامل المنهجي مع المسألة الحالية ضروري لسببين:

١. تزاحم الامتثال مشكلة شائعة في حياة المتشرعين اليومية. لذلك، تقديم حل أصولي للخروج من حيرة المكلف في الامتثال أمر مهم جدًا. لكن تقديم الحل لتزاحم الامتثال مرتبط بما إذا كان هذا التزاحم يؤدي إلى التعارض أم لا؟ إذا أدى إلى التعارض، فإن حل تزاحم الامتثال يرتبط بحل مسألة التعارض. ولحل التعارض، يتم إلغاء أحد الخطابين من الأساس، فلا يكون له أمر. ونتيجة لذلك، حتى لو عصى المكلف التكليف، لن يُفرض عليه تكليف آخر ولن يكون مسؤولًا عنه؛ أما إذا لم يؤدِ تزاحم الامتثال إلى التعارض، فلن يُلغى أي من التكليفين المتزاحمين من الأصل، وبالتالي إذا عصى المكلف التكليف الأهم، فسيُفرض عليه التكليف التالي (المهم) فورًا ويصبح واجبًا عليه. والهم الوحيد في هذه الحالة هو إيجاد معيار الأهم والمعيار المهم الذي يُبحث عنه في مرجعيات باب التزاحم. لذلك، الخلاص من مشكلة تزاحم الامتثال الشائعة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بكونها تعارضًا أم لا.

٢. أحد الثغرات في المجتمع العلمي الحالي هو عدم الفهم المنهجي والمنهجي لوجهات نظر العلماء. كبار العلماء بعد ممارساتهم وجهودهم المتكررة يستخدمون بشكل واعٍ أو لا واعٍ أسلوبًا ومنهجًا خاصًا بهم في حل مسائل ذلك العلم. علم الأصول ليس استثناءً من هذه القاعدة. طريقة حل المسألة تختلف من أصولي إلى آخر. وفي هذا السياق، الشهيد صدر كأحد علماء علم الأصول لديه وجهات نظر متطورة ومبتكرة، ومن الضروري التعرف على وجهات نظره الأصولية لكل دارس أصول. استخراج أجزاء أحجية فكر الشهيد صدر في حل المسألة الحالية يؤدي إلى نتائج من بينها:

١. يؤدي إلى فهم أعمق لوجهة نظر الشهيد في الرد على المسألة.

٢. بالنظر إلى الفهم المنهجي للرد، يمكن استخراج طريقة حل المسألة الأصولية للشهيد صدر كأحد العلماء المؤثرين في هذا العلم.

٣. يمكننا من خلال تعميم الأسس العامة والشاملة التي نتحصل عليها في عملية حل المسألة، تقديم رد قوي وموثوق من قبله في النقاط الغامضة من عباراته أو حتى في الحالات التي لم يرد فيها على مسألة ما.

٤. مع وضوح مراحل سير فكر الشهيد صدر في هذه المسألة، ستتوافر القدرة على نمو وتطوير علم الأصول بناءً على نقد أدق لرد الشهيد.

المقالات والرسائل العلمية وآثار المفكرين، في مجال بعض المبادئ المؤثرة في النقاش، قد كُتبت. تناول بعضهم مبدأ مراحل الحكم (مراتب الحكم) كأحد المبادئ المؤثرة في المسألة. ومن ذلك يمكن الإشارة إلى مقال «بحث في مراتب الحكم» من تأليف حسين بهادر. أما فئة أخرى، فقد درست كليّة المنهج والمذهب الأصولي للشهيد الصدر الذي يلقي بظلاله على المسألة المطروحة. ومثال ذلك مقال «المذهب الأصولي للشهيد آية الله الصدر» من تأليف رضا إسلامي. كما تناول آخرون، مثل مقال «نظرية عدم انحلال الخطابات القانونية» من تأليف رضا إسلامي، موضوع الخطابات الشخصية في الجعل، وهو أحد المبادئ المؤثرة في المسألة، متناسبين مع بحث الخطابات القانونية عند الإمام الخميني، ودرسوا هذا الجانب بعمق. وهناك من جعل مبدأ شرطية القدرة في التكليف موضوع بحثهم. فقد تناول مقال «شرطية القدرة في التكليفات وتأثيرها على الفكر السياسي للإمام الخميني» من تأليف سيد حسن موسوي خميني هذا الموضوع.

المبادئ المؤثرة في حل المسألة

يحاول الشهيد الصدر باستخدام مبادئ مختلفة وردت بشكل متفرق في كتبه الأصولية، أن يبيّن أن التعارض الامتثالي الموجود بين خطابين متعارضين لا يعود إلى تعارض الخطابين في الجعل الشرعي (التعارض)، بل إن المكلف هو الذي يواجه مشكلة في الامتثال بناءً على ظروفه، ويجب أن يتركز الاهتمام الأصولي فقط على حل مشكلة المكلف. ولإظهار هذا المعنى، تم استخراج المبادئ المؤثرة من النقاط المتفرقة في كتب الشهيد الصدر الأصولية، ثم سيتم توضيح الانسجام والترتيب المنطقي لهذه المبادئ في الإجابة على المسألة.

