ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: سازگاری اختیار انسان و ضرورت علّی از منظر اصولیون شیعه با تأکید بر آرای شهید صدر، نائینی، خوئی و محمدتقی جعفری ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: التوافق بين اختيار الإنسان والضرورة العلية من منظور الشهيد صدر وأصوليي الشيعة، هو منهج مختلف لتبيين أبسط إدراك بشري، الذي لطالما واجه عقبات نظرية (كلامية، علمية وفلسفية). إن تعارض ضرورة العلية مع إدراك الاختيار دفع المفكرين الإسلاميين إلى تقديم إجابات؛ فقد قبل الفلاسفة بالضرورة العلية واعتبروا الإرادة جزءًا من السبب التام، بينما أنكر المتكلمون الضرورة وتوجهوا إلى الأولوية. ولكن في هذا السياق، بعض أصوليي الشيعة (وخاصة الشهيد صدر، النائيني، والخوئي) بنظرية وسطية، نفوا الضرورة العلية في مقام الفاعل المختار، واعتبروها قائمة في باقي الفواعل، وبذلك أثبتوا الاختيار. تسعى هذه الدراسة من خلال مراجعة هذه الآراء إلى التأكيد على إجابة أصوليي الشيعة.
المؤلف: عباس اسالم، شاکر لوایی
المصدر: حکمت معاصر، خريف وشتاء 1398، العدد 2، ص 1 إلى 30.
1. المقدمة
مسألة الاختيار هي من أقدم هموم الإنسان وموضوع تفكيره عبر التاريخ الإنساني. تنبع أهمية هذه المسألة من كون الاختيار هو الأساس والركيزة لسلوكيات الإنسان الأخلاقية، وكل فعل أخلاقي يفقد معناه في حال عدم وجود الاختيار. الإنسان بافتراض وجود الاختيار هو الذي يستطيع وضع القوانين وتنظيم مجتمعه. إذا سُئل الأفراد عن الاختيار، فإن الرد الأولي على هذا السؤال هو تأكيد وجود الاختيار، وإذا سُئل عن دليله، فإن أول إجابة تُرجع إلى الحدس الداخلي.
الحدس الداخلي لكل شخص هو شهادة على وجود حالة في أعماق نفسه تمكنه من الاختيار، والإنسان من خلال هذه الاختيارات ينظم حياته. يمكن القول إن هذا الحدس الداخلي للشخص عن اختياره وأفعاله المرتبطة به هو الذي يبني حياة الإنسان، ولكن هذا الحدس الداخلي لطالما واجه تحديات نظرية جعلت الإنسان يشك في ثقته بحدسه في الاختيار. الإيمان بالعلم المطلق الإلهي، والقدرة المطلقة، والإرادة المطلقة له هي من العقبات الكلامية، وأمور مثل الجغرافيا التي يعيش فيها كل فرد، والوراثة، والوراثة الجينية هي من التحديات العلمية التي تواجه الحدس الداخلي للإنسان عن اختياره.
قانون العلية هو من العقبات المثيرة للتحدي أمام الحدس الداخلي للاختيار. ينص قانون العلية على أن كل ظاهرة تحتاج إلى سبب، ولا يمكن وجود ظاهرة إلا إذا كان لها سبب. العلاقة العلية هي نوع من الاتصال بين شيئين يُقام بناءً على الحاجة والضرورة للوجود من جانب المعلول، بحيث يقوم أحدهما (السبب) بتلبية حاجة الآخر (المعلول).
تتضح تحديات مبدأ العلية في مسار اختيار الإنسان عندما يُفهم أحد فروعات هذا القانون، وهو مبدأ التسبب العلي والمعلولي؛ وفقًا لهذا المبدأ، إذا انتهى السبب وزالت كل الموانع التي تؤثر على الفاعل، فإن عدم تحقق المعلول هو محال عقليًا. بمعنى آخر، وجود المعلول يصبح واجبًا من جانب السبب، ثم يظهر المعلول. عندما نفترض هذا المعنى إلى جانب الأفعال الاختيارية للإنسان، تكون النتيجة أن كل فعل اختياري يصبح واجبًا وضروريًا قبل حدوثه، والوجوب والضرورة مفهومان لا يمكن الجمع بينهما وبين الاختيار.
لقد بذل الحكماء والمتكلمون في التراث الفكري الإسلامي جهودًا كبيرة لإيجاد حل للتعارض بين الاختيار والضرورة العلية، وقدم كل منهم إجابات وفقًا لمبادئه؛ لكن إجاباتهم لم تكن كافية من منظور مجموعة أخرى من المفكرين الذين يُشار إليهم في هذا المقال بأصوليي الشيعة، ولا يمكن من وجهة نظرهم حل تعارض التسبب والاختيار. يؤكد هذا المقال على وجهة نظر أربعة من الأصوليين، وهم آراء النائيني، الشهيد صدر، الخوئي، ومحمد تقي جعفري؛ لأن وجهة نظرهم تقبل مبدأ التسبب العلي على الأقل في مقام الفاعلين المسببين، رغم إنكارهم هذا المبدأ في الفاعلين المختارين، ولم ينفوه بشكل كلي. لذلك، وفقًا لهذا الرأي، يمكن إيجاد مسار يجمع بين قبول قانون العلية ونتائجه ويمتاز بخصيصتين: أ) يبرر اختيار الإنسان في مواجهة مبدأ التسبب العلي؛ ب) يتوافق أكثر مع الفهم الحسي للإنسان عن اختياره. تسعى الدراسة الحالية إلى تبيين وتحليل وجهة نظر هؤلاء الأربعة في هذه المسألة. يهدف المؤلف إلى دراسة آرائهم وإظهار نقاط القوة والضعف فيها لإيجاد مسار لتبرير أفضل لمنهجهم، وفي النهاية، بالاستعانة بمفهوم الوجود الرابط في الحكمة المتعالية وربطه بإرادة الإنسان، يقدم تفسيرًا جديدًا لمنهج الأصوليين.
2. الجبر والاختيار
فيما يتعلق بمعاني الجبر والاختيار، يُناقش من جانبين لغوي ومصطلحي؛ لكن ما يهم في هذا النقاش بالتأكيد ليس المعنى اللغوي، لأن الجبر والاختيار ليست مسألة تخص لغة أو ثقافة معينة.
المعنى المصطلحي للاختيار له تعريفات متعددة ومتنوعة؛ فقد تم تعريفه بالاعتماد على العفوية أو الانشغال الذاتي، أو تعريفات مثل الضرورة الذاتية، الإرادية، غياب المانع، قوة وقدرة الاختيار، تمكّن الفاعل في الفعل والترك، وكلها تعريفات لها مؤيدون (قراملکی 1384: 74). أما في تعريف الجبر، فيمكن اعتبار حكم التضاد مع المعاني المقابلة لتعريفات الاختيار.
يمكن اعتبار عنصر مشترك بين جميع التعريفات السابقة وهو مفهوم يُسمى «الذات»؛ أي أن الفارق بين مفهوم الجبر والاختيار هو تدخل أو عدم تدخل عنصر يُسمى «الذات». كلما كان تدخل «الذات» في الأفعال الصادرة أكثر وضوحًا، كان اختيار الفرد أكبر، وكلما كان تدخله أقل وضوحًا كان اختيار الفرد أقل. لذلك، فإن التفريق بين «الذات» وغير «الذات» هو مفتاح حل تعريف الجبر والاختيار؛ ومن ثم يمكن اعتبار الاختيار بمعنى تدخل «الذات» في الأفعال الصادرة، بحيث يكون نسب الفعل إلى «الذات» نسبًا حقيقيًا، والجبر بمعنى تدخل غير «الذات» في صدور الفعل، بحيث لا يمكن اعتبار نسب الفعل إلى «الذات» نسبًا حقيقيًا.
3. الإرادة والاختيار
التفريق بين الإرادة والاختيار في مناقشة التوافق أو التعارض بين مبدأ السببية والاختيار أمر حيوي وموصل للحل. تشابه هذين المفهومين يمهد لخطر الخلط في النقاشات وخلق مغالطات. الإرادة فعل نفسي يرتبط بالفعل الصادر عن الفاعل المختار (طباطبایی 1432هـ: 208). الإنسان يدرك الإرادة في ذاته؛ أي أنه قبل القيام بالأفعال الجسدية يجد أمرًا في ذاته يُنتج أفعاله بعد تحقق هذا الأمر، وهذا هو الإرادة؛ لذلك فإن الإرادة ليست شيئًا حاضرًا دائمًا في النفس، بل تُخلق قبل تحقق الفعل.
في المقابل، الاختيار صفة ذاتية تعبّر عن طريقة وجود الفاعل المختار، ولا تنفصل أبدًا عن ذات الفاعل المختار، ولا يكون كالإرادة أمرًا حادثًا. العلامة الطباطبائي بناءً على هذا الاختلاف المفهومي بين الإرادة والاختيار لا يرى صحة وصف الله بالإرادة، بينما يجيز وصفه بالاختيار (المرجع نفسه:260).
4. مبدأ السببية
مبدأ السببية والضرورة العلية من مقتضيات قبول قانون العلية. لقد طرح الحكماء والفلاسفة الإسلاميون ضرورة العلية والعلّية في أبواب مختلفة، ورغم أن مبدأ السببية العلية يظهر في جميع هذه الأبواب، إلا أن هناك فروقًا دقيقة بينها؛ فهذه المسألة تُطرح أحيانًا في باب المواد الثلاثة التي تُسمى بالوجوب الغيري، وأحيانًا أخرى في باب السبب والمسبب الذي يُسمى بالوجوب بالقياس.
الوجوب الغيري: قال الحكماء إنه إذا أزال سبب ما الممكن الوجود من حالة عدم الإلزام، وسيطر جانب الوجود على جانب العدم، فإن وجود الشيء يصبح ضروريًا أو واجبًا، وهذا الضرورة والوجوب التي لم تنبع من ذات الممكن، بل أُعطيت بواسطة غيره للممكن، تُسمى الوجوب الغيري (المرجع نفسه: 82).
