ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: واکاوی تزاحم و کاربرد آن در اصول و فقه با رویکردی بر دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: مسألة التزاحم هي إحدى القضايا العقلية المهمة في علم الأصول التي يستخدمها الأصوليون لحل مشاكل التنافي بين الأحكام في مقام الامتثال. الشهيد صدر أخرج التزاحم من باب التعارض الحقيقي واعتبره من باب الدخول. من حيث الموضوع، ومع وجود اختلاف في التقسيم، يمكن تلخيصه في ثلاث فئات: التزاحم الناشئ عن عدم قدرة المكلف، التزاحم الناشئ عن تقدم الحرام على الواجب، والتزاحم الناشئ عن التلازم العرضي لفعليْن في الخارج. ينشأ التزاحم في مجال الأحكام والملاكات، وفي حالة وجوب التفضيل، يكون النوع الأول من مسؤوليات المكلف، والنوع الثاني على عاتق المولى. مقتضى القاعدة الأصلية في التزاحم بين الأحكام هو الاختيار؛ أما في باب الملاكات، فلا يجري الاختيار، لأن إدراكها للعقل غير ممكن. أهم ثمرة للتعادل والتساوي بين حكمين متزاحمين هي وحدة العقوبة أو تعددها. إذا لم يكن المتزاحمان متساويين من حيث الأهمية، يُقدم الحكم الأهم على الآخر؛ ولهذا ذكر الأصوليون مرجحات متعددة بحسب موضوعات الحكم، والتي لها آثار كثيرة في أبواب الفقه المختلفة. وبما أن العلماء يختلفون في شأن مجرى التزاحم وأنواعه ومسؤولية التشخيص وطرق العلاج، فإن دراسة هذه المسألة ذات أهمية بالغة؛ لذا تناول المؤلفون أبعادها المختلفة بأسلوب وصفي-تحليلي.
المؤلف: کریم کوخاییزاده، عبدالجبار زرگوشنسب
المصدر: مطالعات فقه و حقوق اسلامی، خريف 1401، العدد 28، ص 251 إلى 274.
المقدمة
في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية، يحدث أحيانًا تنافي بين حكمين أو أكثر في مقام التشريع أو الامتثال، ويُلاحظ هذا التنافي وحله في الكتب الأصولية خصوصًا في باب التوازن والترجيح والتعارض بين الأدلة. التنافيات في المسائل الفقهية والقانونية والأصولية تحدث في مراحل التشريع، والتأليف، والكشف، وتنفيذ الأحكام، وتختلف باختلاف المرحلة. ونظرًا لأن قدرة المكلف محدودة جدًا، واتساع نطاق الأمور الفقهية والقانونية في حياته الفردية والاجتماعية كبير – بحيث يحدث أحيانًا تزاحم بين الأحكام في العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، وغيرها – فإنه يضطر إلى الاختيار، وترجيح المصالح والمنافع، وتقديم بعضها على بعض؛ ومن ثم يحتاج المكلف للخروج من هذه الحالات التنافية والتزاحمية إلى معرفة أحكام باب التزاحم. العدلية (الشيعة والمعتزلة) يرون أن الأحكام تتبع سلسلة من المصالح والمفاسد الواقعية، وإن كانت هذه المصالح والمفاسد ليست على درجة واحدة ومرتبة واحدة؛ فالأدلة الشرعية للأحكام قد تتنافى أحيانًا في مقام التشريع والتقنين، وأحيانًا أخرى في مقام الامتثال. تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي ماهية التزاحم؟ من هو المسؤول عن تشخيص وتنفيذ التزاحم؟ وما هي طرق علاجه (المرجحات)؟
من حيث خلفية البحث، يجب القول إن المقالات التي تناولت الموضوع قد عالجت بشكل عام مسألة التزاحم؛ من بينها مقال «دراسة تقديم الواجب الذي له بدل في مرجحات باب التزاحم ومصاديقه الفقهية» للكاتب سيد أبو القاسم حسيني زيدي، الذي نُشر في مجلة الفقه والأصول العدد (٢) عام ١٣٩٧. بعض هذه المقالات تناولت بعض المصاديق وحالات التزاحم، وفي إحدى المقالات تم الإشارة إلى رأي الشهيد الصدر دون الالتفات إلى المآخذ التي أشار إليها الشهيد الصدر في بحث القدرة التكوينية مقابل العجز التكويني، والتي كانت في الغالب موجهة إلى رأي المحقق النائيني القائل بأن القدرة العقلية في موضوع التكليف مأخوذة بسبب استحالة تكليف المكلف العاجز، لا بسبب المقياس وضرورة التكليف، بل هي مطلقة حتى في حالة العجز، أما رأي الشهيد الصدر الذي استدل به فهو أن القدرة الشرعية التي تدخل في مقياس الوجوب لها أحد ثلاثة معانٍ، وهذه المعاني هي التي تناولها المقال الحاضر فقط.
١- التزاحم في اللغة والاصطلاح
كلمة تزاحم مشتقة من الجذر «ز ح م»؛ وتعني إيقاع بعضهم في ضيق ومحنة بالنسبة إلى بعض آخرين. ورد في لسان العرب: «بأن تجمع قوم في مكان وكثرة عددهم تسبب لهم الوقوع في ضيق ومحنة» (ابن منظور، ١٤١٤: ٢٦٢/١٢). وقد استُعملت كلمة «ز ح م» في باب التفاعل لأن هذا الباب يحمل معنى المشاركة الثنائية، ولكل طرف يجب أن يكون له معنى فاعلي؛ لذا، فإن كلمة تزاحم تعني إيقاع كل طرف في ضيق بالنسبة إلى الآخر. التزاحم اصطلاحًا هو تعارض حكمين لهما مقياس في مقام الامتثال، بسبب عدم قدرة المكلف على أداء كلاهما في وقت واحد (صدر، ١٤٢٦: ٢٦/٧). وقد قال بعض الأصوليين في تعريف التزاحم: هو تعارض بين حكمين صادرين عن الشارع المقدس، بسبب عدم قدرة المكلف على أداء كلاهما في وقت واحد في مقام الامتثال (خوئي، ١٤١٧: ٣٣٢/٣؛ روحاني، 1382: ٣/٤٥).
