تبيين مؤشرات حجية السياسات العامة من منظور الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ‌‌‌تبیین‌ مؤلفه‌های حجیت خط مشی‌های عمومی مبتنی بر دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: الشهيد صدر كأحد المنظرين البارزين في الفقه الحكومي، قدم معايير دقيقة لتحديد حجية السياسات العامة. ونظراً لأن الحكومات الإسلامية ملزمة بتنظيم نظام اتخاذ القرار والسياسة بما يتوافق مع إرادة الشارع المقدس، فإن دراسة وجهة نظره تحظى بأهمية استراتيجية. هذا البحث، باستخدام المنهج المكتبي والاستدلال الاجتهادي، يتناول مكونات الشرعية في صنع السياسات، ويُظهر أنه من منظور فقه الإمامية وفكر الشهيد صدر، هناك ثلاثة أركان رئيسية لـ «الاستناد الاجتهادي إلى الدين»، و«التماسك الداخلي»، و«الفعالية»، وهي الشروط الأساسية لحجية القرارات الكبرى للحكومة.

المؤلف: محمدصادق توسلی، حسین‌علی سعدی

المصدر: حکومت اسلامی، ربيع 1394، العدد 75، ص 67 إلى 94.

المقدمة

الدين الإسلامي المبين، منذ الأيام الأولى لدعوة رسول الإسلام الكريم9، كان منادي خلاص البشرية، وكانت أول الشعارات الإسلامية مشبعة بهذا الوعي العميق بأن الإسلام وقبول التوحيد هما السبيل الوحيد للنجاة: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» (مجلسی، 1403هـ، ج18، ص202)، إن نفي الشرك وقبول التوحيد ورسالة رسول الخاتم، رغم أنه يبدأ بلفظ لغوي وذكر الشهادتين، إلا أنه في الباطن يعني الخضوع لدين والسير في طريق؛ دين يحكم حياة الإنسان بكل شؤونها ومراتبها، ويجلب له السعادة والصلاح في الدنيا والآخرة.

مع بداية عصر الغيبة الكبرى للسيد ولي العصر (عج)، دخل البشر في مرحلة جديدة من الهداية الإلهية، وأصبح للفقهاء والعلماء الدينيين الذين بلغوا فهماً عميقاً لتعاليم الشريعة دور أكثر أهمية وخطورة من السابق في هداية الأمة الإسلامية. هذا الدور الذي يشمل مجموعة من المسؤوليات تجاه أفراد المؤمنين وكذلك المجتمع الإسلامي، هو في المجمل صيانة وصاية الدين في حياة الإنسان؛ كما أن الله تعالى في القرآن الكريم قد وصف الدين الإسلامي المبين في مواضع مختلفة بأنه «دين قيّم» [1].

مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية، كانت هذه هي المرة الأولى في عصر غيبة الإمام المعصوم (ع) التي يتشكل فيها حكم قائم على تعاليم الإسلام المحمدي النقية وبقيادة وإمامة فقيه، ورغم أن هناك حكومات شيعية أو ثورات حق طلبية قام بها الفقهاء سابقاً، إلا أن هذا المستوى من إشراف وتأثير الفقهاء في إدارة المجتمع لم يكن موجوداً من قبل، أو على الأقل لم يُسجل لنا هذا الامتداد والعمق في نفوذ الفقهاء في إقامة الحكم وحضورهم في رأس السلطة.

تشكيل نظام الجمهورية الإسلامية، من جهة أتاح فرصة فريدة لتحقيق الفقه الإمامي عملياً في مختلف المجالات الفردية والاجتماعية، ومن جهة أخرى فتح آفاقاً جديدة نظرياً أمام الإرث العظيم للفقه الإمامي؛ ورغم أن المحاولات الأولى لتحقيق الفقه الإمامي ظهرت في إصلاح الهيكل والنظام السياسي، إلا أنه مع مرور الوقت تبين أن الإصلاحات التي جرت في هياكل السلطة في نظام الجمهورية الإسلامية وتغيير شكل النظام الحاكم وتحقيق ولاية الفقيه، رغم أنها ضرورية للإصلاح، إلا أنها غير كافية، وما يمكن أن يضمن تحقيق الفقه الإمامي هو الجمع بين الشكل والمضمون في الحكم.

في هذا البحث، مع استبعاد المناقشات المتعلقة بالنظرية المتقدمة والرفيعة لولاية الفقيه وثبوتها بالأدلة العقلية والنقلية، وكذلك مع التركيز على مجتمع يوجد فيه فقيه جامع الشروط في رأس هيكل السلطة، سيتم دراسة أهم التحديات في فقه الحكم.

هذا التحدي هو: تحت أي ضوابط تكون قرارات وسياسات الحكومة العادلة مستندة إلى الشريعة الإسلامية المقدسة؟ ما هي المقاييس والضوابط التي تحد أو توسع تصرفات الحاكم العادل؟

الإجابة على هذا التحدي تكمن في توضيح مفهوم «الحجية» بما يتناسب مع أدبيات إدارة الدولة والحكم. بمعنى آخر، كما أن الإنسان في الفقه الفردي يجب أن يكون لديه حجية لفعل نفسه، في فقه الحكم يجب أن يكون للدولة حجية لفعلها، أي للسياسات العامة.

للتطرق إلى هذا الموضوع، بدلاً من الرجوع المباشر إلى المصادر الدينية التي تشترط تمتع الباحث بملكة وقوة الاجتهاد، اخترنا الاستفادة غير المباشرة من المصادر؛ بمعنى أننا اعتبرنا أفكار الفقيه المصلح؛ الشهيد «سيدمحمدباقر صدر» حلقة وصل بيننا وبين المصادر الأصلية، وأسسنا بحثنا على فهمه الاجتهادي للدين.

تبيين المفاهيم المحورية للبحث

البحث الحالي مبني على مفاهيم تشكل أسس التصور للنقاش، وتتوقف عملية البحث على تقديم صورة ومعنى واضحين لهذه المفاهيم. مع هذا التوضيح، سنعرّف ونبيّن المفاهيم المحورية للبحث فيما يلي.

معنى الحجية

قبل كل شيء، من الضروري تقديم تعريف واضح لمفهوم الحجية كأحد المفاهيم الأساسية لهذا البحث. لقد استُخدم مفهوم الحجية في علوم متعددة بمعانٍ مختلفة، ومن بينها، المعنى الخاص بالحجية في علم الأصول، وهو المعني في هذا البحث، ولهذا السبب، سيتم بإيجاز دراسة معنى الحجية الأصولية.