الوجوب بالقياس: هذه الضرورة تكون حيث يُنظر إلى شيئين أو أكثر معًا ويُقارنون بحيث يؤدي وجود أحدهما إلى وجود الآخر بالضرورة، ويكون انفصالهما عن بعضهما مستحيلًا (مطهری 1384: 104).
من أهم الفروق بين الوجوب بالقياس والوجوب بالغير هو أن الوجوب بالغير يُمنح من جانب أحدهما للآخر، بينما في الوجوب بالقياس لا يمكن العثور على أثر لمنح أحدهما للآخر أو تبعية أحدهما للآخر، بل يُطرح فقط المقارنة والملاحظة المتزامنة لهما، دون أن يمنح أحدهما الوجوب للآخر؛ لذلك يمكن القول إن الوجوب بالقياس أعم من الوجوب بالغير (المرجع نفسه).
5. الرؤى الكبرى في توافق الضرورة والاختيار
في مسألة توافق قاعدة السببية مع الاختيار، تنقسم الآراء والتيارات الرئيسية إلى قسمين: التوافقية وعدم التوافقية (اراکی 1392: 80). يرى أصحاب عدم التوافق أنه إذا افترضنا عالمًا تسود فيه ضرورة العلية والعلّية، فلا يمكننا الحديث عن حرية إرادة الفاعل؛ في المقابل، يرى التوافقيون أنه بالرغم من ضرورة العلية والعلّية، فإن الإرادة الحرة والاختيار للفاعل ممكنان ومثبتان.
يمكن تصنيف الفلاسفة الإسلاميين ضمن التوافقيين؛ لأنهم من أنصار حكم قاعدة الضرورة في نظام العالم وبالتالي في أفعال الفاعل المختار؛ أما المتكلمون الإسلاميون فقد وقفوا في صف المعارضة لهم، واعتبروا السببية العلية غير متوافقة مع الاختيار ونفوا ذلك؛ وفي مقابل هاتين المجموعتين، تبنى بعض الأصوليين الشيعة موقفًا متوسطًا، فلم ينفوا قاعدة الضرورة العلية مطلقًا، ولم يثبتوها مطلقًا أيضًا، بل أثبتوها في الفواعل المجبرة ونفوها في ساحة الفاعل المختار، وبهذا قدموا موقفًا مختلفًا عن باقي المفكرين في هذا المجال.
1.5 رؤية الفلاسفة
الحكماء والفلاسفة هم من المؤيدين الرئيسيين لقاعدة السببية العلية والعلّية في العالم الإسلامي. وهم لا يرون أي تعارض بين مبدأ السببية العلية وأفعال الإرادة والاختيار من جانب الفاعل المختار؛ لأنهم يرون أن ردّ عدم التوافق بين مبدأ السببية والاختيار يمكن تلخيصه بأن إرادة الفاعل كجزء أخير من السبب التام للمسبب تصل إلى تمام صدور الفعل، ونتيجة لذلك فإن نفس الإرادة تحدد مسار الفعل الاختياري وتثبت الاختيار للفاعل المختار. يعتمد رد الحكماء على رؤية عدم التوافق على فرضين:
الفرض الأول: سيادة ضرورة العلية والعلّية في جميع ساحات الوجود؛
الفرض الثاني: وجود الإرادة كجزء أخير من السبب التام.
كلتا الفرضيتين تكملان بعضهما البعض في الرد على التناقض، لكن درجة أهميتهما ليست متساوية. إن ادعاء سيادة الجبر العلّي في جميع المجالات أهم وأكثر تحدياً في الإثبات. هناك كبار من أصوليي الشيعة من بين المعارضين لسيادة الضرورة العلّية في جميع المجالات الوجودية، ويعتبرون الفاعل المختار خارج نطاق هذه القاعدة، وسيتم التطرق إلى ذلك في ما يلي من هذا النص.
2.5 وجهة نظر المتكلمين
يقف المتكلمون، بقبولهم للأولوية بدلاً من الضرورة، في مقابل الفلاسفة. خلاصة وجهة نظر المتكلمين هي أن وجود المعلول يتحقق بوجود السبب التام فقط، وهذا يفضّل وجوده على عدمه؛ لكن هذا التفضيل لا ينفي النقيض، أي أنه مع وجود السبب التام وتفضيل جانب الوجود، يبقى عدم المعلول ممكنًا.
يعدد فخر الرازي ثلاثة أدلة إجمالاً لمن يؤمنون بالأولوية. هذه الأدلة توضح جيدًا دافع المؤمنين بالأولوية.
«إن الدافع الذي يجعل الفاعل يتجه نحو القيام بالفعل قابل للتغيير، ولو كان الأمر كذلك أن الفعل يصدر من الفاعل بالوجوب، لما كان الفاعل قادرًا على تغييره» (رازی 1407هـ: 58).
الدليل الآخر لفخر هو الإشارة إلى أمر بديهي يُعبّر عنه على النحو التالي: «ندرك بشكل ضروري وبديهي أن هناك فرقًا بين الإنسان المجبر والإنسان المختار في القيام بالفعل» (المرجع نفسه).
أما الدليل الثالث فهو الاعتقاد بالجبر في مجال الفاعل المختار في حال قبول قاعدة الضرورة العلّية، وهذه الأدلة الثلاثة تشكل مجتمعة دافع المؤمنين بالأولوية (المرجع نفسه).
3.5 نظرية أصوليي الشيعة
هذه النظرية التي تمثل وجهة نظر وسطية بين نظرية الفلاسفة والمتكلمين الإسلاميين، انعكست جيدًا في أعمال أربعة شخصيات من علماء أصول الفقه: تحقيق نائيني، خوئي، شهيد صدر، ومحمد تقي جعفري. كل من هؤلاء الشخصيات بذل جهده في إزالة التناقض بين الضرورة العلّية والفاعل المختار. خلاصة رأيهم هي نفي الضرورة العلّية عن مجال الفاعل المختار وحصرها في الفاعلين الموجبِين. بالطبع، أسلوب العرض والإثبات لكل منهم يختلف عن الآخر؛ لذلك فإن تفريق آرائهم وتحليل مطالبهم له موضوعية.
1.3.5 نظرية نائيني
يمكن القول إن جذور وأساس نظرية نائيني يكمن في مفهوم يُسمى الطلب؛ هذا المفهوم استُخدم لأول مرة في لسان الأشاعرة في مناقشات الكلام عن الباري تعالى (تفتازانی 1419هـ: 149).
وجهة نظر المعتزلة في طبيعة كلام الله تعالى هي أن الله يخلق أصواتًا في أحد الموجودات للتكلم (قاضی عبدالجبار 1965: 3). بناءً على هذا الرأي، يُعتبر التكلم من صفات الفعل لله تعالى، لكن وجهة نظر الأشاعرة أعم من وجهة نظر المعتزلة. الأشاعرة يقبلون كلام الفريقين الآخرين، لكنهم يحتفظون أيضًا برأيهم الخاص والفريد في هذا الشأن (جرجانی 1419هـ: 106).
ينقسم الكلام من منظور الأشاعرة إلى كلام لفظي وكلام نفسي. الكلام اللفظي هو الكلمات والألفاظ الظاهرة التي تُدرك بالحاسة السمعية وتُعبّر بها اللسان، أما الكلام النفسي فهو من الصفات التي يتصف بها الله تعالى وهو مصدر الكلام اللفظي وليس هو ذاته.
بعبارة أخرى، كما يدل المعلول على سببه، فإن الكلام النفسي كذلك، بحيث يدل الكلام اللفظي عليه ويشير إليه. هذا النوع من الكلام ليس خاصًا بالله تعالى فقط، بل الإنسان أيضًا ليس مستثنى من هذه القاعدة (تفتازانی 1419هـ: 149).
أي أنه في المجال الوجودي للإنسان أيضًا ينقسم الكلام إلى قسمين: لفظي ونفسي، أحدهما مصدر وسبب والآخر دال ومعلول. بعبارة أخرى، كما أن الإنسان يمتلك صفات ذاتية مثل الاختيار، والعلم، وصفات ذاتية أخرى، فإنه يمتلك أيضًا صفة ذاتية تُسمى التكلم والكلام، الذي ينبثق منه الكلام اللفظي. هذا الكلام النفسي، إلى جانب باقي الصفات، يشكل مجموع الصفات الذاتية للإنسان.
الكلام النفسي نفسه ينقسم إلى قسمين منفصلين؛ كما ذُكر، الكلام اللفظي دال ومعلول للكلام النفسي، وبما أن الكلام اللفظي يُعبّر عنه بنوعين، يمكن تقسيمه إلى قسمين؛ الكلام اللفظي من حيث التعبير أحيانًا يكون خبريًا، أي جملًا يمكن وصفها بالصحة أو الخطأ، مثل: الجو صافٍ. وأحيانًا يكون جملة إنشائية مثل الجمل الأمرية، وبما أن هذه الكلمات اللفظية من وجهة نظر الأشاعرة معلول الكلام النفسي، فإن كل كلمة لفظية يمكن اعتبارها من جانب من جوانب تلك الصفة؛ ولهذا يسمون الكلام النفسي إذا دلّت عليه الجمل الخبرية كلامًا، وإذا دلّت عليه الجمل الإنشائية يسمونه اصطلاحًا طلبًا (جرجانی 1419هـ: 94).
لذلك، يُطلق على الطلب والكلام كلاهما صفة ذاتية واحدة وهي الكلام النفسي، وكما أن الكلام النفسي صفة ذاتية، فإن الطلب أيضًا صفة ذاتية ويقع إلى جانب صفات مثل الاختيار، والعلم، والإرادة، وغيرها. هذه الاختلافات والفروقات بين الكلام اللفظي والكلام النفسي والتقسيمات المترتبة عليه فتحت بابًا خاصًا في كتب أصول الشيعة، وهو باب (الطلب والإرادة).