٢- الفرق بين التعارض والتزاحم
بالنظر إلى التعريف المقدم للتزاحم، ولتوضيح الفرق بين التعارض والتزاحم، يجب أولاً تقديم تعريف للتعارض. يقول صاحب الكفاية في تعريفه: «التعارض هو تنافي أو عدم توافق بين دليلين في مقام الدلالة والإثبات، وهذا التنافي يكون إما على نحو تناقض أو على نحو تضاد حقيقي أو عرضي» (آخوند خراسانی، ١٤٠٩: ٤٣٧). إذًا، لا يمكن اعتبار التعارض صفة للدليل نفسه، بل هو صفة لمدلول دليلين (شیری وآخرون، ١٣٩٤: ١٥٧). معنى المعارَضة والتعارض معًا هو أن كل واحد منهما – حينما تكتمل أركان حجّيته – يبطل الآخر وينكره، وهذا الإنكار يكون إما في جميع مدلولات وأبعاد دلالة كل طرف، أو في بعض الجوانب بحيث لا يكون افتراض بقاء حجية كل منهما مع بقاء حجية الآخر صحيحًا، ولا يكون العمل بهما معًا صحيحًا (مظفر، ١٤٢١: ٤٣٢)؛ لأن كل واحد منهما له دلالة التزامية تنفي حكم الآخر عند اجتماع الاثنين، ومن هذه الناحية ينكر كل منهما الآخر. في أصول الفقه الشيعي هناك فروق بين التعارض والتزاحم، وبعض هذه الفروق مبنية على أساس معين في بحث التعارض والتزاحم. بعض علماء أصول الفقه مثل آخوند خراساني بنوا الفرق بين تزاحم الأحكام والتعارض على وجود المقياس أو عدمه. من وجهة نظر صاحب الكفاية، خاصية التزاحم هي وجود المقياس في الدليلين المتزاحمين؛ على عكس التعارض حيث لا يوجد مقياس في كل من الدليلين المتعارضين أو في أحدهما (آخوند خراسانی، ١٤٠٩: ١٥٥). أساس هذا الفرق، وفقًا لرأي المتكلمين الإمامية، هو تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، لأنه بدون هذا الأساس لا يبقى مجال لافتراض وجود مقياس في كل منهما أو في أحدهما ليُفرّق بناءً عليه بين التزاحم والتعارض. أما وفقًا لرأي علماء مثل المحقق الخوئي، فهذه المسألة لا علاقة لها بمسألة تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد؛ لأن مسألة التزاحم مبنية على عدم قدرة المكلف على الجمع بين تكليفين، دون أن يؤثر وجود المقياس أو عدمه في تحقق التعارض بين التكليفين في مقام العمل. وكذلك مسألة التعارض مبنية على تنافي حكمين في مقام التشريع والتقنين، وهذا أيضًا لا علاقة له بوجود المقياس أو عدمه؛ لذا فإن مسألة تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد لا تدخل في مسألتَي التزاحم والتعارض (خوئی، ١٤١٧: ٢٠٥/٣). بناءً على التعريفات التي قدمها أشهر علماء أصول الفقه للتعارض والتزاحم، فإن الفرق بينهما هو: التعارض يكون حيث يكون التنافي وعدم التوافق في مدلول ومضمون دليلين لفظيين أو أكثر متعلقًا بمقام التشريع والتقنين، أما إذا كان هذا التنافي متعلقًا بمقام الامتثال وأداء التكليف، وكان أداء كلاهما في زمان ومكان واحد غير ممكن، فحينئذ يكون هناك تزاحم (نائینی، ١٣٧٦: ٣١٧/١).
من وجهة نظر الشهيد الصدر، التزاحم – بمعنى التنافي بين حكمين بسبب عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال – خارج عن التعارض الحقيقي وداخل في باب الدخول. وهذا الأمر معلق على تحقق شرطين اثنين:
أ) الالتزام بوجود مقيد لَي في كل خطاب شرعي يمنع التمسك بإطلاق الخطاب عند الاشتغال بضد الواجب، مثل الاشتغال بالصلاة بالنسبة إلى إزالة النجاسة التي هي ضدها.
ب) الالتزام بإمكانية الترتب بين الواجبين المتزاحمين، بحيث يُجعل وجوب الآخر في فرض العصيان وعدم الامتثال للواجب الأول.
في حال وجود الشرطين السابقين، لا تُعتبر حالات التزاحم من قبيل التعارض الحقيقي (أي لا تندرج تحت التعارض الحقيقي)؛ لأن في هذه الحالة، لا يحدث تعارض بين حكمين في عالم الوضع والتشريع، بل لكل حكم متعلق خاص به وثابت، وللمكلف القدرة على امتثال متعلق كل حكم مشروط بطريقة ترتيبية. التعارض يحدث فقط في مرحلة تفعيل حكمين موضوعين بحيث يصبح تفعيل موضوع كل منهما عند الامتثال مستحيلاً؛ لأن المكلف بحكم قدرته يكتفي بأداء أحد الوجوبين ويعجز عن امتثال الآخر، وهذا لا يعني تعارضاً بين الدليلين. أما إذا أنكرنا شرط عدم الامتثال للوجوب الأول واعتقدنا استحالة الترتب، فحينئذٍ يحدث تعارض بين الخطابين رغم أن كلا الخطابين مشروطان بمخصص لبي، لأن ذلك يؤدي إلى تفعيل كلا الحكمين الموضوعين في فرض المعصية. وهذا يعني انتقال التعارض إلى الحكم في مقام الوضع والتشريع؛ ومن المستحيل أن يثبت خطبان مشروطان من حيث كونهما مشروطين؛ لذا لا بد من حدوث تعارض بين الدليلين (صدر، ١٤٢٦: ٦١/٧و٦٢)؛ لذلك نستنتج أنه في كل من الخطابين لا وجود للإطلاق يتنافى مع إطلاق الآخر. هذا هو المعنى الذي يخرج التزاحم من دائرة التعارض الحقيقي؛ ومن ثم يتضح أن كل واحد منهما في فرض التساوي أو التفوق يدخل في أحد الدليلين على الآخر، وهذا يعني أن التزاحم يدخل في دائرة الدخول وليس التعارض (انظر: صدر، ١٤٢٦: ٦٧/٧).
٣- أقسام التزاحم
١-٣- التقسيم من حيث الوضع والامتثال
يقسم علماء الأصول التزاحم حسب المعيار، المحرك والامتثال إلى ثلاثة أقسام:
أ) التزاحم المَلَكي: هذا النوع من التزاحم يعني التنافي بين مقتضيات موجودة في موضوع واحد في عالم الوضع والتشريع؛ بمعنى أن الفعل أحياناً له وجهان؛ من جهة له مصلحة تجعل الفعل محبوباً عند المولى ومقتضياً للأمر بفعله؛ ومن جهة أخرى له مفسدة تجعل الفعل مكروهاً عند المولى ومقتضياً للنهي عن فعله؛ في مثل هذه الحالة، يحدث تنافي وتزاحم بين المقتضيات (انظر: صدر، ١٤٢٦: ٢٠٣/٤).
ورد في كلام بعض الأصوليين أن المقصود بالملاك هنا ليس المصالح والمفاسد في متعلقات الأحكام أو المصالح في وضع الحكم نفسه – التي تقوم على الحسن والقبح العقلي عند العدلية – بل المقصود هو مطلق المقتضيات التي أدت إلى وضع الحكم والأهداف التي أدت إلى وضعه؛ مثل الأفعال الاختيارية التي لا تصدر من الفاعل إلا من أجل الغرض الذي طلب منه؛ وهذا الغرض لم ينكره أحد حتى من أصحاب المذهب الأشعري الذين ينكرون الحسن والقبح العقلي (طباطبائی حکیم، ١٤١٤: ٢٧/٦).
