ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نظریه «خلافت عمومی انسان» و دلالتهای آن از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: في النظرة الأنثروبولوجية لـالشهيد صدر حول الإنسان والمجتمع، المفهوم الأساسي للنظرية هو «الخلافة العامة للإنسان» (الخلافة الإلهية) التي تعرف الإنسان كوكيل إلهي. في هذا المقال، تم التأمل في الدلالات الأساسية لهذه النظرية فيما يتعلق بتقدم الإنسان. لقد كان إدراك الإنسان منذ القدم في مركز التفكير البشري، وكان السعي المستمر لذلك نابعًا من هذه الضرورة التي تقضي بأنه بدون فهم الحقيقة، وأركان الوجود واحتياجات الإنسان، لن يكون فهم العديد من الأمور المتعلقة بحياة الإنسان ممكنًا. وفقًا لنظرية الخلافة العامة للإنسان، التقدم يعني التشبه بالله أو التخلق بالأخلاق والصفات الإلهية؛ فالإنسان بقدر ما يجسد القيم والأسماء الحسنى الإلهية مثل العلم والإرادة، يخطو خطوة إلى الأمام في طريق التقدم والكمال الحقيقي. الموارد الوجودية التي يمتلكها الإنسان لتحقيق الكمال والتقدم تتجلى أساسًا في بنيته الفكرية والإرادية. وعلى الرغم من أن الكمال الروحي هو الهدف الأساسي للإنسان الخليفة، إلا أن التطور الروحي والروحي يمر عبر الجسد والجسم؛ ولهذا السبب فإن تلبية الاحتياجات الإنسانية الأصيلة يسهل مسيرة الكمال والتقدم.
المؤلف: محمدعلی نظری
المصدر: نشریه بلاغ، ربيع وصيف 1396، العدد 51 و52، ص 79 إلى 98.
المقدمة
السؤال عن حقيقة ووجود الإنسان من بين الأسئلة الأساسية التي كانت منذ القدم في مركز التفكير الإنساني. كان السعي المستمر لمعرفة الإنسان، الذي يحتل النصيب الأكبر بين العلوم الإنسانية، في الأساس بسبب أن العديد من الأمور المتعلقة بالحياة الإنسانية تعتمد على معرفة الإنسان وكيفية فهم طبيعة وأبعاد وجوده.[1]
تعددت الآراء حول ماهية وطبيعة الإنسان. أشهر تعريف حول الهوية الأصلية للإنسان يعود إلى التقليد العقلاني الكلاسيكي. هذا التيار الفكري يرى أن جوهر الإنسان الحقيقي هو «العقل». في هذا التصور، يتكون العقل من جزأين نظري وعملي. المقصود بالعقل النظري هو الفهم الشامل لمجموع الوجود، أما العقل العملي فهو قدرة الإنسان على التدبير في مختلف ميادين الحياة الإنسانية. الإنسان المتكامل في فكر العقلانيين هو الإنسان الذي بلغ الكمال من حيث التفكير في البعدين النظري والعملي. الكمال في البعد النظري يعني أن يكون لدى الإنسان صورة شاملة عن الوجود في ذهنه. أما في البعد العملي، فإذا استطاع الإنسان أن يخضع جميع قواه، وشهواته وغرائزه التي وُضعت في وجوده لسيطرة العقل وتوجيهه، فإنه يكون إنسانًا كاملاً.[2]
في مقابل وجهة نظر العقلانيين، هناك المنهج الأنثروبولوجي التجريبي. هذا المنهج يدرس الإنسان كموجود طبيعي. المقصود بـ«الطبيعي» في هذا المنهج هو تجاهل الأبعاد الروحية والملكية للإنسان. ظهر هذا الاتجاه في العصر الحديث في أوروبا وأسس تيارًا فكريًا خاصًا يُعرف بالأنثروبولوجيا العلمية أو التجريبية. هذا المنهج، الذي يقوم على فرضيات مادية عن الوجود والإنسان، يؤمن باستقلالية الإنسان والعالم وعدم اعتمادهما على الله. من هذا المنظور، العالم والإنسان هما ظواهر ذاتية تعمل وفق قوانين معينة. في هذا التصور، يُلغى الفاصل بين الإنسان والحيوان، ويُعتبر الفرق بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى مجرد فرق في الدرجة ومستوى التعقيد، وليس فرقًا نوعيًا وكيفيًا.[3]
على الرغم من أن هذا المنظور يعترف بوجود قوى عقلية وفكرية أو ذهنية لدى الإنسان، إلا أن العقل والذهن يُعتبران صفات ذات جودة تنبع من نفس الكائن العضوي والطبيعي للإنسان. بمعنى آخر، القوى الذهنية للإنسان هي نتاج التطور البيولوجي الذي وصل إليه الإنسان في مسيرة تطوره من الخلية إلى الكائن الذكي. وفقًا لافتراضات هذا التصور، فإن أعظم قدرة يمتلكها الإنسان والتي اكتسبها خلال عملية التطور هي القدرة على صنع الأدوات. لذلك، وفقًا لهذا المنظور، المؤشر الرئيسي للإنسان المتقدم والمتكامل هو صنع الأدوات.[4]
أما المنهج الثالث في دراسة الإنسان، فيُعرف بالمنظور الإنساني الصريح. يتجلى هذا المنهج في المدارس الفلسفية الظاهراتية، والوجودية، وقبل كل شيء في المنهج ما بعد الحداثي. كان التجريبيون يدرسون الإنسان إلى جانب الظواهر الطبيعية الأخرى ويركزون أكثر على أبعاده البيولوجية أو الجسدية. لكن هذا المنهج يتأمل في أبعاد الحياة الثقافية للإنسان ويعرف الإنسان كمخلوق يصنع الثقافة. على الرغم من أن هذا النوع من الأنثروبولوجيا تشكل كرد فعل على الأنثروبولوجيا التجريبية واهتمامها بعدم كفاية الإجابة على الأسئلة الأساسية للحياة والوجود الإنساني، إلا أنه بسبب عدم تأسيسه على قاعدة معرفية متينة، أدى في المجال الأنثروبولوجي إلى نوع من الإنسانية والتعالي الصريح الذي يعتبر الإنسان كحيوان يصنع الثقافة، واضعًا وموثقًا لجميع المعاني، ومرجعًا لكل شيء. على عكس الأنثروبولوجيا الوضعية التي كانت تؤكد على خاصية صنع الأدوات كميزة مميزة للإنسان، يعتبر هذا النوع من الأنثروبولوجيا خاصية صنع الرموز التي تتجلى في اللغة والخطابات الثقافية، مميزًا ورمزًا للتطور الإنساني.[5]