المباحث التي تُطرح في هذا الباب من كتب الأصول تدور حول الفرق بين الطلب والإرادة؛ والشرح هو أن الأشاعرة يعتبرون الطلب صفة نفسية ومن أقسام الكلام النفسي، بينما المعتزلة لا يقبلون الكلام النفسي ولا يقبلون مفهوم الطلب كصفة نفسية.
لذلك، ما يثبته الأشاعرة كطلب في نفس الفاعل المختار يعتبره المعتزلة إرادة الفاعل المختار، وليس صفة مقابلة أو بجانب الإرادة باسم الطلب. ومن هنا يظهر السؤال الأساسي، وهو: ما هو السبب أو المقام المتقدم على الأوامر والنواهي الإلهية التي تُعبّر عنها الألفاظ؟ هل السبب في هذه الألفاظ هو الإرادة فقط؟ أم أن الإرادة لا يمكن أن تكون سببًا موجدًا لألفاظ الأمر والنهي الإلهي، بل يجب إثبات مقام آخر؟
يقول الأشاعرة ردًا على هذا السؤال: إن مقامًا قبل إنشاء ألفاظ الأمر والنهي في نفس الفاعل المختار موجود يُسمى الطلب، وهذا المقام غير مقام الإرادة ويأتي بعدها؛ أما المعتزلة فلا يعترفون بالطلب كصفة مستقلة عن الإرادة، بل يرون الطلب والإرادة واحدًا ومتحدًا (خمینی 1376: 27).
حتى هذه النقطة يتضح أن بعضهم مثل الأشاعرة، كما يثبتون مقامات مثل العلم والاختيار والقدرة والإرادة للنفس، ويعتبرونها من صفات ذات نفس الفاعل المختار، كذلك يثبتون مقامًا يُسمى الطلب لها. يستعير النائيني هذا المفهوم من الأشاعرة ليعبّر عن نظريته المبتكرة حول علاقة الفاعل المختار بالضرورة العلّية والعلّية. ومن الجدير بالذكر أن ما قام به المرحوم النائيني في اقتباس مفهوم الطلب من الأشاعرة هو فقط إيجاد مقام وسيط بين الإرادة والفعل الاختياري، كما كان الأشاعرة يؤمنون بذلك. لكن دافع النائيني والأشاعرة لم يكن أبدًا واحدًا. فدافع الأشاعرة في إثبات الطلب هو نقاش كلامي حول كونية وصف التكلم لله تعالى وقدم كلام الله، وليس إثبات اختيار الإنسان. على العكس من النائيني الذي كان دافعه الأساسي في إثبات معنى الطلب هو إثبات اختيار الإنسان، لا شيء آخر.
وبالنظر إلى هذه المسألة، أن قاعدة الضرورة العلّية والعلّية تنطبق فقط على الفواعل غير المختارة، وأن الفواعل المختارة تخرج من تحت هذه القاعدة من باب التخصيص، حاول النائيني بيان كيفية خروج الفاعل المختار من تحت هذه القاعدة، واستعان في ذلك بمفهوم الطلب. وفقًا لوجهة نظره، إذا لم نفترض مفهوم الطلب، فلن يبقى أي سبيل للهروب من الجبر العلّي؛ لأن مقدمات الفعل الاختياري كلها قهرية وضرورية، وإذا أردنا تفسير الأفعال الاختيارية بنفس هذه المقدمات، فلا بد أن نعتبر الأفعال الاختيارية أيضًا قهرية وغير اختيارية (نائینی 1404هـ: 131). والطريقة الوحيدة للخروج من المشكلة هي الاستفادة من مفهوم الطلب؛ حيث إن مقدمات الفعل الاختياري في النظرية المشهورة هي تصور الشيء، التصديق بالفائدة، الشوق، الشوق المؤكد، الإرادة، وأخيرًا تحريك العضلات لأداء الفعل الاختياري.
يعتبر النائيني مقامًا آخر للنفس بين الإرادة وأداء الفعل، ويسميه الطلب. ويعطي للطلب ثلاث خصائص:
1. مقام الطلب هو نفس اختيار الفاعل؛
2. عندما يكون الفاعل في هذه المرحلة، لا يحكم عليه أي جبر أو إكراه من جهة السبب؛
3. الفاعل نفسه ونفس الفاعل في هذه المرحلة يمنحان الفعل وجوده دون أن يُفرض عليه تدخل من جهة غيره (نائینی 1368: 89).
يمكن القول إن مقام الطلب من وجهة نظر النائيني هو المكان الوحيد الذي تفقد فيه قاعدة الضرورة العلّية وأي ضرورة أخرى فعاليتها، والنفس الفاعل المختار في هذا المقام، خالية من كل ضرورة، تعمل بحرية تامة.
1.1.3.5 أدلة النائيني على إثبات الطلب
الدليل الأول
يُصاغ هذا الدليل منطقيًا في قالب قياس استثنائي. وفقًا لهذا الاستدلال وبفرض أن جميع مبادئ الإرادة ونفس الإرادة غير اختيارية وضرورية، فإنه:
أ) إذا كان تحريك العضلات مجرد نتيجة لمقدمات الفعل الاختياري، دون أن تؤثر النفس في حركة العضلات، فيلزم أن تكون العضلات في حركتها خاضعة وليست تحت سيطرة النفس؛
ب) لكن بالوجدان نجد أن العضلات خاضعة وتحت سيطرة النفس. والنتيجة أن حركة العضلات ليست مجرد نتيجة للإرادة ومقدماتها. لذلك، الأفعال الاختيارية تحت سيطرة شيء غير الإرادة وهو الطلب، والطلب هو عين الاختيار وسيطرة النفس على أفعالها (المرجع نفسه: 91).
في هذا الاستدلال، انتقل النائيني من أمر وجداني وبديهي وهو خضوع العضلات للنفس إلى أمر غير بديهي يُسمى الطلب. وبعبارة أخرى، انتقل من المعلول وهو الخضوع إلى السبب وهو الطلب؛
الدليل الثالث
أ) من الواضح أن انبعاث النفس نحو الفعل يحتاج إلى بعث وإثارة، وبعبارة أخرى، انبعاث النفس مسبوق بالبعث؛
ب) البعث والإثارة من قبيل الفعل؛
ج) الإرادة ليست من قبيل الفعل، بل من الكيفيات النفسية؛
د) لذلك لا يمكن اعتبار الإرادة سبب انبعاث النفس نحو الفعل.
خلاصة الدليل السابق هي أنه إذا اعتبرنا الإرادة مرحلة قبل انبعاث النفس نحو الفعل، فإن انبعاث النفس يحدث بدون بعث، وهذا مستحيل حسب قانون العلية؛ لذلك توجد بعد الإرادة مرحلة تُسمى الطلب، وهي من جنس فعل النفس وتسبب النفس نحو الفعل (نائینی 1404هـ: 131).
ومن الجدير بالذكر أن الإرادة من وجهة نظر النائيني هي الشوق المؤكد، ولا يفرق بين الإرادة والشوق المؤكد كما يفعل بعض الفلاسفة (المرجع نفسه: 132).
2.1.3.5 نقد وتحليل
بالتأمل الداخلي في حال النفس يمكن إيجاد دليل على رفض رأي النائيني، لأن كل إنسان يدرك بوضوح أن هناك شيئًا واحدًا في نفسه يُسمى إرادة، ولا يُرى مفهوم أو فعل يُسمى طلب إلى جانب الإرادة. ومع ذلك، يرد النائيني على هذا الاعتراض بأن المعارضين لم يقدموا أي برهان على ادعائهم بعدم اختلاف الطلب عن الإرادة، وأن ادعاءهم قائم فقط على الوجدان.
ما نجده في أنفسنا هو أن وراء الإرادة شيء آخر يسبب وقوع الفعل الخارجي وصدوره من الفاعل، وأولئك الذين يؤمنون بوحدة الطلب والإرادة لا يملكون سوى دليل الوجدان، وأنه لا يوجد شيء وراء الإرادة، وهي صفة قائمة بالنفس تسمى طلبًا؛ بينما ثبت أن الوجدان يخالف هذه المسألة، بل إن البرهان أيضًا يدعم هذا الوجدان (المرجع نفسه: 131).
أما فلا يبدو من الممكن قبول تبرير نائيني، لأن ما كان نائيني يعتبره بديهيًا وفقًا للحجة الأولى في هذا المقال هو خضوع العضلات للنفس، لا فعل أو صفة تُسمى طلبًا؛ وبعبارة أخرى، كما جاء في شرح الحجة الأولى، نائيني انتقل من الخضوع الذي هو أمر وجداني إلى الطلب، وليس أن مفهوم الطلب في النفس بحد ذاته مفهوم بديهي.
المشكلة الأخرى هي أنه من جهة يعتبر الطلب من نوع الفعل ويميزه عن الإرادة كحالة نفسية. «إن الطلب هو الاختياري الذي هو فعل النفس، والنفس تؤثر بذاتها في وجوده» (نائینی 1368: 92) ومن جهة أخرى يعرف الطلب بأنه عين اختيار النفس. «إن هناك مرتبة أخرى بعد الإرادة تُسمى طلبًا وهي نفس الاختيار» (المرجع نفسه: 80).
النتيجة المنطقية لتطابق الطلب والاختيار ستكون أن الاختيار، مثل الطلب، يجب أن يكون من نوع الفعل، بينما الاختيار صفة وليس فعلًا. لذلك يمكن القول إن ماهية الطلب لم تُشرح جيدًا في كلام نائيني، وهذا ما يجعل فهمه صعبًا.
2.3.5 نظرية خوئي
طريقة دخول خوئي في الاستدلال على عدم انطباق قاعدة الضرورة العلية تعتمد على مفهوم السنخية؛ وفقًا لبحثه، سر عمومية قاعدة الضرورة العلية والعلولية في عالم الوجود من وجهة نظر الفلاسفة هو أمران:
أ) الفقر الذاتي للممكنات؛
ب) عدم إيجاد صفة غير الإرادة يمكن أن تُنسب إليها علّية الأفعال الاختيارية (خوئی 1410ق: 57).