الانحلال الشخصي (الانحلال في الجعل)

يرى الشهيد الصدر أنه في الخطابات القانونية التي يكون موضوع الخطاب فيها مجموعة من المكلفين أو جميعهم، يُحكم على هؤلاء الأفراد من خلال عنوان جامع. في هذه الخطابات، يُذكر العنوان الجامع فقط لتعريف الأفراد موضوع الخطاب، وينتقل الحكم من العنوان إلى الأفراد، فيصبح كل فرد من الأفراد موضوعًا للحكم. وبعدد الأفراد والمصاديق الموضوعية، ينحل الحكم ويتعدد، وبعبارة الأصوليين، يُجعل (يُنشأ) حكم منفصل بعدد الأفراد موضوع الحكم. ثم كل فرد من هؤلاء الأفراد الذي ينطبق عليه الموضوع فعليًا، يصبح الحكم فعليًا له بحيث إذا امتثل له ينال الثواب، وإذا عصى يُعاقب. بناءً على ذلك، يمكن تصور امتثال وعصيان لكل فرد. (صدر، ١٤١٧، ج ٢، ص ١٢٢-١٢٦)

والتوضيح أن الشهيد الصدر، معتقدًا بمبدأ الانحلال الشخصي للخطابات، يقر جعلًا وإنشاءً مستقلاً لكل من الخطابين المتعارضين في الفرد الجزئي موضوع التعارض. على سبيل المثال، إذا كان المكلف في الوقت الحاضر غير قادر على الجمع بين حكمين «وجوب إزالة النجاسة من المسجد» و«وجوب الصلاة» في وقت واحد، فإنه بسبب مبدأ الانحلال الشخصي في الجعل، لكل من حكم «وجوب الإزالة» و«وجوب الصلاة» في هذه الحالة الشخصية للمكلف (حالة عدم القدرة على الجمع بين هذين الحكمين في آن واحد) حكم وجعل مستقل من قبل الشارع؛ كأن الشارع قد جعل هذه الحالة الشخصية والجزئية لزيد موضوعًا وقال «صلّ»، وأخذ هذه الحالة الجزئية الخارجية لزيد في الاعتبار وقال «أزل».

مراحل الحكم (مراتب الحكم)

في رؤية الشهيد الصدر، للحكم مراحل مختلفة عن مراحل الحكم في نظر الأصوليين الآخرين (آخوند‌ خراسانی‌، ١٤٠٧، ص ٨١؛ نایینی، ١٣٧٦، ج ١، ص ١٧٥)، ويجب شرح ذلك قبل بيان ودراسة المبادئ الأخرى؛ لأن هذا المبدأ يؤثر في حل المسألة، كما أن شرح وتوضيح مبادئ الشهيد الصدر الأخرى في بعض النقاط مرتبط بفهم مراحل حكمه والنتائج المترتبة عليها.

يرى الشهيد الصدر أن الحكم التكليفي له مرحلتان: مرحلة الواقع التي يُطلق عليها الثبوت، ومرحلة الإظهار والإعلان عن الحكم من قبل المولى التي يسميها مرحلة الإثبات. (صدر، ١٤١٨، ج ١، ص ١٦٢)

ومن وجهة نظر الشهيد، تحتوي مرحلة الثبوت على ثلاثة عناصر (صدر، ١٤١٨، ج ١، ص ٣١٥و٣١٦؛ همو‌، ١٤١٨هـ‌، ج ١، ص ١٦٢):

١. الملاك، وهو وجود المصلحة والمفسدة في الحكم.

٢. الإرادة، وهي الحب والشوق الناشئ عن إدراك الملاك والمصلحة في الحكم.

٣. الاعتبار (الجعل)، وهو اعتبار الوجوب على عاتق المكلف.

العنصر الثالث (الاعتبار والجعل) له نوعان: إما أن يجعل المولى الحكم مجردًا لإظهار الملاك والإرادة، أو يجعله بداعي البعث والتحفيز المولوي للمكلف. (صدر، ١٤١٨، ج ٢، ص ٢٠٥) ومن دلالة التصديق السياقي للخطاب يُستنتج أن الجعل والاعتبار عرفًا في الخطابات الشرعية يعودان إلى داعي التحفيز والبعث المولوي للمكلف. (صدر، ١٤١٨، ج ١، ص ٣١٦) وسيتم توضيح هذا الأمر أكثر لاحقًا.