المستوى العالي لعلم الإنسان يتعلق بالتقليد الديني. علم الإنسان الديني فيما يخص ماهية الإنسان يتجاوز الحقائق العقلية والاعتبارات الثقافية والقدرات التقنية كوجوه مميزة للإنسان، ويرى الإنسان ككائن ذو طبيعة إلهية خُلِق لتحقيق هدف معين. في هذا التصور، لا يُعرف الإنسان كحيوان ناطق أو ككائن مبدع للثقافة، بل يُعرف كـ«وكيل» ووكيل لله. بناءً على الفكر الديني، المفهوم الوحيد القادر على رسم الحدود الحقيقية لوجود الإنسان هو مفهوم «الخلافة» والوكالة. الخلافة كفصل مميز للإنسان تدل على أن الإنسان من حيث التكوين والخلق يمتلك القدرة والاستعداد للوصول إلى مرتبة من الكمال والتقدم تجعله مظهراً للحق وتجلياً للكمال المطلق. في هذا التصور، لا يقتصر كمال الإنسان على الكمال العقلي فقط، بل العقل مع إدراكه لمحددات المعرفة التي يواجهها، يهيئ المجال لمرتبة جديدة من المعرفة وهي الوحي والحدس وضرورة الاستفادة منهما في مسار الكمال الإنساني. من هذا المنظور، إلى جانب امتلاك الإنسان للعقل المفهومي الذي يكشف له طبقات من الوجود، يمكنه بالاستعانة بالفيض الإلهي ومن خلال الارتباط بالعقل القدسي أن يحيط ويعرف أبعاداً وجوانب من الوجود التي لا يمكن اصطيادها بشبكة المفاهيم.[6]
تمثيل الإنسان كوكيل إلهي الذي له جذور في القرآن الكريم، هو تعريف مشهور تناول العديد من المفكرين المسلمين شرحه وتفسيره. لكن من بين هؤلاء، الشهيد صدر هو من المفكرين الذين كانت فكرة «خلافة الإنسان» في مركز نظريته حول الإنسان والمجتمع. ولهذا السبب، تسعى هذه الدراسة إلى التأمل في وجهة نظر الإنسانشناختية للشهيد صدر ومراجعتها واستخلاص دلالاتها المتعلقة بتقدم الإنسان وتطوره.
1. مفهوم الخلافة
يستخدم الشهيد صدر لتبيين الخلافة العامة للإنسان مفاهيم ومصطلحات مثل «خلافة الإنسان»، «استخلاف»، «استئمام» و«استئمان». كلمة الخلافة لم ترد في القرآن، لكن بعض مشتقاتها مثل «خليفة»، «خلائف»، «خلفاء» و«خلف» ذُكرت في القرآن.[7] في اللغة العربية، الخلافة تعني «النيابة»، «الوكالة» و«القيام مقام». يكتب راغب الأصفهاني تحت هذا المفهوم: «الخلافة هي النيابة والوكالة من الآخر بسبب الغيبة، الموت، العجز، أو بسبب الترفيع ورفع الشخص إلى شرف الكمال، ووفقاً للحالة الرابعة، فقد أعطى الله أوليائه الخلافة في الأرض.»[8] المفهوم الآخر الذي يستخدمه الشهيد صدر للتعبير عن الخلافة العامة للإنسان هو «الاستخلاف». هذه الكلمة مصدر باب الاستفعال ومن جذر «خلافة» وتعني جعل شخص نائباً ووكيلًا.[9] «الاستئمام» التي تعني إعطاء الإمامة و«الاستئمان» التي تعني «إعطاء الأمانة» أو «عرض الأمانة» هي تعبيرات أخرى عن الاستخلاف والخلافة العامة للإنسان. بشكل عام، الخلافة من منظور الشهيد صدر لها وجهان: إلهي وإنساني. عندما يُنظر إلى حكم الإنسان في الأرض من جهة الجاعل للخليفة، تُستخدم مفاهيم الخلافة والاستخلاف بمعنى النيابة والوكالة؛ أما إذا نُظر إلى موضوع الخلافة العامة من الجانب البشري ومن جهة المخلف عليه وبالاعتماد على دور الإنسان، فتُستخدم كلمات «الاستئمام» و«الاستئمان» التي تعنيان على التوالي «الإمامة» و«الأمانة».[10]
2. حقيقة الخلافة
الإنسان الخليفة هو النوع المثالي أو النموذج المثالي للإنسان في تصور الشهيد صدر. كون الإنسان خليفة يعني أن الإنسان يمتلك الكفاءة والقدرة التي تمكنه من القيام بأعمال إلهية نيابة عن الله في الأرض، والوصول إلى مقام من الكمال والتقدم يجعله تجليًا لأسماء الله وصفاته، وبعبارة أخرى يصبح إلهيًا. يكتب في هذا المجال: «اختار الله الإنسان لمقام الخلافة والنيابة عنه في الأرض، وجعله أشرف المخلوقات. لذلك، فإن الفرق الأساسي بين الإنسان وسائر المخلوقات هو أنه خليفة ووكيل الله في الأرض، وبسبب هذا المقام في الخلافة، استحق الإنسان أن يسجد له الملائكة وأن تخضع له كل القوى الظاهرة والخفية للطبيعة.»[11]
وفقاً للشهيد صدر، الخلافة التي يطرحها القرآن الكريم ليست خاصة بشخص آدم عليه السلام فقط، بل هي لجميع البشر. لأن الفساد والقتل الذي عبرت عنه الملائكة كأسباب قلقها من اختيار الإنسان خليفة، لا يتعلق بشخص آدم عليه السلام الذي كان معصوماً، بل يتعلق بنوع الإنسان على امتداد التاريخ. ولهذا السبب خاطب الله البشر مراراً في مراحل مختلفة من المجتمع البشري وذكرهم كخلفاء إلهيين؛ لكن آدم عليه السلام كان أول كائن بشري نال هذه النعمة الربانية وتولى مقام الخلافة العظيمة.[12]
