المباني المنطقية للاستقراء من وجهة نظر الشهيد سيد محمد باقر الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مبانى منطق استقراء از دیدگاه شهید سید محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: غلامرضا جلالی

نُشر في مجلة الحوزة، المجلد 14، العدد 80-79، ربيع 1376،

الشهيد صدر هو أول فقيه مسلم وفيلسوف شيعي يتناول الفلسفة العلمية ومنهجية التفكير، وقد أبدع كتابًا فريدًا بعنوان: (الأسس المنطقية للاستقراء) حيث أظهر طريقًا واضحًا في ترسيخ المبادئ المنطقية للاستقراء، وبرهن على ضعف النظريات العلمية لعلماء مثل: برتراند راسل، جون ستيوارت ميل، وكارل ريموند بوبر، فثبت منطق الاستقراء الخاص به كطريقة جديدة للتفكير.

لم يقم أي من نقاد المنطق في العالم الإسلامي بنقد دليل الاستقراء كما فعل الشهيد صدر. فقد ركز الآخرون أكثر على القياس والتشبيه وليس الاستقراء، لكن الشهيد صدر توجه بشكل منهجي نحو هذه الطريقة الاستدلالية. وكان هدفه الرئيسي سد الطريق أمام الخطأ في هذا المنطق، وتوفير منهج معرفي جديد لمواجهة نفوذ المناهج المعرفية الغربية، التي تنبع من حضارة غربية خاصة ولا يمكنها أبدًا أن تؤمن استقلال الحياة الروحية الخاصة بالمسلمين.

المشكلة الأساسية التي نوقشت في (الأسس المنطقية للاستقراء) هي مشكلة قديمة، ولم يكن أهل المنطق وفلاسفة الغرب غافلين عنها، وقد انتهى بحثهم في فلسفة كارل بوبر إلى اليأس من الاستقراء وادعاء أنه لا يوجد حل لإثباته. فقد صرح قائلاً:

الطريقة المسماة بالاستقراء ليست سوى أسطورة، وما يُدرج تحت هذا الاسم غير صالح، وبالتالي غير قابل للتبرير العقلي.[1]

على النقيض من بوبر، استطاع الشهيد صدر بتفكير عميق ومتزن يثير دهشة أهل الفكر أن يحل كل الألغاز والصعوبات التي تحيط بحدود هذا المنطق، وأظهر قدرته على ذلك. وكان هدفه تأسيس منهج علمي يمكن الاستفادة منه كأداة معرفية في جميع العلوم الإنسانية والإسلامية، ليجمع بين العلم والإيمان من منبع واحد، ويمنع التنافر المفروض بينهما.

يتابع الشهيد صدر مناقشاته في أربعة أقسام. وبعد الأقسام الثلاثة الأولى من الكتاب التي تناولت ضعف منهج أرسطو في توضيح دليل الاستقراء، وطرق المذهب التجريبي في تفسير دليل الاستقراء، ودليل الاستقراء على أساس المذهب الذاتي، يقيم في القسم الرابع المعرفة البشرية في ضوء المذهب الذاتي.

نحن، مع إحياء ذكرى هذا العبقري الكبير في العالم الإسلامي والشهيد في سبيل الفضيلة، نعرض المبادئ المنطقية للاستقراء مستفيدين من كتابه القيم (الأسس المنطقية للاستقراء) في أربعة أقسام:

1. ما هو الاستقراء؟

الاستقراء في اصطلاح أهل المنطق هو إثبات حكم على كلٍّ بناءً على ثبوته في جزئيات ذلك الكل؛ مثلاً، عندما نرى تمدد الحديد والنحاس والفضة بالحرارة، نحكم بتمدد كل المعادن ونقول: كل المعادن تتمدد بالحرارة. هذا الاستدلال استقرائي، ويقوم على منطق أرسطوي، والاستقراء نوعان:

الاستقراء التام والاستقراء الناقص. في الاستقراء التام تُرى جميع الأنواع التابعة لجنس معين، ويُستخلص حكم كل منها، ويُعطى حكم عام للجميع. في هذا النوع من الاستقراء لا يوجد انتقال من المقدمة إلى النتيجة. أما في الاستقراء الناقص، فتُدرس عينة قليلة من مجموعة لا حصر لها، وبعضها غير موجود، ويُعمم الحكم على جميع الأعضاء.

الفرق بين الاستدلال القياسي والاستقرائي في منطق أرسطو

عرف أرسطو الفرق بين الاستدلال الاستقرائي والقياسي في (الحد الأوسط) وبيّنه هكذا: الاستقراء يعبّر عن علاقة (الحد الأكبر) مع (الحد الأوسط) عبر (الحد الأصغر)، بينما القياس يبيّن علاقة (الحد الأكبر) مع (الحد الأصغر) عبر (الحد الأوسط).

بعبارة أخرى، يمكن القول إن الحكم الاستقرائي هو ارتباط الحد الأكبر بالحد الأوسط عبر (الحد الأصغر) الذي يُثبت. والحد الأكبر مرتبط بالحد الأوسط كمحمول بالموضوع.

الاستدلال القياسي:

هذه الصخرة مادة.

كل مادة تخضع للجاذبية.

هذه الصخرة تخضع للجاذبية.

الاستدلال الاستقرائي:

هؤلاء الأشخاص يخضعون للجاذبية.

هؤلاء الأشخاص جميعهم أجزاء من المادة.

كل أجزاء المادة تخضع للجاذبية.

مسار الفكر في الاستدلال الاستقرائي يختلف عن الاستدلال القياسي. ففي الاستدلال القياسي يتحرك الفكر من العام إلى الخاص، أما في الاستدلال الاستقرائي فالعكس صحيح؛ أي يتحرك الفكر من الخاص إلى العام.

لهذا السبب، في الاستدلال القياسي يجب قبول النتيجة، وإذا لم تُقبل ستحدث تناقضات، أما في الاستدلال الاستقرائي فليس كذلك، لأن النتيجة في دليل الاستقراء أوسع من المقدمتين، ولا يمكن الادعاء بأن النتيجة مستخلصة فقط من المقدمتين.

نقائص الاستقراء التام

بحسب الشهيد صدر، يعتبر أرسطو كل استدلال يعتمد على عد الحالات والأفراد استقراء، وعلى هذا الأساس قسمه إلى تام وناقص، لكن وفقًا لتعريف الشهيد صدر للاستقراء، فإن الاستقراء لا يصلح لأن يُقسم إلى تام وناقص.

في رؤية الشهيد صدر العلمية، الاستقراء هو كل استدلال ينتقل من الخاص إلى العام، وبما أن الاستقراء التام لا يتحرك من الخاص إلى العام، ونتيجته مساوية لمقدماته كما في الاستدلال القياسي، فإن الاستقراء التام في الواقع هو قياس وليس استقراء.

تعريف الشهيد صدر للاستقراء يشمل فقط الاستقراء الناقص، لأنه النوع الذي يتحرك من الخاص إلى العام.[2]

بشكل عام، نقائص الاستقراء التام هي كما يلي:

1. الاستقراء التام ليس استدلالًا مستقلاً، بل هو أحد أشكال الاستدلال القياسي.

2. في الاستقراء التام لا توجد علاقة سببية بين النتيجة والحالات المستقرأة، لأن الترابط غير موجود في المقدمات، وإذا لم يستطع الاستقراء اكتشاف سبب ثبوت (المحمول) للـ(موضوع)، ستفقد المقدمات الأولى صلاحيتها المنطقية.

3. نطاق الاستقراء التام، رغم أنه يشمل جميع الأفراد الموجودين، لا يمكن أن يشمل الأفراد الذين قد زالوا أو الذين سيظهرون في المستقبل. لذلك، النتيجة في استقراء تام أكبر من مقدماته. بالإضافة إلى ذلك، الحكم الصادر يمكن أن يشمل فقط الأفراد المستقرئين ولا يمكن أن يشمل الأفراد غير المرئيين.

نقل الشهيد صدر الثلاثة أعلاه من الاعتراضات في كتابه، ولا يعتبر هذا الاعتراض الذي يقول إن النتيجة الاستقرائية متاحة قبل الاستدلال صحيحًا[3]، لأن نتيجة الاستدلال الاستقرائي ليست مجرد جمع بعض القضايا الجزئية التي تم التعرف عليها في مجال الاستقراء دفعة واحدة، بل النتيجة الاستقرائية تكمن في قضية جديدة تختلف عن القضايا السابقة في المقدمات. وبناءً على ذلك، فهي تختلف تمامًا عن القياس.[4]

نقائص الاستقراء الناقص

دليل الاستقراء يواجه ثلاثة اعتراضات رئيسية:

1. لماذا نعتبر الرابط بين الظاهرتين: (أ) و(ب) سببيًا ونرفض احتمال الصدفة المطلقة لهذا الرابط؟

  1. لماذا نعتبر سبب الظاهرة (ب) هو (أ) ولا نقبل احتمال الصدفة النسبية؟

3. ما هو دليلنا على أن (أ) سبب (ب) في جميع الحالات، وبعبارة أخرى، لماذا كل الحالات ذات طبيعة واحدة تعطي نتيجة واحدة؟

أرسطو أجاب عن الاعتراض الثاني فقط باستخدام المنطق والاستدلال، أما في الرد على الاعتراضين الأول والثالث، فقد استند إلى قاعدتين عقليتين: (لكل ظاهرة سبب) و(الحالات المتشابهة طبيعتها تعطي نتائج متشابهة)، وهاتان القاعدتان تُعتبران من المسلمات العقلية في منطق أرسطو، ولذلك لا تحتاج إلى تجربة.

منهج أرسطو في ترسيخ منطق الاستقراء

كما رأينا، السبب بين ظاهرتين متزامنتين في الاستقراء هو الجسر الوحيد الذي يمكن أن ينقل المستقرئ من الحالات المستقرأة إلى تعميم الحكم على جميع الحالات. إذا أثبتنا خلال الاستقراء أن الظاهرتين المتقاربتين مرتبطتان بعلاقة سبب ونتيجة، فسنتمكن من إثبات عمومية تزامن هاتين الظاهرتين، لأن كل ظاهرة دائمًا ما تكون ملازمة لسببها، ولا يوجد طريق آخر لتعميم الحكم.[5]

لإثبات علاقة السبب والنتيجة يجب الاستعانة بالقاعدة العقلية: (الصدفة ليست دائمة ولا أكثرية). وفقًا لهذه القاعدة، الحدث أو الظاهرة المفاجئة ليست دائمة ولا الأكثرية. بعبارة أوضح، إذا لم يكن الرابط بين شيئين قائمًا على السببية، فلن يكون كثيرًا أو دائمًا، ولا يمكن لشيئين لا تربطهما علاقة أن يحدثا معًا كثيرًا. لذلك، إذا حدث شيئان معًا كثيرًا، فهما مرتبطان بعلاقة سبب ونتيجة.

بالتالي، من اجتماع الاستقراء الناقص مع القاعدة العقلية المذكورة يتشكل قياس منطقي يتكون من الصغرى (الأدلة) والكبرى (القاعدة العقلية)، وينتج عنه أن أحد الظاهرتين القريبتين هو سبب الأخرى. فإذا لم يُجهز الاستقراء الناقص بالقاعدة العقلية، فلن يكون مفيدًا للعلم، على عكس (التجربة) التي تكون دائمًا مفيدة للعلم.