يعتقد الشهيد الصدر أنه في مرحلة الثبوت يجب أن يحتوي الحكم على العنصرين الأولين؛ لأن الحكم بدون مصلحة وإرادة لا روح له ولا حقيقة؛ أما العنصر الثالث أو الاعتبار، فلا يكون ضروريًا في هذه المرحلة، بل هو مجرد دور تنظيمي اعتاد عليه العقلاء، وتصرف الشارع وفقًا لمشيئة العقلاء. عدم ضرورة العنصر الثالث في مرحلة الثبوت يعني أن المكلف إذا علم بمصلحة من موضوع ما بإرادة المولى، فإن هذا القدر من العلم كافٍ لوجوب الامتثال عليه. (صدر، ١٤١٨، ج ١، ص ١٦٣) في رأي الشهيد، بعد رتبة مرحلة الثبوت تبدأ رتبة مرحلة الإثبات. في هذه المرحلة، يعلن المولى ما أراده في مرحلة الثبوت (الواقع) بجملة إنشائية أو خبرية. فإذا فُهم حكم المولى بدون جعل واعتبار الشارع، فإن إظهار الحكم يتعلق مباشرة بالإرادة، مثل «أريد منكم كذا»، أما إذا كان حكم المولى مصحوبًا باعتبار وجعل الشارع، فإن إظهاره يتعلق باعتبار كاشف عن الإرادة، مثل «Ϳ على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا». (آل عمران /٩٧) بالإظهار الشرعي يصبح للمولى حق على المكلف ليؤدي حقه المولوي بالفعل. في الحقيقة، يستنبط العقل من إظهار المولى عناوين متعددة مثل البعث والتحفيز…؛ لأن المولى أظهر إرادته ليصل إلى مراده، وهذا لا يتم إلا بداعي بعث وتحفيز المولوي للمكلف. (صدر، ١٤١٨، ج ١، ص ١٦٣)

بانتهاء مرحلة الإثبات، تنتهي مراحل الحكم عند الشهيد صدر؛ ولكن تبقى نقطتان على النحو التالي:

١. مصطلحا «مراتب التكليف» و«مراحل الحكم التكليفي» في آثار الشهيد هما مصطلحان متشابهان، وقد يؤدي عدم الدقة في معناهما إلى سوء فهم في عدّ مراحل حكمه.

ما ذُكر هو توضيح مراحل الحكم في آثار الشهيد صدر؛ لكنه بالإضافة إلى مراحل الحكم، يبيّن مراتب التكليف أيضًا. في نظره، للتكليف أربع مراتب هي «المِلاك»، «الإرادة»، «الجعل» و«الإدانة». «الإدانة» هي مرتبة المسؤولية والتنفيذ والاستحقاق للعقاب على المكلف. (صدر، ١٤١٨، ج ٢، ص ٢٠٥)

بمقارنة مراحل الحكم ومراتب التكليف، يتضح أن مرحلة «الإبراز» هي فقط مرحلة من مراحل الحكم التكليفي، ومرحلة «الإدانة» تُعد فقط مرتبة من مراتب التكليف. لذلك، يجب توخي الدقة اللازمة حتى لا يُخطئ في اعتبار «الإدانة» مرحلة من مراحل الحكم التكليفي.

٢. الشهيد صدر في مراتب الحكم لا يصور مرحلة تُسمى «الفعليّة» التي يقبلها كثير من الأصوليين (نایینی‌، ١٣٧٦‌، ج ١، ص ١٧٥؛ خویی، ١٤١٧، ج ٥، ص ٣٢٩).

هو يرى أن فعليّة الحكم تعني تحقق موضوع الحكم في الخارج. وبالتالي، ليست مرحلة جديدة ولا يحدث في الخارج أمر مختلف يستوجب تسمية مرحلة منفصلة. (صدر، ١٤١٧‌، ج ٦، ص ١٨٦‌)

بعد شرح وتبيين مراحل الحكم، يطرح في بعض كتبه الأصولية هذا الضرورة بأن جميع تكاليف الشارع تُبْرَز إلى داعي تحريك مولوي المكلف بالنسبة إلى أداء الفعل. تحريك المولوي المولى بسبب الإدانة وحكم العقل مسؤولية المكلف. إذا عجز المكلف، فلا يمكن تصور الإدانة والمسؤولية له، وإبراز الحكم بواسطة المولى إلى داعي تحريك المولوي للمكلف غير ممكن (عاجز)؛ بالطبع، لو لم تكن تكاليف الشارع إلى داعي بعث وتحريك المولوي، لما كان هناك مانع من شمول تكاليف الشارع في مرحلة إبراز الحكم للعاجز أيضًا. (صدر، ١٤١٨، ج ٢، ص ٢٠٦؛ همو، ١٤١٨، ج ٢، ص ٢٠٩)

في التحليل والتدقيق، يجب القول إن الشهيد صدر ضمن مناقشة مراحل الحكم أصرّ على أن مرحلة الإثبات التي تتعلق بإبراز إرادة المولى لا يمكن أن تكون بدون داعي تحريك المولوي للمكلفين؛ لأن المولى يبرز إرادته ليصل إلى مراده، وبدون تحريك المولوي للمكلفين لن يصل أبدًا إلى مراده. لذلك، تُجعل تكاليف الشارع دائمًا مع داعي تحريك المولوي. من جهة أخرى، مع قبوله لأساس الانحلال الشخصي الذي سبق شرحه، يصور للخطابات الشرعية للمولى في كل حالة شخصية للمكلف جعلًا منفصلًا على النحو الذي يبدو فيه أن المولى حاضر عند المكلف في كل حالاته الشخصية ويأمره.

