مباحث من كتاب تعاليم الشهيد آية الله الصدر السياسية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مباحثی از کتاب آموزه سیاسی شهید آیت‌الله صدر(رض) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: آیت‌الله سید محمدباقر حکیم
ترجمة: سيد محسن حكيم
المصدر: فصلنامه حکومت اسلامی، العدد الأول، ربيع ٧٧

القسم الأول: الأسس النظرية للتعليم السياسي للشهيد الصدر

الشورى والحزبية

بدأ الشهيد آية الله العظمى الصدر(رض) تعليمه[1] السياسي من نقاط فقهية وعملية متعددة:

1 من وجهة نظر الشهيد آية الله العظمى الصدر(رض) لم يكن هناك دليل واضح على كيفية تشكيل الحكم الإسلامي. فبدأ بكتابة نص حول تكوين التصور السياسي، ناقش فيه جميع الأشكال الخاصة لتشكيل الحكم الإسلامي التي يذكرها الفقهاء، سواء كانت الأحاديث الدالة على ولاية الفقيه المطلقة أو دليل الحسبة[2] الذي اعتبره دليلاً ناقصاً لتلبية جميع احتياجات الحكم الإسلامي في العصر الحاضر. أذكر أنه بعد إعداد هذا الكتيب عرضته على أحد فقهاء النجف الأشرف المعروفين، آية الله الشيخ حسين الحلّي، الذي أبدى إعجابه به، رغم أن النتائج والاستنتاجات لم تكن متطابقة مع آرائهم.

2 استخدام آية الشورى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) التي تدل على إمكانية إقامة الحكم الإسلامي على أساس قاعدة الشورى، بحيث يشكل الحكم وإقامة الدولة أمراً مهماً من أمور المسلمين ولا يمكن تجاهله بأي حال، لأن التهاون وتجاهل هذا الأمر الجوهري يهدد أصل الدين وسيطرة الكفار وعقائدهم على المجتمع الإسلامي.

وفقاً لقاعدة الشورى يجب العمل برأي الأغلبية، لأن الإجماع في الأمور الاجتماعية أمر نادر. وهذا يعني أن إقامة الحكم على أساس الشورى تعني العودة إلى رأي الأغلبية، وإلا تصبح آية الشورى غير قابلة للتطبيق ولا تحمل مدلولاً عملياً.[3]

3 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الإسلام والدين من أهم الواجبات الإسلامية، وإذا لم يكن هناك منهج محدد وإطار سياسي عام لهذه الدعوة، فإن إمكانية استخدام أي طريقة فعالة في هذا المجال تصبح ممكنة، ويمنح المسلمين القوة والقدرة اللازمة لتحقيق هذا الهدف أو السعي لأداء هذا الواجب الإسلامي.

في هذه الحالة، يصبح من الممكن طرح طريقة (التنظيم الحزبي) كأفضل طريقة تجريبية توصل إليها الإنسان في عملية النشاط السياسي. بحيث تكون هذه الطريقة ممارسة عملية معروفة اتبعت في المجتمعات البشرية (الحضارة الغربية والشرقية). كما أن هذه الطريقة أثبتت تأثيرها عملياً.

4 يلعب الفقهاء دوراً مهماً في التعليمات والتاريخ الإسلامي. من الناحية النظرية يظهر هذا الدور بوضوح في استنباط الأحكام الشرعية وفي القضاء الإسلامي.

أما بالنسبة للتاريخ الإسلامي، فيجب القول إن الأمة كانت على اتصال عملي وواقعي، خاصة بين أتباع أهل البيت(ع)، مع الفقهاء، وأصبح هذا الاتصال بحيث تعتبر الأمة الفقهاء مقدسين وتتفاعل معهم كنواب الإمام(ع) وحكام على الناس والشريعة. هذه حقيقة عقائدية وتاريخية لا يمكن عملياً فصلها عن النشاط السياسي حتى وإن افترضنا نظرياً التفريق بين المرجعية في الفتوى والقيادة السياسية. بناءً على ذلك، يجب منح هذا الدور المهم في التصور النظري للنشاط السياسي لهم.