الحجية الأصولية

رأى بعضهم أن الحجة في أصول الفقه تعني الحد الأوسط في قياس الاستنباط (موسوی تهرانی، 1388، ص 69)، أو بعبارة أخرى، عرّفوا الحجة بأنها الحد الأوسط الذي هو سبب ثبوت المحمول في الكبرى للموضوع في الصغرى (حاج‌آخوند قمی، 1428هـ، ج1، ص39)، وفرقوا بينها وبين الحجة المنطقية بأن الحجة الأصولية هي الحد الأوسط الذي يقع في قياس الاستنباط في باب الأدلة والقرائن (انصاری، 1428هـ، ص30). وأضاف ميرزا «نائيني» قيداً على التعريف السابق، فعرّف الحجية الأصولية بأنها: الحجة بمعناها الأصولي هي الأدلة الشرعية (القرائن) التي تُوضع بناءً على جعل شرعي كحد وسط لإثبات متعلقاتها، دون وجود علاقة ثبوتية بين تلك الأدلة ومتعلقاتها بأي شكل يمكن افتراضه (نائینی‌، 1416‌ق، ج3، ص8).

لكن وفقاً للرأي الشائع، فإن الحجية في الأصول تؤدي إلى تنجّز التكليف في فرض الإصابة وصحة الاعتذار في فرض الخطأ والمخالفة للتكليف الحقيقي (آخوند خراسانی، 1409هـ، ص277). كما يرى الشهيد صدر أن الحجية تعني التنجّز والتعذير (صدر، 1991م(ب)، ص 35-39).

معنى المُنجّزية

لتعريف المُنجّزية، استُخدمت تعابير مختلفة. في بعض الحالات، أُشير إلى منشأ المُنجّزية واعتُبرت المُنجّزية هي «حق طاعة المولى على العبد» (صدر، 1423هـ، ص99). وفي حالات أخرى، أُشير إلى الضرورة الذاتية للمُنجّزية، وعرّف هذا المصطلح بأنه «حكم العقل باستحقاق العقوبة في فرض المخالفة» (الأخوند الخراساني، 1409ق، ص 258؛ صدر، 1991م(أ)، ص 170). وبناءً على تعريف أدق وأكثر وضوحاً، تُعتبر المُنجّزية دخول التكليف في عهدة المكلف واشتغال ذمة المكلف بذلك التكليف (حیدری، ‌ ‌2010م، ص49). وبمقارنة التعريفات المذكورة واختيار التعريف الثالث، فإن المُنجّزية تعني بالضبط التزاحم ودخول التكليف في عهدة المكلف، ومنشأ ذلك هو حق طاعة المولى، ونتيجته حكم العقل باستحقاق العقوبة في حال مخالفة التكليف.

معنى المعذّرة

في تعريف المعذّرة، يُشار أحياناً إلى منشأها وهو «عدم شمول دائرة حق طاعة المولى في حالات القطع بعدم التكليف». وفي بعض الحالات، يُؤخذ في الاعتبار الضرورة الذاتية لـ«عدم شمول حق طاعة المولى» أي «عدم استحقاق العقوبة في فرض المخالفة» ويُعتبر المعذّرة مرادفاً لذلك (صدر، 1991م(أ)، ص 170-171). لكن وفقاً لتعريف أدق، المعذّرة تعني إخراج التكليف من عهدة المكلف (حیدری، 2010م، ص49‌).

معنى الخطّة العامة

الخطّة هي «قرار مستقر[2] من مصدر يملك حق الحكم؛ مثل دولة، شركة، أو رب أسرة» (شفریتز و بوریک، 2008‌م، ص7). وقد ذُكرت تعاريف متعددة للخطّة العامة، ومن بينها، تعريف «أندرسون» الذي يبدو أكثر وضوحاً ودقة. فقد عرّف الخطّة بأنها: «طريقة هادفة ومستقرة نسبياً يتبعها فاعل أو مجموعة من الفاعلين عند مواجهتهم لمسألة أو موضوع معين» (اندرسون، 2000م، ص7).

هذا التعريف يركز على ما يُنفذ فعلاً، لا على ما يُقترح أو يُراد فقط، ولهذا السبب، يميز بين الخطّة والقرار الذي هو في الأساس اختيار خاص بين البدائل. الخطط العامة في نظر أندرسون هي الخطط (بالتعريف السابق) التي تُنشأ بواسطة الهيئات أو العاملين الحكوميين (المرجع نفسه).

معنى حجية الخطط العامة

بعد توضيح معنى الحجية ومعنى الخطّة العامة، يجب دراسة التركيب المعنوي الناتج عن هذين المفهومين.

مفهوم الحجية يتجلى دائماً في الاحتجاج بين طرفين، والحجة هي الوسيلة التي يستخدمها المحتجّ (المحتجّ) للغلبة على من يحتجّ عليه (المحتجّ عليه) (صاحب‌بن‌عباد، 1414هـ، ج2، ص292). مع هذا التوضيح، في حجية الخطط العامة، تتشكل علاقة الاحتجاج بين ولي الأمر (مخطط الخطّة) والذات الأقدس الربوبية. وهكذا، تُفهم المُنجّزية في الخطط العامة في احتجاج الله تعالى مع ولي الأمر، والمعذّرة في الخطط العامة في احتجاج ولي الأمر مع الله تعالى. والحجية في هذا السياق تعني صلاحية الخطّة لتكون وسيطاً ووسيلة احتجاج بين مخطط الخطّة والله تعالى.

معنى الإنجازية في الخطّة العامة هو أن الله تعالى يُلزم ذمة ولي الأمر بوضع خطّة معيّنة، ويكون الحاكم ملزماً باتخاذ خطّة الحجة لحلّ المسائل التي تواجهه. في الواقع، مولوية المولى وحق طاعته له بالنسبة للحاكم (في فعله الحكومي) تشمل مثل هذه الخطّة، وفي فرض الامتثال من قبل ولي الأمر ووضع هذه الخطّة، تُبرأ ذمته، وإذا خالف، يكون لله تعالى حجة على ولي الأمر، ويجوز له أن يحتجّ عليه ويعاقبه.

ومعنى المعذّريّة في الخطّة العامة هو أنه إذا اعتبر ولي الأمر خطّة ما حجة بناءً على اجتهاده الخاص واتخذها، ولكن في الواقع وعند الله لم تكن تلك الخطّة حجة (سواء بسبب خطأ في الاجتهاد أو خلل في سائر أركان حجية خطّة الحكم)، فيجوز لولي الأمر أن يتمسك بتلك الخطّة نفسها ويحتجّ بها على الله تعالى ويبرّر مخالفتَه للواقع. بعبارة أخرى، الخطّة التي يتيقن ولي الأمر من حجيتها، ولكنها في الواقع ليست حجة، تُخرج خطّة الحجة عند الله من عاتق ولي الأمر، ولا يشملها حق الطاعة المولي، ولا يكون خطّة الخطّة مستحقاً للعقاب بسبب مخالفتها للواقع.