ب) التزاحم الامتثالي: هذا النوع من التزاحم، الذي يسمى أيضاً التزاحم الحقيقي، هو التنافي بين حكمين أو أكثر فعليين في مقام الامتثال؛ أي أن سبب التنافي والتزاحم هو عجز المكلف عن أداء متعلق تلك الأحكام في وقت واحد؛ فالتزاحم الامتثالي يكون حين يواجه المكلف في وقت واحد تكليفين فعليين ولا يستطيع امتثالهما (صدر، ١٤٢٦: ٢٠٣/٤).
هناك فرقان بين التزاحم المَلَكي والتزاحم الامتثالي: الأول أن التزاحم الامتثالي لا يوجد فيه تنافي وتضاد بين الحكمين المتزاحمين في مقام الوضع، وإنما التنافي يكون فقط في مقام الامتثال؛ وبالتالي لا يكون هناك تعارض أو تضاد بين الدليلين؛ على عكس التزاحم المَلَكي حيث يوجد تنافي وتضاد بين الحكمين في مقام الوضع بحيث يستحيل اجتماعهما في موضوع واحد. الثاني أن في التزاحم الامتثالي، لا حاجة إلى عناية الشارع في توجيه المكلف بشأن أيهما ينفذ وأيهما يترك، بل المكلف حر في تقديم الأهم على المهم أو اختيار أحدهما إذا كانا متساويين؛ أما في التزاحم المَلَكي، فلا حرية للمكلف، بل على المولى أن يعتني بعبده ويفضل الحكم الذي له ملاك أقوى، لأن تشخيص المقتضي والملاك هو من اختصاص المولى وليس من قدرة المكلف (المرجع نفسه).
ج) التزاحم الحفظي: هذا النوع من التزاحم يقف مقابل التزاحم الامتثالي والمَلَكي، ويعني التنافي بين أغراض الأحكام التشريعية في مقام الحفاظ على أغراض التشريع (مرکز اطلاعات و مدارک اسلامی، ١٣٨٩: ٣٠٦). على سبيل المثال، إذا كان إكرام العالم واجباً وإكرام الجاهل محرماً، وكان هناك جماعة لا يمكن تمييز من بينهم العالم والجاهل، وبما أن الموضوعات هنا متعددة، فلا يوجد تزاحم مَلَكي؛ ومن جهة أخرى، وبما أن الجمع بين التكليفين ممكن فعلاً، فلا يوجد تزاحم امتثالي؛ بمعنى أنه إذا زال الخطأ والخلط وتم التعرف على كل من العالم والجاهل، فسيتم امتثال كلا التكليفين. هنا يكون التزاحم في عالم المحرك؛ أي أن الشارع عند الخطأ في أغراض الوجوب مع التحريم أو الخطأ في أغراض الإلزام مع الترخيص عند المكلف، يوسع دائرة المحرك حسب الغرض الأهم. تقديم الغرض الأهم لا يعني سقوط الغرض غير المهم من الفعل، بل يعني فقط أن المحرك ليس بسبب الغرض غير المهم، لكن مبادئه وملاكه تبقى قائمة (صدر، ١٤٢٦: ٢٠٣/٤ و٢٠٤).
٢-٣- التقسيم من حيث المتعلق
يقسم علماء الأصول التزاحم بناءً على متعلقاته في الخارج، ولهذا السبب يختلفون في عدد أقسامه. بعض الأصوليين قسموا حالات التزاحم إلى خمس فئات، وبعضهم إلى أربع، وبعضهم يقتصر عليها بثلاث فئات؛ لكن في معظم كتب الأصول تم تصنيفها إلى خمس صور، وقد أيد ذلك غالبية علماء الأصول. مح ق نائيني يرى أن منشأ التزاحم هو أحد الأمور الخمسة التالية:
أ) التزاحم من حيث تعارض متعلق حكمين؛ مثل حين يحدث تزاحم بين واجبين بالصدفة.
ب) عدم قدرة المكلف على أداء متعلق حكمين؛ مثل أن يكون شخصان في حالة غرق، ويكون على المكلف أمر واحد لكل منهما (أن تنقذ الغريق)، والمكلف لا يستطيع إنقاذ سوى غريق واحد فقط.
ج) تزاحم ناشئ عن تلازم متعلقين، ولو كان الحكم متعلق كل منهما مختلفًا؛ مثل أن يُقال: في وقت الصلاة يجب أن تكون متجهًا نحو القبلة، ومن الحرام أن تدير ظهرك نحو النجم «جدّي»؛ مع أن في بعض الأماكن، التوجه نحو القبلة يستلزم أن يكون ظهرك نحو «جدّي».
د) تزاحم ناشئ عن وحدة وجود متعلقين وحالات اجتماع الأمر والنهي؛ مثل أن يأمر الحكم بالصلاة بلباس طاهر، وينهى عن الغصب.
هـ) تزاحم ناشئ عن كون متعلق حكم ما مقدمة وجودية لمتعلق حكم آخر؛ مثل شخص يغرق وإنقاذه يتوقف على التصرف في ملك الغير دون إذنه (نائینی، ١٣٥٢: ٣٢٠/١). المحقق خوئي لا يقبل تقسيم ميرزا النائيني. فهو يرى أن بعض هذه الأقسام داخلة في أقسام أخرى (خوئی، ١٤١٧: ٣٥٦/٣). ويعتبر التقسيم الصحيح للتزاحم ثلاثة أقسام: أولًا، أن يكون التزاحم ناشئًا عن عدم قدرة المكلف عرضًا؛ ثانيًا، أن يكون التزاحم ناشئًا عن مقدمة حرام لواجب؛ ثالثًا، أن يكون التزاحم ناشئًا عن تلازم عرضي بين فعلين في الخارج (همان).
٤- ترجيح أحد المتزاحمين على الآخر وأسبابه
بالنظر إلى ما ذُكر في موضوع التزاحم، إذا نشأ تزاحم بين تكليفين، فعقلاً يجب تفضيل أحدهما على الآخر. لكن السؤال هو: في مقام التنفيذ، أيهما يُفضل على الآخر؟ وهل تفضيل أحدهما على الآخر من واجب المكلف أم من اختصاص الشارع؟ للإجابة على هذه الأسئلة، من الضروري دراسة مسألة تزاحم المتزاحمين ومرجحاتها وبعض حالات تطبيقها فيما يلي.
١-٤- تفضيل المتزاحمين
في هذه المسألة، هناك موقفان يتعلق بهما تفضيل المتزاحمين: أحدهما يعود للمكلف نفسه، والآخر يعود إلى نصوص الشارع واستنباط المجتهد؛ لأن الأصوليين قسموا التزاحم إلى قسمين: أحدهما في الأحكام، والآخر في الملاكات، وسيتم مناقشتهما لاحقًا.