هاتان القاعدتان؛ أي «جعل التكاليف دائمًا مع داعي تحريك المولوي لأداء الفعل» و«جعل (اعتبار) المولوي مستقل لكل حالات موضوع الحكم على أساس أساس الانحلال الشخصي في الجعل»، لا تؤدي في نظر الشهيد صدر إلا إلى أن يقرر أن قدرة المكلف حتى في مقام الجعل (الاعتبار) للتكليف شرط. وبالتالي، إذا جعل الشارع تكليفًا للمكلف العاجز، فإنه بما أن تحريك المولوي والشخصي (الجزئي) للمكلف العاجز على أداء الفعل مستحيل، فسيكون التكليف محالًا (تنافي في وادي الجعل).

المكلف في خطابين متعارضين لا يملك بوضوح القدرة على أداء كلا التكليفين في الوقت نفسه. ونتيجة لذلك، فإن تركيب ما ذُكر من أساس الشهيد صدر الأول والثاني سيؤدي إلى وادي تنافي في الجعل (تعارض). مع ذلك، في ما يلي هذا النص، سنتناول معنى أدق للقدرة في نظر الشهيد صدر، وهذا المعنى سيخرجنا من وادي التعارض.

إمكانية الترتب

الأصوليون في كتبهم الأصولية عادةً ما يطرحون بحث إمكانية الترتب تحت مبحث الضد. (خویی‌، ١٤١٧، ج ٣، ص ٩١؛ نایینی، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣٣٦؛ عراقی‌، ١٣٦٣‌، ص ٢٨٥) الشهيد صدر أيضًا في كتاب «بحوث» اتبع التقسيم المشهور للأصوليين (صدر، ١٤١٧، ج ٢، ص ٣٢٩)؛ لكنه في كتاب «دروس» انحرف عن التقسيم المشهور. (صدر، ١٤١٨، ج ٢، ص ٢١٢) في مبحث الضد، بعد أن رفض اقتضاء النهي من الضد (الضد الخاص) للأمر بشيء، طرح السؤال: هل إذا كان التكليف واجبًا مضيقًا، وكان الضد الخاص له أيضًا واجبًا مضيقًا عباديًا، وتزاحما في مقام الامتثال، هل يمكن للواجب العبادي أن يأمر، وهل يكون أداء المكلف صحيحًا أم لا؟ بمعنى آخر، إذا كان كلاهما واجبًا للأمر، هل يؤدي اجتماع الضدين إلى تنافي في خطابين؟ على سبيل المثال، الآن وقت متأخر وبقي وقت لصلاة العشاء فقط. من جهة أخرى، شخص يغرق ولا مفر من أن يؤدي المكلف أحد هذين الواجبين. بأداء أي منهما، يفوت الآخر. في هذا الوضع المتزاحم، إذا لم ينقذ الغريق الذي هو الأهم، وأدى الصلاة بدلًا عنه، هل تكون هذه الصلاة مأمورة وصحيحة؟ هنا يبدأ بحث إمكانية الترتب ليكون مفتاح حل المشكلة، ويجعل لكل من الواجبين في فرض التزاحم أمرًا صحيحًا، لكي لا يحدث اجتماع الضدين وتعارض في الخطاب، ولتكون نية الامتثال ممكنة بأمر الواجب المضيق العبادي، ويكون أداؤه من المكلف صحيحًا. (صدر، ١٤١٧، ج ٢، ص ٣٧٧-٢٩٣) في ما يلي، سنحلل ونبيّن هذا الأساس.

عندما يأمر المولى بواجب، لا يمكن أن يُطلق هذا الواجب على حالة الانشغال بواجب آخر (ضد خاص) أيضًا. في الحقيقة، إطلاق هذا الأمر بالنظر إلى أساس انحلال الشخصي في الجعل وأساس جعل جميع التكليفات بداعي التحفيز المولوي، يعني تكليفًا بما هو غير ممكن (تكليفًا بالمستحيل)؛ لأن إطلاق الأمر بالنسبة لحالة الانشغال بواجب آخر (ضد خاص) يعني كما لو أن المولى حتى في هذه الحالة الشخصية والجزئية التي يكون المكلف فيها خارجيًا منشغلًا بأداء الواجب الآخر (الضد الخاص)، قد حضر شخصيًا أمام المكلف وأمره بالواجب الأول. هذا الأمر من المولى بوضوح هو تكليف بما هو غير ممكن ومستحيل؛ ومن ثم يحدث اجتماع الضدين وينتهي إلى تعارض.