مقوّمات حجية الخطط العامة

قبل الدخول في بحث مقوّمات حجية الخطط العامة، لا بدّ من بيان بعض المقدمات الضرورية. المقدمة الأولى هي نتيجة الإجابة على هذا السؤال الأساسي: هل عملية وضع الخطّة في نظر الشهيد صدر عملية استكشافية أم عملية إبداعية وتكوينية؟

يرى الشهيد صدر أن طبيعة وجوهر دراسة الخطّة العامة الإسلامية تختلف عن طبيعة دراسة أنواع الخطط الأخرى، كدراسة الخطط في النظام الرأسمالي أو النظام الاشتراكي. فالمفكر الإسلامي يواجه مجموعة منظّمة من الخطط المتشكّلة والمحددة في مجالات مختلفة، ويجب عليه تمييزها وكشف أسسها الفكرية، وإظهارها بناءً على خصائصها الأصيلة والأساسية، وإزالة غبار التاريخ عنها، والتغلّب قدر الإمكان على المسافات الزمنية والتاريخية البعيدة والطويلة. ومهمة المفكر الإسلامي في دراسة الخطّة العامة الإسلامية هي التغلب على كل هذه الصعوبات للوصول إلى مجموعة منتظمة من الخطط (صدر، 1424ق(أ)، ص 431-432).

على عكس المفكرين الإسلاميين، يقوم المفكرون في الأنظمة الفكرية الأخرى بابتكار وإبداع الخطط. ومن الواضح أن عملية التكوين وعملية الاكتشاف تختلفان اختلافاً جوهرياً، وأهم هذه الاختلافات هو سير العملية ونقطة الانطلاق في كل منهما. عندما نروم تكوين وخلق خطّة، فإن النظريات العامة التي تستند إليها الخطّة تُوضَع أولاً، ثم تأتي النقاشات الثانوية والبنى الفوقية، مثل القوانين التي تستند إليها خطّة الحكم وتُعدّ فوقية الخطّة، والتي تستمد جذورها وأساسها من تلك النظريات العامة. لذا، فإن خطوات عملية تكوين الخطّة تستند إلى سير طبيعي من وضع الأساس نحو الفروع والفروع الفرعية، ومن القاعدة والأساس نحو البنية الفوقية والفوقانية.

أما في عملية اكتشاف الخطّة، فقد يكون سير الحركة معكوساً وتكون نقطة الانطلاق مختلفة. يحدث هذا عندما نروم اكتشاف الخطّة، ولكن لا نمتلك تصوراً واضحاً وشكلاً وتركيبة محددة عن مجموع تلك الخطّة أو بعض جوانبها. مثلاً، لا نعلم هل الخطّة الاقتصادية في الإسلام تقبل الملكية العامة أم الملكية الخاصة. في هذه الحالة، طالما لا نمتلك نصاً واضحاً ومحدداً من واضعي الخطّة التي نروم اكتشافها، نضطر إلى البحث عن طريقة نستخدمها لاكتشاف الخطّة أو جوانبها الخفية والمستورَة. ويمكن توضيح هذه الطريقة في ضوء العلاقة الحاكمة بين الخطّة والقانون.

 

طالما أن القانون يُعتبر طبقة أعلى مقارنة بالخطّة ويُبنى عليها ويأخذ اتجاهه من الخطّة، فهناك إمكانية لاكتشاف الخطّة بواسطة القانون. بناءً على ذلك، من الضروري البحث عن آثار وخيوط الخطّة في البنى الفوقية في المجالات المختلفة.

وبهذه الطريقة، في عملية الاكتشاف، نسير في مسار معكوس مقارنة بعملية التكوين، ونتحرك من البنية الفوقية نحو البنية التحتية، وتكون نقطة الانطلاق لدينا جمع آثار الخطّة في البنى الظاهرة وتنظيمها وترتيبها (المرجع نفسه، ص433-432).

المقدمة الثانية هي أن نعرف ما هي الأدوات المتاحة لدينا في عملية اكتشاف الخطّة العامة. بعبارة أخرى، ما الذي يمتلكه المفكر الإسلامي ليستعين به في اكتشاف الخطّة العامة؟

كما ذُكر سابقاً، حركة الاكتشاف هي حركة من السطح إلى العمق، ومن الطبقات الظاهرة إلى الطبقات الأساسية. بناءً على ذلك، تلعب الأحكام الإسلامية التي تُعتبر قانوناً دوراً أساسياً في عملية الاكتشاف. لذا، تدخل بعض أحكام الإسلام في عملية اكتشاف الخطّة، رغم أنها قد لا تُعدّ جزءاً من محتوى الخطّة (المرجع نفسه‌، ص436).

عندما ندرس مجموعة من الأحكام الإسلامية التي تنظم العلاقات بين الأفراد وتحدد الحقوق والمسؤوليات، بهدف الوصول من خلالها إلى طبقة أعمق؛ أي إلى الأسس الأساسية التي تشكل الخط الإسلامي في مجال معين، فلا ينبغي الاقتصار على دراسة وفحص كل حكم على حدة بشكل مستقل ومنفصل عن الأحكام الأخرى؛ فمع أن الفحص الفردي للأحكام ضروري، إلا أنه غير مفيد لاكتشاف الخط العام، ويجب أن نمر بعملية دمج بين الأحكام؛ أي أن ندرس كل حكم باعتباره جزءًا من كل وجانبًا من صيغة وتركيب عام مترابط، لنتمكن بهذه الطريقة من اكتشاف القواعد العامة.

المورد الثاني الذي يمتلكه المفكر الإسلامي لاكتشاف الخط العام هو «المفاهيم الإسلامية» التي تشكل جزءًا هامًا من الثقافة الإسلامية. المفهوم هو كل رؤية أو تصور إسلامي يفسر حقيقة تكوينية أو اجتماعية أو تشريعية (المرجع نفسه، ص439).

المقدمة الثالثة هي أن يكون لدينا تصور صحيح حول كيفية استخدام موارد اكتشاف الخط العام. الطريق إلى الأحكام والمفاهيم هو المواجهة المباشرة وجهًا لوجه مع النصوص الإسلامية التي تحتوي على تشريع أو رؤية إسلامية معينة. ولهذا الغرض، يجب دراسة نصوص القرآن الكريم والسنة لنتمكن من جمع عدد كافٍ من الأحكام والمفاهيم للوصول إلى وجهات النظر العامة للخط الإسلامي. ومع ذلك، الموضوع ليس مجرد جمع النصوص؛ لأن النصوص غالبًا لا تعبر صراحة وبشكل واضح عن مضمون تشريعي لفهم الأحكام أو مضمون مفهومي لفهم المفاهيم بحيث لا يترك مجال للشك من أي جهة، بل في كثير من الحالات يكون المضمون غامضًا أو تبدو مضامين النصوص المختلفة متباينة وغير متماسكة وغير متوافقة. في هذه الحالات، يصبح فهم النص واستخلاص مضمون محدد من مجموع النصوص عملية اجتهادية معقدة، وليست فهمًا بسيطًا وسهلًا (المرجع نفسه، ص446-445).