خلاصة القول: منطق أرسطو يقبل الاستنتاج الكلي من الاستقراء الناقص بشرط ألا يكون الاستقراء مجرد جمع للحالات، بل يجب أن تدخل التجربة في الأمر، أي أن تكون الأمثلة الاستقرائية مصحوبة بقاعدة عقلية سابقة، ويتشكل برهان قياسي كامل قائم على السببية. في هذه الحالة فقط يمكن تعميم الحكم المستخلص على جميع الحالات. منطق أرسطو يسمّي هذا العمل (تجربة) ويعتبر الاستقراء الناقص بمعنى جمع الحالات فقط، ويرى أن مقدار الاستقراء لا يؤهل لتعميم الحكم.[6]

صلة الدليل الاستقرائي بنظرة أرسطو المعرفية

فهم أرسطو للاستقراء مرتبط بنظرته المعرفية، لأن نظرته وافتراضه في الإدراك تفترض أن العقل يمتلك إدراكات مستقلة قبل التجربة والاستقراء، وعلى هذا الأساس يمتلك العقل القدرة على تفسير الدليل الاستقرائي، وبمساعدة تلك القضايا العقلية السابقة يعمم الأحكام الاستقرائية. الدليل الاستقرائي في منطق أرسطو يتخذ طابع الدليل العقلي. وهذه النظرة تخالف تحليل من لا يقبلون أي معرفة قبل التجربة، الذين يرون أن القواعد العقلية نفسها ليست سوى تعميم للحكم الاستقرائي، ولذلك لا يمكن استخدامها في مقدمات الاستقراء المنطقي.[7]

الشهيد صدر، رغم قبوله بوجود قواعد عقلية سابقة، وموافقته على منهج منطق الاستقراء عند أرسطو، إلا أنه لا يعتبر أن كون الصدفة في الطبيعة ليست دائمة ولا الأكثرية قاعدة عقلية سابقة، بل يعتبرها من نتائج الدليل الاستقرائي، ويرى أن مثل هذا التعبير لا يمكن أن يؤسس أساس منطق الاستقراء.[8]

وفي شرح قوله يكتب:

الصدفة تعني الحدوث العشوائي، والعشوائية هي ضد الضرورة، ومعناها أن الشيء العشوائي لا يمتلك ضرورة منطقية ولا ضرورة واقعية. الضرورة المنطقية هي نوع من الربط بين قضيتين أو مجموعتين من القضايا، حيث يؤدي افتراض انفصالهما إلى تناقض، مثل ضرورة (ثلاثة أضلاع) للمثلث. والضرورة الواقعية تدل على علاقة السبب والنتيجة بين شيئين، مثل ارتباط (النار) بـ (الحرارة).

الصدفة إما مطلقة أو نسبية. الصدفة المطلقة تعني وجود ظاهرة بدون سبب، والصدفة النسبية تعني تزامن ظاهرتين بدون أي ضرورة سواء منطقية أو واقعية. الصدفة المطلقة مستحيلة فلسفيًا لأنها تتعارض مع قانون السبب والنتيجة، أما الصدفة النسبية فلا تستحيل.[9]

استنادًا إلى ما ذُكر، يكمن الخلاف الرئيسي بين الشهيد الصدر وأرسطو في أن في رؤية أرسطو (الاتفاقي) هناك معرفة عقلية سابقة، أما من وجهة نظر الشهيد الصدر (الاتفاقي) فليست هناك معرفة عقلية سابقة، بل إذا قبلنا هذا القول كقاعدة، فإن أقصى ما يمكن أن يكون هو نتيجة الاستقراء في الطبيعة، ولا يمكن الاستفادة منه كأساس للحجة الاستقرائية.[10]

دليل القاعدة (الاتفاقي)

الحقيقة أن منطق أرسطو لم يقدم أي دليل لإثبات القاعدة المذكورة، لأن هذه المعرفة معرفة سابقة ولا تحتاج إلى برهان، لكن الشهيد الصدر لا يرى قول أرسطو هذا صحيحًا. فهو يرى أن هذه القاعدة ليست أمرًا سابقًا، لأن العقل لا يعتبر تكرار الصدفة مثل اجتماع ضد محال، وإذا كان المقصود به المحال في التكرار الخارجي وليس العقلي، ففي هذه الحالة تكون هذه القاعدة مأخوذة من العادة والتجربة وليست من المبادئ العقلية السابقة والفوق تجريبية، لأن المبادئ العقلية السابقة فقط هي التي تكون دائمًا مستندة إلى الضرورة في إثبات أو نفي شيء ما.[11]

نقد القاعدة (الاتفاقي)

اتضح أن القانون الأرسطي: (الاتفاقي لا يكون دائمًا ولا أكثرية) لا يسمح بتكرار الصدفة بشكل مفرط في التجارب التي تتم ضمن الاستقراء، ويقول:

إذا لم يكن هناك رابط سببي بين ظاهرتين؛ مثلاً (أ) و(ب)، وقمنا بإنشاء واحدة من الظاهرتين المذكورتين؛ مثلاً (أ) عشر مرات، ففي هذا التكرار على الأقل مرة واحدة سيحدث تداخل بينها وبين (ب)، وهذه المرة غير محددة، فقد تكون في التجربة الأولى أو الأخيرة. لذلك معرفتنا في هذا الشأن إجمالية وتدل على النفي لا الإثبات. مصدر هذه المعرفة الإجمالية هو أحد أمرين: (التنافي) أو (الخطأ). بحيث إذا علمنا أنه في تجربة من بين عشر تجارب لا يمكن أن تتواجد الظاهرتان معًا، فإن مصدر المعرفة الإجمالية هو التنافي، وإذا كانت معرفتنا محدودة ولكننا لا نستطيع تمييزها بدقة، فإن مصدر المعرفة الإجمالية هو الخطأ.[12]

الشهيد الصدر بعد هذه الأقوال يطرح عدة اعتراضات مهمة على قانون الاتفاقي. في بعض هذه الاعتراضات يبين أن المعرفة الإجمالية لا وجود لها بسبب عدم وجود التنافي أو الخطأ، وفي بعضها يوضح أن المعرفة الإجمالية لا تقوم على أحد العاملين.[13]

1. عندما لا يكون هناك رابط سببي بين ظاهرتين، وإذا تكررت إحداهما عشر مرات، حسب قاعدة الاتفاقي يجب أن لا تتزامن الظاهرتان على الأقل مرة واحدة. المعرفة الإجمالية التي تنفي وجود هذه المرة على الأقل من الصدفة لا تستند إلى أي تناقض أو تنافي. على سبيل المثال، إذا أردنا اختبار تأثير تناول شراب معين على حدوث صداع، نعطي الشراب لعشرة أشخاص ونلاحظ أن جميعهم أصيبوا بالصداع بعد تناوله. هنا يوجد تقاربان: تقارب موضوعي [تزامن تناول الشراب مع الصداع] وتقارب جوهري [الرابط الحقيقي والسببي بين الشراب والصداع]. يمكن أن يكون هذان التقاربان نتيجة طبيعية للرابط السببي، ولكن إذا لم يكن هذا الرابط موجودًا، فالتقاربان سيكونان بمثابة صدفة نسبية، ولا يوجد تعارض بين الصدف النسبية؛ لأن من جهة قد يكون الأشخاص المختارون للاختبار جميعهم يمتلكون شروط حدوث الصداع، ومن جهة أخرى لا توجد وسيلة لاكتشاف التنافي.[14]

2. في حالة اجتماع بعض الأشياء مع تعارض وتنافي، يمكننا بناءً على نظرية شرطية الحكم بعدم اجتماعها، لكن في تكرار الصدفة النسبية هذا غير ممكن. في هذه الحالة، رغم أننا واثقون تمامًا أن الصدفة النسبية وفق العادة لا تتكرر على المدى الطويل، إلا أن هذه الثقة ليست قوية ويقينية مثل عدم اجتماع أشياء معينة بسبب التنافي والتعارض.[15]

3. المعرفة الإجمالية حسب التعريف المقدم هي معرفة تشير بشكل غامض إلى حدث معين وواقعي، مثل معرفتنا الإجمالية بوفاة أحد شخصين اسمهما سعد وسعيد. هذه المعرفة الإجمالية تزول بظهور الشك.

المعرفة الإجمالية التي يقصدها منطق أرسطو لا تشمل حدثًا معينًا وواقعيًا نشير إليه بشكل غامض. هذه المعرفة تقول:

الصدفة النسبية لا يمكن أن تتكرر باستمرار على خط طويل. بمعنى أنه في عشر تجارب على الأقل لن يحدث تزامن وصدفة، ولا يمكننا من بين هذه الصدف الإشارة إلى صدفة واحدة ولو بشكل غامض واعتبارها أساس هذه المعرفة الإجمالية.[16]

4. من وجهة نظر أرسطو، يجب أن تكون المعرفة العقلية السابقة كاشفة لضرورة ثبوت المحمول للموضوع أو ضرورة نفيه عنه، ولا يُعتبر الكشف عن الثبوت أو النفي بدون ضرورة معرفة سابقة. لذلك، المعرفة الإجمالية بأن التزامن بين ظاهرتين في عشر تجارب ليس ضروريًا، خلافًا لرأي أرسطو، ليست معرفة سابقة. وإذا قال أحدهم إن الضرورة موجودة في المعرفة الإجمالية محل النقاش، فسيُطرح السؤال: هل هذه الضرورة ذاتية أم عرضية؟ وإذا قلنا ذاتية، فهذا غير صحيح لأنه لا توجد ضرورة ذاتية في المسألة، وإذا قلنا عرضية وهي نتيجة عدم وجود سبب، فإن عدم وجود السبب لا يوضح الضرورة حتى وإن كانت من النوع العرضي.[17]

5. وجود معرفة إجمالية بأن الصدفة لا تتكرر على خط طويل، حتى لو كانت معرفة حقيقية، ليست معرفة سابقة وأولية، لأنه لو كانت معرفة أولية، لما تعارضت مع معرفتنا بعدم تزامن الظاهرتين في إحدى حالات الاستقراء وذهبت أدراج الرياح.

6. قد يكون كون (أ) سببًا لـ (ب) أمرًا قطعيًا وحصريًا، وقد يكون سبب آخر اسمه (ت) هو الذي يسبب ظهور (ب). كلما زادت احتمالية وجود (ت)، قل الاعتقاد بكون (أ) سببًا لـ (ب)، وكلما قل احتمال (ت)، زاد الاعتقاد بكون (أ) سببًا لـ (ب).

لذلك، إذا لم نعلم أن (ب) له أسباب وجودية أخرى، فإن الإيمان بكون (أ) سببًا لـ (ب) سيكون أكبر مقارنةً بالوقت الذي لا نحصر فيه السبب في (أ) فقط.

هذه العلاقة الراسخة بين العلم الاستقرائي بالعلّة وبين مقدار احتمالات وجود (ت) في التجارب المتتالية لا يمكن للمنطق الأرسطي تفسيرها بناءً على الطريقة التي يتبعها في الاستدلال الاستقرائي؛ لأن الاستدلال الاستقرائي، إذا كان نتيجته علماً أولياً مبنياً على أن الصدفة النسبية لا تتكرر على المدى الطويل، فكلما رأينا في هذا الخط تزامناً بين ظاهرتين، لا بد أن نستنتج العلاقة بينهما دون أن نأخذ في الاعتبار أدنى مكان لاحتمال وجود (ت).[18]

7. اليقين بأن الصدفة النسبية في مرحلة التجربة لا يمكن أن تتكرر على المدى الطويل ليس علماً مباشراً، بل هو ثمرة عدد كبير من الاحتمالات؛ لأن:

أولاً، في كل علم سابق، نتيجة العلم بالملازمة بين شيئين تعني العلم بالضرورة بأحدهما.