الخلافة الإلهية، كما تشمل جميع البشر من حيث المصداق، فهي أيضاً عامة من حيث النطاق وميدان العمل، وتشمل جميع أبعاد ومجالات عمل الإنسان. الخلافة وتدبير الأمور ليست محصورة فقط في الخلافة على الأرض، بل تشمل كل ما له الله فيه حق السيادة والتصرف كمالك حقيقي للطبيعة والإنسان. ويكتب: «الله هو رب الأرض وخيراتها، ورب الإنسان والحيوان وكل دابة تسير على الأرض. الخلافة الإلهية على الأرض تعني أن الإنسان كخليفة له مقام الخلافة والنيابة من الله على كل الأشياء والأمور المذكورة.»[13]
3. أهداف الخلافة
في إطار نظرية الخلافة يمكن بيان ثلاثة أهداف أساسية للإنسان والمجتمع الإنساني وهي:
1-3. التشبه بالله
الهدف النهائي للخلافة من منظور الشهيد الصدر هو التخلق بأخلاق الله أو التشبه بالله. مقتضى ذاتي للخلافة الإلهية، بالنظر إلى المعنى الذي ذُكر لها، هو إزالة كل العوائق التي تجمد القوى والقدرات البشرية وتضيع إمكانيات الإنسان، ومن خلال ذلك توفير فرص النمو والتقدم الحقيقي. ويكتب في هذا الصدد: «التقدم والنمو الحقيقي في الفكر الإسلامي هو أن يحقق الإنسان كخليفة لله القيم والكمالات التي توجد في الله؛ الله الذي جعله خليفة ومدبّر الوجود. لذلك، فإن الصفات والأخلاق الإلهية – مثل العدل، والعلم، والقدرة، والرحمة، واللطف، والانتقام من الظالمين، والكرم والعطاء التي لا حد لها عند الله – كلها مؤشرات للسلوك في المجتمع المبني على الخلافة، وهي أهداف الإنسان الخليفة؛ كما ورد في الحديث: “تشبهوا بأخلاق الله.”»[14]
2-3. تحقيق العدالة
الهدف الآخر المهم للخلافة من وجهة نظر الشهيد الصدر هو إقامة مجتمع قائم على العدالة. ويعتقد أنه ليس من قبيل الصدفة أو بدون سبب أن يُعتبر العدل في الإسلام المبدأ الثاني في المنظور الكوني الإسلامي، وبهذا يتم تمييزه عن صفات الله الأخرى. وجود العدل ضمن المبادئ الأساسية للدين هو تأكيد على الدلالات العملية والدور الذي تلعبه هذه الصفة الإلهية في توجيه الحركة الإنسانية. التأكيد على العدل يعود إلى أن استقامة سير الحركة الإنسانية على أساس القسط شرط أساسي لنمو وتطور القيم السامية الأخرى، وبدون العدل والقسط يفقد المجتمع الشروط اللازمة لتحقيق ونقل هذه القيم والإمكانات الإنسانية الجيدة.[15] كما يكتب الشهيد الصدر في موضع آخر عن أهمية العدل كأساس للعلاقات الاجتماعية: «العدل هو بعد آخر من أبعاد التوحيد، وليس له تميز من ناحية العلم والقدرة والصفات الأخرى لله، ولكن عندما ننظر إليه في المجتمع، فإنه يكتسب تميزاً اجتماعياً من حيث قيادة المجتمعات، لأن العدل صفة يمكن أن تعطي المجتمع نتائج جيدة وتمنحه الاكتفاء والغنى. نحن في المسار الاجتماعي بحاجة إلى العدل أكثر من أي صفة أخرى، لذا يُعبّر عن العدل كالمبدأ الثاني من مبادئ الدين من حيث الجانب القيادي الاجتماعي، ومن حيث المفهوم التربوي للعدالة.»[16]
3-3. حرية الإنسان
الحرية والتحرر للإنسان من أسر أنواع الأصنام الداخلية والخارجية من بين الأهداف الأساسية للخلافة. يجب أن يكون الإنسان الخليفة محرراً من سيطرة الطواغيت الخارجية وكذلك من أسر الشهوات الداخلية. ووفقاً للشهيد الصدر، فإن الحرية من هوى النفس هي أهم ميدان للحرية التي يجب على الإنسان الخليفة أن يسعى لتحقيقها ويقوّي نفسه فيها. التحرر الداخلي هو في الحقيقة أساس حرية الإنسان من عبودية وأسر القيود الخارجية؛ لأنه ما دام الإنسان غير قادر على كبح جماح رغباته الداخلية الجامحة، فإن حريته من القيود والسلاسل الخارجية مستحيلة؛ ولهذا السبب سمى الإسلام عملية التحرر الداخلي بالجهاد الأكبر، والحرية الخارجية بالجهاد الأصغر.»[17]
الإسلام كما يطرح الحرية الإنسانية كهدف في المجال الداخلي، يسعى أيضًا في المجال الاجتماعي إلى تحرير الإنسان. في المجال الداخلي، يكسر الإسلام أوثان الشهوة التي تسلب حرية الإنسان، وفي إطار العلاقات المتبادلة بين الأفراد، يزيل الأوثان الاجتماعية ويحرر الإنسان من عبودية تلك الأوثان، ويضع حدًا لعبودية الإنسان للإنسان. من منظور الإسلام، يُعتبر جميع البشر عبيدًا لله، وعبودية الإنسان لله تضع جميع البشر في مرتبة متساوية أمام الخالق والرب الواحد، ونتيجة لذلك، لا تملك المجتمعات حق استغلال أو استعباد بعضها البعض، كما أن الأفراد والجماعات الاجتماعية غير مخولين بإقامة علاقات قائمة على الظلم والاستبداد فيما بينهم، ولا يحق لأي فرد أن يفرض نفسه كإله للآخرين[18].