المكون الأول: الاستناد الاجتهادي إلى الدين

ببيان المقدمات الثلاثة السابقة، يتضح أن الخط العام لكي يكون حجّة، ويستطيع ولي الأمر أن يتمسك به أمام الله تعالى ويحتج به، يجب أن يكون قد اكتشف إسلاميته في عملية اجتهادية؛ بمعنى أن يكون قد حصل على يقين أو ظن معتبر بأن الشارع المقدس قد وضع هذا الخط، وأن ولي الأمر قد ألزم نفسه باتباع هذا الخط. في غياب هذا العنصر والمكون؛ أي الاستناد الاجتهادي إلى الدين، لا يتحقق لا جانب الإلزامية في الحجية؛ بمعنى أن ولي الأمر لا يرى نفسه ملزمًا باتخاذ خط لم يُكتشف اجتهاديًا، ولا جانب العذر؛ أي إذا اتخذ ولي الأمر خطًا لم يكن مستندًا اجتهاديًا إلى الدين ولم يتبع في اكتشافه أصول وقواعد ومنهجية الاجتهاد، وإذا لم يكن هذا الخط مطابقًا للواقع، فلا يعذر ولي الأمر أمام الله تعالى ويستحق العقاب.

المكون الثاني: الانسجام

استند الشهيد الصدر لتوضيح المكون الثاني لحجية الخطوط العامة إلى واقع التشريع الإسلامي، وبالتعرف على أحد مكونات الشكل الواقعي للتشريع الإسلامي، وضع معيارًا يمكن أن يساعد ولي الأمر في تمييز الخط الحجة من بين التصورات الاجتهادية المختلفة للخط الإسلامي.

مع أن شرح هذا المنهج وأساساته التصورية والتقريرية موضوع مستقل وشامل، إلا أنه يمكن إجمالًا مراجعة الخطوات التي اتخذها الشهيد الصدر لتبرير وتوضيح المكون الثاني.

في الخطوة الأولى، بيّن الشهيد الصدر ظنية الاجتهاد واحتمالية الشك والخطأ في عملية الاكتشاف الاجتهادي، وضمن عرض أسباب نفوذ الشك في هذه العملية (صدر، 1424هـ، ص462-461) أكد على أن الاجتهاد عملية معقدة تواجهها الشكوك والريبة من كل جانب، ومهما كان ناتج الاجتهاد عند المجتهد راجحًا، فإنه لا يصل إلى قطع في صحة ومطابقة نتيجة الاجتهاد مع الواقع (المرجع نفسه، ص462).

في الخطوة التالية، أشار إلى جواز عملية الاجتهاد، وذكر أن الإسلام رغم الشكوك والريبة المحيطة بعملية الاجتهاد، أباحها، وحدد ضمن القواعد والضوابط التي تُناقش عادة في علم أصول الفقه مقدار ما يمكن للمجتهد أن يثق به في ظنه خلال الاجتهاد، واعتبر أن اعتماد المجتهد على ظنه ضمن هذه القواعد يكون حجّة، سواء كان ظنه مطابقًا للواقع أم لا (المرجع نفسه).

في الخطوة الثالثة، أشار الشهيد الصدر إلى تشتت الواقع بين آراء المجتهدين المختلفين، وأكد على احتمال أن يكون رأي مجتهد في مسألة ما مطابقًا للواقع، وفي مسألة أخرى مخالفًا له، والعكس صحيح بالنسبة لمجتهد آخر (المرجع نفسه‌، ص463-462‌)، وعلى هذا الأساس، هناك احتمال أن يكون اجتهاد مجتهد ما يحتوي على عنصر تشريعي بعيد عن واقع التشريع الإسلامي، أو أنه لا يشمل عنصرًا تشريعيًا موجودًا في واقع التشريع الإسلامي (المرجع نفسه‌، ص463).

الخطوة التالية التي يخطوها الشهيد الصدر هي التفريق بين واقع التشريع الإسلامي وآراء المجتهدين؛ بمعنى أن آراء المجتهدين بالضرورة لا تحمل كل الصفات والخصائص التي يتمتع بها واقع التشريع الإسلامي، بل من الممكن أن تفقد بعض أو بعضًا من هذه الخصائص بسبب تعارض جزء من مجموعة فتاوى مجتهد مع الواقع (المرجع نفسه، ص464-463).

الخطوة الخامسة، التأكيد على إيماننا بتماسك واقع التشريع الإسلامي. يشرحون هذه الحقيقة بأن واقع التشريع الإسلامي ليس واقعًا مشتتًا ومتفككًا ومنبثقًا من وجهات نظر متفرقة ومنفصلة عن بعضها البعض، بل إن التشريع الإسلامي يقوم على أساس وأرضية متكاملة ومرتكز مشترك من المفاهيم الراسخة وينبع من نظريات الإسلام في مختلف مجالات الحياة. الإيمان بهذه الحقيقة هو الذي يجعل الأحكام في نظرنا بنية ظاهرية يجب أن نخترق طبقاتها الأعمق والأشمل، ولو لم يكن هذا الاعتقاد بأن أحكام الشريعة قائمة على أساس متكامل، لما كان لعملية اكتشاف الخط الإسلامي، التي تتجاوز الأحكام التفصيلية للشريعة، أي معنى (المرجع نفسه‌، ص464).

الخطوة السادسة، إيجاد نقطة انطلاق مناسبة لاكتشاف الخط الإسلامي. يعترف الشهيد الصدر بأن حركة المجتهد من البنية الظاهرية إلى البنية التحتية تحتاج إلى نقطة انطلاق تمكنه من هذه الحركة. في الواقع، يمكن للمجتهد أن يخترق الطبقات الأعمق ويكتشف الخط الإسلامي من خلال مجموعة متماسكة ومنسجمة. وإلا، إذا كان هناك عنصر غريب وغير منسجم بين اجتهاداته، فإن هذه الحركة من البنية الظاهرية إلى البنية التحتية ستكون مستحيلة عليه؛ لأنه سيواجه دائمًا عنصرًا غير منسجم يجعل استنباط أساس ووحدة لمجموعة الأحكام أمامه أمرًا مستحيلًا. وإذا لم تكن مجموعة اجتهادات المجتهد مجموعة منسجمة ومنسقة، بناءً على ما شرحناه في الخطوات السابقة، فلا يمكن لمجموعة الاجتهادات أن تكون نقطة انطلاق له لاكتشاف الخط الإسلامي، ويجب على المجتهد أن يبحث عن نقطة انطلاق أخرى (المرجع نفسه، ص466).