ثانياً، إذا كان القول بأن الصدفة النسبية لا تتكرر في عشر تجارب متتالية صحيحاً، فلا شك أن هذه القضية الشرطية أيضاً صحيحة، وهي أنه إذا حدثت الصدفة النسبية في تسع تجارب، فلن تحدث بالتأكيد في التجربة العاشرة، لأن بين القضيتين ملازمة.

ثالثاً، على العكس من يقيننا بأن الصدفة النسبية لا تستحق التكرار في عشر تجارب متتالية، مع ذلك ليس لدينا يقين من أنه إذا حدثت الصدفة النسبية في تسع تجارب، فلن تتزامن في التجربة العاشرة؟

لذا يمكننا أن نميز جيداً أن الاعتقاد بأن الصدفة النسبية لا تستحق التكرار في عشر تجارب متتالية ليس من العلوم العقلية السابقة.[19]

بعد نقد القانون الأرسطي (الاتفاقي)، يكتب الشهيد صدر في خلاصة عامة:

يبدو أن حل المشاكل الثلاثة الأساسية للدليل الاستقرائي في منطق أرسطو يكمن في قبول ثلاثة قواعد: فرض قانون العلية يلغي احتمال الصدفة المطلقة، وقانون الاتفاقي يحل مشكلة احتمال نسبية الصدفة، وقاعدة الإطراد (الحالات المماثلة لها نتائج مماثلة) تحل مشكلة احتمال تغير العلية.

لذا ما دمنا لا نقبل المبادئ الثلاثة: (العلية) و(الاتفاقي) و(الحالات المماثلة لها نتائج مماثلة)، فلا يمكننا قبول الطريقة الاستقرائية كطريقة علمية.

في تقييم دقيق، يرى الشهيد صدر أن منطق أرسطو في اعتبار القواعد السابقة عقلية وسابقة وبناء الدليل الاستقرائي عليها قد اتخذ طريق الخطأ، كما رأينا أنه انتقد عقلانية وأولوية قاعدة الاتفاقي خلال النقاش، وترك التقييم الشامل للقسم الثالث من الكتاب.

2. الاستقراء والمدرسة التجريبية

المدرسة التجريبية التي أسسها فلاسفة مثل: فرانسيس بيكون، ديفيد هيوم، وجون لوك ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمنطق الاستقرائي. من وجهة نظر هذه المدرسة، طريق اكتشاف الحقيقة هو التجربة الحسية. كما أن العلم الجديد قائم على هذا الأساس.

تركز المدرسة التجريبية على حل مشكلتين أساسيتين من مشاكل الدليل الاستقرائي، وتضع المشكلة الثانية على الهامش. وبما أن هذه المدرسة تنكر وجود القضايا السابقة على التجربة، فهي لا تقبل مبادئ العلية العقلية، لكنها تدرك جيداً أهمية المشكلتين الأولى (ضرورة العلية) والثالثة (قابلية تعميم العلية في الحالات المماثلة)؛ لأنها لا تستطيع تفسير هاتين المشكلتين عبر القواعد العقلية.[20]

 

تفسير الاستقراء في المدرسة التجريبية

كان للتجريبيين عبر تاريخهم ثلاثة مواقف مختلفة تجاه الاستقراء: (اليقيني) و(الاعتقاد المرجح) و(العادة الذهنية).

1. الاستقراء اليقيني: وفقاً للتفسير الأول، يجلب الاستقراء اليقين[21] وأكبر مؤيد له هو جون ستيوارت ميل الفيلسوف الإنجليزي.[22] يرى أن الاستقراء في نشأته يحتاج إلى قانونين: (العلية) و(الإطراد) (الحالات المتشابهة لها نتائج متشابهة).[23]

يتفق ستيوارت ميل مع أرسطو في أن الاستقراء مرتبط بقياس، حيث الصغرى منه تتألف من الأمثلة والكبرى من قضيتين: العلية والإطراد.[24] كل مستقرئ خلال استقرائه يستفيد من العلية والإطراد ليكتشف أنه إذا ظهر ظاهرة ما في ظل ظروف خاصة، فإنها ستظهر في جميع الحالات المماثلة.

الطريقة التجريبية تعتبر قضيتَي العلية والإطراد نتاج البيانات الحسية والاستقراءات السابقة. العلية في المعنى التجريبي ليست سوى ارتباط مستمر وشائع بين ظاهرتين عبر الزمن، لكنها في المفهوم العقلي تدل على علاقة حتمية بين الظاهرتين.[25]

تكمن ابتكار الشهيد صدر في أنه لا يرى أن توسيع الدليل الاستقرائي يحتاج إلى مبادئ قطعية مثل العلية والإطراد.[26] فهو، رغم أنه يعتبر قضايَا السبب والنتيجة نتيجة استقراء مثل علماء التجريب، لا ينكر المبادئ والقواعد العقلية السابقة لها. وتفوق رأي الشهيد صدر هو أنه إذا تجاهلنا العلم السابق بهذه القضايا، يمكننا مع ذلك إثبات صحتها عبر الاستقراء.[27]

لذا في التحليل المنطقي للصدر، يمكن للدليل الاستقرائي أن يثبت هذه القضايا دون الاستعانة بمبادئ سابقة مؤكدة. المشكلة التي تواجه المذهب التجريبي هي أنه من جهة يبني التوسعات الاستقرائية على قضايَا السبب والنتيجة، ومن جهة أخرى يظن أن هذه القضايا السببية نفسها نتيجة استقراء ومنبثقة من التوسعات السابقة للاستقراء.

ويذكر: المقصود بالعلية محل النقاش هو معناها العقلي الذي يدل على العلاقة الضرورية بين السبب والمسبب. إذا لم نقبل العلية بمعناها العقلي وقلنا إنه لا سبيل لإثباتها، فلن يكون إثبات العلية بالمعنى التجريبي بمساعدة الدليل الاستقرائي ممكناً، ولا أي من التوسعات التي تثبتها الاستقراءات. لذلك، الشرط الأساسي للاستنتاج من الدليل الاستقرائي هو أن يستطيع الاستقراء إثبات العلية بمعناها العقلي وتثبيت العلاقة الضرورية بين السبب والنتيجة. حتى نقبل المعنى العقلي للعلية، لن يستطيع الدليل الاستقرائي إثبات أي توسع.[28]

يعتبر الشهيد صدر الإطراد بمعنى (الحالات المتشابهة لها نتائج متشابهة) شبيهاً بالقانون الأرسطي (الاتفاقي) الذي يقول (إن الصدفة النسبية في خط طويل غير قابلة للتكرار). ويرى أن الفرق الوحيد بينهما يكمن في أن قانون الإطراد في المدرسة التجريبية ينبع من مصدر استقرائي، بينما في المدرسة العقلية له جذور في أمور عقلية سابقة.

بعد هذا التذكير المهم، ينتقل الشهيد صدر إلى نقد الحلول الأربعة التي قدمها ستيوارت ميل لمعالجة الإشكال الثاني، ويخلص إلى أن جميع هذه الحلول تهتم فقط بحل المشكلة الثانية، بينما تُنسى المشكلتان الأولى والثالثة. علاوة على ذلك، فإن هذه الحلول، رغم أنها تقلل من احتمال الصدفة النسبية (وجود سبب غير السبب المعروف للمعلول المعني)، إلا أنها لا تلغيها كلياً وبشكل مطلق.[29]

2. الاستقراء مصدر الاعتقاد المتفوق: بناءً على هذا التفسير للمدرسة التجريبية للاستقراء التي تعتبره (اعتقاداً راجحاً)، إذا أردنا تعميم الحكم المستخلص من هذا الأسلوب الاستدلالي، يجب أن نفترض قضايا لا علاقة لها بالاستقراء وتؤسس لها المبادئ المنطقية، وهذا النوع من القضايا لا يمكن إثباته؛ لذلك لا يمكن لأي استدلال استقرائي أن يصل بنا إلى اليقين، بل إن هذا الاستدلال يزيد فقط من حجم الاحتمالات ويرفع من قيمة القضايا الاستقرائية.[30]

يُعد برتراند راسل من بين الفلاسفة التجريبيين الذين لا يعتبرون التجارب الحسية كافية للاستدلال، ويقول: لتثبيت الاستدلال الاستقرائي يجب الاستعانة بقانون عقلي يمكنه تعميم حكم الأحداث الماضية إلى الأحداث المستقبلية، وتعميم الحالات الموجودة إلى الحالات غير الموجودة. رغم ذلك، فقد شكك في وجود مثل هذا القانون العقلي.

يترك الشهيد صدر شرح هذا النقاش في موضعه، ويستعين في توضيح موقفه بكتابات الدكتور زكي الذي يقول:

إن اعتقادنا بأن نتيجة الدليل الاستقرائي هي العلم بتعميم حكم الاستقراء لا يعني أن الدليل الاستقرائي قد تحول إلى دليل قياسي يسير من العام إلى الخاص، بل إن الدليل الاستقرائي هو استدلال مستقل يتحرك من الخاص إلى العام دون الاستعانة بأي مبدأ عقلي.[31]

 

يسمي الشهيد صدر اليقين الناتج عن الاستقراء باليقين الموضوعي.

ويكتب:

نسمي هذا اليقين (اليقين الموضوعي) مقابل (اليقين المنطقي) الناشئ عن الاستدلال القياسي، و(اليقين الذاتي) الذي هو مسألة شخصية وغير معلوم ما إذا كان يمتلك معايير صحيحة.[32]

يُكتسب اليقين الموضوعي من خلال تتابع متصل يؤدي إلى تصديق القضية الاستقرائية، ولا يمكننا إقامة برهان له، بل نفترض وجوده كمغالطة دائرية وأصل مسلم به، ثم نفسره.[33]

يرى الشهيد صدر أن التفوق الاعتقادي ينمو ويزداد بناءً على الاستقراء نفسه؛ أي كلما زادت الأدلة الاستقرائية زادت قيمة احتمال القضية الاستقرائية. لكن خلافاً لرأي الدكتور زكي في الفصل الأخير من كتاب (المنطق الوضعي)، فإن هذه الزيادة في التفوق بناءً على الاحتمالات لا تصلح للتفسير، ولا يمكن لقيمة احتمال القضية الاستقرائية أن ترتفع بحساب الاحتمالات وتقربها إلى اليقين إلا إذا أعطت نفس القدر من التفوق لقانون السبب والنتيجة في مفهومه العقلي. إذن، خلافاً لموضوع المنطق التجريبي الذي يرفض السببية في مفهومها العقلي، فإن هذا المفهوم العقلي للسببية هو الذي يشير إلى الضرورة والحتمية.[34]

لذلك، فإن المنطق التجريبي يقف عند مفترق طرق ويجب أن يختار أحدهما: إما قبول المعنى العقلي للسببية، أو قبول السببية بمعناها التجريبي، ونتيجة لذلك لا يستطيع حتى تثبيت التفوق الاعتقادي الناتج عن الاستقراء أو تفسيره.[35]

3. الاستقراء عادة ذهنية: وفقاً للتفسير الثالث للمدرسة التجريبية للاستقراء، فإن هذا الأسلوب الاستدلالي لا يمتلك قيمة موضوعية، ويعتبر الاعتقاد الناتج عنه عادة ذهنية. ويُعد ديفيد هيوم David Hume (1711-1776م) من بين فلاسفة التجربة الإنجليز الذين سبقوا إلى هذا الرأي.[36]

ركز هيوم فلسفته على نقد السببية، واستعان في ذلك بعلم النفس. قسم الإدراكات إلى فئتين:

الانعكاسات والأفكار

الانعكاسات في فلسفة هيوم هي الإدراكات التي تنشأ من التفاعل المباشر مع الخارج في الذهن، ولهذا فهي أكثر قوة ووضوحاً، أما الأفكار فهي إعادة تصور للانعكاسات في الذهن؛ فمثلاً رؤية الأسد هي نوع من الإحساس، وتصوره هو نوع من الإدراك. يقتصر عمل الذهن على تغيير المواد التي تقدمها لنا الانعكاسات. تُجمع هذه المواد في الذهن وتُدمج أو تُكبر أو تُصغر. كل هذه المواد مستمدة من التجربة الخارجية أو الداخلية.