لكن هو يرى أن منشأ عمومية قاعدة الضرورة العلية هو السنخية والسلطة.
1.2.3.5 السنخية من وجهة نظر خوئي
يستبدل خوئي السنخية بمعيار الفقر الذاتي للممكنات ويقول إن سبب انطباق قاعدة الضرورة العلية ليس الفقر الذاتي للممكنات، رغم أن جميع الممكنات تعاني من الفقر الذاتي، إلا أن هذا لا يمكن اعتباره سببًا لعمومية قاعدة الضرورة العلية.
إن القاعدة المذكورة مبنية على مسألة السنخية والتناسب الذي هو أساس العلية، ومن هذا المنطلق وجود المعلول هو مرتبة أدنى من وجود العلة. وبعبارة أخرى، المعلول مولود من العلة ويخرج من صميم ذات العلة، مثل الحرارة المولودة من النار، وفي هذه الحالة من الطبيعي القول إن وجود المعلول عند وجود عِلّته يصبح ضروريًا، وعندما تزول العلة يزول المعلول أيضًا (خوئی 1422هـ: 262).
وفي شرح السنخية العلية يقول: السنخية تعني حضور المعلول في مرتبة عِلّته. وبما أن المعلول هو مرتبة أدنى من العلة، وكذلك لأن العلة هي مرتبة أعلى من معلولها، يمكن الحكم بأن حضور المعلول عند عِلّته واجب؛ وبعبارة أخرى، معنى وجوب سابق المعلول هو حضور المعلول في مرتبة عِلّته أو حضور المعلول في مرحلة ذات العلة نفسها (المرجع نفسه: 263).
وبهذا الشرح يمكن الاستنتاج أنه إذا وُجدت علة لا يحضر معلولها في مرتبة ذات العلة، فلا يمكن افتراض ضرورة سابقة لذلك المعلول، وهكذا فإن هذه الأنواع من العلل والمعاليل لا تربطها علاقة ضرورية أبدًا. ادعاء خوئي هو أن علاقة الفاعل المختار بأفعاله من هذا النوع، وأن الفعل والفاعل المختار كمعلول له لا يحضران في صميم وذات الفاعل، وبالتالي لا يمكن افتراض ضرورة سابقة للمعلول (خوئی 1410هـ: 59).
2.2.3.5 السلطة من وجهة نظر خوئي
فيما يخص السبب الثاني لقول الفلاسفة، يتبنى خوئي رأيًا آخر. كما قيل في السبب الثاني لقول الفلاسفة، يعتقد خوئي أن أحد أسباب لجوء الفلاسفة إلى عمومية قاعدة الضرورة العلية والعلولية هو أنهم لم يستطيعوا إيجاد السبب الحقيقي للأفعال الاختيارية للإنسان في نفس الإنسان. لذلك نسبوا الأفعال الاختيارية إلى الحالة الوحيدة المتاحة لهم، وهي الإرادة؛ فافترضوا أن فعل الفاعل المختار بعد وصول الفاعل إلى مرتبة الإرادة يصبح واجبًا وفق قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد»، ولا يمكن مخالفة السبب التام للمعلول أي الفاعل المختار. خوئي لا يقبل أصل هذا الادعاء، أي ارتباط فعل الفاعل المختار بصفة تسمى الإرادة، ويطرح بدلاً منها مفهوم الاختيار والسلطة للنفس.
إن الإرادة حين تصل إلى أقصى حد لها (الشوق المؤكد) لا يمكن أن تكون السبب التام للفعل؛ لذلك من الطبيعي أن تُنسب الأفعال الاختيارية إلى أمر آخر غير الإرادة، وهذا الأمر هو ممارسة القوة والسلطة التي يُطلق عليها الاختيار. ومن جهة أخرى يمكن القول إن الله خلق النفس الإنسانية بحيث تمتلك هذه السلطة والقوة، وهذه السلطة والقوة صفتان ذاتيتان للنفس وثابتتان في صميم ذات الفاعل، وبسبب هذه الصفة الذاتية تخضع العضلات للنفس؛ لذلك النفس لا تحتاج إلى ممارسة قوة أخرى غير نفسها لممارسة سلطتها (المرجع نفسه: 10).
من مجموع إجابات خوئي على سببي الفلاسفة يتضح أن قاعدة الضرورة العلية تنطبق فقط على الفواعل التي يكون الفعل فيها من سنخ الفاعل؛ وهذه الفواعل محصورة في الفواعل الطبيعية والمجبورة، وهذه القاعدة لا تنطبق على «الفواعل المختارة» بسبب «عدم السنخية».
رأي خوئي في اختيار الله هو نفسه رأيه في باقي الموجودات المختارة؛ أي عدم انطباق قاعدة الضرورة العلية، مع الفرق أن ذات الله سلطان بالذات، ولأنه لا يحتاج إلى غيره، فلا يخضع أبدًا لقاعدة الضرورة العلية؛ لأن السلطان بالذات لا يمكن أن يخضع لقانون أو قاعدة، ولهذا فهو يعتبر الإرادة في الذات الربوبية بمعنى ممارسة القوة والمشيئة.
توضيح أن خوئي في استمرار نقده لرأي الفلاسفة في مطلقية قاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد يرى أن رأيهم يستلزم دخول الجبر في مقام الباري تعالى، وذلك بأن إذا اعتبرنا كما يرى الفلاسفة أن الإرادة الأزلية هي السبب التام لأفعال الله، فإن اعتبار الإرادة سببًا تامًا يعني أننا قد أخرجنا تلك الأفعال من دائرة قدرة الله وسلطانه.
ويمكن توضيح هذه المسألة في مقدمتين:
المقدمة الأولى: لا تتعلق القدرة بما وجوده واجب بذاته أو بما وجوده محال؛
المقدمة الثانية: أفعال الله كلها واجبة، وذلك لأن مصدر وسبب وجود هذه الأفعال، وهو إرادة الله الأزلية المتعالية، واجب الوجود.
وعندما نفترض هاتين المقدمتين (كما افترض الفلاسفة هاتين المقدمتيْن من وجهة نظر خوئي) تكون النتيجة أن أفعال الله تعالى واجبة، وإثبات وجوب أفعال الباري تعالى يعني إثبات عدم قدرة وسلطان الله (خوئی 1410هـ: 70).
ومن هذا المنطلق لا يستطيع خوئي قبول قاعدة الضرورة السببية في مقام الذات الربوبية، ولتحقيق ذلك يقدم وجوب أفعال الله وكمال الذات الإلهية من جميع الجوانب المعنوية إلا المعنى الذي يقصده الفلاسفة. يصور خوئي وجوب الأفعال الإلهية بمعنى عدم افتقار الذات الإلهية إلى غيرها، وأن ذات الله سلطان بالذات، ويستنتج من هذا المعنى أنه بما أن وجود الله لا يحتاج إلى غيره، ومن جهة أخرى ذات الله سلطان بالذات، فإنه لا يخضع أبدًا لقاعدة الوجوب السببي؛ لأن السلطان بالذات لا يمكن أن يكون تحت قانون أو قاعدة. ولهذا يرى أن الإرادة في الذات الربوبية تعني ممارسة القدرة والمشيئة (خوئی 1422هـ: 282).
3.2.3.5 النقد والمراجعة
في نقد ومراجعة هذا الرأي، أول ما يمكن أن يُطرح ك نقد أساسي هو سبب خوئي لنفي قاعدة الضرورة السببية في مقام الفاعل المختار. كما ذُكر، يرى خوئي أن عدم تطبيق هذه القاعدة على بعض الفواعل يعود إلى سنخية السبب والمسبب، ولأن بعض الفواعل مثل الفاعل المختار لا توجد سنخية بينه وبين فعله، فهو بذلك خارج عن هذه القاعدة.
وفي نقد هذا السبب يمكن الإشارة إلى عدة نقاط:
أ) في نقد ومراجعة مفهوم السنخية من وجهة نظر خوئي، يمكن القول إن قصد خوئي من السنخية غير واضح، هل هذا المفهوم هو نفسه المفهوم الذي أشار إليه الفلاسفة في آثارهم بقاعدة سنخية السبب والمسبب، أم أن خوئي يقصد معنى أو مفهومًا آخر للسنخية؟ لأن ما يسميه الفلاسفة سنخية السبب والمسبب هو مفهوم مستنبط من قاعدة «معطي الشيء لا يكون فاقدًا له»؛ هذه القاعدة تقول إن السبب الذي يخلق المسبب ويمنحه الوجود لا يمكن أن يفتقر إلى كمالات المسبب، فجميع كمالات المسبب موجودة في السبب بشكل جامع وملفوف. لذلك المسبب هو من سنخ السبب، لأن السبب يحتوي على كمالات المسبب.
ويعتبر الفلاسفة هذه القاعدة بديهية، رغم أنهم قدموا لها أدلة، مثل أنه إذا لم يكن المسبب من سنخ سببه، لكان من الضروري أن ينشأ كل مسبب من أي سبب، وهذا أمر محال بالضرورة؛ لذلك السبب والمسبب مرتبطان بالسنخية.
على كل حال، ما هو واضح من وجهة نظر الفلاسفة هو عمومية هذه القاعدة في جميع الأسباب، بمعنى أن جميع الأسباب يجب أن تكون من سنخ مسبباتها. وبعبارة أخرى، كمالات جميع المسببات موجودة في أسبابها، وإلا لا يمكن توقع أن يكون السبب الذي يفتقر إلى كمالات المسبب قادرًا على منحه تلك الكمالات.