الخطوة السابعة، التمييز بين شأن المجتهد في اكتشاف الأحكام وشأنه في اكتشاف الخط العام الإسلامي. تحت هذه الخطوة، يسعى الشهيد الصدر إلى طرح هذه النقطة المهمة جدًا بأن المجتهد في فقه الأحكام يقتصر فقط على الاستنباط الاجتهادي ولا يحق له الخروج عن الأطر والضوابط العملية للاجتهاد؛ وهو ما يُعرف في أدبيات الشهيد الصدر بتدخل العناصر الذاتية في الاجتهاد (المرجع نفسه‌، ص458-448). أما في فقه النظريات واكتشاف الخط العام الإسلامي، فإن المجتهد يسعى للانتقال من البنية الظاهرية للأحكام إلى البنية التحتية للخط العام، وهذا الانتقال له متطلبات وضرورات من بينها إيجاد نقطة انطلاق مناسبة، وهذا الأمر يجعل تدخل بعض العناصر الذاتية في عملية الاجتهاد جائزًا بل وضروريًا.

الخطوة الثامنة، كخطوة أساسية في هذا المسار، هي توضيح العنصر الذاتي “الاختيار” في عملية اكتشاف الخط العام. يرى الشهيد الصدر أنه إذا كانت مجموعة الأحكام الناتجة عن اجتهاد المجتهد تشكل مجموعة منسجمة ومتجانسة لا يوجد فيها أي تعارض أو تناقض بين عناصرها، فإن فرصة ثمينة وقيمة ستتاح للمجتهد حيث يتطابق شأنه كمستنبط للأحكام مع شأنه كمكتشف للخط العام (المرجع نفسه‌، ص466‌)، ولا يجوز له الخروج عن مجموعة اجتهاداته، أما إذا لم تتح له هذه الفرصة ولم توفر اجتهاداته نقطة انطلاق مناسبة، فهذا لا يعني أن يتخلى المجتهد عن اكتشاف الخط العام الإسلامي، ولا يمكن أن يكون مبررًا لفقدانه إيمانه بوحدة وتماسك واقع التشريع الإسلامي. الطريق الوحيد المتبقي أمام المجتهد هو أن يستعين بالأحكام التي هي نتاج اجتهادات مجتهدين آخرين (المرجع نفسه).

وبهذا الشرح، في الحالات المذكورة، يحذف المجتهد العناصر المبعثرة وغير المنسجمة التي أدت إلى تناقض نظري في مجموعة اجتهاداته، ويستبدلها بنتائج وأحكام اجتهادات الآخرين التي توفر انسجامًا أكبر وتمكن من عملية اكتشاف الخط العام، وبذلك يشكل مجموعة مركبة من اجتهادات متعددة تتمتع بالتناغم والتناسق ليبدأ حركته الاكتشافية منها، وفي النهاية يصل إلى الدعم النظري لهذه المجموعة المنسجمة التي هي الخط العام الإسلامي (المرجع نفسه‌، ص467).

وبناءً على ما ذكرناه، يتضح أن المجتهد في إطار محدود، وهو “الاختيار بين الاجتهادات المختلفة”، له حق تدخل العنصر الذاتي في الاجتهاد، ولكن ليس في استنباط الأحكام، بل في مقام اكتشاف الخط العام. لذا، فإن الاعتقاد بأن الشهيد الصدر في بعض الحالات يخلع على المجتهد كل القيود والضوابط الاجتهادية ويفتح الباب أمام تدخل الاختيارات الشخصية والذوق الفردي، هو اعتقاد خاطئ، بل الصحيح أن الشهيد الصدر، بفهمه العميق لعملية اكتشاف الخط والقيود التي قد يواجهها المجتهد، يمنع انسداد باب اكتشاف الخط الإسلامي بسبب انحصار كل مجتهد في مجموعة اجتهاداته الخاصة واعتقاده بعدم جواز الاستناد إلى اجتهادات الآخرين، ويرسم ويشرح بمنطق واضح مسار اكتشاف الخط العام.

كخطوة أخيرة، يناقش الشهيد الصدر اعتبار الصورة المركبة المتماسكة التي تم التوصل إليها من الخط الإسلامي. مع المناقشات التي طرحت في الخطوات السابقة، قد يخطر في الذهن سؤال: كيف يمكن الدفاع عن اعتبار واستشهاد الصورة التي تم التوصل إليها، وهي صورة مركبة؟ إذا كانت هذه الصورة مستندة إلى اجتهاد مجتهد واحد، فإن أدلة جواز التقليد وجواز الاجتهاد تشمل هذه الصورة أيضًا، ولكن بالنسبة للصورة محل النقاش التي تستند إلى عدة اجتهادات مختلفة، كيف يمكن تأمين هذا الاعتبار واعتبارها مستندة إلى الشريعة الإسلامية؟

يبيّن الشهيد الصدر للرد على هذا الشبهة أننا لا ندعي التطابق القطعي للصورة المستخلصة مع واقع التشريع الإسلامي، ولكننا على الأقل ندعي أن هذه الصورة ربما تتطابق مع واقع التشريع الإسلامي، وأن احتمال وتحقق تطابقها مع الواقع لا يقل عن احتمال تطابق الصور الأخرى المبنية على اجتهاد واحد. وبعبارة أخرى، هذه الصورة من الناحية الشرعية مُوجَّهة وصحيحة؛ لأنها مبنية على اجتهادات إسلامية مشروعة متعددة، كل منها مستمد من الكتاب والسنة. لذا يمكن للحاكم عملياً أن يختار هذه الصورة من بين الصور المستخلصة من اجتهادات الآخرين (المرجع نفسه).

دراسة الأدلة الفقهية لأخذ الاجتهاد بآراء الآخرين لتأمين انسجام الخطّة

الإشكال الذي قد يطرحه بعض أهل العلم على منهج الشهيد الصدر في كشف الخطّة الإسلامية هو أن فتوى المجتهد حجّة عليه وعلى مقلديه، ولا يجوز للمجتهد أن يرجع إلى مجتهد آخر في المسائل التي هو صاحب اجتهاد وفتوى فيها (خویی‌، 1422‌ق، ص522‌). وهذه المسألة من المسلّمات الفقهية، وقد ادعى الشيخ «أنصاري» الإجماع في هذا الخصوص (انصاری‌، 1404هـ، ص57). وحتى في الحالات التي لا يكون فيها المجتهد المطلق وصاحب ملكة الاجتهاد قد أصدر فتوى بالفعل، فإنه لا يجوز له أن يأخذ بفتوى مجتهد آخر. في هذه الحالة، يكون المجتهد مخيّراً بين العمل بالاحتياط وبذل الوسع للوصول إلى فتوى (موسوي قزويني، 1427ق، ج7، ص24)، ولكن على أي حال، لا يجوز له أن يأخذ بقول مجتهد آخر، ولو كان ذلك المجتهد أعلم.