١-١-٤- وجهة نظر الأصوليين في حالة تعادل المتزاحمين
يتفق الأصوليون على أنه إذا كان حكمان متزاحمان متساويين من جميع الجوانب، فإن العقل العملي يأمر بالتخيير، لأن هذه المسألة تدخل في باب المستقات، والشارع المقدس ترك للمكلف حرية اختيار أحد الحكمين، وهذا التخيير يعود إلى المكلف نفسه. يقول أحد الأصوليين في هذا الصدد: «بعد فرض عدم إمكانية الجمع في التنفيذ بين حكمين متزاحمين وعدم جواز تركهما معًا – مع أن حسب الفرض لا يوجد تفضيل لأحدهما على الآخر، والتفضيل بلا مرجح محال – لا يبقى حل إلا أن يُترك الأمر لاختيار المكلف نفسه؛ لأن بقاء التكليف في كل منهما محال، وسقوط التكليف في كلاهما معًا لا مبرر له؛ وهذا حكم عقلي اتفقت عليه آراء جميع العقلاء» (مظفر، ١٤٢١: ٤٣٦). ومن هذا الحكم العقلي، كما في سائر الأحكام العقلية القطعية التي تنبع من المستقلات العقلية والمبنية على المقتضيات العقلية الخالصة، يُستكشف الحكم الشرعي؛ مثل الحالة التي يكون فيها الأمر بين إنقاذ غريقين متساويين من جميع الجوانب، ولا يفضل شرعًا أحدهما على الآخر في وجوب الإنقاذ، فيضطر المكلف إلى إنقاذ أحدهما وترك الآخر؛ لذا يكون العقلاء مخيرين بينهما، ويُستكشف رضا الشارع عن هذا الأمر وتوافقه مع التخيير (مظفر، ١٤٢١: ٤٣٦).
أهم ثمرة للتوازن والتساوي بين حكمين متعارضين وعدم تفضيل أحدهما على الآخر، هي وحدة وتعدد العقوبة والجزاء؛ وذلك لأنه في هذه الحالة، إذا جرى الاختيار العقلي، تكون العقوبة على المكلف العصيان متعددة في حال تركه للواجبين معًا، لأنه لم يمتثل خطابين شرعيين. أما إذا جرى الاختيار الشرعي، فإن المكلف العصيان يستحق عقوبة واحدة، لأنه لم يمتثل خطابًا شرعيًا واحدًا (صدر، ١٤٢٦: ١٠٤/٧).
٢-١-٤- وجهة نظر الأصوليين في حالة التفوق بين الجهات المرجحة
جميع أفعال المكلفين تخضع للمُعَيِّر؛ وأحيانًا يحدث أن الجهات المرجحة – ومنها المصلحة والمفسدة – التي ذكرها الأصوليون تكون أهم من الجهات الأخرى من حيث المُعَيِّر. ونظرًا لأن المكلف عاجز عن إدراك أي هذه الجهات أهم، فلا خيار له سوى الرجوع إلى ترجيح الشارع المقدس الذي يُستنبط من خلال استنباطات المجتهد. ومن كلام أحد الفقهاء في هذا الخصوص يتضح أن التزاحم في المعايير الواقعية؛ بمعنى أنه مثلاً في فعل ما توجد من جهة مصلحة – تقتضي الوجوب – ومن جهة أخرى مفسدة – تقتضي الحرمة – أو في فعل ما من جهة تقتضي الاستحباب ومن جهة أخرى تقتضي الكراهة وهكذا…؛ التزاحم في المعايير يعني مواجهة المصلحة والمفسدة في فعل واحد، ولا شك أن التزاحم إذا وقع بينهما فإن واجب العبد ليس تفضيل طرف على آخر، بل الأمر في هذا النوع من التزاحم بيد المولى، بحيث يأخذ في الاعتبار الجهات الواقعية والمعايير النفسية للأمر في الأفعال الاختيارية للعباد، ويقدم ما هو أقوى وأهم من بين تلك المعايير على الآخر، التي ليست في مرتبة القوة والأهمية هذه، ويحكم وفق الأهم؛ لكن واجب العبد هو العبودية وامتثال الأحكام التي وردت إليه من المولى ويجب عليه القيام بها، ولا حاجة لمراعاة المصالح والمفاسد في متعلقاتها؛ ولو علم العبد أن الأمر على المولى مشتبه – كما يحدث هذا الأمر في الموالي العرفية – وأنه مثلاً اعتبر الوجوب على ظن وجود مصلحة في الفعل، مع أن المصلحة غير موجودة، أو علم أن المفسدة موجودة فيه، فإنه بمقتضى واجب العبودية لا يحق له مخالفة التكليف المفروض وترك الامتثال له، بحجة أن ذلك الفعل لم يكن مقتضياً للوجوب أو أنه كان مقتضياً للحرمة؛ لأنه لا يُسمع منه أي حجة، وبسبب مخالفته يستحق العقاب؛ كما أن الناس ملزمون بالالتزام بالقوانين التي تضعها الحكومات، فإذا خالف أحدهم تلك القوانين بحجة عدم وجود مصلحة في وضعها أو وجود مفسدة فيها، فلا يُسمع منه هذا العذر ويُعاقب بسبب هذه المخالفة (خوئی، ١٤١٧: ٢٠٥/٣). وفق هذا الرأي يتضح أن واجب المولى هو وضع الأحكام وفق الجهات المصالح والمفاسد الواقعية وترجيح بعضها على بعض في مقام التعارض؛ لأن العبد لا يستطيع إدراك الجهات المصالح والمفاسد في متعلق الأحكام الشرعية مع تجاهل ثبوتها، ليتمكن من رؤية ما هو أقوى منها، والمولى الحقيقي يعلم بوضع الحكم وفق ما هو أقوى من تلك الجهات في الواقع ونفس الأمر. وواجب العبد لا يتعدى الانقياد والطاعة وامتثال الأحكام، سواء كان يعلم بوجود المصلحة في متعلق الأحكام أو لا يعلم؛ فلا عذر له في ترك الامتثال، بل إن هذا الفعل منه يعد تدخلاً في واجب المولى وهو أمر مذموم (خوئی، ١٤١٧: ٢٠٥/٣).