٤. دلالات نظرية الخلافة
كما ذُكر، تُعد الخلافة العامة للإنسان فكرة مركزية في إطار النظام الفكري للشهيد صدر حول الإنسان والمجتمع. هذه الفكرة تحمل دلالات مهمة تتعلق بتكامل وتقدم البشرية، ويمكن بيان بعضها كما يلي:
١-٤. قدرة الإنسان على التطور غير المحدود
في إطار فكرة الخلافة، أهم خاصية تميز الإنسان عن باقي المخلوقات هي كونه كائنًا محتملًا. على عكس المخلوقات الأخرى مثل الملائكة أو الحيوانات التي هي موجودات محققة وفعالة، الإنسان كائن تتسم طبيعته بالتحول والتغير. وفقًا لهذا التصور للإنسان، فإن أقرب وصف واقعي لوجود الإنسان هو الإشارة إلى هذه الحقيقة: أن الإنسان دائمًا في حالة تحول وتغير. الإنسان في سيرورة تطورية مستمرة يعيد إنتاج وجوده، وكلما حوّل قدراته الوجودية من الإمكان إلى الفعل وحقق مقتضيات الخلافة الإلهية، يكتسب وجودًا وهوية جديدة. يقول الشهيد صدر: «الخلافة حركة مستمرة نحو تحقيق القيم العليا والمتفوقة مثل تحقيق العدل والقوة والقدرة. من منظور الإسلام، لا يمكن تصور توقف أو نهاية لهذه الحركة، لأنها حركة نحو اللانهاية. أي هدف آخر غير الهدف المطلق – الله سبحانه وتعالى – إذا اختير للحركة والسير الإنساني، فهو هدف محدود يؤدي إلى ركود الحركة وتوقف نمو وتقدم الإنسان الخليفة. الجماعات البشرية التي تتحمل مسؤولية الخلافة ملزمة بتوفير جميع الشروط والظروف اللازمة لهذه الحركة المستمرة نحو الهدف المطلق، ويجب أن تبني علاقاتها الاجتماعية على أسس الخلافة الإلهية.»[19]
تصور الإنسان كموجود دائم التغير يختلف جوهريًا عن التصور الذي يرى الإنسان كلوح أبيض لا كتابة عليه، وهو تصور شائع في بعض المذاهب المادية. في التصور الثاني، يُعتبر الإنسان خاليًا من أي ميول أو توجهات خاصة، فقط الفعل التاريخي والفاعلية الإنسانية هي التي تحدد وجوده وهويته. بناءً على هذا التصور، يصبح الإنسان مخلوقًا ذاتيًا. أما في نظرية الخلافة، فالإنسان يحمل ميولًا فطرية متأصلة في جوهر وجوده توجه حركته وسيره نحو الكمال المطلق؛ لكن تحقيق هذه القدرات والميول الفطرية أو عدم تحقيقها يعتمد إلى حد كبير على تربية الإنسان وكيفية تصرفه[20].
٢-٤. إرادة الإنسان أساس تحولات المجتمع والتاريخ
في إطار فكرة الخلافة، العامل الأساسي في التغيير والتحولات في المجتمع والتاريخ هو الإرادة الحرة والفاعلية الإنسانية. من منظور نظرية الخلافة، التحولات في المجتمع والتاريخ ليست مقدرة أو محتمة أو محددة سلفًا، بل هي تابع للتحولات التي تحدث في إرادة ومضمون الإنسان الداخلي. بنية المجتمع على المستوى الظاهري بكل روابطه ومنظماته وأفكاره وخصائصه هي بناء ظاهري لمضمون الإنسان الباطني، وأي تغيير أو تطور في هذا البناء الظاهري يتبع تغيير وتطور هذا الأساس، ومع تغيره يتغير البناء الظاهري للمجتمع. إذا تغير المضمون الداخلي للإنسان نحو الخير والكمال، يتغير المجتمع والتاريخ وفقًا للتحول الذي حدث في الإنسان؛ وكذلك التغيرات التي تحدث في مسار الضلال والضياع تدفع المجتمع والتاريخ نحو الركود والانحطاط. لذلك، العلاقة بين المضمون الباطني للإنسان والبنية الاجتماعية والتاريخية للمجتمع هي علاقة تابع ومتبوع أو علاقة سبب ونتيجة[21].
يعتقد الشهيد صدر أنه بالرغم من أن المجتمع والحياة الإنسانية من منظور القرآن تخضع لقوانين أو سنن إلهية، إلا أن السنن التي تحكم المجتمع والتاريخ مشروطة بإرادة الإنسان. ولإثبات أهمية ودور الإرادة والاختيار المحوري في مصير الإنسان، يستدل الشهيد صدر بعدد من الآيات.[22] ويعتقد أن المضمون المشترك لتلك الآيات هو أن السنن الحاكمة على الحياة الإنسانية ليست فوق قدرة الإنسان، بل كلها تمر عبر يد الإنسان، إذ يستفاد من هذه الآيات أن الله سبحانه وتعالى قد ترك أي تغيير مرغوب في حياة الإنسان بيد الإنسان نفسه، وأنه إذا اتبع الإنسان الطريق المستقيم والصحيح، فإن الله ينعم عليه بحياة طيبة ومباركة، وإذا اتخذ اختيارات خاطئة، فقد أعد لنفسه أسباب الهلاك.[23] لذلك، لا تعني قانونية الحياة الإنسانية أن الإنسان لا يملك القدرة على الاختيار أو إحداث التغيير أو التأثير على مصيره، بل على العكس تمامًا، فإن مستقبل الإنسان ومصيره يُصاغان بفعل اختياري واختياراته.
3-4. أمانة الإنسان تجاه الطبيعة والناس
الخلافة العامة للإنسان لها وجهان أساسيان: الاستئلاف والاستئمان. الوجه الإلهي لها، وهو الجعل التكويني والفطري لخلافة الإنسان في الوجود، هو الاستئلاف، والوجه الإنساني لها، وهو قبول الإنسان وتحمله لهذه المسؤولية، يسمى الاستئمان أو «الأمانة العامة».[24] الأمانة هي شيء يجب على الأمين أن يتصرف فيه بناءً على رضا وتوافق صاحب الأمانة؛ وبناءً عليه، فإن كون خلافة الإنسان على الأرض أمانة يعني أن علاقة الإنسان بالطبيعة وبالناس الآخرين يجب أن تكون من نوع علاقة «الأمين» بالمأمون عليه، أي مبنية على مبدأ المسؤولية والشعور بالالتزام.[25] وبعبارة أخرى، بما أن الخلافة أمانة إلهية، فهي مصحوبة بالمسؤولية والالتزام؛ بمعنى أن الجماعات والمجموعات البشرية التي تتحمل مسؤوليات الخلافة على الأرض تقوم بهذا الدور كخلفاء ونيابة عن الله، لذا لا يجوز لهم أن يحكموا أو يتصرفوا بناءً على أهوائهم ورغباتهم دون مراعاة رضا الله سبحانه وتعالى، لأن انقطاع العلاقة مع الله وعدم الانتباه إلى الهداية الإلهية يتنافى مع طبيعة الاستئلاف والنيابة.[26]