لكي نتمكن من الحكم سلباً أو إيجاباً على منهج الشهيد الصدر، ونختبر شرعياً صحة هذا المنهج، لا بد من دراسة الأدلة المقدمة لإثبات عدم جواز رجوع الفقيه إلى فتوى غيره، وفحص مدى شمول وانطباق هذه الأدلة على منهج الشهيد الصدر بدقة وتأمل.

هناك أربعة أدلة رئيسة لإثبات عدم جواز رجوع المجتهد إلى فتوى مجتهد آخر، وهي: أصالة عدم جواز اتباع الظن، ودليل الإجماع، ودليل فعليّة فتوى المجتهد، ودليل قاعدة الاشتغال. وطبعاً، دليل الإجماع المنقول عن الشيخ أنصاري يحتاج إلى تدقيق ودراسة أقوال أصحاب الإجماع المزعوم، ولا يمكن للاجماع المنقول أن يكون مفيداً لنا في مقام البحث. لذا سنناقش في ما يلي الأدلة الثلاثة الأخرى.

الدليل الأول: أصالة عدم جواز اتباع الظن

الأصل الأولي في التقليد، باعتباره اتباعاً للظن، ويقع تحت شمول الآيات الكريمة «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (الإسراء: 36)؛ أي لا تتبع ما ليس لك به علم، و«إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» (النجم: 28)؛ فهم يتبعون الظن فقط، والظن لا يغني من الحق شيئاً، هو عدم جواز التقليد (عراقی، 1388، ص274).

في الحالات التي يتخلى فيها الفقيه الحاكم عن فتواه لاكتشاف الأسس النظرية والركائز الأساسية للأحكام، ويستبدل فتواه بفتوى فقيه آخر توفر انسجام فتاواه، فإن أخذ المجتهد بفتوى مجتهد آخر يستند إلى علمه الإجمالي بالانسجام، وهو صورة حقيقية للتشريع الإسلامي، ولا يعد فعله تقليداً أعمى مذموماً عقلاً وشرعاً. لذا، في هذه الحالات، يكون فعل الفقيه الحاكم موضوعاً (تخصيصاً) خارج الأصل؛ لأن أخذه بفتوى مجتهد آخر ليس اتباع ظن يشمله الأصل، بل هو اتباع علم.

الدليل الثاني: فعليّة فتاوى المجتهد في حقه

دليل آخر على عدم جواز العدول عن فتواه والرجوع إلى فتوى مجتهد آخر هو أن فتوى كل مجتهد فعالة في حقه (موسوی قزوینی، 1427هـ، ج7، ص118)؛ لأنها لا تخرج عن ثلاثة أحوال: أولاً، أن يكون الحكم الحقيقي قد تحقق له بكشف تام وقطع؛ ثانياً، أن يكون الظن حجّة بالنسبة له على الحكم الحقيقي؛ وثالثاً، أن يكون قد حدد موقفه العملي بناءً على الأصول العملية. في كل هذه الحالات، وبناءً على حجية القطع، وحجية الظنون المعتبرة، وحجية الأصول العملية، تكون فتوى المجتهد ملزمة له، ويجب أن يبني عمله العملي عليها. وحتى في الحالات التي لا تتوفر فيها دلالة عند الفقيه ويرجع إلى الأصول، لا يجوز له أن يجعل فتوى مجتهد آخر أساس عمله (انصاری، 1404هـ، ص57).

الدليل المذكور بشأن حجية فتوى المجتهد لفعله الشخصي تام، لكنه لا يمكن أن يشمل حجية الخطط الحكومية، التي سبق تفصيل معناها، لأنها لا تعني حجية الفعل الشخصي والفردي للحاكم. من الواضح أن الحاكم في فعله الشخصي والفردي يجب أن يعمل وفق اجتهاده، وليس له حق الرجوع إلى مجتهد آخر في شؤونه الشخصية، ولكن في مقام وضع الخطط العامة، لا يبحث المجتهد عن تحديد تكليف فردي لنفسه، بل عن تحديد الخطط العامة الإسلامية.

وبذلك، اعتماد الفقيه على فتواه يعتمد على ما إذا كان لديه علم أو ظن بحجية فتواه، ويمكن افتراض حالتين عامتين: الحالة الأولى هي أن يكون لدى الفقيه علم (قطع) بفتوى معينة ولا يحتمل أبداً مخالفتها للواقع. بطبيعة الحال، في هذا الافتراض، تصبح تلك الفتوى إحدى أدواته لاكتشاف الخط الإسلامي، وبناءً على أدلة حجية القطع، لا يحق له التراجع عن تلك الفتوى ما دام لديه قطع بها. أما في الحالة الثانية، حيث تكون فتاوى المجتهد نتيجة عملية ظنية؛ كما عبر الشهيد الصدر، فإن ما لا يقل عن 95% من الفتاوى من هذا النوع (صدر، 1424هـ‌، ص461)؛ ورغم أن هذه الفتاوى، بناءً على أدلة حجية الظنون المعتبرة، تكون فعلاً ملزمة للمجتهد نفسه ويجب عليه العمل بها في حياته الشخصية، إلا أنه عندما تُعتبر كأدوات لاكتشاف الخط الإسلامي، فإن فتوى المجتهد الحاكم تكون كاشفة إلى جانب فتاوى المجتهدين الآخرين. في الواقع، بما أن هذه الفتوى نتيجة عملية ظنية، فإن المجتهد لا يملك يقيناً بمطابقتها للواقع التشريعي، وبعبارة أخرى، هو نفسه يحتمل احتمال مخالفة فتواه للواقع. وهذا الاحتمال في مخالفة الواقع هو إذن يسمح للمجتهد الحاكم، في مقام الاكتشاف من أساس الأحكام، أي الخطوط العامة الإسلامية، بعدم اعتبار فتواه كاشفة للأساس، ولو كانت حجته في مقام الفعل الشخصي.