بالنظر إلى الشرح السابق، يمكن القول بشكل عام إنه كلما شمل إطلاق واجبين متضادين حالة الانشغال بواجب آخر، فإن إطلاق هذين الواجبين يؤدي إلى تكليف بما هو غير ممكن. والتكليف بما هو غير ممكن كما تقدم، مستحيل ويؤدي إلى تعارض. في مثل هذه الحالة، الحل الذي قدمه الشهيد الصدر والعديد من الأصوليين للخروج من التعارض هو إثبات إمكانية الترتب. (نایینی، ١٣٥٢، ج ١، ص ٣٣٦‌؛ خویی‌، ١٤٢٢، ج ٣، ص ٩٢و٩٣؛ عراقی، ١٣٦٣، ص ٢٨١) يرى الشهيد الصدر أن الترتب يخرج كلا الواجبين أو أحدهما من حالة الإطلاق ويجعلهما مشروطين؛ وبالتالي، يُقيد الأمر بأحد الواجبين أو كلاهما بعدم الانشغال بالواجب الآخر. في هذه الحالة، لا يؤدي إطلاق واجبين مشروطين أو أحدهما مشروط والآخر مطلق (وهو ما ينتج عن إمكانية الترتب) إلى وقوعنا في مأزق التعارض. (صدر، ١٤١٨، ج ١، ص ٣٣٩)

يركز الشهيد الصدر في شرح كيفية الخروج من التعارض على أداء الواجب المشروط ويحاول من خلال التدقيق في كيفية أدائه إثبات إمكانية الترتب كحل استراتيجي للخروج من وادي التعارض. ومن ثم يقول: «عندما يكون وجوب أحد الضدين مقيدًا (مشروطًا) بعدم امتثال التكليف بالضد الآخر، فقد جُعل هذا الوجوب على نحو وجوب مشروط. الشرط (القيد) في هذه الأنواع من الوجوب هو مقدمة الوجوب بالنسبة للوجوب المشروط. ومن جهة أخرى نعلم أنه لا يكون الوجوب المشروط داعيًا لتحقيق الشرط (مقدمة الوجوب) الخاص به؛ أي في حالتنا هذه، لا يقول أحد الضدين للآخر: لكي يتحقق وجوبي، أنت ملزم بتحقيق الشرط وهو عدم امتثال الضد الآخر. لذا، فإن أمر المولى على الضدين الذي يتم على شكل مشروط ومطلق، لا يكون فيهما تعارض في مقام الجعل». (صدر، ١٤١٨، ج ٢، ص ٢١٣‌؛ صدر‌، ج ١، ص ٣٢٤‌؛ همو، ج ٣، ص ٣٨١)

لتوضيح وتحليل كلام الشهيد، يمكن القول إن الأمر المشروط يصدر من الشارع عندما يكون شرطه (عدم الامتثال للضد الآخر) متوفرًا. أما الأمر المطلق فيبقى على إطلاقه في جميع الأحوال. بهذا الشرح، لا يكون الأمر أن كل من الضدين في خطابين متعارضين يعتبر نفسه أهم للامتثال بحيث يؤدي التزام أحدهما إلى نفي أمر الآخر وبالتالي إلى تنافي الخطابين؛ بل في هذا التعارض، يكون الأمر المشروط قد جُعل على نحو مشروط. الجعل المشروط في الوجوب يعني أن هذا الوجوب لا يمكن أن يُطلق في وقت الانشغال بالضد الآخر، بينما يبقى الأمر المطلق على إطلاقه ويشمل إطلاقه حالة التعارض أيضًا. فإذا عُصي الخطاب المطلق، يتحقق شرط الأمر المشروط ويتشكل موضوع الخطاب المشروط. وإذا عُصي الأمر المشروط أيضًا، وبما أن تفعيل الأمر المشروط ليس في عرض تفعيل الأمر المطلق ليحدث تعارضًا معه، سيكون لدينا أمران فعليان غير متعارضين، كلاهما معصيان، ويترتب على ذلك عقوبتان على العاصي.

على سبيل المثال، المكلف الذي يرى أمامه في ضيق الوقت تكليفين للامتثال، إما أن يصلي حتى لا تضيع صلاته أو أن ينقذ شخصًا على وشك الغرق. والافتراض أن المكلف غير قادر على الجمع بين الأمرين بأي حال. في هذه الحالة، الحل عند الشهيد الصدر وجمع كبير من الأصوليين هو الأمر الترتبي بحيث يُشترط وجوب الصلاة بعدم امتثال الأمر بإنقاذ الغريق، ويُجعل الأمر على النحو التالي: «إذا لم تنقذ الغريق، فصِلِّ». ويبقى الأمر بإنقاذ الغريق على إطلاقه ويشمل حالة التعارض. في هذه الحالة، عدم إنقاذ الغريق هو مقدمة الوجوب للصلاة. فإذا عصى المكلف أمر إنقاذ الغريق، يتحقق شرط الأمر بالصلاة (أي يتحقق موضوع الأمر بالصلاة). وعلى الرغم من أن الأمر بالصلاة لم يكن فعليًا في البداية، إلا أنه مع عصيان أمر إنقاذ الغريق يصبح الأمر بالصلاة فعليًا. وإذا عصى الأمر بالصلاة أيضًا، فسيترتب على ذلك عقوبتان مقابل العصيانين.