4-4. الحاجة الفطرية للإنسان إلى الرعاية الربانية
الخلافة تعبر عن سير الإنسان وقدرته على التقدم؛ بمعنى أن الإنسان مخلوق من حيث التكوين بحيث يكون في بحث دائم عن الكمال المطلق. لكن السير نحو الكمال يحتاج إلى مسار أو برنامج يوجه الإنسان خلال رحلته الطويلة نحو الأهداف الصحيحة والكمال المطلق؛ لأنه لا يوجد ضمان بأن الإنسان سيختار الطريق الصحيح أو الأهداف السليمة في سعيه نحو الكمال، وقد يخطئ في اختياراته. تجربة هبوط الإنسان تظهر أن الإنسان الخليفة يحتاج إلى الرعاية الربانية. ولهذا السبب، يرى الشهيد صدر أن الله سبحانه وتعالى وضع إلى جانب خط الخلافة خط الشهادة أو الرعاية الربانية، لكي تتاح للإنسان الفرصة لتنمية القدرات التي أودعها الله في تكوينه في ظل خط الشهادة أو الرعاية. ويقول إن الله وضع إلى جانب خط خلافة الإنسان على الأرض خط الشهادة أو الرعاية، الذي يعبر عن تدخل رباني لحماية الإنسان الخليفة من الانحراف؛ خط الشهادة الذي يحفظ الإنسان من الزلات ويقوده نحو أهداف الخلافة المتقدمة. والله الذي يعلم وساوس النفس، وميول الإنسان، وانفعالاته أمام الشهوات، ونقاط ضعفه الأخرى، لو ترك الإنسان يؤدي دور الخلافة بدون هداية ورعاية، لكان خلق الإنسان عبثًا… وإذا لم يتم التدخل الرباني لهداية الإنسان الخليفة في مسار الخلافة، فإن كل الأهداف والطموحات العظيمة التي رسمت في بداية حركة الخلافة للبشر ستؤول إلى الضرر والخسران له.[27]
5-4. العقلانية والتعلم أدوات تطور الإنسان
يعتقد الشهيد صدر أن الآية الكريمة التي تحدثت عن خلافة الإنسان جعلت المعيار الأساسي للوصول إلى مقام الخلافة هو المعرفة والعلم بالأسماء. ويستفاد من الآية أن التطور الذهني والعقلي هو الأداة الأساسية لسمو الإنسان وتقدمه. عندما أُعد آدم عليه السلام كأول وكيل إلهي لأداء دور الخلافة، كان ذلك بعد أن تطورت معرفته وفهمه لحقائق الوجود والحياة؛ وبعد بلوغه الكمال المعرفي والعلمي بالأسماء خرج من الجنة ليبدأ سيره التصاعدي نحو الله عبر أداء أدوار الخلافة.[28] الإنسان الخليفة، لاكتشاف أسرار الطبيعة والاستفادة منها، وتحقيق الذات، والوصول إلى منابع وجوده الحقيقية، وممارسة السيطرة الحكيمة على الطبيعة، لا بد له من الاستفادة من العقل. القرآن الكريم مليء بالآيات التي يوبخ فيها الله الكفار والضالين بسبب عدم استخدامهم الحكيم للعقل، كما توجد آيات كثيرة تنتقد الأشخاص الجامدين والمقلدين الذين عطّلوا عقولهم. القرآن عامر بآيات تحث الإنسان على التفكير واستخدام العقل في دراسة وتحليل ظواهر الكون، واكتشاف القوانين الحاكمة للعالم.[29] ويعتقد الشهيد صدر أن المحتوى الفكري للإنسان لا يقتصر على إدراك الكليات أو الأنظمة العقلانية المجردة، بل إن جزءًا مهمًا من معارف الإنسان له طبيعة تجريبية ويأتي عبر التجربة والاستخدام الدقيق للحواس. لذلك، ينتقد الشهيد صدر المدرستين المتضادتين العقلانية والتجريبية، اللتين ترفض كل منهما الأخرى كليةً وتعتبر البنية العلمية للإنسان محصورة في أحد هذين القطبين، ويؤمن بأن الإسلام يطرح أسلوب التفكير العقلي والتجريبي كقدرتين أو طاقتين متكاملتين في مسيرة تقدم الإنسان الخليفة.[30]
5. الاحتياجات الأساسية للإنسان الخليفة
يقسم الشهيد صدر احتياجات الإنسان إلى فئتين: الاحتياجات الثابتة والمتغيرة. الاحتياجات الثابتة هي في الحقيقة الاحتياجات الإنسانية الأصيلة التي تنبع من الميول الفطرية أو الطبيعية للإنسان. ويعتبر الحاجة إلى تأمين المعيشة، والأسرة، والعلاقات الاجتماعية، والحاجة إلى الدين والروحانية من بين الاحتياجات الثابتة للإنسان. وهذه الفئة من الاحتياجات مشتركة بين جميع البشر في كل العصور التاريخية ولا تتغير بفعل التحولات الاجتماعية والثقافية. وعلى العكس من الاحتياجات الثابتة، فإن الاحتياجات المتغيرة تعتمد على ظروف الزمان والمكان، وتلعب العوامل التاريخية والثقافية دورًا في نشأتها.[31]
1-5. الحاجة إلى الإيمان والروحانية
أعمق حاجة إنسانية من منظور الشهيد صدر هي الحاجة إلى الروحانية، التي يصفها بأنها «الاتصال بالأمر المطلق». ويعتقد الشهيد أن الإنسان عبر تاريخه الحياتي كان يواجه مسائل متنوعة، ولكن إذا قمنا بتحليل دقيق ومتأمل للمشكلات التي واجهها الإنسان عبر التاريخ، نجد أن جذور جميعها تعود إلى مشكلة أساسية واحدة. ويسمي هذه المشكلة الأساسية «انعدام الاتصال بالأمر المطلق». ويعتقد الشهيد صدر أن هذه المشكلة الأساسية تجلت في شكلين مختلفين، هما «عدم الاعتماد» أو الاعتماد على الذات، و«الغلو» أو الإفراط في الاعتماد. القطب الأول من المشكلة الإنسانية يشير إلى الكفر والاعتماد على الذات، بينما القطب المقابل يعبر عن نوع من الإيمان المحرف. وفي الأدبيات الدينية، يُشار إلى المشكلة الأولى بـ«الإلحاد» وإلى القطب المقابل بـ«الثنوية» والشرك. إن الصراع المستمر للإسلام ضد الإلحاد والشرك هو في الحقيقة صراع ضد هذين الوجهين من المشكلة التاريخية للإنسان، أي انعدام الاتصال بالأمر المطلق والاعتماد المطلق على الأمور المحدودة. ويعتقد الشهيد صدر أن هذين القطبين من المشكلة، رغم اختلافهما وتضادهما، يلتقيان في نقطة أساسية واحدة، وهي أنهما يعملان كعائق وعامل مانع في مسيرة تطور الإنسان، ويجعلان الحركة التطورية للإنسان خالية من الاستمرارية والإبداع والابتكار.[32] لذلك، يحتاج الإنسان في مسيرته التطورية إلى الاعتماد والاتكال على الأمر المطلق. والأمر المطلق الذي يختاره الإنسان كغاية قصوى وهدف لحياته يجب أن يكون مطلقًا حقيقيًا، لأنه فقط المطلق الحقيقي قادر على تغطية مسيرة تطور الإنسان مهما امتدت في طريقه الطويل، وقيادته في الطريق الصحيح.[33]