وباختصار، يجب التأكيد في فكر الشهيد الصدر على أن حجية الفتوى في مقام اكتشاف الأسس الحاكمة على مجموعة الأحكام ليست مرادفة لحجية الفتوى في مقام العمل الفردي والشخصي للمجتهد الحاكم. فالمجتهد في مقام فعله الفردي يتبع الفتوى ليطابق سلوكه الشخصي مع الشريعة، ليكون له حجية في فعل وتركه أمام ذات الربوبية المقدسة، أما في مقام وضع الخطوط، فإنه يبحث عن الأحكام ليكتشف أسسها. لذلك، تكون الفتاوى في هذا الافتراض حججاً إذا جعلت عملية الاكتشاف ممكنة له، وليس بالضرورة أن تكون الفتاوى التي هي حجج له في مقام الفعل الشخصي. ومن ثم، قد تكون فتوى ما حججاً له في مقام الفعل الفردي المكلف، لكنها ليست حججاً له في مقام وضع الخطوط بسبب عدم صلاحيتها لاكتشاف الخط الإسلامي. وبناءً عليه، فإن اعتبار الشهيد الصدر الرجوع إلى مجتهد آخر في مقام اكتشاف الخط مسموحاً لا يعني أنه لا يعتبر تلك الفتوى حججاً لفعل شخصي ولا يعمل بها، بل يعني أنه يسعى لجمع عناصر تساعده على اكتشاف الأساس، وإذا لم تستطع فتواه الخاصة تحقيق ذلك، فإنه يستخدم فتوى مجتهد آخر لهذا الغرض.

وينبغي على المنتقدين لهذا المنهج أن يختاروا بين أحد الطريقين: إما أن يقبلوا بأن المجتهد في مقام اكتشاف الخط يمكنه التخلي عن الفتاوى التي تعيق الانتقال إلى الأساس، واستبدالها بفتاوى تسهل هذا الانتقال، أو أن يعتبروا عملية اكتشاف الخطوط الإسلامية أمراً مستحيلاً، ويغلقوا باب العلم والعلمية لاكتشاف أساس الأحكام، ويعتبروا العمل بالمطلق الظني في هذا الاكتشاف جائزاً. وفي هذه الحالة، تكون فتوى المجتهد الآخر مصداقاً للمطلق الظني، وتكون مؤهلة لأن تُؤخذ في مقام اكتشاف الأساس، وفي كلتا الحالتين، يضطر المنتقدون إلى التوافق مع منهج الشهيد الصدر.

السبب الثالث: قاعدة الاشتغال

بناءً على هذا الاستدلال[3] الذي يستند إلى قاعدة «الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني»، فإن المجتهد، بناءً على الضرورة الشرعية وكذلك الإجماع المنقول أو المحصل، لديه علم إجمالي بأن ذمته مشغولة بالتكاليف الشرعية؛ فإذا اعتمد المجتهد على نتائج اجتهاده، فسيحدث له حالتان: إما أن يحصل على علم (قطع) بالتكليف، أو يستند إلى أمارات وأصول تؤدي إلى ظنون قطعية الحجية، وفي كلتا الحالتين يتحول علمه الإجمالي إلى علم تفصيلي ويصل إلى يقين ببراءة ذمته. أما إذا عمل بقول مجتهد آخر، فلا يملك اليقين بأن ذمته قد برئت بعمله بقول ذلك المجتهد الآخر، لأن فتوى المجتهد الآخر ليست حججته، لذا يكون العمل باجتهاده الخاص واجباً عليه ولا مفر منه (موسوی‌ قزوینی، 1427هـ، ج7، ص118).

هذا الدليل، مثل الدليل الأول، دليل تام لعمل المجتهد الشخصي، لكنه ليس كذلك بالنسبة لوضع السياسات للمجتهد الحاكم. في مناقشة الدليل الأول، ذُكر أن فتوى المجتهد الحاكم الظنية في عملية اكتشاف السياسات الإسلامية تُعد كاشفة إلى جانب فتاوى المجتهدين الآخرين. كل واحدة من هذه الفتاوى، رغم أنها قد تبدو في نظر صاحبها الرأي الراجح، إلا أن المجتهد نفسه يحتمل احتمال مخالفتها للواقع. لذا، مع قبول هذه النقطة التي تفيد بأنه في مقام وضع السياسات، فتاوى المجتهدين الآخرين تُعد كاشفة إلى جانب فتوى المجتهد الحاكم نفسه، يمكن الحديث عن حجية فتاوى الآخرين ورفض ادعاء المستدلين بقاعدة الاشتغال التي كانت تعتبر أن الطريق الوحيد لإبراء ذمة المجتهد هو عمله باجتهاده الخاص، والادعاء بأن في مقام وضع السياسات، فتاوى المجتهد الشخصية وفتاوى المجتهدين الآخرين التي تؤمن تماسك البنية العليا متساوية في إبراء ذمة المجتهد الحاكم؛ لأن كلا المجموعتين من هذه الفتاوى تُعد عناصر ضرورية للانتقال من البنية العليا إلى البنية التحتية. بناءً على ذلك، فتاوى المجتهدين الآخرين التي تؤمن تماسك مجموعة فتاوى المجتهد الحاكم، إلى جانب الاجتهادات الشخصية للمجتهد، تحل العلم الإجمالي الابتدائي المتشكل إلى علم تفصيلي وشك بدئي؛ ومن الواضح أنه في مقام العمل الشخصي للمجتهد، لا يمكن لفتاوى المجتهدين الآخرين أن تبرئ ذمة المجتهد الحاكم، وهذا الادعاء يختص بمقام وضع السياسات واكتشاف البنية التحتية للأحكام.

العنصر الثالث: الكفاءة

كما ذُكر، طرح الشهيد الصدر عنصر التماسك كأحد عناصر حجية السياسات الإسلامية من خلال تحليله لعملية الانتقال من البنية العليا إلى البنية التحتية وتحليل واقع التشريع الإسلامي. ثم، مع النظر في مقام التنفيذ وتحليل نتائج (عواقب) السياسة، قدم الشهيد الصدر عنصراً آخر نسميه «الكفاءة».

اتضح أن عملية الانتقال من البنية العليا إلى البنية التحتية تبدأ بنوع من الاختيار بين عناصر صور الاجتهاد المختلفة للسياسة الإسلامية. بناءً على ما ذكرناه حتى الآن، يجب على المجتهد الحاكم لكي يبدأ عملية الانتقال من البنية العليا إلى البنية التحتية أن يشكل نقطة انطلاق سيره مع مراعاة عنصر التماسك. الآن، يبحث الشهيد الصدر عن معيار آخر للاختيار بين العناصر المختلفة للصور الاجتهادية الموجودة للسياسات الإسلامية، فيركز على مقام تنفيذ السياسة ونتائجها وعواقبها.