يعتبر هيوم الانعكاسات الوسيلة الحقيقية لمعظم المفاهيم والتصورات من العالم الخارجي. ويرى أن الانعكاسات هي الوسيلة البسيطة والموثوقة التي يمكن من خلالها معرفة ما إذا كان المفهوم يحمل جانباً حقيقياً أم زائفاً.

يوجد بين الأفكار الناتجة عن الانعكاسات نوع من العلاقة والارتباط، مثل علاقة السبب والنتيجة. وتتميز علاقة السبب والنتيجة بأنها عندما نتخيل طرف السبب، تثير في الذهن فكرة الطرف المسبب. وبهذا يمكن لعلاقة السبب والنتيجة وحدها أن تنقل ذهننا إلى شيء لم يكن محسوساً بحواسنا من قبل.

هيوم في التنوير يكتب عن علاقة السببية والنتيجة:

المعنى الحقيقي للسبب والنتيجة ليس أن يكون هناك ظاهرتان متقاربتان فقط في الزمان والمكان، لأن كثيرًا ما يحدث أن تقف ظاهرتان جنبًا إلى جنب في الزمان والمكان، ولكننا لا ندرك علاقة السبب والنتيجة بينهما، بل المعنى الحقيقي للسبب والنتيجة يشير إلى الضرورة واليقين في العلاقة بين الظاهرتين، ولأن العقل لم ينشئها، يجب أن نرى من أين نشأت هذه الانعكاسات؟

هيوم في بحثه عن منشأ مفهوم السببية يبحث عن الانعكاسات. لكنه في دائرة الانعكاسات لا يجد عنصرًا أوليًا يعادل فكرة السبب والنتيجة. ما نراه في هذا المجال هو تتابع الظواهر، وتكرار الظواهر بحد ذاته لا يمكن أن يكون منشأ لإنتاج اليقين؛ لأن زيادة الظواهر تؤدي فقط إلى زيادة الانعكاسات، واليقين ليس من الأمور المحسوسة ليكون ضمن نطاق الانعكاسات الحسية.

العقل يجد انعكاسًا في نفسه من التزامن العرضي لحدوث ظاهرتين، وهذا الانعكاس، مثل كل الانعكاسات، حي وقوي، وهذا الانعكاس هو الذي يثمر فينا فكرة اليقين في الربط بين السبب والنتيجة.

لذلك، الضرورة واليقين لهما منشأ نفسي وليس خارجي؛ أي أن قرب الظاهرتين في العقل يخلق هذه العادة.[37]

العقل وعلاقة السببية

هيوم لا يعتبر علاقة السبب والنتيجة مولودة من العقل أو نابعة من قانون عدم التناقض؛ لأن الإنسان حين يتصور شيئًا دون الانتباه إلى سببه لا يحدث أي تناقض، ونحن لا نمتلك علمًا سابقًا بعلاقة السببية. الإنسان بكل قوة عقله لا يستطيع الاستدلال على أن الماء سائِل، بحيث إذا غرق فيه يموت.[38]

الشهيد الصدر في نقد آراء هيوم يكتب:

يجب التمييز بين قانون السببية والعلاقة السببية التي توجد بين الأشياء الخارجية. ما يقدمه هيوم كمثال يوضح الربط بين السبب والنتيجة وليس قانون السببية. في رأينا، العقل يدرك قانون السببية دون الاعتماد على التجربة، لكنه لا يستطيع فهم الروابط الخاصة التي توجد بين الظواهر. ومع ذلك، كما يعتقد هيوم، لا يمكن استنباط قانون السببية من قانون عدم التناقض، وتصوّر حدوث ظاهرة بلا سبب لا يخلق تناقضًا؛ لأن مفهوم الحدث لا يتضمن انتقالًا إلى السبب. لهذا السبب يجب تفسير عقلانية قانون السببية.[39]

نقد الأدلة العقلية على السببية

الشهيد الصدر بعد هذا النقاش ينقل أدلة أتباع الاستدلال العقلي في إثبات قانون السببية وينتقدها. ويكتب:

أتباع الاستدلال العقلي وأنصار منطق أرسطو قدموا دليلين لإثبات السببية:

1. كل ظاهرة (ممكنة)؛ أي تقع في حد وسط بين الوجود والعدم، ولكي تخرج من هذا الحد تحتاج إلى متفوق، وهذا المتفوق هو السبب. لكن هذا الدليل، حسب رأي الشهيد الصدر، غير مقنع، لأنه عند تحليل هذا الاستدلال يتضح أنه استخدم قانون السبب والنتيجة لإثبات نفسه، لأن القانون الذي يقول: المتفوق ضروري هو نفسه قانون السببية.

2. كل ماهية في ذاتها (ممكنة) ولا تصبح موجودة إلا إذا أصبحت (واجبة)، وذات الممكن حين تصل إلى مرحلة الوجوب تكون لها سبب خارجي. هذا الاستدلال أيضًا، من وجهة نظره، يعاني من نفس عيب الدليل السابق ولا يستطيع تثبيت قانون السببية. وهو يقترح أن الفلسفة العقلية من الأفضل أن تستمد وجود السببية من المسلّمات العقلية الأولية حتى لا تكون بحاجة إلى استدلال. وهي طريقة تتعارض مع مبادئ هيوم التجريبية، لكنها لا مناص من قبولها.[40]

نقائص رؤية هيوم

رأينا من وجهة نظر هيوم أن علاقة السببية لا يمكن أن تكون نتيجة عقلية ولا يمكن الوصول إليها من خلال التجربة، لأن مصدر كل معرفتنا بالعالم الخارجي ينبع من الحس وانعكاساته. وليس لدينا أي انعكاس في العقل يوضح السببية بمعنى الضرورة بين ظاهرتين؛ أي أننا لا نرى صفة في البيانات الحسية تربط المعلول بالسبب بطريقة تجعل النتيجة حتمية للسبب.[41]

لهذا السبب، هيوم لا يقبل علاقة السببية كموضوع واقعي، ولهذا يفسر السببية على أساس أمر ذهني ونفسي، ويعرفها بأنها انتقال العقل من فكرة إلى أخرى أصبحت عادة وتعمل في الإنسان[42]، وضرورة تكرار الظواهر أيضًا لهذا السبب. تكرار الظواهر يخلق فكرة السببية فينا. مصاحبة ظاهرة لظاهرة أخرى لمرة واحدة لا تثمر فكرة السببية في عقلنا؛ لأن من الممكن أن يكون هذا التزامن مجرد صدفة، ثم العامل الرئيسي هو تكرار الظواهر والأمثلة.

الشهيد الصدر في مقام رد رؤية هيوم يترك إثبات واقع الربط بين السبب والنتيجة للقسم الثالث من الكتاب ويكتب:

هناك سنبين كيف يمكن من خلال التجربة والوعي الحسي تثبيت السببية كواقع.

القسم الثاني يرد على إشكال هيوم مع الأخذ بعين الاعتبار دخول وظهور عنصر جديد في جوهر الاستقراء ويكتب:

إذا كانت السببية علاقة ضرورية بين ظاهرتين في العالم الخارجي، فمن الطبيعي أن اكتشاف عنصر جديد يغير سير الاستدلال الاستقرائي، ولكن إذا قلنا إن السببية مجرد عادة ذهنية ناتجة عن التكرار، فكيف يترك العقل عادته السابقة عند اكتشاف عنصر جديد ويتخلى عن حكمه ويتعود على الربط الجديد؟[43]

3. الاستقراء والمدرسة الذاتية

حتى الآن تعرفنا على تبرير دليل الاستقراء بناءً على المدرسة العقلية والتجريبية، والآن سنقيّم دليل الاستقراء بناءً على المدرسة الذاتية، ومرادنا بالمدرسة الذاتية طريقة جديدة في نظرية المعرفة تختلف عن الطرق المعروفة في المدرستين السابقتين.

قبل أن نتعرف على وجهة نظر المدرسة الذاتية بشأن الاستقراء، من الضروري أن نعلم الفرق الأساسي بين المدرسة الذاتية والمدرستين العقلية والتجريبية.

في علم المعرفة هناك نقطتان أساسيتان:

1. تمييز مصدر المعرفة.

2. كيفية نمو المعرفة.[44]

فيما يتعلق بالنقطة الأولى، يرى علماء المدرسة التجريبية أن التجربة والوعي الحسي هما المصدر الوحيد للمعرفة، بينما يعتبر مفكرو المدرسة العقلية القضايا والمعارف السابقة المستقلة عن الحواس والتجربة الحسية مصدرًا لاكتساب المعرفة، ومن هذا المنطلق يتوافقون مع المدرسة الذاتية.

أما بالنسبة للنقطة الثانية، فتقترح المدرسة العقلية طريق التولد الموضوعي، بينما المدرسة الذاتية تقترح التولد الذاتي[45]. مفهوم التولد الموضوعي هو أنه إذا كان هناك ترابط بين قضية أو مجموعة من القضايا مع قضية أخرى، فإن حكم القضية اللازمة يُسري على القضية الملزومة، ومصدر هذا التولد هو الترابط الموجود بين الجانب الموضوعي (الواقعي) للمعرفة المولدة (المقدمات) والمعرفة المتولدة (النتيجة). لذلك، التولد الموضوعي هو معرفة؛ أي ولادة معرفة لاحقة من معارف سابقة دون تدخل الجوانب النفسية والخصائص الخاصة للعالم.

أما مفهوم التولد الذاتي فهو أن الترابط، خلافًا للتولد الموضوعي الذي يكون بين موضوعين، يكون بين معرفتين، وهذا الترابط لا يتبع الترابط بين جانبي الموضوع في المعرفة. في المدرسة الذاتية، هو زيادة تدريجية في الظنون التي تتحول إلى يقين بشروط خاصة.[46]

تعتبر المدرسة العقلية التولد الموضوعي الطريق الصحيح لتوسيع المعرفة، وتعتبر التولد الذاتي خطأً؛ لأن هذه المدرسة ترى أنه إذا لم يكن هناك ارتباط موضوعي بين قضيتين، فلا يوجد بينهما أي رابط. ولهذا السبب، اضطر أرسطو، نتيجة إيمانه الذي يستند إلى الاستقراء، إلى القول بأن طريق التولد في الاستدلالات الاستقرائية هو موضوعي وليس ذاتيًا، وأن جميع الاستدلالات الاستقرائية تتكون من كبرى عقلية سابقة تقول: (الصدفة النسبية في خط طويل غير قابلة للتكرار)، وصغرى تستند إلى البيانات الحسية تقول: (أ) و(ب) حدثا بالتتابع في خط طويل معًا.