لذلك، لا يمكن أن يكون التفريق الذي أجراه المرحوم خوئي بين الفاعل المختار والفاعل الموجب في سنخية المسبب مع فاعله في أحدهما وعدم سنخيتها في الآخر تفريقًا صحيحًا؛ لأن هذا التفريق يعني أن كمالات المسبب غير موجودة في الفواعل المختارة، ومن ثم يمكن القول بتفاؤل إن سنخية السبب والمسبب في كلام خوئي لا تتمتع بمعنى محصل. ولكن إذا لم نر الأمور بتفاؤل، فيجب القول إن مسألة السنخية في كلام خوئي هي نفسها السنخية في كلام الفلاسفة، ويبدو أنه لا يقبل سنخية السبب والمسبب في الفواعل المختارة، كما يقول هو نفسه:
القاعدة المذكورة، أي (الشيء ما لم يجب لم يوجد)، رغم أنها قاعدة تامة إجمالًا، إلا أنه يبدو أنها لا علاقة لها بالأفعال الاختيارية، والسبب في ذلك أن هذه القاعدة قائمة على مسألة التناسب والسنخية… فوجود المسبب هو مرتبة نازلة من وجود السبب، والمسبب ليس غريبًا عن سببه… ومن الطبيعي أن تفسير الضرورة في القاعدة المذكورة بناءً على مبدأ السببية صحيح فقط في المسببات الطبيعية، وليس في المسببات الاختيارية؛ لأن الأفعال الاختيارية، سواء كانت مسببها الإرادة (حسب قول الفلاسفة) أو مسببها ممارسة القدرة والسلطان (حسب قول خوئي)، لا يمكن نسب صدورها إلى مبدأ من سنخها؛ لأن المسبب الاختياري لا يصدر من ذات السبب وفاعله… حتى يكون من خصائص ومراتب سببه، بل هذه المسببات بطبيعتها ووجودها متباينة مع أسبابها (خوئی 1410هـ: 58-59).
ولكن هذا التفريق لا يبدو صحيحًا؛ لأنه يتعارض مع القاعدة المسلمة والبديهية «معطي الشيء لا يكون فاقدًا له».
ب) حتى على فرض صحة قول خوئي في تفريق المعلولات بين الفاعل المختار والموجب في قاعدة السنخية، لا تزال مشكلة تحليله قائمة، لأن قاعدة الشّيء ما لم يجب لم يوجد ليست مبنية على سنخية علّية ومعلولية، بل هذه القاعدة مبنية على الإمكان الذاتي للمعلول بالنسبة إلى سببه، بمعنى أن المعلول بسبب إمكانه الذاتي في الوجود والعدم يكون في حالة تساوٍ، وعندما يوجد سببه يصبح وجوده واجبًا؛ لذلك، بشكل عام، مسألة الضرورة العلّية والمعلولية على أساس أصل السنخية، كما صاغها خوئي، لم تُبنَ.
3.3.5 نظرية الشهيد الصدر
الشخصية الثالثة التي نوقشت في هذا النص والتي قدمت نظرية مستقلة حول علاقة قاعدة الضرورة العلّية والمعلولية بالفاعل المختار هي الشهيد الصدر. فهو مستعير لنظريته من نائيني، ويُعد نوعًا من مكمل لرأي نائيني في هذه المسألة، لكنه نظم الثغرات الاستدلالية في نظرية نائيني وطرح أيضًا عدة اعتراضات عليها، فقدم نظريته كطرح مستقل، ويمكن اعتبار الصدر من بين الأصوليين الذين يتبعون خطًا مشتركًا في إثبات عدم انطباق قاعدة «الشّيء ما لم يجب لم يوجد» على فواعل الاختيار.
بدأ الصدر بطرح عدة اعتراضات تثبت عدم كفاءة نظرية نائيني، ثم مع الحفاظ على أصول وأهم آراء نائيني، عرض نظريته في هذا الشأن. لذلك، في هذا القسم من النص، سيتم أولًا ذكر اعتراضات الصدر على رأي نائيني ثم عرض نظريته.
1.3.3.5 اعتراضات الصدر على نائيني
الاعتراض الأول: إذا اعتبرنا الفعل النفسي “الطلب” هو عين الإيجاد وعين التأثير (كما اعتبره نائيني)، يجب القول إن التأثير والأثر، الإيجاد والوجود، ليست حقائق تتجاوز الفعل الخارجي؛ بناءً على هذا التحليل، المفهوم الذي يعتبره نائيني وسيطًا بين الإرادة والفعل الخارجي لا يمكن أن يكون أمرًا مستقلًا عن الفعل الخارجي، بل هو صفة مستخلصة من الفعل الخارجي (هاشمی 1996: 35)؛
الاعتراض الثاني: إذا وضع نائيني فعل الطلب، وهو فعل نفسي، كتخصيص على عمومية قاعدة الضرورة العلّية والمعلولية، فلماذا لا يقبل هذا التخصيص في الفعل الخارجي؟ أي لماذا لا يعتبر الفعل الخارجي مخصصًا لقاعدة الضرورة؟ فما الفرق بين الفعل النفسي والفعل الخارجي الذي يمنع إخراج الفعل الخارجي من تحت قاعدة الضرورة؟ يستنتج الصدر من هذه المسألة أن الوساطة بين الإرادة والفعل الخارجي بواسطة فعل الطلب لا يمكنها حل مشكلة التناقض (همان)؛
الاعتراض الثالث: قاعدة الضرورة العلّية ليست قاعدة تعبدية يمكن أن تُخصص؛ لذلك لا يمكن تخصيص قاعدة الضرورة بفعل الطلب الذي هو فعل نفسي (همان). يبدو أن الصدر بهذا الاعتراض في البداية لا يقبل الخط المشترك بين أقرانه من الأصوليين القائل بعدم انطباق قاعدة الضرورة على الفاعل المختار، لكنه في الواقع يجعل هذا الاعتراض مدخلاً لدخول نظريته.
2.3.3.5 الشهيد الصدر ونظرية السلطنة
بالنظر إلى الاعتراض الثالث للصدر على نائيني، لتصحيح اختيار الفاعل المختار يجب البحث عن أمر آخر؛ بمعنى آخر، عندما نعلم أن فعل الفاعل المختار ليس واجبًا بالذات ولا يخضع، مثل باقي أشياء العالم، لوجوب غيري، فكيف يمكن تقييم فعل الفاعل المختار؟ يعرض الصدر أربعة فروض لتصحيح فعل الفاعل المختار:
الفرض الأول: المصحح وجود وموجد فعل الفاعل المختار هو وجوب بالغير؛ هذا الفرض من وجهة نظر الصدر باطل، لأنه إذا كان موجد ومرجح فعل الفاعل المختار وجوب بالغير، فيجب أن نقبل أن الفعل والفاعل المختار يخضعان لقاعدة «الشّيء ما لم يجب لم يوجد»، بينما من وجهة نظره الخضوع لهذه القاعدة يعني قبول الجبر في فعل الفاعل المختار؛
الفرض الثاني: المصحح هو الإمكان الذاتي للفعل؛ هذا الفرض أيضًا هو نفس رأي المتكلمين القائم على الأولوية وباطل، لأنه بالوجدان يُعلم أن الإمكان الذاتي، الذي هو نسبة تساوي بين الوجود والعدم، لا يمكن أن يكون مصححًا وموجدًا للفعل الاختياري.
يضيف الصدر سببًا آخر لرفض هذا الفرض: «إضافة إلى السبب السابق، هناك سبب آخر وهو أن الإمكان لا يمكن أن يكون مصححًا للاختيار، لأن هذا الفرض يعني الصدفة والاتفاق، والاتفاق غير الاختيار» (المرجع نفسه: 36). أي إذا قيل إن الإمكان هو موجد ومصحح الفعل الاختياري، فقد قبلنا ترجحًا بلا مرجح، وقبول ترجح بلا مرجح هو نفس نقص قانون العلية؛
الفرض الثالث: يستعير الشهيد الصدر مفهوم هجوم النفس نحو خلق الفعل الاختياري من عبارة نائيني ويقول: يمكن افتراض أن النفس بهجومها نحو خلق الفعل تقوم بإنشائه، وبالتالي المصحح للفعل الاختياري هو هجوم النفس نحو إيجاد الفعل. ويرفض الصدر هذا الفرض أيضًا ويقول: إذا قبلنا هجوم النفس كفعل من جانب النفس التي بهذا الفعل النفسي تخلق الفعل الخارجي، فيجب القول إن الهجوم نفسه كفعل نفسي يحتاج إلى هجوم آخر، وهذا الآخر أيضًا يعتمد على هجوم متقدم منه، وهكذا ينشأ التسلسل في الفرض الثالث ويصبح باطلًا؛
الفرض الرابع: المصحح هو مفهوم السلطنة؛ أي أن المصحح لأفعال الاختيار ليس وجوبًا غيريًا ولا إمكانًا ذاتيًا، بل أمرٌ وسط بين هذين الأمرين يشبه الإمكان من جهة والوجوب من جهة أخرى، ويسميه السلطنة. بمعنى أن أشياء عالم الوجود تنشأ من أمرين: الوجوب الغيري والسلطنة.
السلطنة مفهوم يقع بين الوجوب والإمكان، ولا معنى له إلا في الفواعل المختارة. يشبه الإمكان في تساوي علاقته بالوجود والعدم، ويختلف عنه في أن الإمكان غير كافٍ لتحقيق أحد طرفي الوجود أو العدم، بينما السلطنة وحدها تحقق أحد الطرفين. ويشبه الوجوب في هذه المسألة أيضًا؛ أي تحقيق أحد طرفي الممكن، لكنه يختلف عنه في عدم ضرورة الفعل في زمن تحقق السلطنة، خلافًا للوجوب الذي يستلزم تحقق الفعل؛ لذلك فإن مفهوم السلطنة هو مفهوم وسيط بين الوجوب والإمكان، ولا معنى له إلا في الفواعل المختارة. وفي شرح الفرق بين الإمكان والوجوب من جهة والسلطنة من جهة أخرى، وكذلك تشابهها، يقول:
إن السلطنة تشترك مع الإمكان والوجوب في بعض الوجوه، وتختلف عنهما في وجوه أخرى. فالسلطنة تشترك مع الإمكان في أن السلطنة، مثل الإمكان، تكون علاقتهما بالوجود والعدم متساوية؛ لكن الفرق بينها وبين الإمكان هو أن الإمكان غير كافٍ لتحقيق طرفي الوجود والعدم، بل يحتاج إلى موانع زائدة؛ بينما السلطنة [وحدها كافية لتحقيق أحد الطرفين] ولا يُفترض انضمام شيء آخر إليها؛ لأن أحد طرفي الوجود والعدم يتحقق بالسلطنة وحدها، فإذا افترض وجود موانع زائدة في السلطنة، لكان ذلك مخالفًا لمفهوم السلطنة، وتخرج السلطنة عن كونها سلطنة، بينما في الإمكان، انضمام موانع زائدة لا يتعارض مع مفهومه… [أما من حيث اشتراك السلطنة مع الوجوب] فالسلطنة تشترك مع الوجوب في أن السلطنة، مثل الوجوب، لا تحتاج إلى انضمام شيء آخر لتحقيق أحد طرفي الوجود والعدم، وتختلف عن الوجوب في أن صدور الفعل في الوجوب ضروري؛ أما صدور الفعل في السلطنة فلا ضرورة له، لأنه لو كان ضروريًا، لكان ذلك مخالفًا لمفهوم السلطنة، وهناك فرق بين حالة (له أن يفعل) وحالة (عليه أن يفعل) (المرجع نفسه: 37).