لهذا الغرض، يكتب الشهيد الصدر معبراً عن هذه النقطة بأن تعدد الاجتهادات يزيد من رصيد المجتهد الحاكم لاكتشاف السياسات الإسلامية في مجال الاقتصاد:

«مما قلناه، يتضح أن زيادة رصيدنا في الاقتصاد الإسلامي ووجود صور متعددة منه، جميعها شرعية وإسلامية، يؤدي إلى إمكانية اختيار أقوى العناصر وأكفأها في حل مسائل الحياة وتحقيق الأهداف العليا للإسلام التي نجدها في صورة [اجتهادية] واحدة (صدر، 1424هـ‌‌، ص461‌).»

رغم أن كفاءة السياسة تُناقش في مقام التنفيذ، إلا أن الشهيد الصدر من خلال تحليل مسبق لعواقب السياسة، يدخل هذا العنصر في عملية الاكتشاف قبل الانتقال إلى البنية التحتية والسياسة. لهذا الغرض، يعتبر الشهيد الصدر غايتين أساسيتين للسياسة الإسلامية:

1. حل مسائل الحياة الواقعية للبشر؛

2. تحقيق الأهداف العليا للشريعة الإسلامية.

لذا، يجب على الحاكم لاكتشاف السياسة الإسلامية أن يختار عناصر لاكتشاف البنية التحتية تضمن في النهاية كفاءة السياسة؛ أي أن تكون قادرة في مجال العمل على حل المشكلة الواقعية الظاهرة وتحقيق الأهداف العليا للشريعة الإسلامية.

من الجدير بالذكر أن الطريقة التي طبقها الشهيد الصدر لإدخال عنصر الكفاءة في الانتقال من البنية العليا إلى البنية التحتية لا ينبغي أن تُخلط بردود الفعل؛ لأن ردود الفعل هي عمل لاحق بالنسبة لمقام التنفيذ، لكن الشهيد الصدر في تحليل مسبق يعتبر عنصر الكفاءة جزءاً من عملية الاكتشاف؛ أي أن واضع السياسة يجب أن يختار نقطة انطلاق تضمن في النهاية كفاءة السياسة.

نموذج تجريدي لطريقة الشهيد الصدر في استخراج عناصر الثلاثية لحجية السياسات العامة الإسلامية

الخاتمة

لكي تكون السياسات العامة حججاً، يجب أن تتوفر فيها ثلاثة عناصر أساسية. أولاً، يجب أن تكون مستندة إلى الشريعة الإسلامية في عملية اجتهادية؛ أي أن الفقيه الحاكم قد اكتشف محتوى السياسة العامة باستخدام الأدوات المتاحة له من المصادر الدينية. في المرحلة التالية، يجب أن تشكل الفتاوى التي يستخدمها الفقيه الحاكم لاكتشاف وتدوين السياسة العامة مجموعة متماسكة ومتكاملة تتيح الوصول إلى الأسس النظرية والبنية التحتية لهذه الأحكام. ولتوفير هذه المجموعة المتماسكة والمتكاملة، قد يكون من الضروري أن يتخلى الفقيه الحاكم عن فتواه في بعض الحالات التي يُعد فيها العنصر غريباً وغير متجانس مع العناصر الأخرى المكونة لمحتوى السياسة، ويشرك فتوى مجتهد آخر في صورته الاجتهادية من السياسة العامة.

في المرحلة الأخيرة، يجب أن تكون السياسة العامة التي تستند إلى الدين والتي تم الحصول عليها من مجموعة منتظمة ومتماسكة من الفتاوى قادرة على تحقيق غايتين أساسيتين لتكون حججاً من وجهة نظر الشارع. هاتان الغايتان هما حل المسألة المدركة في مجال العمل وتحقيق الأهداف العليا للشريعة الإسلامية.

المصادر والمراجع

1. آخوند خراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت، 1409هـ ق.

2. أنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، ج1، قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1428هـ ق.

3. أنصاري، مرتضى، الاجتهاد والتقليد، قم: مكتبة المفيد، 1404هـ ق.

4. حاج آخوند قمي، غلامرضا، قلائد الفرائد: تعليق على فرائد الشيخ الأنصاري، ج1، قم: مؤسسة ميراث النبوة، 1428هـ ق.

٥. حيدري، سيد كمال، شرح الحلقة الثالثة، (ح. يعقوبي، تحرير)، ج٢، قم: دار فرائد، ٢٠١٠م.

٦. خوئي، سيد أبو القاسم، مصباح الأصول، ج٢، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، ١٤٢٢ق.

٧. صاحب بن عباد، أبو القاسم إسماعيل، المحيط في اللغة، ج٧، بيروت: عالم الكتاب، ١٤١٤ق.

٨. صدر، سيد محمد باقر، بحوث في علم الأصول، (م. الهاشمي، تحرير)، ج٦، قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت، ١٤١٧ق.

٩. صدر، سيد محمد باقر، دروس في علم الأصول: الحلقة الثالثة، قم: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، ١٤٢١ق.

١٠. صدر، سيد محمد باقر، دروس في علم الأصول: الحلقة الثالثة (ع. أ. الحائري، تحرير)، قم: جمع الفكر الإسلامي، ١٤٢٣ق.

١١. صدر، سيد محمد باقر، اقتصادنا، ج٣، قم: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، ١٤٢٤ق.

١٢. صدر، سيد محمد باقر، دروس في علم الأصول: الحلقة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي، ١٩٩١م (أ).

١٣. صدر، سيد محمد باقر، دروس في علم الأصول: الحلقة الثانية، قم: مجمع الفكر الإسلامي، ١٩٩١م (ب).

١٤. عراقي، ضياء الدين، الاجتهاد والتقليد، قم: نويد إسلام، ١٣٨٨ش.

١٥. مجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج٦١، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٣ق.

١٦. موسوي تهراني، سيد رسول، الوسائل إلى غوامض الرسائل، قم: محلاتي، ١٣٨٨ش.

١٧. موسوي قزويني، سيد علي، تعليق على معالم الأصول، ج٧، قم: دفتر إصدارات إسلامية ومرتبط به جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم، ١٤٢٧ق.

١٨. نائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، ج٣، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٦ق.

١٩. Shafritz, J. M., Borick, C. P. Introducing Public Policy. Pearson Longman, 2008.

٢٠. Anderson, J. E. Public Policymaking: An Introduction. Houghton Mifflin, 2000.

[1] هذا المعنى يتجلى بوضوح أكبر في سورة يوسف المباركة: «مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (يوسف(12):40).

[2] Standing Decision

[3]  «قاعدة الاشتغال والاستصحاب، فإن امتثال الأحكام المعروفة إجمالاً قد ثبت اشتغال الذمة بها بالضرورة والإجماع، وأخذ بمكاسب الاجتهاد يبرئ اليقين خلاف التقليد، فيتعيّن المصير إليه.»