لذلك، ترى المدرسة العقلية التي يمثلها منطق أرسطو أن المعارف الإنسانية متزامنة مع المعارف الأولى التي لها جانب عقلي سابق أو مستمدة من التولد الموضوعي المبني على المعارف الأولى، بينما ترى المدرسة الذاتية أن معرفة الإنسان هي نتيجة المعارف الأولى والثانية. ووفقًا لهذه المدرسة، فإن جميع المعارف الثانية إما نالت من طريق التولد الموضوعي أو من طريق التولد الذاتي. وترى هذه المدرسة أن المجالات الاستقرائية هي ثمرة التولد الذاتي، لأن المجالات الاستقرائية تستنتج من مجموعة الأمثلة والظواهر والأدلة التي لا يوجد بينها وبين هذه المجالات أي ارتباط، ولكن مصدر العلم بالمجال هو تلك الأمثلة والأدلة نفسها.

لذا، فإن طريق التولد الموضوعي ليس الطريق الوحيد الذي يستخدمه العقل في تحصيل المعارف الثانية، بل إلى جانبه يصل إلى المعرفة أيضًا من طريق التولد الذاتي، خاصة في القسم الأول من الكتاب حيث ثبت أن العلم الاستقرائي لا يمكن أن يكون نتيجة التولد الموضوعي.

من خصائص التولد الذاتي أنه لا يندرج ضمن القوانين الحاكمة للمنطق الصوري الذي يعنى ببيان طرق التولد الموضوعي، لأنه مبني على ارتباط الذات بذاتها، وأن جزءًا من المعارف التي يتحدث عنها مفكرو المدرسة العقلية ناتج عن التولد الذاتي وليس الموضوعي.

ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أنه لا يمكن الانتقال من أي قضية إلى أخرى عبر التولد الذاتي، بل يجب أن يكون هناك ارتباط بين القضيتين، رغم أن المنهجية لهذا الأمر الهام لم تُناقش في المنطق الصوري؛ ولهذا السبب يكتب الشهيد صدر: (إذا كان لا بد من بيان رأي هذه المدرسة، فهناك حاجة إلى منطق جديد).

وقد سمى ذلك المنطق الذاتي، وهو منطق يوضح الطرق الصحيحة والمنطقية للتولد الذاتي.

يرى الشهيد صدر أن المعرفة الثانية التي يحصل عليها العقل بناءً على التولد الذاتي تمر بمرحلتين: تبدأ بالتولد الموضوعي حيث ينمو الاحتمال تدريجيًا، ويصل نموه إلى درجة كبيرة من الاحتمال، ولكن بما أن طريق التولد الموضوعي يحمل جانبًا ظنيًا، فإنه يعجز عن الوصول إلى اليقين، ومن هذه النقطة تبدأ المرحلة الثانية، وهي التولد الذاتي. في هذه المرحلة تصل المعرفة الاستقرائية إلى حد اليقين.

يخصص كتاب الأسس المنطقية من هذه النقطة فصاعدًا لتوضيح هذين المسألتين الهامتين، وهما الدليل الاستقرائي في مرحلة التولد الموضوعي والتولد الذاتي، ويخصص القسم الأخير من الكتاب للاستفادة من المدرسة الذاتية في مجال العلوم الإنسانية.

أ. الدليل الاستقرائي في مرحلة التولد الموضوعي

في حياة الإنسان يُستخدم مصطلح الاحتمال كثيرًا، وحساب الاحتمالات هو جزء من الرياضيات الذي يحسب مقدار احتمال وقوع الأحداث بنسب مختلفة.

بعد طرح مبادئ نظرية الاحتمال الواضحة ودراسة قواعد حساب الاحتمالات، اهتم الشهيد صدر بتفسير وتوضيح معنى الاحتمال، وشرح معنى ومفهوم الاحتمال، وأنهى بحثه في ثلاثة أقسام: التعريف الأساسي للاحتمال، تعريف الاحتمال بناءً على التكرار، والتعريف الحديث للاحتمال.[47]

1. التعريف الكلاسيكي للاحتمال: الاحتمال في تعريفه الكلاسيكي والأساسي هو: (قسمة عدد الوجوه المقصودة على مجموع الوجوه المتساوية الإمكان).[48]

لا يرى الشهيد صدر أن هذا التعريف شامل، ويرى نقصه في كونه بعيدًا وغير شامل؛ لأن:

أولًا، الاحتمال في هذا التعريف مأخوذ في ذاته.

وثانيًا، ليست كل الوجوه متساوية الاحتمال، بل في كثير من الحالات بعض الوجوه أفضل من غيرها.

2. تعريف الاحتمال بناءً على التكرار: هذا التعريف قائم على نظرية (التكرار اللامتناهي)، ويعرف الاحتمال ليس بناءً على الإمكان المنطقي، بل على التحقيق الخارجي. والافتراض هو أن موضوع علم الاحتمال هو سلاسل متتابعة من الأحداث التي تتكرر فيها صفات معينة.

في هذا التعريف، مع أنه يتطابق مع احتمالات الإضاءة ولا تدخل فيه العيوب التي ترد على التعريف الكلاسيكي، إلا أنه لم يُذكر حالات الإمكان المنفردة، ولهذا السبب فإن التعريف ليس شاملاً[49]، ولا يرى الشهيد الصدر أن جهود برتراند راسل في حل هذه المشكلة مجدية، ويقدم تعريفًا جديدًا يجمع بين مزايا التعريفين السابقين ولا يعاني من النقص أو التناقض.

3. التعريف الجديد للاحتمال: يكتب الشهيد الصدر في تعريف الاحتمال:

إذا كان معلوم علمنا معينًا، فإن العلم يكون تفصيليًا ويقينيًا، ولا يمكن أن يدخل فيه الاحتمال، أما إذا كان معلوم علمنا غير معين، فسيكون العلم إجماليًا، مثل أن يكون لدينا ثلاثة إخوة ونعلم أن أحدهم سيزورنا، لكننا لا نعلم من هو الأخ المقصود من بين الثلاثة. لذلك، في العلم الإجمالي، لا يرتبط العلم بالمعلوم المعين، وعلاقته بالمعلوم مصحوبة بالاحتمال. وكلما تعددت حدود العلم الإجمالي، قل احتمال توافقه مع المعلوم.

بعد هذه التمهيدات، يعرف الشهيد الصدر الاحتمال كما يلي:

الاحتمال هو عضو من مجموعة الاحتمالات، وقيمته تساوي ناتج قسمة عدد ما نعلم يقينًا على جميع أفراد مجموعة العلم الإجمالي.[50]

بناءً على هذا التعريف، أولًا، الاحتمال الذي يمكن تحديد قيمته هو دائمًا عضو في مجموعة الاحتمالات التي تظهر في أي علم من العلوم الإجمالية، وقيمته دائمًا تساوي خارج قسمة مقدار اليقين على عدد أفراد مجموعة حدود العلم الإجمالي.

ثانيًا، الاحتمال في هذا التعريف ليس علاقة أو نسبة حقيقية بين حدثين أو تكرار وجود إحدى المجموعتين في أعضاء المجموعة الأخرى، بل هو تصديق لمرتبة معينة من مراتب الاحتمالات.

بعد تقديم التعريف، يوضح الشهيد الصدر كيفية تطبيق البديهيات والقواعد الموجودة في حساب الاحتمالات على تعريفه، ويرد على الاعتراضات المحتملة، ويثبت شمولية تعريفه، ويتحدث عن وجود بديهيات جديدة في تعريفه، وبعد دقة علمية وعقلانية فريدة ومحمودة، يذكر في نهاية الفصل النقاط التالية كنتيجة لمناقشاته:

1. الاحتمال دائمًا قائم على العلم الإجمالي، وتحدد القيمة الاحتمالية لأي قضية عبر عدد أعضاء حدود العلم الإجمالي التي تستلزم تلك القضية، أي أن درجة احتمال القضية تساوي نسبة الأعضاء إلى العدد الكلي لأعضاء العلم الإجمالي.

2. نظرية الاحتمال بناءً على التعريف الجديد تجمع، بالإضافة إلى البديهيات الأولى المذكورة، خمس بديهيات جديدة، ويشير الشهيد الصدر إليها بالتفصيل.

3. إذا تعارض علمان إجماليان ولم يكن أحدهما متفوقًا على الآخر، لتحديد القيم الحقيقية للاحتمال يجب ضرب عدد أعضاء كل من العلمين في عدد أعضاء العلم الآخر للحصول على العلم الإجمالي الأكبر، وبناءً عليه يمكن تحديد قيمة احتمال أعضاء العلمين الأولين.[51]

ينبه الشهيد الصدر إلى أن الاستقراء في الاحتمالات، رغم أنه يمكن أن يقربنا من الحقيقة، إلا أن درجة الاحتمال ترتبط مباشرة بالتكرار. الاحتمال قائم دائمًا على العلم الإجمالي، والاستقراء من خلال إثراء العلم الإجمالي يدفع الاحتمال نحو الحقيقة.

ب. دليل الاستقراء في المرحلة الاستنباطية

يمكن للاستقراء أن يرفع قيمة احتمال التعميم ويصل به إلى درجة عالية من درجات التصديق الاحتمالي. وهذا الأمر ينبثق من نظرية الاحتمال نفسها بالتعريف الذي قدمه الشهيد الصدر والبديهيات المرتبطة بها، ولا حاجة إلى مقدمات إضافية. دليل الاستقراء ليس سوى مساواة الاحتمال، ومن خلال هذا يمكن إثبات التعميم الاستقرائي بدرجة احتمال عالية جدًا.

يرى الشهيد الصدر أن طريقته أوضح من طريق لاپلاس وبرتراند راسل. يشرح أولًا طريقته في تفسير الدليل الاستقرائي في المرحلة الاستنباطية، ثم يقيم الطرق الأخرى.

وفقًا للطريقة التي يوصي بها الشهيد الصدر، يتم إثبات علاقة السببية بين (أ) و(ب) من خلال الاستقراء، ومن خلالها يصبح التعميم ممكنًا. ويفرق بين السبب بمعناه العقلي والتجريبي، وكذلك بين السببية الوجودية والعدم.

السبب بمعناه العقلي هو العلاقة بين مفهومين من المفاهيم التي تحدث في الطبيعة، مثل المفهومين (أ) و(ب) حيث يجعل وجود أحدهما وجود الآخر ضروريًا. الأول هو المسبب، والثاني هو السبب. أما السببية بمعناها التجريبي فهي أن وجود (ب) دائمًا يتبع أو يتزامن مع وجود (أ) دون فرض الضرورة أو الحتمية.

هاتان المفهومان مختلفان جوهريًا. في السببية بمعناها العقلي، هناك علاقة تربط وجود مفهوم بمفهوم آخر، مثل العلاقة بين الحركة والحرارة، أما السببية بمعناها التجريبي فلا تقبل مثل هذه العلاقة. السببية التجريبية تقبل فقط أن حدثين يتبعان بعضهما في كل مكان ويتزامنان، وبالتالي وجود أي حدث يُعتبر مصادفة.