صدر يستند إلى الفرق بين (له أن يفعل) أي نفس الفاعل المختار الذي يملك القدرة على الفعل، و(عليه أن يفعل) أي نفس الفاعل الذي يُفرض عليه الفعل؛ فيضع نفس الفاعل المختار في مقولة (له أن يفعل) ومن هنا يثبت له صفة الاختيار (المرجع نفسه).
نقطة أخرى يجب الإشارة إليها هنا هي مفهوم جديد للضرورة ينبثق من مفهوم السلطنة، ويسميه الشهيد صدر بالضرورة الأخلاقية. في الواقع، هذه الضرورة، بحسب تعبيره، تختلف نوعًا عن الضرورة الناشئة عن الوجوب بالغير. هذا النوع من الضرورة يقع في طول السلطنة، وبما أن السلطنة تختلف نوعًا عن الوجوب، فإن الضرورة في طولها تختلف نوعًا عن الضرورة الناشئة عن الوجوب بالغير. وهذا النوع من الضرورة، لكونه في طول السلطنة، لا يتعارض مع الاختيار (صدر 1995: 227).
وبناءً على هذا التحليل، يستطيع أن يثبت الاختيار بسهولة؛ لكن السؤال الذي يجب أن يجيب عليه والذي لا يزال قائمًا أمامه هو: هل وجود مفهوم السلطنة، مثل وجود المواد الأخرى كالإمكان والوجوب، له دليل عقلي؟ بمعنى آخر، هل مفهوم السلطنة، مثل مفاهيم الوجوب والإمكان، ناتج عن الحصر العقلي، ولديه دليل عقلي على وجوده؟ هذا السؤال أجاب عنه صدر بنفسه قائلاً إنه لا يمكن لأي دليل عقلي أن يثبت وجود هذا المفهوم، بل إن الدليل الوجداني والنقلي فقط يمكن أن يثبت هذا المفهوم في ساحة وجود الفاعل المختار. وبالطبع، هو يخص الله من عموم الفاعلية المختارة؛ أي أنه في شأن الله يمكنه إثبات هذا المفهوم بالبرهان، أما في شأن الإنسان فالوجدان والنقل هما السبيل الوحيد.
يمكن إقامة برهان على إثبات هذا المفهوم إجمالًا في علاقة بالله… الذي يرجع إلى قدرة الله، أما في شأن الإنسان الذي هو موضوع النقاش فلا يوجد برهان عليه، بل طريق إثباته محصور في الشرع والوجدان؛ كأن نقول مثلاً إننا ندرك السلطنة مباشرة في داخل أنفسنا، بحيث عندما ينشأ شوق قوي في نفسنا نحو الفعل، لا نذهب قسرًا وبدون اختيار نحو الفعل، ولا شيء يجذبنا إليه، بل نندفع نحو الفعل بالسلطنة؛ لذلك فإن حالة السلطنة من الأمور الموجودة في النفس تُدرك بالعلم الحضوري، مثل حالة الجوع والعطش (صدر 1425هـ: 83).
وبالتالي، يمكن تلخيص الأمر بأن السلطنة من وجهة نظر صدر هي مفهوم إلى جانب مفهومي الوجوب والإمكان، وقد زاد المواد الثلاثة المعهودة في الفلسفة من وجهة نظره إلى أربعة؛ وهي الوجوب، الإمكان، الامتناع، والسلطنة. هذا النوع من النظر إلى المواد الثلاثة يعني أن المواد الثلاثة المذكورة في الكتب الفلسفية لا تملك القدرة الكافية لتبرير الفعل الاختياري للإنسان. ومن الجدير بالذكر أن السلطنة من وجهة نظر صدر ليست تخصيصًا لقاعدة الضرورة العلية حتى لا يثار اعتراض تخصيص قاعدة عقلية، لأن قاعدة الضرورة من وجهة نظر صدر قاعدة وجدانية ومن المدركات الأولى للعقل، وليست عقلية (المرجع نفسه: 36). لذلك فإن تخصيصها للفاعل المختار لا يخل بالقاعدة.
3.3.3.5 النقد والمراجعة
أهم نقد يمكن توجيهه إلى رأي صدر هو غموض نظرية السلطنة التي يقصدها، لأنه من جهة يعتبر السلطنة شبيهة بالوجوب، ومن جهة أخرى يشبهها بالإمكان؛ وهذا المفهوم الوسيط يجعل تصور هذا المفهوم غامضًا بذاته، لأن الوجوب مقابل الامتناع، وكل ما ليس واجبًا ولا ممتنعًا يسمى ممكنًا؛ لذلك فإن مفهوم السلطنة هو مفهوم يقع بين الواجب ومفهوم ليس واجبًا ولا ممتنعًا، وتصوره في غاية الغموض والإبهام.
بعبارة أخرى، تقسيم المواد الثلاثة على ثلاثة أمور هو من باب الحصر العقلي وتقسيم ثنائي، بحيث إن كل مفهوم نفترضه ثم ننسب الوجود إليه، إما أن يكون الوجود له ضرورياً أو غير ضروري. الذي يكون الوجود له ضرورياً يُسمى واجباً، والذي لا يكون الوجود له ضرورياً إما أن يكون العدم له ضرورياً أو لا يكون الوجود ولا العدم له ضرورياً؛ الأول يُسمى ممتنعاً والثاني ممكنًا.
وبهذا التفصيل، عندما يُرى أن تقسيم المواد الثلاثة قد عُنون بالحصر العقلي، لا يمكن تصور معنى محصل للسلطنة؛ بالإضافة إلى أن صدر نفسه لا يستطيع تقديم دليل عقلي لمثل هذا المفهوم للوجود، ويُحيل قبول هذا المفهوم إلى النقل والوجدان. وهذا في حين يمكن الادعاء بأن ما يأتي به الوجدان هو ضرورة بالاختيار، ولا يتعارض مع الاختيار؛ أي يمكن للخصم أن يدعي الضرورة السابقة، ولكن بما أن الضرورة السابقة تحدث مع الاختيار وإرادة الفاعل المختار، فلا تتعارض مع اختياره (قول الفلاسفة). على أي حال، لا يمكن القول إن صدر قد استطاع توضيح مفهوم السلطنة بجانب مفاهيم مثل الإمكان والوجوب بشكل جيد، وهذا المفهوم مع كل التفاصيل في كلامه لا يزال غامضًا.
4.3.5 نظرية جعفري
المصطلح المهم والمفتاح للدخول إلى مباني جعفري في هذا المبحث هو مصطلح «من». من وجهة نظره، مصطلح «من» كأهم عامل لربط العلية والاختيار داخل الفاعل المختار يبرر اختياره بالرغم من قبول الضرورة العلية.
1.4.3.5 «من» في نظر جعفري
كلمة «من» كنوع من الضمير، رغم أن مرجعه موجود، إلا أن تصور ماهيته صعب جدًا وحتى مستحيل، وهو لبّ وأساس نظر جعفري إلى «من» (جعفری 1394: 119). ويعدد عدة خصائص أخرى لهذا المفهوم:
1) «من» هو الحاكم على الغرائز والحالات التي تحت سيطرته؛
2) «من» ليس مفهوماً مجرداً من مجموع الحالات الداخلية للإنسان أو مجموع أعضائه الحسية، لأن «من» في السيطرة على الغرائز يقاتلها، وكذلك «من» يتمتع بنوع من الوعي الذاتي الذي لا تتمتع به بقية أجزاء الجسم (المرجع نفسه: 120).
2.4.3.5 الضرورة العلية والاختيار من وجهة نظر جعفري
تتوقف فاعلية الضرورة العلية عندما تصل إلى ساحة وجود الفاعل المختار عن العمل كما في العالم الفيزيائي (المرجع نفسه: 137).
ويعتبر هو أن تحديد فاعلية الضرورة العلية في ساحة الفاعل المختار يتم عبر مفهوم «من». للفعل الاختياري عدة مراحل: 1. الانتباه إلى الهدف ورغبته؛ 2. الانتباه إلى العمل وإمكانية إنجازه؛ 3. موازنة المنافع والمضار للعمل؛ 4. الميل والرغبة للعمل؛ 5. إرادة العمل؛ 6. اتخاذ القرار بالعمل؛ 7. الاختيار (المرجع نفسه: 159).
ومن وجهة نظر جعفري، هذه المراحل ليست متساوية عند جميع الأفراد، والسبب في عدم التساوي هو اختلاف «المن» لديهم، لأن «المن» في مراقبة أفعاله يختلف في الشدة والضعف. قد يقوم البعض بمرحلة متقدمة أكثر من مرحلة أخرى، أو تكون المسافة بين مرحلة وأخرى قليلة جدًا أو كثيرة جدًا. «في بعض الأشخاص، المسافة بين الميل والإرادة والقرار قليلة جدًا، فالانتباه إلى كون الهدف مرغوبًا هو نفسه التعبير عن الميل والإرادة والقرار» (المرجع نفسه: 160).