2-5. الحاجة إلى التربية لتجاوز الذات
من منظور الشهيد صدر، إحدى الاحتياجات الأساسية للإنسان لتحقيق الكمال الوجودي هي الحاجة إلى الإيثار وتجاوز الذات. لأن قبض وبسط وجود الإنسان يتحققان من خلال السعي والعمل، والنوع العملي الذي يؤدي إلى توسع وجود الإنسان هو العمل الذي له طبيعة إيثارية، حيث يتبع الفرد أهدافًا أكبر وأسمى من المصالح الشخصية والأنانية. والإنسان يحتاج إلى التربية ليتمكن من صدور الأفعال الإيثارية و«تجاوز الذات».[34]
في الحالة العادية، يمتلك الناس الدافع فقط لأداء الأفعال التي ترتبط مصالحها ومنافعها مباشرة بالشخص الفاعل. أما الأفعال التي تتجاوز منافعها وفوائدها الشخص الفاعل أو لا تتبع لذاتها لذات مادية ملموسة، فإن الأفراد يشعرون بدافع أقل لأدائها. في حين أن ما يؤدي إلى الكمال الروحي والأخلاقي للإنسان هو أداء الأفعال من النوع الثاني.[35] لذلك، لكي يتمكن الإنسان من التغلب على أنانيته، وعدم النظر فقط إلى المصالح الفردية بل إلى مصالح الآخرين والمجتمع، يحتاج إلى تربية تهدف إلى الإيثار والتضحية بالنفس. بعبارة أخرى، لكي يسعى الإنسان في مصالح وجوده التي تتجاوز المصالح المادية المحضة، يحتاج إلى تربية.[36]
وفقًا لاعتقاد الشهيد صدر، العبادة والاتصال بالله لهما دور مهم في هذه التربية؛ لأن العبادة هي عمل يقوم به الإنسان فقط لرضا الله تعالى، وإذا قام الإنسان بها لتحقيق مصالح خاصة أو لكسب مكانة وشعبية اجتماعية، فإن ذلك لا يُقبل بل يتحول إلى عمل محرّم وممنوع يستوجب العقاب الإلهي. كل هذا لأن الإسلام يريد للإنسان أن يكتسب من خلال العبادة اختبار الذات، والتجاوز عن النفس، وأداء الأعمال الإيثارية؛ وهي أعمال تزرع بذور الكرامة والإخلاص والشعور بالمسؤولية في وجود الإنسان.[37]
3-5. الحاجة إلى أخلاق المسؤولية
يرى الشهيد صدر أن الشعور بالمسؤولية من الحاجات الأساسية للإنسان، لأنه بحسب اعتقاده، إن تحقيق جزء مهم من مصالح وجود الإنسان مرتبط بإرساء نظام اجتماعي مستقر وثابت، والمجتمع المنظم لا يتحقق إلا إذا كان المجتمع يمتلك نظامًا رقابيًا قويًا يمكنه من إلزام الأفراد بالواجبات الاجتماعية. رغم أن النظام الرقابي الظرفي والتعاقدي يلعب دورًا مهمًا في تنظيم الحياة الاجتماعية وبالتالي في تقدم الإنسان، إلا أن ذلك وحده غير كافٍ. أفضل نظام رقابي هو الذي يكون متجذرًا في داخل الإنسان. النظام الرقابي الداخلي الذي يُشار إليه بأخلاق المسؤولية لا ينشأ إلا في ظل الاتصال بالله والإيمان بمراقب عليم يحيط بكل العالم، وينمو ويتحول داخل الإنسان إلى قوة ديناميكية ومحركة.[38] يكتب الشهيد صدر في هذا المجال:
بعض آليات الالتزام أو ضمانات التنفيذ هي تعاقدية، مثل العقوبات والجزاءات التي يفرضها المجتمع على الفرد المخطئ. وبعضها الآخر فطري، والمقصود بالآلية الفطرية هو وعي الإنسان وشعوره الداخلي بمسؤولياته تجاه الالتزامات الاجتماعية والواجبات والحقوق التي يحددها المجتمع ويلزم بها. رغم أن الآليات التعاقدية والظرفية للرقابة تلعب دورًا مهمًا في ضبط وتنظيم سلوك الأفراد، إلا أنها وحدها غير كافية، بل إن معيارية سلوك البشر غالبًا ما تحتاج إلى ضمان تنفيذ داخلي ينبع من وعي الإنسان وشعوره الداخلي بمسؤولياته، لأن العقد كنظام رقابي مهما كان دقيقًا وشاملاً، يبقى ناقصًا عادة ولا يملك القدرة على شمول كل مجالات عمل الإنسان تحت سيطرته ونطاقه.[39]
الشعور بالمسؤولية لكي يتجسد كقوة ديناميكية في حياة الإنسان يحتاج إلى الإيمان والاعتقاد بالمراقبة والرقابة من قوة لا يخفى عليها شيء من علمها في الأرض والسماء. ومن خلال الإيمان بهذه الرقابة الشاملة، تنمو بذور الشعور بالمسؤولية في الإنسان وتتجذر بالممارسة العملية والتدريب. هذا النوع من المراقبة والرقابة ينشأ من خلال اتصال الإنسان بالذات المطلقة، الذات المطلقة التي يحيط علمها بكل شيء ولا يخرج شيء من دائرة علمها، هذا الاتصال في ذاته يخلق المراقبة والشعور بالمسؤولية الداخلية في الإنسان.[40]
يعتقد الشهيد صدر أن الطريق والمنهج العملي الذي ينمو من خلاله هذا الشعور الداخلي بالمسؤولية هو العبادات، لأن العبادة عمل والتزام باطني، والمقصود بالعمل الباطني هو أن إدراكه باستخدام الرقابة والمراقبة الخارجية أمر مستحيل ولا يمكن تحقيقه، فلا قوة خارجية يمكنها النجاح في أداء الواجبات العبادية، لأن الركيزة الأساسية للعمل العبادي هي وجود القصد والنية الذهنية في أداء العبادات لله تعالى، والنية والقصد أمران لا يندرجان ضمن إطار الرقابات القانونية والتعاقدية، ولا يمكن لأي آلية قانونية أن تضمن تحقيقهما. الرقابة الوحيدة الممكنة في هذا المجال هي الرقابة التي تنشأ من الاتصال بالأمر المطلق؛ الأمر المطلق الذي يحيط إحاطة كاملة بكل الوجود وعمل الإنسان.[41]
4-5. الحاجة إلى تأمين المعيشة