٢-٤- الجهات المرجحة في التزاحم وبعض حالات تطبيقها
في الموضوع السابق، ذُكر مقتضى القاعدة الأولية في باب المتزاحمين أنه مع تجاهل المرجحات عقلاً يكون الاختيار (حکیم، ١٤١٨: ٣٥٠)؛ لكن الأصوليين ذكروا جهات لهذه المرجحات تؤدي إلى أولوية تقديمها، وبعضها كما يلي:
أ- أن يكون أحد الواجبين لا بديل له، مع أن الواجب الآخر المتزاحم معه له بديل؛ لذلك ما لا بديل له يُقدم على ما له بديل. وهذا ما مال إليه الشيخ النائيني ويعتقد أنه يتحقق في موضعين:
أولاً- إذا كان لأحد الواجبين في مقابل الآخر بديل، مثل تزاحم واجب تخييري – سواء عقلي أو شرعي – مع أحد الواجبات التعينية؛ حيث يُقدم الواجب التعيني على الواجب التخييري، حتى وإن كان الواجب التخييري أهم منه (نائینی، ١٣٥٢: ٢٧١/١). سبب التقديم هو أن «وجوب الواجب التخييري لا يقتضي لزوم القيام بخصوص الفرد الذي له مزاحم، على عكس وجوب التعيني الذي يقتضي لزوم القيام بخصوص الفرد الذي له مزاحم. ومن البديهي أن ما لا يقتضي لا يمكن أن يتزاحم مع ما يقتضي» (نفس المرجع). ويمكن تقديم مثال على هذه الحالة بأن يكون لدى شخص عشرة دنانير، ويكون الأمر بين إنفاقها في مؤونة من تقع عليه المصاريف وبين إنفاقها في كفارة شهر رمضان؛ مع وجود بديل لكفارة شهر رمضان وهو صيام شهرين متتابعين أو تحرير رقبة مؤمنة؛ لذلك لا يمكن أن يتزاحم وجوب الكفارة مع وجوب المؤونة. ومن ثم، يُقدم إنفاقها في المؤونة على إنفاقها في الكفارة، لأن وجوب الكفارة لا يقتضي لزوم إتيان الفرد المزاحم، على عكس وجوب المؤونة الذي يقتضي لزوم إتيان خصوص ذلك الفرد.
ثانيًا- إذا كان لأحد الواجبين بدل خلاله، لكن الآخر لا بدل له؛ مثل تزاحم بين الأمر بالوضوء أو الغسل والأمر بتطهير الجسم للصلاة، مع وجود بدل (الترميم) للوضوء والغسل؛ فلا يمكن تزاحم الأمر به مع الأمر بتطهير الجسم، لذا يُقدم الأمر بالطهارة الخبثية على الأمر بالطهارة الحدثية، مع أن الأمر الثاني أهم من الأول؛ لأن ما لا يقتضي لا يمكن أن يتزاحم مع ما فيه الاقتضاء. وكذلك إذا وقع تزاحم بين إدراك جميع الركعات في الوقت مع طهارة التراب وإدراك ركعة واحدة مع طهارة الماء؛ كأن يكون الوقت ضيقًا جدًا بحيث إذا توضأ أو غسل المصلي لا يدرك إلا ركعة واحدة. ولكن إذا تمم بدل الوضوء أو الغسل، تُؤدى جميع الركعات في الوقت. لذلك في مثل هذه الحالة، يُقدم إدراك جميع الركعات في الوقت مع طهارة التراب على إدراك ركعة واحدة مع طهارة الماء؛ لأن ما له بدل لا يملك صلاحية التزاحم مع ما لا بدل له – وهو الصلاة في الوقت – (نایینی، ١٣٥٢: ٢٧٢/١).
ب: أن يكون وجوب أحد الواجبين المتزاحمين مشروطًا بالقدرة الشرعية، والآخر مشروطًا بالقدرة العقلية، ففي هذه الحالة يُقدم الوجوب المشروط بالقدرة العقلية على الوجوب المشروط بالقدرة الشرعية، لأن كل واحد من المتزاحمين هنا واجب تعييني وبدون بدل؛ ولهذا حصر محقق النائيني المتزاحمين في ثلاثة صور: الأولى أن يكون اعتبار القدرة في أحدهما شرعيًا وفي الآخر عقليًا؛ والثانية أن يكون اعتبار القدرة في كل منهما شرعيًا؛ والثالثة أن يكون في كل منهما عقليًا (نائینی، ١٣٥٢: ٢٧٣/١). ولتوضيح هذه الصور الثلاث نبحثها فيما يلي.
الصورة الأولى: إذا تزاحم واجبان، وكان وجوب أحدهما مشروطًا بالقدرة الشرعية والآخر غير مشروط؛ ففي هذه الحالة يُقدم الوجوب المشروط بالقدرة العقلية على الوجوب المشروط بالقدرة الشرعية؛ وسبب هذا التقديم عند محقق النائيني هو أن المقياس للواجب المشروط بالقدرة العقلية تام وكامل ولا مانع من وجوبه الفعلي، بينما مقياس الواجب المشروط بالقدرة الشرعية غير تام وكامل؛ لذا لا يمكن الإيجاب الفعلي له الآن (النائيني، 1352:1/272).
حقق خوئي يعترض على تعليل محقق نائيني، من حيث أنه لا توجد طريقة مطلقًا لإثبات معايير الأحكام بغض النظر عن ثبوتها؛ ولأنه لا توجد طريقة تكشف أن الواجب الذي أُخذت فيه القدرة العقلية هو الذي يمتلك المعيار في مقام التعارض، والواجب الذي أُخذت فيه القدرة الشرعية يفتقر إلى هذا المعيار، بحيث يُستدل من ذلك على فعليّة وجوب الأول وعدم فعليّة الثاني. كما أن تقديم أحد المتعارضين على الآخر بواسطة المرجح لم يُؤيد من وجهة نظر أي مذهب، بل يُعمم من خلال جميع المذاهب والنظريات، بسبب عدم تخصيص النقاش في مسألة التعارض لرؤية مذهب العدلية من حيث تبعية الأحكام للمعايير الواقعية؛ بل حتى بناءً على رأي الأشاعرة الذين ينكرون تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية، يُعمم ذلك (خوئی، ١٤١٧: ٢٤٠/٣). ثم بيّن محقق خوئي أن الأصل في الحكم بالتقديم في هذه الحالات صحيح، ولكن «لأنه لا يوجد مانع لفعليّة الوجوب – الوجوب المشروط بالقدرة العقلية في مقام التعارض مع الواجب المشروط بالقدرة الشرعية -؛ لأن المشروط ليس إلا بشيء غير القدرة التكوينية وهو الوجود نفسه؛ وهذا خلاف الوجوب المشروط بالقدرة الشرعية، إذ يوجد مانع لفعليّة وجوبه وهو فعليّة وجوب ذلك الواجب؛ لأنّه بحسب الفرض، يؤدي ذلك إلى عجز المكلف عن أدائه في الخارج؛ فلا يكون قادرًا عليه، وبانعدام القدرة ينتفي الوجوب، وهذا ليس مستحيلًا، لأن بقاء الحكم مع انتفاء موضوعه مستحيل، ولا فرق بين أن يكون ذلك من حيث الزمن متأخرًا عنه أو مقارنًا به أو مقدمًا عليه؛ لأن معيار التقديم في جميع الحالات واحد» (خوئی، ١٤١٧: ٢٤١/٣). الحالة الفقهية لذلك هي أنه عندما يحدث تعارض بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر أو ما يشابهه، مثل نذر في شهر رمضان، مثلاً نذر أن يمكث ليلة عرفة في حرم الإمام الحسين (ع) وبعد ذلك تتحقق له الاستطاعة للحج؛ فبالتالي يجب تقديم الحج على الوفاء بالنذر…، مع أن النذر من حيث الزمن سابق على أشهر الحج؛ لأن الواجب المشروط بالقدرة الشرعية مقدم مطلقًا، حتى وإن كان من حيث الزمن متأخرًا عنه، لأن المعيار في ظرفه كامل ولا يجوز تفويته؛ لأن العقل لا يفرق بين تفويت واجب فعلي وتفويت معيار لازم في ظرفه؛ فكما أن الحالة الأولى عنده مذمومة، كذلك الحالة الثانية (خویی، ١٤١٧: ٢٤٢/٣). الحالة الثانية: أن يكون كل من الواجبين مشروطًا بالقدرة الشرعية؛ ففي هذه الحالة يُقدم الواجب الذي يكون موضوعه في الخارج سابقًا من حيث الزمن على الآخر؛ وهذا التقديم لأن ما هو مقدم زمنيًا قد تحقق فعليًا بفعليّة موضوعه في الخارج، وهذه الفعليّة هي القدرة عليه فعليًا وتكوينيًا وتشريعيًا… وقد ضرب محقق نائيني لهذا المسألة المثال السابق (وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر) (نائینی، ١٣٥٢: ٢٧٣/١). وقد اعترض عليه محقق خوئي بأن وجوب الحج «ليس مشروطًا بالقدرة الشرعية، بل الحج مشروط بوجود الزاد وأمان الطريق؛ فإذا توفرت هذه الأمور واجتمع بعضها، يصبح الحج واجبًا؛ سواء كان هناك واجب آخر في العرض أم لا، وعلى هذا الأساس فإن وجوب الوفاء بالنذر أو ما يشابهه لا يمنع وجوب الحج ولا يرفع موضوعه… بل العكس هو الصحيح؛ لأن وجوب الحج على هذا الأساس يمنع وجوب الوفاء بالنذر ويرفع موضوعه» (خوئی، ١٤١٧: ٢٤٧/٣و٢٤٨)؛ أي أن محقق خوئي اعتبر الاستطاعة مشروطة بالقدرة العقلية – وليس بالقدرة الشرعية – وإذا كان الأمر كذلك، فهي تقدم على المشروط بالقدرة الشرعية، كما في الحالة الأولى التي سبق ذكرها؛ ولهذا السبب ضرب محقق خوئي مثالًا لهذه الحالة بأنه إذا حدث تعارض بين القيام في صلاة الفجر والقيام في صلاة الظهر بحيث لا يستطيع المكلف الجمع بينهما في الخارج – بحيث إذا قام في صلاة الفجر لا يستطيع القيام في صلاة الظهر، وإذا ترك القيام في صلاة الفجر يكون قادرًا على القيام في صلاة الظهر – فيجب تقديم القيام في صلاة الفجر على القيام في صلاة الظهر، ولا يجوز ترك القيام في صلاة الفجر حفاظًا على القدرة على القيام في صلاة الظهر؛ لأن وجوب صلاة الفجر مع القيام بها بسبب فعليّة موضوعه – وهي قدرته على أدائها عقلاً وشرعًا وعدم وجود مانع – قد تحقق له؛ لأن وجوب القيام في صلاة الظهر في ظرفه الآن غير فعلي، لوجود مانع له، ويصبح فعليًا فقط بعد دخول الوقت…؛ لذلك حيثما حدث تعارض بين واجبين زمنيًا بحيث يكون أحدهما سابقًا على الآخر، فلا إشكال في تقديم السابق على اللاحق، ولا فرق بين أن يكون اللاحق أهم من السابق أو لا، لأن المعيار في جميعها واحد، من حيث أن الوجوب اللاحق في هذه الحالة غير فعلي؛ فلا يمنع فعليّة وجوب السابق (خوئی، ١٤١٧: ٢٤١/٣و٢٤٢). مثال آخر لهذه الحالة هو أن يكون الأمر بين ترك الصيام في العشرة الأولى من رمضان وتركه في العشرة الثانية – على فرض أن الشخص لا يستطيع الصيام في العشرين يومًا معًا ولكنه قادر على الصيام في أحدهما – فلا بد أن يقدم صيام العشرة الأولى على صيام العشرة الثانية؛ لأن وجوب الصيام في العشرة الأولى بسبب فعليّة موضوعه قد تحقق، وليس له حالة انتظار؛ وهذا خلاف وجوب الصيام في العشرة الثانية، لأنه بسبب عدم فعليّة موضوعه فهو غير فعلي؛ لذلك لا عذر له في تركه في العشرة الأولى مع حفظ القدرة على أدائه في العشرة الثانية؛ لأن التكليف في العشرة الثانية بسبب انتفاء موضوعه وهو القدرة، يكون منتفيًا. فإذا ترك المكلف صيام العشرة الأولى وصام العشرة الثانية، يعاقب على ذلك؛ لأنه ترك التكليف الفعلي بلا عذر. أما إذا كان المتعارضان مشروطين بالقدرة الشرعية في العرض، فقد مال محقق خوئي بعد نقاش مستفيض في هذا الباب إلى أن الحاكم في هذين الواجبين هو التخير العقلي، خلافًا لما ذهب إليه أستاذه محقق نائيني من أن الأهم مقدم على غيره، وفي حالة التساوي بينهما يكون الحكم بالتخير الشرعي (خوئی، ١٤١٧: ٢٧٩/٣).