 

القيادة الحقيقية والقيادة الظاهرية

 

عند دمج هذه النقاط الأربع، ندرك إمكانية تأسيس حزب إسلامي يدعو إلى الإسلام كجوهر نشاطه، وينظم تجمع المسلمين ضمن نطاق عمله، ويأخذ في الاعتبار الدعوة لإقامة الحكم الإسلامي على أساس الشورى والديمقراطية التعددية ضمن إطار وضوابط إسلامية عامة، ويكون للفقهاء في هذا الحزب والحكم الإسلامي دور خبراء في المسائل النظرية الإسلامية، كما يُرجع إلى الخبراء في المجالات العلمية الأخرى.

كما تُدار شؤون البلاد بواسطة خبراء متخصصين في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والمالية وغيرها تحت إشراف فقهاء يجب أن يعملوا في مجال تخصصهم لضمان صحة الخط الإسلامي في هذه المجالات، دون أن يكون لهم دور خاص كفقهاء في قيادة الإدارة الإسلامية. هذا هو البعد النظري للمسألة، أما من الناحية العملية والواقعية، فهناك إمكانية الاستفادة من القدرات الهائلة التي يتمتع بها المراجع والحوزات العلمية، وكذلك الإمكانيات الواسعة في الدعوة والتوعية والعلاقة التقديسية التي منحها الشعب لهؤلاء الفقهاء. يتم ذلك عبر التسليم الشكلي لقيادة الأمة إلى العلماء ودمج وتنسيق بين التنظيم الخاص والأفراد اليقظين والمستنيرين في الحوزة والمرجعية الواعية بحيث يكونوا دعاة للخط الفكري الإسلامي الأصيل، مما يحول التقديس الإسلامي بين الأمة وكذلك تعبئة جميع القوى لخدمة هذا النشاط الإسلامي.

هذه النتائج التي توصل إليها آية الله العظمى الصدر(رض) تدل، حسب الحال، على شرعية الحزبية؛ بالطبع إذا ما قُبلت من قبل الأمة ككل أو من قبل مجموعة من الأمة بالاعتبار الذي أشارت إليه آية الشورى، بحيث يكون من جهة إشراف الأمة ورقابتها وصلاحيتها في أداء النشاطات الحزبية، ومن جهة أخرى يكون للأمة حرية اختيار التعددية الحزبية والتنظيمات السياسية أو اختيار أي طريقة أخرى تراها مناسبة لحركتها وأهدافها وقيمها.

هذا الفهم من التعاليم المذكورة يعني أن الشارع المقدس لم يحدد طريقة معينة للعمل السياسي، بل ترك تحديد الطريقة لاختيار الإنسان؛ مع افتراض أن طريقة العمل الحزبي هي أفضل طريقة توصل إليها الإنسان في العصر الحاضر. لذلك، عندما يصل الإنسان في ظروف معينة أو بعد دراسة التاريخ البشري إلى طريقة وأسلوب أفضل، يجب عليه اختيار تلك الطريقة. هذه النقطة تمثل ضعفًا مهمًا في هذا التعليم، لأنه من المفترض أن الإسلام الذي اعتبر جميع القضايا الموجودة في الكون والمجتمع وحدد لها الأحكام، كيف يغفل عن تحديد هذه النقطة المهمة في حياة الإنسان، ولم يحدد طريقة عامة للعمل السياسي، ولم يجعل هذه النقطة (نقطة فراغ) تُحدد بواسطة الظروف والتطورات.

نقطة أخرى هي أن التاريخ الذي شرحه القرآن الكريم عن سيرة وأداء الأنبياء لم يشِر إلى مثل هذه الطريقة الحزبية، بل ظهر في طريقة عامة مشابهة، وهي طريقة النبوة والإمامة والدعوة.[4]

 

وجهة نظر آية الله العظمى الحكيم(قده) حول النشاط السياسي

 

كانت وجهة نظر وطريقة آية الله العظمى الحكيم(قده) مختلفة عن وجهات النظر والمعتقدات العملية للشهيد آية الله العظمى صدر(رض)، لكن اختلاف الرأيين لم يكن اختلافًا عمليًا في هذه المرحلة، ويمكن ربط سبب هذا الاختلاف بعدة أمور:

أ- في البداية، لم تكن الخصائص النظرية واضحة تمامًا، بل بعد الدخول في مرحلة العمل بدأت زوايا الظلام تتضح تدريجيًا.