لكن هناك ثلاثة مبادئ مشتركة بين جميع البشر مع كل اختلافاتهم النفسية والروحية:
1. مراقبة وسيطرة «المن» على القيام والفعل؛
2. عدم منع أي عامل من سيطرة ومراقبة «المن»؛
3. تدريجية وشكّية الإرادة في القيام بالعمل وقابليتها للزوال بأي عامل خارجي أو داخلي (المرجع نفسه: 161).
في شرح المبدأ الثالث، يجدر القول إن من وجهة نظر جعفري الإرادة الفعلية ليست بسيطة ولا مكونة من أجزاء. للعمل الاختياري مثل رسم لوحة نوعان من الإرادة:
أ) الإرادة العامة في رسم اللوحة كاملة؛
ب) الإرادات الجزئية التي تخص كل جزء من اللوحة، وهي تسرب نفس الإرادة العامة إلى أجزاء اللوحة.
هذا التسرب، وفقًا للمبدأ الثالث، يمكن أن يستمر حتى يتوقف بواسطة عامل خارجي أو داخلي. مع كل هذه التوضيحات يتضح أن الاختيار من وجهة نظره أمر شكِّي (المرجع نفسه: 162).
ومن هذه المبادئ الثلاثة التي يطبقها كل شخص تبعًا لطباعه، ينتج أن «المن» حاضر في جميع مراحل الفعل الاختياري؛ لذلك لا يمكن القول إن مراحل الفعل الاختياري ب تحت قانون الضرورة العلية الجبرية.
عملية عمل «المن» في الفعل الاختياري هي تفضيل الاستجابة أو الامتناع من طرف على آخر، لكن هذا التفضيل ليس بحيث يجعل الطرف المرفوض مستحيلاً، لأن:
أ) الإنسان أحيانًا يندم على فعله، وهذا الندم دليل على عدم إغلاق الطريق الآخر أمامه عند القيام بالفعل؛
ب) الحدس الداخلي يشهد بأن لحظة سيطرة «المن» على فعله ليست مغلقة للطريق المقابل؛ ولا تفرض علينا اللحظة الثانية بالضرورة؛
ج) الإنسان في اختياراته أحيانًا يبقى في مفترق طرق، وهذا دليل على عدم إغلاق الطريق في حال اختيار أحد الطرفين؛ وأن «المن» في حالة التردد يفحص أحيانًا العامل أ وأحيانًا العامل ب، وهذا يدل على أن أيًا من العاملين لم يفرض ضرورته على «المن» (المرجع نفسه: 135).
من الفروق بين وجهة نظر جعفري ووجهات نظر غيره من الأصوليين أنه لا يعتبر أيًا من مراحل الفعل الاختياري جبرية.
من وجهة نظر العلامة جعفري، وبالنظر إلى المبادئ الثلاثة الأساسية للفعل الاختياري، وخاصة إشرافي على القطبين الإيجابي والسلبي للعمل، فإن هذا الإشراف موجود في مراحل صدور العمل المختلفة، ولذلك لا يمكن اعتبار مقدمات الفعل الاختياري غير اختيارية (نصری 1393: 165).
3.4.3.5 نقد وتحليل نظرية جعفري
من الانتقادات الموجهة إلى نظرية جعفري هو التمييز بين الحرية الأخلاقية والروحية وحرية الإنسان بالنظر إلى قانون العلية؛ والتوضيح أن الإنسان يمتلك نوعًا من الحرية التي تنبع من البُعد الملكوتي والعلوي للنفس الإنسانية. هذا النوع من الحرية يختلف تبعًا لتفوق وتفرد البُعد الملكوتي على البُعد الحيواني والملكي. فكلما كان الإنسان ذا نفس أقوى، زادت هذه الحرية، وكلما كانت النفس أضعف، قلّت هذه الحرية تبعًا لذلك. الفرق بين هذه الحرية والحرية أمام قانون العلية هو أن الحرية من النوع الثاني متساوية ومتوازنة أمام جميع النفوس المختارة، بمعنى أن:
إذا كان قانون العلية والجبر العلّي والعلّلي يستلزم اضطرار الإنسان أمام أفعاله، فإن جميع البشر مضطرون على نحو متساوٍ، وإذا لم يكن كذلك، فإن جميع البشر أحرار بنفس الدرجة وبشكل متساوٍ، ولا يمكن تصور درجات أو مراتب أخرى (سبحانی 1391: 318).
وبناءً على هذا النقد، ما طرحه جعفري بشأن إشراف “الذات” على الغرائز وبالتالي تصحيح اختيار الإنسان أمام قانون العلية يعود في الحقيقة إلى الحرية الأخلاقية والروحية؛ لأن الجبر أو الحرية أمام قانون العلية أمر بسيط وخالٍ من المراتب.
نقد آخر على وجهة نظره هو في الواقع نقد للأسباب الثلاثة لعدم استحالة الطرف المرجوح في الفعل الاختياري. أما النقد الأول فهو أن الندم بعد القيام بالفعل ليس دليلاً على عدم استحالة الطرف المرجوح، لأنه يمكن تفسير الندم على الفعل بطريقة مختلفة عما طرحه جعفري، وذلك كما يلي:
الندم بعد البدء والمضي فيه، في حالة وجود تقصير، هو نتيجة اكتشاف عدم وجوب الطريق الأول في لحظة البدء والإقدام، لكنه اعتبره واجبًا بسبب الغفلة أو التقصير في البحث أو الدراسة (المرجع نفسه: 322).
أما جعفري فقد استند في السبب الثاني إلى الشهود الداخلي كدليل على أن اللحظة الثانية من النشاط الاختياري لا تفرض نفسها علينا كضرورة. وهذا السبب يواجه نقدًا مفاده أنه يمكن قبول أن اللحظة الثانية لا تفرض نفسها علينا، لكن لا يمكن قبول أن عدم الإكراه دليل على عدم استحالة الطرف المرجوح؛ لأنه إذا لم يصبح الفعل ضروريًا في لحظة وقوعه، فلن يحدث أبدًا، وهذا ينطبق على اللحظة الثانية وبقية اللحظات.
اللحظة الثانية للنشاط الداخلي لا تفرض ضرورتها، لكن هذا لا يعني أنه يجب أن يصل أحد الطرفين إلى حد الوجوب والضرورة المطلقة عند لحظة الإقدام على الفعل. وإذا كانت الضرورة موجودة في اللحظة الثانية واللحظات الأخرى، يستمر العمل، وإلا يتوقف (المرجع نفسه).
أهم نقد يمكن توجيهه إلى نظرية جعفري هو اعتماد هذه النظرية على شهود مفهوم “الذات”. معظم ادعاءاته، سواء أصل وجود مفهوم “الذات”، أو سيطرتها على جميع قواها، وعدم خضوعها لقانون الضرورة العلّية، كلها مبنية على الشهود، مع استخدام قليل للاستدلال. وهذا لا يمنع من إمكانية تبرير هذا الشهود النفسي أمام وجهة نظر الخصم، إذ يمكن للخصم أن يبرر هذا الشهود وفق رؤيته، مثلاً بإرجاع هذا الشهود إلى “الوجوب بالاختيار الذي لا يتنافى مع الاختيار” وعدم اعتبار شهود الاختيار متنافيًا مع الوجوب.
6. نظرية المختار
شهود الاختيار في نفس كل إنسان أمر لا يمكن إنكاره. ومن ثم، فقد ناقش الفلاسفة والمتكلمون والأصوليون، جميعًا، بناءً على هذا الشهود اليقيني، كيفية عمل النفس في مواجهة عوامل الجبر. لذلك يمكن القول إنهم جميعًا متفقون على أن الإنسان ليس مجبورًا، والاختلاف الوحيد بينهم هو في تبرير هذا الاختيار الذي لا يمكن إنكاره. ومن وجهة نظر كاتب هذه السطور، فإن مفتاح فهم وتبرير وجهة نظر الأصوليين في تفسير ماهية الإرادة هو أنه إذا أمكن تفسير ماهية الإرادة بشكل صحيح، يبدو أن منهج الأصوليين أفضل من تفسير الفلاسفة والمتكلمين لشهود الاختيار الحاضري؛ لأن في هذا المنهج النفس لا تُقهَر أبدًا بالضرورة والجبر، وتحافظ على اختيارها حتى إتمام الفعل، ومن جهة أخرى لا تنكر الضرورة العلّية في غير ساحة الفاعل المختار، على عكس منهج الفلاسفة الذين يرون النفس مختارة فقط قبل الإرادة المختارة، وبعد الإرادة تخضع النفس لقانون الضرورة العلّية، وأيضًا على عكس المتكلمين الذين ينكرون تمامًا وجود الضرورة العلّية في جميع ساحات الوجود.
رغم ذلك، يبدو أن الأصوليين أيضًا كانوا غير ناجحين نسبيًا في تبرير منهجهم. لذلك، سيحاول الكاتب باعتماد منهج الأصوليين أن يبرر هذا المنهج باستخدام مفهوم الوجود الرابط في الحكمة المتعالية، مستعينًا بكلام العلامة الطباطبائي في الهامش على كتاب كفاية الأصول. حيث يقول في هذا الكتاب عن ماهية الإرادة: الإرادة ليست صفة ذات وجود مستقل، ولا تنتهي بها فاعلية الفاعل، بل هي نسبة وحيثية ليست خارجة عن النفس، ووجودها مثل باقي الوجودات الرابط (طباطبایی د.ت.: 75).
وفقًا لهذا القول، الإرادة من صنف أفعال النفس وليست من جنس الصفة. وكونها فعلًا يكون على نحو وجود رابط؛ أي أن الإرادة وجود رابط بالنسبة للنفس. ومن هذا المنطلق يجب أن تُلحق أحكام الوجود الرابط بالإرادة أيضًا. حكم الوجود الرابط هو أن المعلول شأن ومن أطوار وجود الفاعل والسبب؛ وبناءً على هذا الرأي فإن جميع الأسباب والممكنات في عالم الوجود هي جميع أوجه وأطوار وجود شخصي مستقل، وهذا الوجود المستقل يظهر في الموجودات في العالم ويحضر فيها. في الحقيقة، الموجودات هي ذاتها مظاهر وأوجه وتجليات ذات واحدة، وهي عين الربط بها ولا انفصال بينها وبينها (ملاصدرا 1990: 300-301).