لذلك، السببية للحركة تجاه الحرارة بمعناها التجريبي تعني وجود علاقات بعدد أفراد الحركة تساوي عدد أفراد الحرارة، دون وجود علاقة رئيسية بين المفهومين.

الفصل بين السببية في المفهومين العقلي والتجريبي:

يمكن تلخيص الفصل والفرق بين السببية في المفهومين العقلي والتجريبي في عدة نقاط:

1. السببية في المفهوم العقلي تعني علاقة الضرورة، أما في المفهوم التجريبي فهي تعني التتابع المتزامن للأحداث بالصدفة.

2. السببية في المعنى العقلي تعني علاقة رئيسية بين مفهومين، أما في المعنى التجريبي فهي تعبر عن علاقات مستقلة بين الأفراد.

٣. بناءً على المفهوم العقلي، للأسباب المتشابهة نتائج متشابهة، أي إن أفراد مفهوم واحد مرتبطون بعلاقة سببية مع أفراد مفهوم آخر. فإذا كان فرد من أفراد ماهية ما سببًا لفرد من ماهية أخرى، فإن أفراد الماهية الأولى يمكن أن يكونوا أسبابًا لجميع أفراد الماهية الثانية، أما في المفهوم التجريبي للسببية فلا توجد مثل هذه العلاقة بين أفراد ماهية وأخرى.[52]

بعد مناقشات مطولة في سبيل إثبات أن الاستقراء يمكن أن يعزز الاحتمال ويرتقي به إلى أعلى درجات التصديق الاحتمالي، يصل الشهيد الصدر في مرحلة الاستنباط لدليل الاستقراء إلى نتيجة مفادها أن المرحلة الأولى من دليل الاستقراء (مرحلة الاستنباط) يمكن اعتبارها معادلة دقيقة لنظرية الاحتمال. في هذه المرحلة من دليل الاستقراء لا حاجة لأي مبدأ مسلم به مسبقًا، وتعتمد هذه المرحلة الاستنباطية على عدم وجود مبرر لعدم وجود علاقة السببية؛ ومن ثم، إذا أنكر شخص ما علاقات السببية بالمفهوم العقلي تمامًا، فلن يستطيع تفسير دليل الاستقراء في مرحلته الاستنباطية، ولن يكون لديه مبرر لنشوء الاحتمال بوساطة مسألة الاستقراء. ومن هذا المنطلق يمكننا أن نجعل كل من يعترف بالقيمة الحقيقية لدليل الاستقراء في رفع الاحتمال ملتزمًا بالتخلي عن إنكار علاقات السببية السابقة وعدم إنكار علاقة السببية، وعلى فرض عدم وجود منكر سابق لعلاقة السببية، يمكن إثبات علاقة السببية السلبية بالمفهوم العقلي (استحالة الصدفة).

بعد عرض رأيه، يشرح الشهيد الصدر آراء لاپلاس وكنيز مع نقل الصعوبات التي تواجه هذين الرأيين، ويقارن طرقهما برأيه الخاص، وينتقد كلاهما، ويثبت قدرة رأيه.

بعد بيان أن الشرط الأساسي لكون دليل الاستقراء حجة هو عدم وجود دليل يمنع السببية بالمفهوم العقلي أو الاعتقاد بعدم وجود السببية، يحاول في جزء آخر من عمله توضيح ما إذا كان لدينا من قبل منكر لارتباط السبب والمسبب بالمفهوم العقلي أم لا؟

يختصر الشهيد الصدر منكرات منع ارتباط السببية بالمفهوم العقلي في المنكرات المنطقية والفلسفية والعلمية والعملية، ويرفض كل منها، ويثبت وجود علاقة السببية بالمفهوم العقلي بين الظواهر، ومع وجود مثل هذه العلاقة يثبت مرحلة الاستنباط في دليل الاستقراء.

في ختام مناقشته في مرحلة الاستنباط، يكتب الشهيد الصدر: دليل الاستقراء يثبت هذا الامتداد الذي يتبع كل (أ) (ب) عبر نمو وزيادة احتمال السببية، ويرى نمو هذا الاحتمال نتيجة لجمع الاحتمالات التي تدل جميعها على عدم وجود سبب سوى (ب)، وبناءً على قاعدة جمع الاحتمالات يستنتج أن كل احتمال هو دليل على أن (أ) سبب (ب)، وأن كل (ب) يتبع (أ)، وأن كون (أ) سبب (ب) يستلزم أن يكون للأفراد الأخرى من (أ) أيضًا علاقة سببية، وتمتد دائرة البرهان إلى أفراد أخرى من (أ) عندما يكون هناك ارتباط سببي بين جميع أفراد (أ) ويكون واضحًا أن مثل هذا الارتباط له مبرر.

يلاحظ في سياق مناقشاته ردًا على اعتراض برتراند راسل الذي تحدث عن استقراءات بلا نتائج في الحساب والطبيعة، وكيف يمكن مع وجود مثل هذه الاستقراءات أن يُدعى أن الاستنتاج من الاستقراء قائم على منطق؟

يكتب الشهيد الصدر:

عندما ندرس أمثلته نرى أن عدم جدوى الاستقراء أو خطأ النتيجة ناتج عن عدم مراعاة الشروط اللازمة في مرحلة استنباط الاستقراء، ومع مراعاة هذه الشروط تُحل المشكلة.[53]

ج. دليل الاستقراء في مرحلة التولد الذاتي

حتى الآن، أصبح واضحًا ما هو التعريف الصحيح للاستقراء وما هي شروط الاستقراء الصحيح، واتضح أن التجربة يمكن أن تزيد من درجة التصديق، ولكن فقط في مرحلة التولد الذاتي يتحول (ظن) إلى (يقين) في ظروف معينة.

اتضح أن دليل الاستقراء في مرحلة الاستنباط يختلف اختلافًا جوهريًا عن الأدلة الاستنباطية المحضة مثل البرهان الذي يقول إن كل زاوية في المثلث تساوي قائمتين. الفرق هو أن الأدلة الاستنباطية المحضة تثبت حقيقة خارجية، أما دليل الاستقراء في مرحلة الاستنباط فلا يبني برهانًا على حقيقة خارجية، ولا يؤدي إلى يقين بالسببية أو يقين بامتداد الاستقراء، بل يرفع فقط درجة احتمال السببية بين ظاهرتين.

الآن يجب أن نرى هل يمكن أن يتحول الاحتمال الذي يُستمد من دليل الاستقراء إلى يقين؟ ولهذا الغرض يجب أولاً فهم معنى اليقين.

أنواع اليقين

لليقين ثلاثة معانٍ:

١. اليقين المنطقي والرياضي: هو العلم بقضية معينة بحيث يكون نفيها مستحيلاً، مثل قولنا: محمد رجل، ومحمد رجل عالم. بلا شك إذا كانت القضية الثانية صحيحة، فالأولى صحيحة أيضًا.

٢. اليقين الذاتي: هو أن يصل الإنسان إلى جزم بقضية بحيث لا يدخل الشك أو الاحتمال إليها. في هذا النوع من اليقين لا يلزم استحالة الطرف المعارض، مثل أن يتيقن الإنسان في نومه من موته، مع أنه لا يعتبر بقاءه على قيد الحياة مستحيلاً.

٣. اليقين الموضوعي: في هذا النوع من اليقين هناك جانبان: موضوع اليقين ودرجة اليقين. هذان الجانبان منفصلان، وقد يكون الصواب أو الخطأ في أحدهما فقط. أحيانًا يكون اليقين من الجانب الأول صحيحًا وكاشفًا عن الحقيقة، لكنه من الجانب الثاني مصحوبًا بالخطأ، مثل من يرمي عملة إلى الهواء ويتيقن حسب ميلها بأنها ستقع على الوجه الخاطئ، فإذا وقعت العملة فعلاً على الوجه الخاطئ، تكون القضية صحيحة وفق الواقع، لكن درجة التصديق خاطئة.

الاستقراء اليقيني المنطقي والرياضي ليس موضوع النقاش، لأن الاستقراء لا يتجاوز نطاق الرؤية المتتالية القريبة، ولا يدل على السبب (أ) للنتيجة (ب). كما أن اليقين الذاتي خارج دائرة النقاش، لأن وجود مثل هذا اليقين في الاستقراء لا مجال فيه للشك. لذلك، في الاستقراء يُناقش فقط اليقين الموضوعي، وما إذا كان هذا النوع من اليقين يقبل الشك أم لا؟

لقد رأينا أن في كل يقين موضوعي يلزم تساويان: أحدهما تساوي موضوع اليقين مع الواقع، والآخر تساوي درجة التصديق التي يعبر عنها اليقين مع الدرجة التي يحددها الرواة الحقيقيون للواقع.

من هنا يتضح الفرق بين اليقين الذاتي والموضوعي. اليقين الذاتي هو: التصديق في أقصى حد ممكن، سواء كان هناك رواة حقيقيون لهذا الحد من التصديق أم لا، أما اليقين الموضوعي فهو أن يصل التصديق إلى أقصى حد له، وتساوي درجة التصديق مع درجة الرواة الحقيقيين في حد الجزم.

لذا، العلاقة بين اليقين الذاتي والموضوعي هي علاقة عموم وخصوص من وجه، أي أحيانًا يكون هناك يقين ذاتي ولا يكون هناك يقين موضوعي، وأحيانًا يكون هناك يقين موضوعي ولا يكون هناك يقين ذاتي.

من البيان أعلاه يتضح أن اليقين الموضوعي هو يقين يساوي الواقع ولا يتأثر بحالة نفسية للفرد، أما اليقين الذاتي فيتأثر بالحالة النفسية للإنسان.

في الاحتمال الموضوعي الذي يساوي التصديق الموضوعي، لا يوجد قطع. الانتقال من الظن إلى اليقين يحتاج إلى أصل يكون موجدًا لليقين. هذا الأصل المذكور هو حركة طبيعية في نطاق المعرفة البشرية. بناءً على هذا الأصل، كلما تجمعت احتمالات كثيرة في محور واحد، يزداد هذا المحور قيمة احتمالية، وفي ظروف معينة يتحول إلى يقين، وتتنازل الاحتمالات الصغيرة عن مكانها للاحتمال الكبير وتختفي. هذا التحول ليس كالتشاؤم الذي هو تحول احتمال إلى يقين لأسباب نفسية؛[54] لأن هذا اليقين لا يزول، وهو دائمًا مرتبط بالعلم الإجمالي. مقدار الاحتمال هو مقدار احتمالية عضو في مجموعة أطراف العلم الإجمالي، ونتيجة لذلك هو جزء من نفس مقدار العلم الإجمالي الذي يظهر دائمًا في مجموع المقادير الاحتمالية للأطراف. لذلك، عندما تتجمع المقادير الاحتمالية في محور واحد، نواجه علمًا إجماليًا يشغل الجزء الأكبر منه احتمال كبير والجزء الصغير احتمال صغير، ومفهوم ذلك أن الاحتمال الكبير الذي حصل عليه هذا المحور نابع من كونه جزءًا كبيرًا من العلم الإجمالي، وهذا الاحتمال الكثيف يتحول تدريجيًا إلى يقين، والاحتمال الصغير المعارض سيزول.