ب- طبيعة عصر آية الله العظمى الحكيم(قده) كانت عملية وعامة في مواجهة الخطوط الفكرية والسياسية للكافر أو المنحرف، وكانت القضايا ذات طبيعة مشتركة. كما أنه في ذلك العصر لم يكن هناك تنظيم حزبي خاص له ظهور خارجي واضح يمكنه أن يلعب دورًا وتأثيرًا مهمًا في مجريات الأحداث. بالطبع، كانت أفكار وتنظيمات هذا الحزب سرية، وكانت تمر بمراحل التأسيس وبناء الكوادر. بالإضافة إلى ذلك، كان كوادر هذا التنظيم مرتبطين بشكل عام من حيث التقليد والأداء الثقافي والسياسي العام بمرجعية آية الله العظمى الحكيم(قده).

ج- سعة الصدر والإخلاص والأخلاق السامية التي كان يتمتع بها آية الله الحكيم والشهيد صدر رحمهما الله تعالى.

يمكن تلخيص نقاط الاختلاف بين حضرة آية الله العظمى الحكيم والشهيد صدر في الأمور التالية:

1- ولاية الفقيه:

من وجهة نظر آية الله العظمى الحكيم(قده)، الولاية للفقيه محدودة في بعض الجوانب استنادًا إلى (دليل الحسبة) وبعض النصوص الأخرى في بعض الحالات.[5] وضرورة إقامة الحكم الإسلامي كانت للحفاظ على الكرامة الدينية والعزة والعقيدة للمسلمين، وكان الفقيه هو الدليل المؤكد الذي يتولى ذلك. وكان يقوم بهذا الدور عمليًا في حدود القضايا التي يستطيع الفقيه الوصول إلى تنفيذها.

2- المرجعية الدينية:

هذه المرجعية هي أفضل إطار لأداء النشاطات الإسلامية، وبناءً عليه كان آية الله العظمى الحكيم(قده) يرفض تأسيس تنظيم خاص كأساس أساسي لأداء النشاطات السياسية، لكنه كان يؤيد بشكل عام الحزب المنظم، لأنه كان يعتبره من الأسس والمكتسبات الإسلامية، وكان يرى إمكانية قيامه بدور، وإن كان محدودًا، في خدمة الإسلام، مع أنه كان يتعامل مع هذا الموضوع بحذر.

3- طلاب الحوزة العلمية والوكلاء هم الحلقة الطبيعية التي تربط الأمة بالقيادة الإسلامية المتجسدة في الفقيه الجامع للشرائط. أما الأحزاب السياسية والجمعيات ذات الأهداف المتعددة، فهناك إمكانية لأداء هذا الدور بين بعض الفئات المحددة مثل طلاب الجامعات والموظفين وما شابه ذلك.

4- استقلال المرجعية:

كان يؤكد على استقلال المرجعية عن التنظيم الخاص (الحزب) وأصالتها وضرورة بقائها وقدسيتها ونقائها بعيدًا عن كل ظن وشك وهم قد يطول عمل الحزب. ومن هنا نفهم لماذا طلب آية الله العظمى الحكيم(قده) من ابنه الشهيد السيد مهدي الحكيم(ره) وكذلك من الشهيد صدر(رض) الخروج من التنظيم الحزبي.[6] وكان يبرر ذلك بارتباط هذين الشخصيتين الكبيرتين به، ولهذا السبب لم ير ارتباطهما بالتنظيم الحزبي صحيحًا، لأنه في هذه الحالة قد يكون لارتباطهما بالحزب آثار سلبية على المرجعية.

5- السرية:

بحسب اعتقاد آية الله العظمى الحكيم(قده)، لا ينبغي أن تكون القيادة سرية ضمن إطار المجموعة المرتبطة بها، لأنه في هذه الحالة يحتمل أن تكون القيادة معرضة للانحراف أو التأثير الخارجي عبر اتصالات مشبوهة وفاسدة. وقد عبر عن هذا الأمر بإيجاز في أحد الاستفتاءات قائلاً: إذا كانت القيادة سرية فلن يكون من الممكن اتباعها، لأن القيادة الذكية يُخشى منها، والقيادة غير الذكية يُخشى عليها [حتى لا تنحرف]. وهذا التصور هو نتيجة نقطة نظرية قيمة مرتبطة بالرواية المشهورة والمتواترة التي تقول: (من مات ولم يعرف إمامه فقد مات موتة جاهلية). ومن هذا الحديث يُفهم أن معرفة الإمام من قبل المأمومين موضوع أساسي في التعليم الإسلامي.