إذا جُعل كلا الخطابين المتعارضين من قبل الشارع على شكل واجب مشروط (في حال تساوي الأمرين من حيث المعيار وعدم أولوية أحدهما على الآخر)، فمن الواضح أنهما لن يؤديان إلى تنافي في مقام الجعل والتعارض؛ لأن كلاهما في الحالة الخارجية يفقدان الإطلاق وبالتالي الفعليّة.

اشتراط التكليف بالقدرة بالمعنى الأعم (قيد لبي)

كما ذُكر، استطاع الشهيد الصدر بقبول إمكانية الترتب أن يخرج من تنافي الخطابين؛ لكن المسألة لم تُحل بالكامل بعد. ما تبقى له في النهاية هو تحقيق الترتب ذاته أو بعبارة أخرى؛ تحديد شرط (قيد) الواجب المشروط.

نتيجة النظرة الشاملة إلى الأساس الأول والثاني للشهيد الصدر كانت أن جميع التكليفات في مقام الجعل أيضًا مقيدة (مشروطة) بقيد القدرة؛ لأن التحفيز المولوي على فعل غير ممكن مستحيل؛ لكن ما تبقى هو تحليل معنى القدرة في نظر الشهيد الصدر.

في نظر الأصوليين، جميع التكليفات مشروطة بالقدرة بمعنى القدرة التكوينية. (نایینی، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣١٣؛ خویی، ١٤١٧، ج ٣، ص ٥٣) وهذا في حين يرى الشهيد أن هذا المعنى من القدرة لا يمكن أن يخرج الخطابين المتعارضين من مأزق التعارض. يرى الشهيد أن هناك معنيين للقدرة التكوينية يمكن أن يكونا محل نظر الأصوليين. (صدر، ١٤١٧، ج ٧، ص ٦٣)

١. القدرة الحدثية والبقائية معًا: في حال وجود خطابين متعارضين، اشتراط هذين التكليفين بالقدرة الحدثية والبقائية يعني أن نعتبر كل تكليف مشروطًا بعدم العجز عن أصل التكليف، وكذلك مشروطًا بعدم الانشغال بضميره المضاد. في هذه الحالة، إذا انشغل المكلف بضمير مضاد في وقت أداء الواجب، حتى وإن لم يكن أداء ذلك الضد واجبًا، يجب رفع أصل التكليف من بين الخطابين المتعارضين، ويصبح العصيان تجاههما بلا معنى. وهذا في حين أن أصول الفقه لم تلزم بمثل هذا الأمر؛ بل من المؤكد أن العصيان قد وقع في نظر الأصوليين. كمثال، في تزاحم إنقاذ الغريق والصلاة الواجبة، إذا انشغلنا بالصدقة للمسكين، فبالتأكيد يكون هذان التكليفان قد عصيا. لذلك، لا يمكن للاشتراط بالقدرة الحدثية والبقائية أن يحل مشكلة التعارض.

٢. القدرة الحدثية: إذا اعتبرنا خطابين متعارضين مشروطين بالقدرة الحدثية؛ أي أن كلا التكليفين مشروطان بالقدرة على أصل التكليف في البداية، ففي هذه الحالة، مع الانشغال بأحد التكليفين المتعارضين، تبقى القدرة الحدثية للتكليف الآخر قائمة، وإنما زالت القدرة البقائية من الآخر. ومن ثم، مع تحقق شرط التكليفين المتعارضين (القدرة الحدثية)، يبقى على المكلف تكليفان متعارضان فعليًا، لكنه لا يمتلك القدرة على جمعهما. والنتيجة من هذا المعنى للقدرة هي تعارض الخطابين المتعارضين.

ابتكار الشهيد صدر في تقييد التكليفات بقيد القدرة بهدف إخراج الخطابين المتعارضين من التعارض هو أنه لجميع التكليفات، بالإضافة إلى قيد القدرة التكوينية، يأخذ في الاعتبار قيد «عدم ابتلاء بضمير مضاد لا يقل في الأهمية عن الضمير الآخر». ويسمي قيد القدرة التكوينية بالإضافة إلى القيد الجديد «القدرة بالمعنى الأعم» ويعتبرها لازمة لجميع التكليفات ويشترطها عليها جميعًا. (صدر، ١٤٣٨، ج ٢، ص ٢١٢؛ همو، ١٤١٧‌، ج ٧، ص ٦٣) في شرح ما سبق يذكر أن التكليفات يجب أن تكون مقيدة بعدم وجود تكليفات أخرى لا يقل اعتبارها عن التكليف الحاضر؛ إما أن يكون اعتبارها مساويًا للتكليف الحاضر، وفي هذه الحالة يشترط كلا الضدين المتعارضين عدم الانشغال بالآخر، أو أن يكون اعتبارها أكبر من التكليف الحاضر، وفي هذه الحالة يصبح وجوب التكليف الحاضر مشروطًا بعدم الانشغال بالضمير المضاد، بينما يبقى وجوب الضمير الأهم (الضمير الأهم) مطلقًا بالنسبة للوجوب الحاضر.