على الرغم من أن النمو الروحي والكمال الأخلاقي للإنسان يُعتبر الهدف النهائي للإسلام في تربية الإنسان، إلا أن المسألة هي أن الإنسان مزيج من الجسد والروح، ولا يمكن تحقيق الكمال الروحي والأخلاقي للإنسان دون تأمين وإشباع احتياجاته المادية تقريبًا، لذا فإن تأمين الاحتياجات المادية كأداة للوصول إلى الكمالات الروحية يحظى بتأكيد واهتمام الإسلام. ولبيان مكانة وأهمية المال والثروة في الفكر الإسلامي، يذكر الشهيد صدر أولاً فئتين من الأدلة التي تبدو متعارضة، وفي النهاية يتوصل إلى هذا الاستنتاج: رغم أن الثروة والمال في الفكر الإسلامي لا يُعتبران هدفًا نهائيًا، إلا أنهما مقدمة ووسيلة ضرورية لتحقيق التقدم الحقيقي والكمالات الروحية للإنسان. ويكتب في هذا المجال: «الثروة والسعي إلى الزيادة هما من الأهداف المهمة، ولكن ليسا هدفًا نهائيًا بل هدفًا وسيلة. بمعنى أن الثروة ليست المقصد النهائي للمسلم، بل هي وسيلة يجب من خلالها أداء وظيفة الخلافة الإلهية وتنمية الفضائل الإنسانية. في هذه الحالة، فإن نمو وزيادة الثروة سيكون دعمًا جيدًا لتأمين الآخرة، ومن لم يجتهد بنية ذلك، فقد تقصّر وأهمل في أداء رسالته. ولكن إذا اعتُبر إنتاج وزيادة الثروة هدفًا في حد ذاته، وأساسًا لجميع الأنشطة البشرية، فإنها تكون مصدر كل الأخطاء التي تؤدي إلى ابتعاد الإنسان عن الله.»[42]
يعتقد الشهيد صدر أنه في إطار الفكر الإسلامي، يجب على كل مسلم أن يجتهد في سبيل تحصيل الثروة، ولكن ليس بحيث يُغلب عليها ويُحكم عليه بها، بل يجب أن يسيطر عليها بنفسه، ومن خلال هذه السيطرة ينمّي شخصيته ويتابع أهدافًا أعظم. ومن ثم، فإن كل طريقة لإنتاج الثروة وزيادة رأس المال التي تؤدي إلى ابتعاد الإنسان عن الله، وتحرف ميوله الروحية الصحيحة، وتخلّ برسالته العظيمة في إقامة العدل العالمي، وتروّج للدنيوية، فهي مدانة. أما ما يعزز علاقته بالله، ويوفر الرفاهية العامة، ويهيئ شروط النمو والتكامل للبشرية، ويتيح إمكانيات إقامة العدل والأخوة والفضيلة، فهو هدف الإسلام، ويحث المسلمين على السعي إليه وتحفيزهم عليه.[43]
5-5. الحاجة إلى علاقات اجتماعية مبنية على العدل
يعتبر الشهيد صدر أن الحياة الاجتماعية في الإسلام نابعة من حاجات الإنسان نفسه؛ فمن منظور الإسلام، يجب البحث عن منابع الحياة الجماعية ليس خارج وجود الإنسان، بل في وجود الإنسان ذاته. الإنسان فطريًا يميل إلى حب الذات وتلبية حاجاته، ونتيجة لذلك يوظف كل الأشياء والكائنات المحيطة به، بما في ذلك البشر الآخرون، لتلبية حاجاته. لأن الإنسان لا يستطيع تلبية حاجاته إلا من خلال التعاون مع الآخرين، نشأت الحياة الاجتماعية من هنا، إذ وجد الإنسان نفسه مضطرًا للتعاون والتكاتف مع الآخرين لتلبية حاجاته بشكل أفضل وأسرع. وعلى هذا الأساس نشأت العلاقات الاجتماعية، وهذه العلاقات تطورت وتوسعت باستمرار مع نمو وتطور حاجات الإنسان خلال حياته الطويلة. لذلك، الحياة الاجتماعية هي ثمرة حاجة الإنسان، والنظام الاجتماعي هو النظام الذي يبني الحياة الاجتماعية وفقًا لحاجات الإنسان.[44] وبسبب هذا الدور المركزي الذي تلعبه العلاقات الاجتماعية في تشكيل الحياة الإنسانية، يرى الشهيد صدر أن تحقيق الخلافة كعملية للكمال الوجودي للإنسان هو في الأساس أمر اجتماعي، ويعتقد أن نظام الفعل الإنساني في ميدان الطبيعة والمجتمع هو الذي يحدد سير الإنسان وتطوره. المجتمع الذي تقوم علاقته بين الإنسان والطبيعة والناس الآخرين على الاستغلال والظلم لا يمكن بأي حال أن يكون بيئة مناسبة لتحقيق أهداف الإنسان الخليفة. فقط في المجتمع المبني على العدل ينمو الإنسان الخليفة ويجد الإمكانية للتحرك نحو أهدافه السامية.[45]
الاستنتاج
في هذا المقال تم التأمل في نظرية الخلافة العامة للإنسان ودلالاتها الأساسية من منظور الشهيد صدر. الفكرة الأساسية التي طرحت في هذا المقال هي أن النقاش حول كمال الإنسان وتقدمه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بنظرتنا إلى الإنسان. التعريف الذي يُقدّم لماهية الإنسان يحدد معنى وأسس تقدمه. هناك آراء مختلفة حول طبيعة الإنسان وماهيته، ولكل منها دلالات خاصة فيما يتعلق بتقدم الإنسان. لكن الإنسان في النظرة الدينية يُطرح كخليفة ووكيل إلهي. في هذا التصور، يمتلك الإنسان من حيث الخلق والخلق القدرة والاستعداد للوصول إلى مرتبة من الكمال والتقدم تجعله مظهرًا للحق وتجليًا للكمال المطلق. في مقابل هذا التصور، توجد وجهات نظر تتجاهل أو تنكر العلاقة الوجودية للإنسان مع السماء. في النظرة المادية للإنسان، تُعتبر الطبيعة والحياة المادية كل الحقيقة، ويُختصر كمال وسعادة الإنسان الحقيقية في التمتع بأكبر قدر ممكن من الملذات والمنافع الدنيوية. هذان التصوران حول ماهية الإنسان يؤديان إلى استنتاجات مختلفة حول كيفية تصرف الإنسان ليصل إلى الكمال المرغوب وأي نمط حياة هو الأنسب لتحقيق تقدمه وسعادته الحقيقية. ولكن بناءً على نظرية الخلافة، فإن الكمال والتقدم الحقيقي للإنسان هو أن يحقق الإنسان على الأرض الصفات التي توجد في الله تعالى بشكل مطلق. إن نمو وتطور صفات وأسماء الله الحسنى مثل العلم، والقدرة، والعدل، والمحبة، والجود… هي مؤشرات على الخلافة الإلهية، وكلما تجسدت هذه الصفات في حياة البشر، كلما بلغ الإنسان كمالًا وتقدمًا أكبر.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. استیونسن، لسلی، هفت نظریه در باره طبیعت انسان، ترجمة، بهرام، محسن پور، تهران، منشورات رشد، اول، 1368.