وقد استخلص آية الله العظمى الحكيم(قده) هذه النقطة الدقيقة من خلال تجربته السياسية ومعاناته ومتابعته للقضايا منذ ثورة الدستور في إيران وحركة الجهاد ضد الإنجليز في العراق وثورة عام 1920 في ذلك البلد، وأخيرًا القضايا السياسية الأخرى حتى سقوط الملكية في العراق (1958). فإذا كان القائد معروفًا في كل زمان، فإنه يكون تحت نظر مجموعة (المؤمنين)، وهذا بحد ذاته ضمان قوي لعدم انحرافه، وفي حال الانحراف ستتعرف الأمة الإسلامية على انحراف القيادة بسرعة. وكذلك الأمر بالنسبة لتفاصيل الحركة الإسلامية التي تُدار بقيادة وتكون تحت ضوء الرأي العام.

في أواخر نظر آية الله العظمى صدر(رض) التقى برأي حضرة آية الله العظمى الحكيم(قده)، وسنشير إلى هذا الاشتراك في الرأي من الناحية النظرية والتطبيقية.

أدى هذا الاختلاف في وجهات النظر إلى حدوث انفصال نسبي في الحركة السياسية بين موقف المرجعية والإطار الإسلامي الذي تربى في أحضان التنظيم الحزبي، والذي كان مرتبطًا في نشاطاته العامة بالمرجعية، وسنبحث هذا الانفصال في الجزء التالي.

ومن النتائج الأخرى لهذا الانفصال النسبي، ظهور ضعف في البنية العامة للمرجعية، التي كانت في بعض الأحيان تعتمد على كوادر هذا التنظيم الحزبي في النشاطات العامة.

وكان هذا الضعف ناتجًا عن التداخل في البنية التنظيمية (المرجعية والتنظيم الحزبي) التي كان لها آثار سلبية على النشاطات العامة، وقد أدرك الشهيد آية الله العظمى صدر(رض) هذا الأمر جيدًا.

 

التشكيك في المجلس والحزبية

 

المسألة الجديدة التي واجهها الشهيد آية الله العظمى صدر(رض) كانت التشكيك في دلالة آية الشورى على الحكم الإسلامي من خلال الشبهة التي طرحتها هذه الجهة في زمن تكوين هذا المبدأ، ورغم أنه في البداية رد على هذه الشبهة، إلا أن صحة هذه الشبهة ظهرت له لاحقًا. وهذه الاعتراضات موثقة ضمن مجموعة من المراسلات التي تم جمعها ومتاحة.[7]

وقد أدى هذا التشكيك في دلالة آية الشورى إلى التشكيك في صحة عمل الحزبية بمعناها العام عند الشهيد آية الله العظمى صدر(رض). وكان رأيه في ذلك الوقت أن هذه الكلمة لا معنى لها إلا إذا كانت تتضمن تصورًا كاملاً للحكم الإسلامي وطريقة تنفيذه. وبالتالي، إذا لم يكن هناك مبدأ يتضمن الحكم الإسلامي وأطره ومؤسساته بشكل واضح، فكيف يمكن أن يُنشأ تنظيم يسعى لهذا الهدف دون أن تكون خصائص الهدف نفسه واضحة وجلية.

وعلى هذا الأساس، ابتعد الشهيد الكبير عن تنظيم حزب الدعوة[8]. لكنه في الوقت نفسه كان يؤمن بضرورة وأهمية وجود نشاطات سياسية إسلامية منظمة، وبناءً عليه كان لا يزال يؤيد النشاطات السياسية (الخاصة) إلى حد ما، وقد سمح لحزب الدعوة بالرجوع إلى فتاوى بعض الفقهاء، من بينهم عمه (الشيخ مرتضى آل ياسين) أو غيرهم، لحل مشكلتهم الشرعية.