الحالة الثالثة: أن يكون اعتبار القدرة في كل من الواجبين شرطًا عقليًا؛ وفي هذه الحالة هناك وجهان:
الوجه الأول – أن يكون أحد الواجبين أهم من الآخر أو يحتمل أن يكون أهم؛ والوجه الآخر أن يكون المتزاحمان متساويين من حيث الأهمية، فيُقدم الواجب الأهم أو المحتمل الأهم على الآخر، سواء كان الأهم متزامنًا مع المهم من حيث الزمن، أو سابقًا له، أو لاحقًا له (نائینی، ١٣٥٢: ٢٧٧/١و٢٧٨). مقياس الأولوية أو الأهمية هو إحساس المجتهد بأن أحد الدليلين في نظر الشارع أهم من الدليل الآخر (حکیم، ١٤١٨: ٣٥١). الأمثلة التي يمكن تطبيقها على هذا الوجه كثيرة جدًا؛ مثل العمل الذي يُعد ركنًا في العبادة، حيث يُقدم هذا في حالة التعارض مع ما لا يتميز بصفة الركن؛ كأن يحدث تزاحم في الصلاة بين أداء القراءة والركوع، ففي هذه الحالة يُقدم الركوع على القراءة رغم أن وقت أدائه متأخر عن وقت القراءة؛ ومثال آخر لهذا النوع من الأولوية هو الحالة التي يكون فيها في العمل بحكم ما حفظ أصل وأساس الإسلام، ففي مقام التعارض يُقدم هذا الأمر على كل شيء آخر. ومن أمثلة هذا الوجه، ما يتعلق بحقوق الناس، حيث يكون هذا الأمر أحق من التكليفات الشرعية المحضة – أي الأمور التي لا علاقة لها بحقوق من لم يُكلفوا بها – (انظر: طباطبائی یزدی، ١٤٠٩: ٧٥٣/١و٤٣٧/٢؛ فاضل لنکرانی، ١٤٢٢: ١٩٦). ومثال آخر لهذا الوجه هو إذا دارت المسألة بين صلح المؤمنين بالكذب والصدق، مع احتمال حدوث فتنة بينهم، ففي هذه الحالة يُقدم الصلح على الصدق، وهذا الأمر معروف كأحد ضروريات الشريعة الإسلامية. وكذلك إذا وُجد احتمال لأهمية أحد المتزاحمين، فإن الاحتياط يقتضي تقديم ما يُحتمل أهميته. وهذا الحكم العقلي بالاحتياط يسري في كل حالة يكون فيها الأمر بين التعيين والتخيير في الواجبات؛ ففي الموضع الذي يكون فيه الواجب تعينيًا يُقدم على الواجب التخييري؛ مثل تقديم الوفاء بالنذر على الكفارة؛ كأن ينذر شخص تحرير جارية مؤمنة ويُحقق نذره وهو يملك جارية مؤمنة، ففي هذه الحالة يجب عليه تحريرها بسبب النذر، ومن جهة أخرى يجب عليه تحريرها بسبب وجوب كفارة الإفطار العمد في رمضان، لأن من خصال كفارة الإفطار العمد تحرير الجارية، وهذا مع وجود إمكانية تبديل هذه الخصال بخصال أخرى في الكفارة العمدية؛ لذلك يجب عليه تحرير هذه الجارية المؤمنة بسبب الوفاء بالنذر. ومن ثم، ليس من الضروري أن تتأكد أهمية أحد المتزاحمين حتى يصدر حكم العقل بالاحتياط، بل يكفي مجرد الاحتمال؛ وهذه قاعدة ستكون مفيدة جدًا في الفروع الفقهية (مظفر، ١٤٢١: ٤٣٩).
الوجه الثاني – أي في حالة تساوي المتزاحمين من حيث الأهمية، يتفق الأصوليون على أن الحكم في هذه الحالة هو التخيير، لكنهم يختلفون في نوع التخيير؛ فبعضهم يرى التخيير الشرعي وبعضهم يرى التخيير العقلي (نائینی، ١٣٥٢: ٢٧٩/١).
ج: أن يكون أحد الواجبين مضيقًا أو فوريًا، مع أن الواجب الآخر المتزاحم معه موسع؛ ففي هذه الحالة يكون المضيق أو الفوري بالتأكيد أهم من الموسع، ولا بد أن يُقدم على الواجب الموسع؛ مثل أن يحدث تزاحم بين الأمر بالصلاة في وقتها الأول الذي له اتساع في الوقت، وبين الأمر بإزالة النجاسة من المسجد، ففي هذه الحالة يُقدم الأمر بإزالة النجاسة، ومثل ذلك في حالة التزاحم بين الصلاة في آخر وقتها وإزالة النجاسة من المسجد، فتُقدم الصلاة لأنها لا تحتمل التأخير (مظفر، ١٤٢١: ٤٣٧؛ خمینی، د.ت.:١٢٠/١).
د: أن يكون لأحد الواجبين وقت مخصوص والآخر لا، وكان كلاهما مضيقًا. مثال ذلك إذا دارت المسألة بين أداء الصلاة اليومية في آخر وقتها وبين صلاة الآيات في ضيق وقتها، فيجب تقديم أداء الصلاة اليومية لأنها مخصصة بوقت معين (همان)؛ وكذلك مثل التزاحم بين الصلاة الواجبة وصلاة الميت، ففي هذه الحالة يجب تقديم الصلاة الواجبة المضيقة (نجفی، ١٤١٤: ١١٩/١٢).
الشهيد الصدر (قده) في بحثه عن تقديم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية قال: إن المحقق النائيني قال إن القدرة الشرعية تدخل في معيار الوجوب بحيث لا توجد مصلحة ملزمة في موضوع الحكم عند عجز المكلف. أما القدرة العقلية فتُؤخذ في موضوع التكليف – بسبب استحالة تكليف المكلف العاجز عن التنفيذ، وليس بسبب عدم وجود معيار ومقتضى للتكليف بالنسبة إليه – بل التكليف الحالي مطلقًا، حتى في حالة العجز. الشهيد الصدر يعترض على رأي النائيني بأن الرأي الصحيح هو أن القدرة الشرعية التي تدخل في معيار الوجوب لها أحد المعاني الثلاثة التالية:
الأول) القدرة التكوينية مقابل العجز التكويني الاضطراري.
الثاني) القدرة مقابل العجز؛ الذي يشمل العجز الذي نشأ باختيار المكلف – بسبب انشغاله بواجب مضاد -.
ثالثًا) القوة المساوية لعدم المانع التكويني وعدم المانع المولوي الشرعي، حتى وإن لم تكن حالياً منشغلة بالضد الواجِب، بل مأمور بها من قبل المولى. ثم شرح الشهيد صدر هذا الموضوع تفصيلاً، وخلاصة ذلك أنه بناءً على المعنى الأول، لا يوجد سبب لتفضيل المشروط بالقوة العقلية على المشروط بالقوة الشرعية، لأن المعيار في كلا الواجِبين الحاليين هو نفسه. أما بناءً على المعنى الثاني، فالتفضيل صحيح، لأن الانشغال بالمشروط بالقوة العقلية لا يؤدي إلى تفويت معيار آخر بل يرفع موضوعه. وبناءً على المعنى الثالث أيضًا، فالتفضيل صحيح، لأن المشروط بالقوة العقلية بسبب كونه فعليًا ومنجزًا، يرفع موضوع خطاب الواجب الثاني ويدخل في نطاقه (انظر: صدر، ١٤٢٦: (70-68/7.
النتيجة والاستنتاج
من ذكر ما سبق، يمكن الاستفادة من النتائج التالية:
١- مبحث التزاحم هو من المباحث العقلية التي يمكن لأصوليي الفقه من خلالها حل العديد من مشكلات التنافي بين الأحكام في مقام الامتثال، والتي قد تحدث صدفةً للمكلّف ويعجز عن الجمع بينها.