وهذا المعنى نفسه من الوجود الرابط هو المقصود عند علامه طباطبائي في باب إرادة الفاعل المختار. فهو يرى الإرادة فعلًا من أفعال النفس وفي مرحلة أعلى شأن وطريقة من أطوارها، ولا يقبل انفصال الإرادة عن النفس ككيانين مستقلين، وعلى خلاف معظم الفلاسفة، لا يعتبر الإرادة جزءًا أخيرًا من علّة النفس (طباطبایی د.ت.: 75)، بل بإرجاع علّة النفس إلى التشأن يعتبر الإرادة نفسًا في مقام الإرادة. «الإرادة موجودة بوجود النفس، دون أن يكون لها ماهية في ذاتها. لذلك الإرادة من أطوار النفس وليست خارجة عنها» (المرجع نفسه: 76).
ويعتبر الإرادة مثل العلم والقدرة والمحبة في النفس. ورغم أنه قد يتوقف أحيانًا بعض الحيثيات الذاتية على حيثيات ذاتية أخرى، فإن هذا التوقف لا يخرجها من حيث الوجود ومن كونها جميعًا في الذات عين بعضها البعض، بل مع وجود هذا الترتب تبقى العلم والقدرة والإرادة والمحبة جميعها ذاتًا واحدة ومثالًا لجميعها هو النفس. وبعبارة أخرى، كل هذه الحيثيات هي من أوجه وأطوار ذات واحدة وهي النفس (المرجع نفسه).
وبقبول هذا الأساس يمكن القول إنه حين تصدر الإرادة من النفس، فإن النفس نفسها بكل صفاتها الأخرى تحضر في مرحلة الإرادة؛ أي أن النفس في مقام الإرادة وفي الوقت نفسه مختارة وقادرة وعالمة أيضًا. وبعبارة أخرى، جميع الأفعال الخارجية تصدر مباشرة من فاعل يكون في ذات الوقت إرادة مختارة، ولا يوجد وسيط بين النفس وفعلها الخارجي؛ لذلك النفس في أثناء الإرادة ليست تحت سيطرة أي ضرورة، لأن النفس في آخر تجلٍّ لها وهو الإرادة تظهر بقدرتها واختيارها وعلمها، وفي الوقت نفسه يمكنها أن تمنع القيام بالفعل الخارجي. وبعبارة أخرى، مع وجود كائن قادر ومختار وعالم في أثناء الإرادة لا يبقى أي نوع من الضرورة، ولا يُفرض عليه أي وجوب.
ويبدو أن هذا المعنى هو في الواقع المعنى الذي قصده جعفري من كلمة «من»، ويمكن أيضًا إعادة سلطنة وطلب كما عند نائيني وخوئي وصدر إلى هذا المعنى نفسه.
وفقًا لهذا القول، فإن مراحل الفعل الاختياري التي تتكون من تصور الفعل، والتصديق بالفائدة، والشوق إلى الفعل، والإرادة، كلها تجليات لحقيقة واحدة في مراحل مختلفة بكل صفاتها، والتي بعد آخر تجلٍ لها تؤدي إلى وقوع الفعل، وليس أن تكون الإرادة الجزء الأخير من السبب التام وتكمل علّة النفس بحيث لا يكون للنفس بعد ذلك القدرة على الامتناع عن وقوع الفعل وفقًا لقاعدة الشيء ما لم يجب لم يوجد، بل النفس في ذلك المقام تتجلى بكل صفاتها وتُحدث الفعل باختيارها.
7. الخلاصة
قاعدة الضرورة العلية عند معظم الفلاسفة قاعدة مسلّم بها ولا يمكن إنكارها، على عكس المتكلمين وبعض الأصوليين الشيعة الذين إما نفوا هذه القاعدة كليًا واستبدلوا الأولوية بين العلّة والمعلول، أو نفوها في بعض أبعاد الوجود مثل بُعد الفاعل المختار. استطاع النائيني من خلال طرح مفهوم الطلب أن يجعل اختيار الفاعل المختار في مواجهة قانون الضرورة العلية معقولًا إلى حد ما. فمفهوم الطلب كأحد أفعال النفس التي تأتي بعد الإرادة، وهي الشوق المؤكد، هو مقام يمكن للنفس فيه أن تنشط بحرية تامة خالية من أي وجوب أو ضرورة، لكن بسبب معاناة هذا المفهوم من نوع من الغموض، لا يمكن اعتبار وجهة نظره في تصحيح الاختيار في مواجهة الضرورة العلية وجهة نظر كاملة وخالية من العيوب. كما قدم الخوئي مفهوم السيادة كطريق لتبرير اختيار الإنسان وعدم سيطرة قانون الضرورة العلية على نفس الفاعل المختار، لكنه بطرح مبدأ التناسب العلي والمعلولي، وإن كان بشكل غامض ومشوب بالمشكلات، كمعيار لسريان قاعدة الضرورة، واجه نظريته إشكالات. أما الصدر، فبحركته في استكمال نظرية النائيني، وقع في ذات إشكالات الغموض النظري. فالسيادة التي يقصدها هي مفهوم حقيقي بين الوجوب والإمكان، من جهة تحقق الفعل بها فهي وجوب، ومن جهة أن التفضيل بها لا يمنع الطريق على الطرف المرجوح فهي تشبه الإمكان، وهذا الوسطية في مفهوم السيادة تجعل تصورها صعبًا. أما جعفري، فبطرح مفهوم «المن» وسيطرته على كل مملكة وجود الفاعل المختار، حاول تبرير اختياره في مواجهة الضرورة العلية والعلية، بحيث لا يمكن لأي ضرورة، حتى الضرورة العلية والعلية، أن تؤثر في وجود الفاعل المختار أمام سيطرة ورقابة «المن». لكن هذه الرؤية تواجه أيضًا إشكالات، مثل الخلط بين الحرية الروحية والأخلاقية والحرية في مواجهة الضرورة العلية، واعتمادها على أمور شهودية وغير استدلالية. ومع ذلك، يبدو أن منهج الأصوليين أفضل من بقية المناهج في هذه المسألة. فالحدس الداخلي للإنسان في مسألة الاختيار يشهد لصحة هذا المنهج؛ ومن ثمّ تبين أنه بالاستفادة من نظرية الحكمة المتعالية في مسألة وجود الرابط، ووضع الإرادة كنوع من أطوار النفس، ونتيجة لذلك تجلّي النفس بكل صفاتها، بما فيها الاختيار والقدرة، في آخر تجلٍ لها وهو الإرادة، ونفي أي وسيط بين النفس وأفعالها الاختيارية، وُجد طريق لتبرير هذا المنهج. ومن هنا يمكن القول إن الأصوليين المذكورين سعوا إلى بيان حرية الإنسان قبل صدور الفعل وعدم وجود وسيط بين النفس وأفعالها، وهذا الهم يُجاب عنه جيدًا بكون الإرادة رابطًا بالنسبة للنفس.
قائمة المراجع
أراكي، محسن (1392)، الحرية والعلية، طهران: مؤسسة بحوث الحكمة والفلسفة في إيران.
تفتازاني، سعدالدين (1419هـ)، شرح المقاصد، ج 4، قم: الشريف الرضي.
جرجاني، ميرسيد شريف (1419هـ)، شرح المواقف، ج 8، بيروت: دار الكتب العلمية.
جعفري، محمدتقي (1394)، الجبر والاختيار، طهران: مؤسسة تدوين ونشر آثار العلامة جعفري.
خميني، مصطفى (1376)، تحريرات في الأصول، ج 2، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني.
خوئي، أبو القاسم (1410هـ)، محاضرات في أصول الفقه، ج 2، تقرير محمد إسحاق فياض، قم: دار الهادي للمطبوعات.
خوئي، أبو القاسم (1422ق)، مصباح الأصول، تقرير محمد سرور بهسودي، ج 1، قم: مكتبة الداوري.
رازي، فخر الدين (1407ق)، المطالب العالية، ج 3، بيروت: دار الكتب العربي.
سبحاني، جعفر (1391)، الجبر والاختيار، تقرير علي رباني گلپايگاني، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
صدر، محمد باقر (1425ق)، مباحث الأصول، ج 2، تقرير كاظم حائري، قم: دار البشير.
صدر، محمد باقر (1995)، جواهر الأصول، تقرير محمد إبراهيم أنصاري، بيروت: دار التعاريف للمطبوعات.
صدر، محمد باقر (1996)، بحوث في علم الأصول، ج 2، تقرير محمود هاشمي، قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي.
طباطبائي، محمد حسين (1432)، نهاية الحكمة، ج 1، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
طباطبائي، محمد حسين (د.ت.)، حاشية الكفاية، د.م.: مؤسسة علمية وفكرية الأستاذ العلامة محمد حسين طباطبائي.
قراملكي، محمد حسن (1387)، النظرة الثالثة إلى الجبر والاختيار، طهران: معهد الثقافة والفكر الإسلامي.
مطهري، مرتضى (1384)، مجموعة الآثار، ج 10، قم: صدرا.
معتزلي، قاضي عبد الجبار (1965)، المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج 7، القاهرة: دار المصرية.
ملا صدرا، صدر الدين محمد (1990)، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج 2، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
نائيني، محمد حسين (1368)، أجود التقريرات، تقرير أبو القاسم خوئي، ج 1، قم: مصطفوي.
نائيني، محمد حسين (1404هـ)، فوائد الأصول، تقرير محمد علي خراساني، ج 1، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
نصري، عبد الله (1393)، «الاختيار والضرورة من وجهة نظر الحكمة المتعالية»، مدرسة النائيني ومحمد تقي جعفري، بحث فلسفة الدين، س 12، ع 2.