الاحتمال الكبير يزيح الاحتمال الصغير إذا لم يكن بقاء الاحتمال الصغير يؤدي إلى زوال الاحتمال الكبير. وإلا، فإن الاحتمال الكبير الذي دار وأدى إلى ظهور اليقين لن يتغير، لأنه بزوال الاحتمال الصغير يسقط هو أيضًا؛[55] مثلاً إذا علمنا أن هناك كتابًا ناقصًا في مكتبة تحتوي على أكثر من مئة ألف مجلد، فإن احتمال أن يكون أي كتاب نأخذه من المكتبة هو 1/100000 أن يكون ذلك الكتاب الناقص، واحتمال عدم كونه ناقصًا هو 99999 مرة، وبالمجمل في مئة ألف مرة هناك مرة واحدة فقط احتمال أن يكون الكتاب الناقص هو هذا الكتاب، لكن هذا التجمع لا يمكن أن يؤدي إلى يقين ويزيل الاحتمال الصغير المعارض، لأن هذا التجمع في الحقيقة ليس إلا جزءًا أكبر من علمنا بالنسبة لوجود نقص في أحد الكتب، وكل كتاب في المكتبة يستفيد من هذا العلم، وهذا يمنع تجمع الاحتمال الذي يؤدي إلى اليقين، ولا يمكن أن يزول الاحتمال الصغير المعارض تحت تأثير الاحتمال الكبير. لذلك من المستحيل أن يؤدي تجمع درجات الاحتمال في محور واحد إلى وجود يقين وزوال الاحتمال الصغير؛[56] لأننا في كل هذه الحالات نواجه درجات احتمالية متساوية بعدد أعضاء أطراف العلم الإجمالي، والتجمع مع درجات احتمالية أخرى معارضة، ولا يمكن تشكيل محور تجمع الاحتمالات ليزيل الاحتمال الأصغر، وإذا تجاهلنا الاحتمال الصغير، سنصل إلى نتيجة أن لا كتاب ناقص، وهذا مخالف لعلمنا الإجمالي الأولي. لذلك، الشرط للاستفادة المفيدة من الأصل أعلاه هو ألا يلغي العلم الإجمالي الأولي نفسه.

على هذا الأساس، يلزم وجود علمين إجماليين[57] يتعلقان بموضوع واحد، وهذا ممكن بأحد الشكلين:

1. أن يكون تجمع الاحتمال تابعًا لعلم إجمالي، ومحور التجمع تابعًا لعلم إجمالي آخر؛ أي أن محور التجمع عضو في العلم الإجمالي الأول، وتجمع الاحتمالات جزء من العلم الإجمالي الثاني. في هذه الحالة، زيادة الاحتمال في هذا العلم الإجمالي تؤدي إلى زوال الاحتمال الأقل في العلم الإجمالي الآخر؛[58] مثلاً إذا علمنا بالعلم الإجمالي الأول أن (أ) أو (ت) سبب (ب)، ورأينا في عشر تجارب وجود تقارب بين (أ) و(ب)، لأن احتمال وجود (ب) مع وجود (أ) هو 1.3، فإن في عشر تجارب مستقلة تظهر 1024 احتمالًا، منها احتمال 1/1024 أن (أ) ليس سببًا لـ(ب)، وبناءً على العلم الإجمالي الثاني، احتمال 1023/1024 أن هناك علاقة سببية بين (أ) و(ب). تجمع هذا الاحتمال في العلم الإجمالي الثاني بالنسبة لوجود علاقة سببية بين (أ) و(ب) الذي هو عضو في العلم الإجمالي الأول يسمح لنا بأن نعتبر العلاقة السببية بين (أ) و(ب) يقينية مع زيادة التجارب والاحتمالات.

شروط استخدام الشكل الأول

لكي يكون استخدام الشكل الأول جائزًا، يلزم شرطان:

١. قضيةٌ تُحدَّد قيمتها الاحتمالية من خلال جمع الاحتمالات على محور معين لا يلزم أن تكون ملازمة لأطراف العلم الإجمالي الثاني الذي تميل قيم الجمع الاحتمالية إليه؛ فمثلاً إذا كانت العلية (أ) لـ(ب) مصحوبة بحالة وجود (ت) في جميع التجارب، وكنا نعلم أنه إذا وُجد (ت) في جميع الحالات، فلن تكون (أ) بالضرورة سببًا لـ(ب)، فإن هذا الشكل الأول يواجه مشكلة في مساواة الأصل، لأن العلية (أ) لـ(ب) في هذه الحالة قد تكون واحدة من أطراف العلم الإجمالي الثاني، لأنها ملازمة لأحد أطرافه، والملازم للطرف هو أيضًا أحد الأطراف. إذن، القضية التي يُراد أن تُلغى قيمتها الاحتمالية لا يجب أن تكون ملازمة لأحد أطراف العلم الإجمالي الثاني، كما هو الحال في نفي العلية (أ) لـ(ب) التي لا تلزم وجود (ت) في جميع الحالات، لأن (ت) يمكن أن يكون موجودًا في جميع التجارب وفي الوقت نفسه تكون (أ) سببًا لـ(ب).

٢. الشرط الثاني هو أنه في محور الجمع للقيم الاحتمالية لا يجب أن تُجمع كلها لإثبات قضية واحدة بشكل مباشر، بل يجب أن يكون بعضها موجهًا لقضية معينة وبعضها الآخر موجهًا لإثبات قضية أخرى. ثم تُستبعد هاتان القضيتان لتُحصل قضية ثالثة ومحور تُجمع فيه القيم الاحتمالية.

الشهيد صدر يطرح أربع شبهات على الشكل الأول ويرد على جميع هذه الشبهات (345 ـ 353)، ثم ينتقل إلى الشكل الثاني.

في الشكل الأول، كان العلم الإجمالي سببًا في زوال القيمة الاحتمالية لعضو من أعضاء علم إجمالي آخر. أما في هذا الشكل، فإن علمًا إجماليًا يُسبب محو القيمة الاحتمالية لأحد أعضائه، ومع ذلك لا يؤدي هذا إلى نفي أصل العلم الإجمالي أو إلى تفوق شيء لا يمتلك مبررًا للتفوق؛ لأن القيم الاحتمالية لأعضاء هذا العلم ليست متساوية[59]، وهذا ناتج عن تدخل العلم الإجمالي الثاني. هذا العلم الثاني يُخرج أعضاء العلم الأول من حالة التماثل؛ فمثلاً إذا رُميت عملة معدنية ذات وجهين عشر مرات، فإنها قد تأخذ 1024 = 2^10 ترتيبًا ممكنًا (العلم الإجمالي الأول)، واحتمال ظهور الوجه في كل عشر مرات يساوي 1/1024، مع أن ظهور الوجه عشر مرات متتالية أمر نادر، وهذا الندرة تُخرج أطراف العلم الإجمالي الأول من حالة التساوي، ولكن ليس لأن القاعدة العقلية في منطق أرسطو تقول: وقوع تصادمات متتالية مماثلة مستحيل، بل لأن ظهور الوجه أو الكتابة هو نتيجة لأسباب متعددة من نوع حالة الطقس وغيرها… وإذا كانت هذه الأسباب ثابتة دائمًا، فستكون النتيجة مماثلة، ولكن بما أن السبب متغير، فإن احتمال ظهور الوجه أو الكتابة في كل الحالات قليل جدًا.

 

لذا لدينا علمان: العلم الإجمالي الأول يحدد أنواع الترتيبات الممكنة لوجوه العملة، والعلم الإجمالي الثاني الذي يبيّن عوامل ظهور أو عدم ظهور وجه معين، وأعضاء هذا العلم أكثر من أعضاء العلم الإجمالي الأول، ولهذا السبب يتجمع احتمال كبير في العلم الإجمالي الثاني ضد بعض أعضاء العلم الإجمالي الأول ويخرجهم من حالة تساوي الاحتمالات. خروج الاحتمالات المتساوية وتجمع احتمال كبير في العلم الثاني ضد بعض أعضاء العلم الأول يؤدي إلى تضحية القيم الاحتمالية الصغيرة بالقيم الاحتمالية الكبيرة.

هنا يحتاج هذا الأمر إلى تفسير، فكمية العلم الإجمالي الأول توزع دائمًا بالتساوي على الأعضاء الرئيسيين للأطراف، فكيف تختلف قيم الاحتمالات بين بعضها البعض؟ ظهور الاختلاف يدل على أن هذا يجب أن يكون ناتجًا عن تدخل العلم الإجمالي الثاني، وهذا التدخل يتم بإحدى طريقتين:

١. مثلاً إذا درسنا ثلاثة أحداث عن طريق الاستقراء ورأينا أن حالة وجود هذه الأحداث أكثر من حالة عدم وجودها، فإن احتمال عدم وجود جميع الأحداث سيكون أقل من بقية الاحتمالات.

كمثال، إذا افترضنا أن الأسباب الصادقة في تقرير ما ضعف الأسباب الكاذبة، وكان لدينا ثلاثة تقارير، في هذه الحالة سيكون لدينا علمان إجماليان: العلم الإجمالي الأول يحتوي على ثمانية أعضاء في مجموعة أطرافه، وهذه الأعضاء هي حالات الصدق والكذب التي قد تحدث في هذه التقارير الثلاثة، ومن هذه الحالات هناك حالة واحدة فقط تكون فيها جميع الأخبار كاذبة. لو كان هذا العلم وحيدًا، لكانت قيم الاحتمالات للحالات الثمانية متساوية بلا شك، ولكن هناك علم إجمالي آخر يشمل الحالات الاحتمالية لعوامل صدق وكذب هذه الأخبار الثلاثة. وبما أن كل خبر يجب أن يكون مرتبطًا بأحد العوامل الثلاثة (عاملان صادقان وعامل كاذب واحد) حسب الفرض.

لذا، العلم الإجمالي الثاني يواجه ثلاث مجموعات:

١. مجموعة ثلاثية لعوامل الصدق والكذب في الخبر الأول

٢. مجموعة ثلاثية لعوامل الصدق والكذب في الخبر الثاني

٣. مجموعة ثلاثية لعوامل الصدق والكذب في الخبر الثالث

والعلم الإجمالي الثاني هو العلم بوجود عامل في كل من هذه المجموعات، مما يخلق 27 حالة، وفي حالة واحدة فقط من هذه المجموعات تكون جميع العوامل الثلاثة كاذبة، وفي 26 حالة أخرى يجب أن يكون على الأقل أحد الأخبار الثلاثة صادقًا.

وبهذا الشكل، يتدخل العلم الإجمالي الثاني في تغيير القيمة الاحتمالية لأطراف العلم الإجمالي الأول ويُخلّ بتساوي قيمها.

٢. بناءً على العلم الإجمالي الأول، نفترض حالات يكون احتمال وجودها وعدم وجودها متساويًا، وبناءً على العلم الإجمالي الثاني تكون قيمة بعض الحالات الممكنة التي تحمل عاملًا معاكسًا، والتي تظهر نتيجة العلم الإجمالي الثاني، أقل من بقية الحالات؛ فمثلاً إذا رُميت عملة معدنية عشر مرات، في كل مرة هناك احتمال أن يظهر الوجه أو الكتابة، وهذان الاحتمالان متساويان، ونتيجة ضرب كل احتمال ممكن في كل رمية مع الاحتمالات الممكنة في الرميات الأخرى ينتج 1024 حالة احتمالية تشكل أطراف العلم الإجمالي الأول، وجميع الاحتمالات متساوية، ولكن خلافًا للتوقع، ليست كل الاحتمالات متساوية، ومعناها أن هناك عاملًا آخر حاضرًا يفرق بين الاحتمالات ويُشكّل العلم الإجمالي الثاني.