٢- التزاحم من حيث الوضع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ملاكي، حكمي، وحفظي؛ ومن حيث الموضوع، فإن التقسيمات التي وردت في كتب الأصول مختلفة؛ فقد قسمه بعضهم إلى خمس فئات، وآخرون إلى أربع، وبعضهم إلى ثلاث، ويمكن تلخيصها جميعًا في ثلاث جمل: التزاحم الناشئ عن عدم قدرة المكلّف، التزاحم الناشئ عن تقدم الحرام على الواجب، والتزاحم الناشئ عن التلازم العرضي لفعليْن في الخارج.
٣- التزاحم يحدث في مجال الأحكام والمقاييس؛ وكلما اضطر المكلّف إلى تفضيل موضوع أحدهما، فإن التفضيل في الحالة الأولى – أي الأحكام – هو من وظائف العبد وليس غيره؛ أما التفضيل في الحالة الثانية – أي المقاييس – فهو من اختصاص المولى وليس من مهام العبد، رغم أن العبد قد يعلم بأهمية المقياس في أحد الفعلين؛ لذلك فإن واجب العبد هو امتثال الحكم الموضوع من قبل المولى.
٤- مقتضى القاعدة الأصلية في باب التزاحم بين الأحكام، باتفاق العلماء، هو التخيار، أما في التزاحم بين المقاييس فلا يصح الحكم بالتخيار؛ لأن مقاييس الأحكام مشروطة بالمصلحة والمفسدة، والتي لا يمكن للعقل أن يحقق أيًا منهما.
٥- إذا لم يكن المتزاحمان متساويين من حيث الأهمية، فإن الحكم الذي له الأهمية يُقدم على الآخر؛ وفي هذا السياق، ذكر الأصوليون مرجحات متعددة حسب متعلق الحكم في الخارج، ومن بينها: تفضيل الحكم بلا بدل على الحكم ببدل، سواء كان البديل عرضيًا أو طوليًا؛ ثانيًا، تقديم الواجب المضيق على الواجب الموسع، وتقديم الواجب الفوري على الواجب غير الفوري، وكذلك الواجب الذي له وقت مخصوص على الواجب الذي لا وقت مخصوص له؛ تفضيل الحكم المطلق والمنجز على الحكم المشروط بالقوة الشرعية؛ وكل من هذه الحالات لها آثار كثيرة في أبواب الفقه المختلفة.
٦- أهم ثمرة للتعادل والتساوي بين حكمين متزاحمين وعدم تفضيل أحدهما على الآخر هي وحدة وتعدد العقاب والجزاء، فلو جرى التخيار العقلي في مثل هذه الحالة، فإن عقاب المكلف العاصي يكون متعددًا إذا ترك كلا الواجبين معًا، لأنه لم يمتثل خطابين شرعيين؛ أما بناءً على التخيار الشرعي، فإن المكلف العاصي يستحق عقابًا واحدًا لأنه لم يمتثل خطابًا شرعيًا واحدًا فقط.
المصادر والمراجع
– آخوند خراسانی، محمدکاظم بن حسین (١٤٠٩ق)، کفایه الأصول، قم: مؤسسه آل البیت علیهم السلام.
– ابن منظور، محمد بن مکرم (١٤١٤ق)، لسان العرب، ج ١٢، چ ١٣، تحقيق: علی شیری، بیروت: دار احیاء التراث العربی.
– انصاری(شیخ)، مرتضی بن محمدامین (١٤٠٤ق)، مطارح الأنظار، تقریر: میرزا ابوالقاسم کلانتری تهرانی، قم: مؤسسه آل البیت علیهم السلام.
– انصاری(شیخ)، مرتضی بن محمدامین (١٤٢٨ق)، فرائد الأصول، چ ٩، قم: مجمع الفکر الاسلامی.
– جوهری، اسماعیل بن حماد (١٤١٠ق)، الصحاح – تاج اللغه و صحاح العربیه، ج ٥، بیروت: دار العلم للملائین.
– حسینی روحانی، سید محمدصادق (١٣٨٢)، زبده الأصول، ج ٣، چ ٢، تهران: حدیث دل.
– حکیم، محمدتقی بن محمد سعید (١٤١٨ق)، الأصول العامه فی الفقه المقارن، چ ٢، قم: مجمع جهانی اهل بیت (ع).
– حیدری، علی نقی (١٤١٢ق)، اصول الاستنباط، قم: لجنه اداره الحوزه العلمیه.
– خمینی(امام)، سید روح الله (دون تاريخ)، تحریر الوسیله، ج ١، قم: دار العلم.
– خوئی، سید ابوالقاسم (١٤١٧ق)، محاضرات فی أصول الفقه، ج ٣، چ ٤، قم: دار الهادی.
– خوئی، سید ابوالقاسم (١٤٢٢ق)، مصباح الأصول، ج ٢، تقریر: محمد سرور بهسودی، قم: مؤسسه احیاء آثار الامام الخوئی(ره).
– شیری، مهرزاد؛ باقری، احمد؛ خورسندیان، محمدعلی (١٣٩٤)، تعارض در قرارداد و کارآیی قواعد اصولی در تفسیر آن، مطالعات فقه و حقوق اسلامی، ١٢، ١٥٥- ١٨٤.
– صدر، سید محمدباقر (١٤٢٦ق)، بحوث فی علم الأصول، تقریر: سید محمود هاشمی شاهرودی، ج ٧، چ ٣، قم: مؤسسه دائره المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت علیهم السلام.
– طباطبائی حکیم، سید محمدسعید (١٤١٤ق)، المحکم فی أصول الفقه، ج ٦، قم: مؤسسه المنار.
– طباطبائی حکیم، سید محمدسعید (١٤٢٨ق)، الکافی فی أصول الفقه، چ ٤، بیروت: دار الهلال.
– طباطبائی یزدی، سید محمدکاظم (١٤٠٩ق)، العروه الوثقی، ج ١و٢، چ ٢، بیروت: مؤسسه الأعلمی.
– فاضل موحدی لنکرانی، محمد (١٤٢٢ق)، تفصیل الشریعه فی شرح تحریر الوسیله (الحدود)، قم: مرکز فقهی ائمه اطهار علیهم السلام.
– فراهیدی، خلیل بن احمد (١٤١٠ق)، کتاب العین، ج ٣، چ ٢، قم: هجرت.
– مرکز اطلاعات و مدارک اسلامی (١٣٨٩)، فرهنگ نامه اصول فقه، قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی.
– مظفر، محمدرضا (١٤٢١ق)، اصول الفقه، چ ٢، قم: فیروزآبادی.
– ملکی اصفهانی، مجتبی (١٣٧٩)، فرهنگ اصطلاحات اصول، قم: عالمه.
– نائینی، محمدحسین (١٣٥٢)، فوائد الاصول، تقریر: محمدعلی کاظمی خراسانی، ج ١و٤، قم: مؤسسه النشر الاسلامی.
– نجفی(صاحب جواهر)، محمدحسن (١٤٠٤ق)، جواهر الکلام فی شرح شرائع الإسلام، ج ١٢، چ ٧، بیروت: دار الإحیاء التراث العربی.