وفي الوقت ذاته، ركز الشهيد الكبير نشاطاته العامة على أداء المرجعية من خلال مرجعية آية الله العظمى الحكيم(قده)، وكذلك على الاهتمام الجوهري بإنشاء حوزة علمية نشطة وحيوية، وتربية الطلاب والمبلغين، وتنظيم هذه الحوزة، ومن أمثلة ذلك إشرافه على مدرسة العلوم الإسلامية في النجف الأشرف، التي أسسها آية الله العظمى الحكيم.

 

تعليمات ولاية الفقيه والمرجعية

 

بعد فترة، توصل الشهيد الكبير إلى أن وثيقة التوقيع المعروفة للإمام المهدي(عج) صحيحة وموثوقة: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله). كما استنبط من هذا التوقيع دلالة على ولاية الفقيه، بينما يستنبط بعض الفقهاء الآخرين من هذا الحديث فقط دلالة على صحة وجواز التقليد من المجتهد في الفتاوى الشرعية؛ بحيث يفسرون الرجوع إلى الفقيه في مسألة الفتوى فقط، أما الشهيد الكبير فقد استنبط من عبارة (الرجوع إلى الفقيه) الرجوع إلى الفقهاء في أمور الولاية أيضًا (بقرينة (الحوادث الواقعة)).

وبالطبع، فإن تبني تعليمات ولاية الفقيه من الناحية الفقهية يعكس تقدمًا خارجيًا في المبدأ السياسي للشهيد صدر(رض). ومن هنا نرى أن الشهيد الكبير قام بمراجعة في أولوية الكلمات النظرية السياسية في الأمة وكذلك في حقيقة أداء المرجعية، مما أدى إلى الوصول إلى الأولويات التالية:

1) المرجعية الموضوعية، وهو المنهج الذي يعبر فيه الشهيد الكبير عن رأيه حول التركيب الذاتي للقيادة والمؤسسات ودورها في الأمة. بحيث يعتبر المرجعية الموجودة في المجتمع الإسلامي في هذا العصر ذات دور قيادي، ويتجلى ذلك في الفتوى والشؤون السياسية والاجتماعية المرتبطة بالولاية.

ورغم أن المرجعية الدينية، من منظور واقعي وعملي، تتحمل هذا الدور إلى حد كبير في حركة الأمة، وهذا الأمر حماها من خطر الانحراف، وبذلك تمكنت من أداء قيادتها في القضايا المهمة، إلا أن هذه القيادة يجب أن تتقدم ذاتيًا نحو الكمال لكي تتمكن من أداء دورها بشكل أفضل بما يتناسب مع الظروف والأحوال بعد سقوط الدولة الإسلامية (الإمبراطورية العثمانية) بعد الحرب العالمية الأولى وطبيعة تطور العلاقات بين أفراد الجماعات الشعبية والإسلامية. ويتم تحقيق هذا التطور الذاتي بتحويل المرجعية من الحالة الذاتية التي تقوم عليها إلى:

أ) المرجع كشخص يتمتع بصفات علمية وأخلاقية، بالإضافة إلى اعتباره للأوضاع والعلاقات الاجتماعية التي تنمو معه.

ب) المؤسسة الخاصة به (محيطوه).

ج) الوكلاء والأشخاص الموثوق بهم، الذين يتشكلون وفق هذه الظروف والأحوال، إلى الحالة الموضوعية التي تُنظر فيها المرجعية كمكانة ومؤسسة تعمل داخل الأمة، وكذلك كمؤسسة ذات استمرار وشمولية وافتراضات قيمية ونظرية خاصة بها، بالإضافة إلى قدرتها على القيادة.