منطق أرسطو يسمي هذا العامل بـ “قاعدة الصدفة”، وبموجب هذه القاعدة فإن اجتماع أعداد كثيرة من الصدف أمر مستحيل، فمثلاً إذا رميت العملة ألف مرة في الهواء، فلا يمكن أن تظهر الوجه نفسه في كل هذه الحالات.

أرسطو اعتقد أن هذه قاعدة عقلية، ولكن هنا لا يسود قانون عقلي، ولا ينشأ الابتعاد عن القانون العقلي، بل يجب البحث عن العامل في الخصائص الشرطية التي تميز كل حالة عن الحالات الأخرى، مثل حركة الهواء وطريقة الرمي ومسائل أخرى؛ ولهذا إذا كانت الظروف متشابهة، فستكون النتيجة متشابهة.

بناءً على ما ذكرناه، يمكننا إعادة صياغة قاعدة الصدفة بعد إزالة الزينة العقلية عنها على النحو التالي بطريقة جديدة:

أ. بلا شك، هناك فواصل بين كل فترة زمنية والفترة التي تليها، وبين كل حالة طبيعية وأخرى.

ب. بلا شك، هناك تناغم ضئيل بين فترتين زمنيتين وحالتين طبيعيتين.

ج. علمنا في الحالات السابقة يجعل احتمال تأثير تلك الفواصل على ما ينشأ من فترة زمنية معينة أو حالة طبيعية معينة أكبر.

د. إذا أدت الفترة الزمنية الأولى أو الحالة الطبيعية الأولى إلى ظاهرة معينة ولم نعرف سببها، فإن توقع أن تؤدي الفترة الزمنية التالية أو الحالة الطبيعية المتزامنة بالصدفة إلى نفس الظاهرة سيكون أقل بكثير من توقع أن تؤدي الفترة الزمنية التالية أو الحالة الطبيعية المتزامنة إلى نتيجة تختلف عن النتيجة الأولى.

نسمي قانون أرسطو الذي صغناه بهذه الصورة “قاعدة عدم التماثل”.[60] في قاعدة عدم التماثل، تدخل وتؤثر التباينات والعناصر المتغيرة في نشوء حدث يستلزم أن تختلف الأحداث من حيث الحالات، ولهذا السبب فإن احتمال تكرار حدث ما يساوي احتمال تدخل الجزء الثابت من التناغم وليس المتغيرات في خلق ذلك الحدث.

قاعدة عدم التماثل تجعل احتمال تكرار الصدفة أقل احتمالاً من أي احتمال آخر إذا كان التماثل المفترض تماثلاً حقيقياً وليس مصطنعاً؛ أي يدل على سبب مشترك، مثل أن يظهر الوجه نفسه في رمي العملة مرتين. معنى ذلك أن سبب ظهور الوجه في المرتين مشترك، وبما أن الأجزاء غير المشتركة أكثر، فإن ظهور الوجه في المرات الأخرى سيكون أضعف.

أما التماثل المصطنع فهو مثل أن يتنبأ شخص ما حتى المرة العاشرة بكل وجه ستظهره العملة، ويحدث ذلك بالفعل، فهذا التماثل ليس حقيقياً بل مصطنع.

قاعدة عدم التماثل تضعف مقدار احتمال تكرار الصدفة بشكل متماثل. كلما كان هذا التماثل بين الصدف المفترضة في هذا الاحتمال أوسع وأكثر دقة، كان تأثير قاعدة عدم التماثل في إضعاف هذا الاحتمال أكبر. وكلما كان التماثل الحقيقي بين الصدف المتماثلة أضعف، كان احتمال وجودها جميعاً أضعف.

4. المعرفة البشرية في منظور المدرسة الذاتية

حان الوقت الآن لقياس فعالية تفسير المدرسة الذاتية في علم المعرفة. لهذا الغرض، يقيم الشهيد الصدر مكانة علم المعرفة في منطق أرسطو ويكتب:

(المنطق الأرسطوي يعتمد على القضايا الستة التي تضمن اليقين وتجبر الإنسان على التصديق. مع أن هناك قضايا أخرى مثل القضايا المشكوك فيها، المشاهدة، المألوفة، المقبولة، الظنية، والمشبهة، التي وُضعت للاستدلال. الاستدلالات من النوع الأول تسمى برهاناً، والنوع الثاني جدلاً وخطابة.[61]

المبادئ الأولى في منطق أرسطو ليست مبادئ حقيقية للاستدلال، بل هي نفسها مستنتجة. الشهيد الصدر، بعد هذه التمهيدات والمقدمات، يقيم نظرية المنطق الأرسطوي في مجال علم المعرفة وكيفية طرق تحصيل المعرفة. يوضح أنه في تأمل عميق، ترجع القضايا التجريبية، الحدسية، المتواترة، والمحسوسة التي تُعتبر قضايا أولى إلى هذه القضية الأساسية التي تقول إن الصدفة النسبية ليست قابلة للتكرار المتتابع، وهذه القضية كما نوقشت سابقاً استدلالياً، لها جذور في الاستقراء، وليست قضية عقلية سابقة، وثبات الرسائل يعتمد على قبول الاستقراء ويستند إلى نظرية الاحتمالات. حتى الإيمان بوجود العالم الخارجي ووجود الصانع وتفسير القضية الأولى والفطرية يمكن إثباتها بمساعدة الاستقراء وحساب الاحتمالات.

الشهيد الصدر يستثني قانون عدم التناقض والمبادئ الحاكمة على الدليل الاستقرائي من بين وضوحيات وجهة نظر الاحتمالات، ويكتب:

لا يمكن إثبات هذه القضية والمبادئ بالدليل الاستقرائي، بل يجب اعتبارها أموراً أولية ثابتة؛ لأنه قبل أن نفترض قانون عدم التناقض من البداية، كيف يمكننا جمع الاحتمالات على محور واحد؟ وهذا الجمع يعتمد على أن كل احتمال يمكنه نفي نقيضه.[62]

الشهيد الصدر لا يرى تعارضاً بين اعتبار القضايا الأولية قابلة للتفسير والاستدلال وكونها أولية. يميز بين القضية الأولى والقضية الاستقرائية في ثلاثة أمور:

 

1. القضية الاستقرائية تتضح وتثبت أكثر مع ظهور أدلة وأمثلة جديدة، أما القضية الأولى فلا.

2. الأدلة المتنوعة تخفض مكانة القضية الاستقرائية، لكنها لا تؤثر على القضية الأولى.

3. القضية الاستقرائية لا تصبح مطلقة أبداً بحيث تكون صحيحة في كل مكان، بل صدقها خاص بالعالم الخارجي، وهو العالم الذي جرى فيه الاستقراء، مثل القضية: (النار تحرق) التي استُنتجت بالاستقراء في العالم الخارجي وصحيحة فيه فقط، أما القضية التي تقول (لا يجتمع نقيضان معاً) فهي قضية صحيحة في كل من العالمين، الذهني والخارجي، ولا يقتصر صدقها على العالم الخارجي.[63]

القضايا النظرية، حسب رأي الشهيد الصدر، قابلة للاستدلال من خلال الدليل الاستقرائي. ففي أحد الأجزاء الأخيرة من الكتاب، يبحث في وجود أو عدم وجود المعرفة العقلية السابقة استنادًا إلى آراء مدرستين عقليتين وتجريبيتين، ويقارن بين وجهات نظر المدرستين المذكورتين في مجال قضايا العلوم الطبيعية والرياضية والمنطقية. ومن خلال توضيح شمولية المنطق الاستقرائي وإثبات أن مبادئ دليل الاستقراء، التي تشمل جميع الاستدلالات العلمية القائمة على التجربة والاختبار، قد تم التوصل إليها عبر الاستقراء الذي يمتلك أسسًا منطقية واضحة، يُنهِي نظريته المعرفية، ويفسر تنظيم المعرفة من خلال الاستقراء الذي استُند إلى أسس منطقية واضحة، وهو المنهج الذي يربط بين الدين والعلم.

 

 

[1]. (علم المعرفة الفلسفي) اختيار وترجمة عبد الكريم سروش 232/ معهد الأبحاث طهران.

[2]. (الأسس المنطقية للاستقراء) الشهيد محمد باقر صدر 1314/ دار التعارف للمطبوعات بيروت.

[3]. المرجع نفسه 20/.

[4]. المرجع نفسه 23/.

[5]. المرجع نفسه 27/ ـ 28.

[6]. المرجع نفسه 34/ ـ 35.

[7]. المرجع نفسه 35/ ـ 36.

[8]. المرجع نفسه 36/.

[9]. المرجع نفسه 36/ ـ 37.

[10]. المرجع نفسه 42/ ـ 43.

[11]. المرجع نفسه 44/ ـ 45.

[12]. المرجع نفسه 48/ ـ 49.

[13]. المرجع نفسه 51/.

[14]. المرجع نفسه 51/ ـ 56.

[15]. المرجع نفسه 56/ ـ 57.

[16]. المرجع نفسه 58/.

[17]. المرجع نفسه 59/ ـ 61.

[18]. المرجع نفسه 63/ ـ 64.

[19]. المرجع نفسه 64/ ـ 65.

[20]. المرجع نفسه 70/.

[21]. المرجع نفسه.

[22]. المرجع نفسه 70/ ـ 71.

[23]. المرجع نفسه 71/.

[24]. المرجع نفسه.

[25]. المرجع نفسه 72/.

[26]. المرجع نفسه 73/.

[27]. المرجع نفسه 74/.

[28]. المرجع نفسه.

[29]. المرجع نفسه 80/ ـ 81.

[30]. المرجع نفسه 83/.

[31]. المرجع نفسه 83/ ـ 84.

[32]. المرجع نفسه 86/ ـ 88.

[33]. المرجع نفسه 87/ ـ 88.

[34]. المرجع نفسه 87/.

[35]. المرجع نفسه 88/.

[36]. المرجع نفسه 89/.

[37]. المرجع نفسه 89/ ـ 95.

[38]. المرجع نفسه 101/ ـ 102.

[39]. . المرجع نفسه 102/.

[40]. المرجع نفسه 103/ ـ 105.

[41]. المرجع نفسه 105/.

[42]. المرجع نفسه 106/.

[43]. المرجع نفسه 108/.

[44]. المرجع نفسه 117/ ـ 118.

[45]. المرجع نفسه 123/ ـ 124.

[46] المرجع نفسه 123/ ـ 124.

[47]

[48]. المرجع نفسه 157/.

[49]. المرجع نفسه 165/ ـ 166.

[50]. المرجع نفسه 177/ ـ 178.

[51]. المرجع نفسه 223/ ـ 224.

[52]. المرجع نفسه 234/ ـ 235.

[53]. المرجع نفسه 316/ ـ 318.

[54]. المرجع نفسه 333/.

[55]. المرجع نفسه 335/.

[56]. المرجع نفسه 335/ ـ 336.

[57]. المرجع نفسه 373/.

[58]. المرجع نفسه 339/.

[59]. المرجع نفسه 355/.

[60]. المرجع نفسه 361/.

[61] . المرجع نفسه 372/ ـ 381.

[62]. المرجع نفسه 437/.

[63]. المرجع نفسه 439/ ـ 440.