3. البستانی، فواد افرام، فرهنگ ابجدی عربی فارسی، المترجم، رضا مهیار، تهران، منشورات اسلامی، دوم.
4. بینیاز، علیرضا وآخرون، آشنایی با اندیشه سیاسی شهید صدر، قم، مرکز بین الملی ترجمة و نشر المصطفی(، اول، 1390.
5. پارسانیا، حمید،علم و فلسفه، تهران، سازمان منشورات پژوهشگاه، سوم، 1383.
6. پارسانیا، حمید، هستی و هبوط، قم، نشر معارف، 1385.
7. جمشیدی، محمد حسین، نظریه خلافت عمومی انسان در اندیشه سیاسی شهید محمدباقر صدر،حکومت اسلامی، سال چهارم، العدد اول، ص 155-161.
8. دیرکس، هانس، انسان شناسی فلسفی، المترجم، محمد رضا بهشتی، تهران، منشورات هرمس، دوم، 1384.
9. راغب اصفهانی، مفردات الفاظ قرآن، تحقيق صفوان عدنان داوودی ذوی القربی، بیروت، دارالقلم، 1996م 1416ه.
10. صدر، سید محمد باقر، الاسلام یقود الحیاة، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه، للامام الشهید الصدر، دوم، 1424ه.ق.
11. صدر،سید محمدباقر، المدرسة الاسلامیة، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیة للامام الشهید الصدر، دوم، 1424.
12. صدر، سید محمد باقر، رسالتنا، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للامام الشهید الصدر، دوم، 1424.
13. صدر، سید محمدباقر، الفتاوى الواضحة وفقا لمذهب أهل البیت علیهم السلام، دار التعارف للمطبوعات، هشتم، 1403 ه ق.
14. صدر، سید محمدباقر، المدرسة القرانیة، دارالکتب الاسلامی، اول، 1424.
15. صدر، سید محمدباقر، اقتصادنا، قم دفتر تبلیغات اسلامی حوزه علمیه قم، 1375.
16. صدر، سید محمد باقر، سنتهای تاریخ در قرآن، ترجمة وتحقيق، سید جمال الدین موسوی، تهران، تفاهم، سوم، 1381.
17. صدر، سید محمدباقر، اقتصادما، ترجمة، ع-اسپهبدی،ج2، دون مكان النشر، دون تاريخ.
18. صدر، سید محمدباقر، بررسی سیستمهای اقتصادی، ترجمة غلامرضا مصباحی، قم، کانون منشورات ناصر، دون تاريخ.
19. مطهری، مرتضی، مجموعه آثار، ج 23، تهران، منشورات صدرا،1373.
[1] ستيفنسون، ليسلي، سبع نظريات حول طبيعة الإنسان، ص 10.
[2] مطهري، مجموعة الأعمال، ج 23، ص 164.
[3] ديركس، الأنثروبولوجيا الفلسفية، 71-72.
[4] بارسانيا، الوجود والسقوط، ص 20-21.
[5] بارسانيا، الوجود والسقوط، ص 20-21.
[6] بارسانيا، العلم والفلسفة، ص 136-137.
[7] الأعراف، 69؛ يونس، 14.
[8] راغب، مفردات ألفاظ القرآن، ص 294.
[9] قاموس أبجدي عربي-فارسي، ص 55.
[10] جمشيدي، محمد حسين، نظرية الخلافة العامة للإنسان في الفكر السياسي للشهيد محمد باقر الصدر، ص 155-161؛ بينياز، عليرضا وآخرون، التعرف على الفكر السياسي للشهيد الصدر، ص 108-112.
[11] الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 127.
[12] المرجع نفسه، ص 127.
[13] المرجع نفسه، ص 128.
[14] الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 133.
[15] المرجع نفسه، ص 133-134.
[16] الصدر، سنن التاريخ في القرآن، ص 204.
[17] الصدر، سنن التاريخ في القرآن، ص 149.
[18] الصدر، المدرسة الإسلامية، ص 99-100.
[19] المرجع نفسه، ص 134.
[20] الصدر، المدرسة الإسلامية، ص 77.
[21] الصدر، سنن التاريخ في القرآن، ص 146.
[22] الرعد، 11؛ الجن، 16؛ الكهف، 59.
[23] الصدر، سنن التاريخ، ص 91-92.
[24] الصدر، المدرسة القرآنية، ص 99.
[25] المرجع نفسه، ص 98.
[26] الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 130.
[27] الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 135-136.
[28] المرجع نفسه، ص 144.
[29] رسالتنا، ص 63.
[30] الصدر، رسالتنا، ص 30-31.
[31] الصدر، الدراسات الاقتصادية، ص 128.
[32] الصدر، فتاوى الواضحة، ص 706-707.
[33] المرجع نفسه، ص 709.
[34] المرجع نفسه، ص 714.
[35] المرجع نفسه، ص 715.
[36] المرجع نفسه.
[37] المرجع نفسه، ص 716.
[38] المرجع نفسه، ص 718.
[39] المرجع نفسه.
[40] المرجع نفسه، ص 719.
[41] المرجع نفسه، ص 720.
[42] الصدر، اقتصادنا، ترجمة ع-إسپهبدي، ج 2، ص 265.
[43] المرجع نفسه، ص 266.
[44] الصدر، اقتصادنا، ص 323.
[45] الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 36-37.