وكان يعتقد أن هذا التحول يحتاج إلى توفر الظروف الموضوعية المناسبة، وكذلك إلى فترة زمنية محددة وجهود مستمرة في هذا الاتجاه، وأن المرحلة التي تمر بها المرجعية (أي مرحلة ما بعد إقامة الدولة الإسلامية) والظروف الحالية لها أكثر توافقًا مع المرجعية الذاتية منها مع المرجعية الموضوعية. وبالطبع، هذا الأمر صحيح إذا لم يحدث تقدم مهم في وضع المجتمع والمرجعية، بحيث تظل المرجعية (الموضوعية) تعبيرًا عن هدف أداء المرجعية في طريق الكمال.[9]

2) المرجعية الموضوعية ليست مجرد المرجع والقائد أو المؤسسة الخاصة به (أتباع المرجع)، بل تشمل معنى أوسع وتشمل منظمة واسعة النطاق بالإضافة إلى المرجع الذي يدل على مكانة القيادة، وكذلك المؤسسة الخاصة التي تمثل أتباع ومستشاري هذه المرجعية، وأيضًا المؤسسة الإدارية التنفيذية لتنفيذ مهام وأنشطة المرجعية التي يجب أن تستمر وتبقى من خلال الارتباط بالمنظمة وليس بالشخص المرجع والقائد الحوزوي والوكلاء (العلماء) والمبلغين. كما يجب أن يكون لجميع أفراد الأمة اتصال مباشر بهذه المرجعية ومؤسساتها.

3) من الضروري أن يكون الإطار العام للنشاط السياسي داخل الأمة هو نفس الإطار العام لمؤسسة المرجعية التي سُعي لإنشائها (بطبيعتها) منذ البداية لتتحول إلى مؤسسة ذات صفة (موضوعية) بناءً على ما ذُكر في العدد الأول والثاني، وذلك في حال توفرت الشروط والظروف اللازمة لتحقيق ذلك. ومن هنا يظهر ضرورة تطوير وتقدم الحوزة العلمية والوكلاء والمبلغين والمؤسسات الأخرى للمرجعية، وكذلك أهمية إعطاء الاهتمام للمساجد والتكايا والمدارس العلمية والمؤسسات الإسلامية لجذب هذه الأنشطة.

4) هذا الإطار السياسي ليس ظاهرة جديدة في تاريخ النشاط السياسي البشري، بل هو في الواقع امتداد لنشاط الأنبياء والرسل والأئمة الأطهار(ع). هذا التعليم يعبر عن الخطاب الإسلامي في خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، حيث يُعتبر المرجع في الحقيقة ممثلًا لامتداد طريق الأنبياء والأئمة(ع).[10]

5) الحركة الإسلامية تمثل مؤسسة في الساحة الإسلامية تشبه باقي المؤسسات الفعالة والمؤثرة داخل الأمة. العلاقة بين القيادة (المرجعية) والحركة الإسلامية (التنظيم الخاص) هي علاقة وصاية من قبل (القيادة) على (الحركة الإسلامية)، حيث يتجلى ضرورة دعم المرجعية للحركة الإسلامية في إطار دعم كافة الوظائف الإسلامية في الساحة الحالية. وبالطبع فإن هذه القيادة ملزمة بأداء هذا الدور المزدوج. الهدف من ذلك أن هذه المؤسسة (الحركة الإسلامية) لها دور خاص، وهو دور الكادر المتوسط الذي يمتلك خبرة ومهارة نسبية. هذا الوضع هو وضع متقدم ومتطور في النشاط العام للأمة نحو الإسلام وأهدافه وكذلك إقامة الحكم الإسلامي.

الأمة الإسلامية مضطرة لوضع نشاطها ضمن الإطار العام الذي تعمل فيه المرجعية واتباع المرجعية لكي تؤدي الدور الخاص أو النشاط الخاص المتناسب مع الظروف الملائمة بأفضل وجه.

الحركة الإسلامية (التنظيم الخاص) ليس من الضروري أن تقتصر على شكل واحد أو حزب شامل يشمل جميع أفراد الأمة أو بعضهم، بل يمكن أن تتشكل بأشكال ومؤسسات متعددة ومتنوعة سواء من حيث التكوين أو من حيث الأهداف التطبيقية والمحدودة والمؤقتة التي تنشئها هذه الحركة لتحقيق الهدف العظيم والأصيل والعام الذي تسعى القيادة الإسلامية لتحقيقه.[11]

6) الأمة تتحمل دور الحارس تجاه المرجعية، كما أن للأمة حق اختيار المرجع بواسطة الوسائل الشرعية. وذلك بأن تلعب الأمة دورًا فاعلًا في اختيار المرجع من خلال معرفة الخصائص التي شرحها الفقهاء في رسائل العملية (توضيح المسائل). يتم هذا الاختيار إما بشكل طبيعي وتدريجي كما في اختيار التقليد أو الرجوع إلى المرجع المتعارف عليه، أو من خلال انتخابات خاصة في الوقت الذي تمتلك فيه الأمة هذه الإرادة (الانتخابات).