وبهذا الشرح، يصل العقل إلى قيد عام لكل الخطابات، وهو أن كل خطاب وتكليف مقيد بـ «عدم الانشغال بامتثال واجب لا يقل في الأهمية عن التكليف الحاضر». (صدر، ١٤١٨، ج ٢، ص ٢١٤؛ همو، ١٤١٧، ج ٧، ص ٦٤)

تبيين العلاقة المنطقية بين المبادئ المذكورة في حل المسألة

الإيمان بمبدأ الانحلال الشخصي في خطابات الشارع يعطي اعتبارًا خاصًا (جعلًا) للشارع. والشرح هو أن الانحلال الشخصي للخطاب يعني جعلًا مستقلاً من الشارع لكل حالة وكل فرد من موضوع الخطاب. كأن الشارع حاضر شخصيًا في محل تزاحم الخطابين المتعارضين، وبوجود عدم قدرة المكلف على الجمع بين الامتثال بين الخطابين، يأمر مباشرة وبشكل متزامن بكل من الخطابين.

من جهة أخرى، في شرح مراحل الحكم، ذكر الشهيد صدر أن جعل جميع التكليفات من الشارع هو بداعي البعث والتحفيز المولوي للمكلف على أداء الفعل. بناءً على ذلك، كلا التكليفين في الخطابين المتعارضين جعلا بداعي التحفيز المولوي، والمولى يطلب من المكلف أداء كل منهما.

بجمع المطلبين المذكورين، تكون قدرة المكلف دائمًا شرطًا في مرحلة من مراحل التكليف؛ لأن التكليف بغير الممكن (العاجز) مع اعتبار الانحلال الشخصي للجعل في الخطابين المتعارضين وتحفيز المولى في جعلهما غير ممكن. أما أولئك الأصوليون الذين يقبلون الفعليّة كمرحلة من مراحل الحكم، فيعتبرون القدرة شرطًا في فعليّة التكليف (نایینی‌، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣٢٠- ٣١٩)؛ لكن الشهيد صدر الذي لا يعتبر الفعليّة مرحلة من الحكم، يمد قدرة المكلف إلى مرتبة الجعل واعتبار المولى، ويذهب إلى أن التكليف بغير الممكن مستحيل، والقدرة شرط في أصل التكليف.

استحالة التكليف بغير الممكن تؤدي إلى تنافي الخطابين المتعارضين في مرحلة جعل الحكم (التعارض)، لأن المكلف في كل الأحوال غير قادر على أداء كلا التكليفين المتعارضين في آن واحد.

حل الشهيد صدر للخروج من التعارض، مثل كثير من الأصوليين، هو إثبات إمكانية الترتب. إمكانية الترتب تلغي إطلاقية الخطابين المتعارضين في المصداق الخارجي للتزاحم. والشرح أن الخطابين المتعارضين كلاهما مطلقان في المصداق الخارجي للتزاحم، ولا يتوافق إطلاق أحدهما مع إطلاق الآخر، ومن ثم يؤدي إلى تنافي في وادي الجعل. إمكانية الترتب تعالج إطلاقية الخطابين المتزامنين على مورد التزاحم بشرط كل منهما أو أحدهما بعدم امتثال الآخر. في الواقع، بقبول إمكانية الترتب، لا تكون فعليّة الخطابين المتعارضين متزامنة.

لذا، في المصداق الخارجي للتزاحم، لا يكون هناك جعل متعارض، فلا يتشكل تنافي في وادي الجعل.

مع قبول إمكانية الترتب، يحين وقت تحقيق الترتب عمليًا وفعليًا. بمعنى آخر، يحين الوقت لتحديد قيد (شرط) عام لجميع خطابات الشارع، بحيث يستطيع عمليًا إخراج حالات التزاحم من حالات التعارض بشكل دائم وفعلي. ابتكار الشهيد صدر هو توسيع معنى القدرة. قدرته بالمعنى الأعم تتألف من جزأين:

١. القدرة التكوينية على ذات الفعل

٢. عدم ابتلاء بواجب لا يقل في الأهمية عن الواجب الجاري.

مع توسع في معنى القدرة، يُعتبر قيد لَبّي لجميع الخطابات الشرعية القدرة بالمعنى الأعم (عدم الانشغال بامتثال واجب لا تقل أهميته عن الواجب الآخر القائم). وبهذا، مع إمكانية الترتب وحدوث الترتب بواسطة القيد المذكور، تخرج جميع الخطابات المتزاحمة من حالة التنافي بين حكمين (التعارض). بناءً على ذلك، إذا نشأ تزاحم امتثالي بين خطابين، نقوم أولاً بتقييم معيار كل خطاب. فإذا كان أحد الخطابين أقل أهمية من الآخر، يصبح إطلاق الخطاب الأقل أهمية في مصداق خارجي متزاحم مشروطًا بعدم امتثال الخطاب الآخر حتى لا يشمل إطلاقه حالة التزاحم. من جهة أخرى، يبقى الخطاب الأهم مطلقًا ليشمل إطلاقه أيضًا حالة التزاحم؛ أما إذا كان الخطابان المتزاحمان متساويين في الأهمية، يصبح إطلاق كل منهما مشروطًا بعدم امتثال الآخر. في الواقع، يتعطل إطلاق كلا الخطابين في حالة التزاحم؛ لأن الانشغال بأحدهما يلغي موضوع الخطاب الآخر. لذلك، يكون المكلف مخيّرًا بين امتثال أحد الخطابين. وإذا ترك المكلف كلا الخطابين، يقع عليه عقابان.

النتيجة

في رؤية الشهيد الصدر، لا يؤدي تزاحم خطابين في النهاية إلى تعارض. نظام فكره الأصولي يتبع خطوات متدرجة للخروج من التعارض على النحو التالي:

١. يبدأ بقبول مبدأ انحلال شخصي الخطابات، فيستنتج أن الشارع في الحالة الخارجية التي تزاحم فيها خطابان المكلف، له أمران مستقلان ومنفصلان ومباشران للمكلف، ويجب عليه تنفيذ كل من الخطابين في الوقت ذاته.

٢. بتبيان مراحل الحكم التكليفي، يثبت لكل التكليفات الجعل بداعي التحفيز المولوي، وعلاوة على ذلك، لا يقبل الفعليّة كمرحلة منفصلة عن مراحل الحكم.

٣. يثبت الشهيد الصدر مع الأخذ في الاعتبار النقطتين السابقتين أن قدرة المكلف شرط في أصل التكليف، وأن التكليف بما هو غير ممكن مستحيل. ومن هنا، عند الجمع بين هذين المبدأين، يُسحب تزاحم الخطابين إلى تنافي في الجعل (تعارض).

٤. مبدأ إمكانية الترتب، من خلال طرح احتمال تقييد إطلاق كلا الخطابين أو على الأقل أحدهما، يسعى إلى وضع وجوب التكليفين المتزاحمين في تتابع زمني، وذلك للخروج بهما من اجتماع ضدين (تعارض). فيلغي تنافي الخطابين المتزاحمين بإثبات إمكانية الترتب.

٥. مبدأ القدرة بالمعنى الأعم، الذي هو في الواقع تحقق الترتب، يُفعّل الحل المقترح في مسألة إمكانية الترتب، ويُقيّد جميع التكليفات بقيد «عدم الانشغال بامتثال واجب لا تقل أهميته عن الواجب الحاضر»، فيخرج الخطابين المتزاحمين عمليًا من دائرة التعارض.

المصادر والمراجع

* القرآن الكريم

١. آخوند خراسانی، محمد کاظم (١٤٠٧ق). فوائد الأصول‌. الطبعة الأولى. تهران: وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی.

٢. آخوند خراسانی، محمد کاظم (١٤٠٩ق). کفایة الأصول‌. الطبعة الأولى‌. قم: موسسه آل البیت:.

٣. صدر، محمد باقر (١٤١٧ق). بحوث فی علم الأصول. تقریر سید‌ محمود‌ هاشمی شاهرودی. الطبعة الثالثة. قم: موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل‌ بیت‌:.

٤. صدر‌، محمد باقر (١٤١٨ق). دروس فی علم الأصول. الطبعة الخامسة. قم: موسسه نشر اسلامی.

٥. خویی، ابوالقاسم‌ (١٤١٧ق‌). محاضرات فی أصول الفقه. تقریر محمد اسحاق فیاض. الطبعة الرابعة. قم: دار‌ الهادی‌.

٦. خویی‌، ابوالقاسم (١٤٢٢ق). مصباح الأصول. تقریر واعظ حسینی بهسودی و محمد سرور. الطبعة الأولى. قم: موسسه احیاء‌ آثار‌ الامام‌ الخویی.

٧. عراقی، ضیاء الدین (١٣٦٣ش). تحریر الأصول. تقریر شیخ مرتضی نجفی مظاهری‌ اصفهانی‌ و تحقيق و تصحيح حمزه حمزوی. الطبعة الأولى. قم: مهر.

٨. نایینی، محمد حسین (١٣٥٢ش). أجودالتقریرات. تقریر سید ابوالقاسم‌ خویی‌. الطبعة الأولى. قم: مطبعه العرفان.

٩. نایینی، محمد حسین (١٣٧٦ش). فواید الاصول. تقریر‌ محمد‌ علی کاظمی خراسانی. با تعلیقات آقاضیاء عراقی‌. الطبعة الأولى‌. قم: جامعه مدرسین حوزه علمیه قم.

١٠‌. نرم‌ افزار جامع اصول فقه مرکز تحقیقات کامپیوتری علوم اسلامی نور