وبذلك تتضح خصائص التعليم السياسي من وجهة نظر الشهيد آية الله العظمى صدر(رض). في هذا التعليم، المرجع (ولي الفقيه) هو المحور الأساسي في هذا النشاط والعلاقات السياسية، لأنه من جهة يتولى قيادة الحركة ومن جهة أخرى يملك عملية الرقابة الفكرية والسياسية، وهو في الواقع ممثل محور الولاية السياسية لبقية فئات الأمة، وتعمل مؤسسات المرجعية داخل الأمة من خلال الوظائف العامة والخاصة.

الوظائف العامة: نشاط المساجد، التكايا، المدارس، وغيرها…

الوظائف الخاصة: النشاط في تربية العلماء، المبلغين، المتفقهين والنخب، إنشاء تنظيمات إسلامية ذات أهداف محدودة أو مؤقتة (أحزاب، جمعيات وحركات).

ومن الخصائص الأخرى لهذا التعليم عند الشهيد آية الله العظمى صدر(رض) أنه حاول التوفيق بين ولاية الفقيه وتعليم الشورى من خلال النقاط التالية:

1- انتخاب ولي الفقيه بواسطة الأمة والرقابة العامة (من الأمة) على نشاطه السياسي.

2- وجود مستشارين ملزم الفقيه بأخذ رأيهم ضمن إطار المرجعية الذاتية وحتى المرجعية الموضوعية.

3- مؤسسات المرجعية التي يجب أن يتم اختيارها أو تأسيسها بواسطة المرجع كمؤسسات فاعلة داخل الأمة. ويتم تأسيس هذه المؤسسات بناءً على اختيار طبيعي أو تشريعي.[12]

[1] تعلّم: نظرية، أطروحة، عقيدة، تعليم.

[2] دليل الحسبة هو الدليل الذي يستعين به الفقهاء في إثبات ولاية الفقيه، سواء في الشؤون العامة مثل ولاية الشخص الحكيم وإدارة المسائل الأمنية وتحديد المواقع لتلك الأمور المذكورة، أو في الشؤون الخاصة مثل الولاية على الأوقاف والأيتام أو القاصرين… في حال كانت الحالة تقتضي وجود الولي بحيث ثبت في الشرع الشريف اهتمام الشارع بهذه المسائل إلى درجة القطع واليقين بضرورة وجود الولي وعدم جواز الإهمال في حل هذه المسائل، مثل حفظ النظام والدفاع عن العقيدة الإسلامية وحفظ أموال القاصرين… في هذه الحالة يقوم الفقهاء باختيار الولي الذي يمتلك أفضل الصفات، وهو المجتهد العادل الجامع للشروط. وعند فقدان هذا الشخص بهذه الصفات تنتقل الولاية إلى شخص أقل منه في الصفات المذكورة، وهكذا حتى تصل إلى عدول من المؤمنين أو المتصدين للولاية في حال عدم وجود من يتولى ذلك.

[3] شرح أركان الدولة الإسلامية التي كتبها الشهيد الكبير مستنداً إلى قاعدة الشورى وبالاستدلال عليها، وقد ناقشت هذا الموضوع في كتابي (الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق).

[4] في هذا المجال تم إعداد بحث مستقل سيُطبع إن شاء الله في المستقبل، مع أن بعض فصوله نُشرت في صحيفة (لواء الصدر) تحت عنوان (التعليم الإسلامي في الفاعلية السياسية). ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن المقصود بالتعليم المرجعي هو نفس تعليم (الولاية) أو (الإمامة).

[5] الحسبة مصطلح فقهي يقصد به الضرورة والوجوب في تولي بعض الأعمال التي يُتيقن عدم رضا الشارع المقدس عن تركها أو تفويضها للغير، مثل إدارة شؤون الأيتام والأوقاف التي لا ولي لها، وكذلك إقامة نظام للحياة الاجتماعية وتنفيذ الواجبات العامة كما ذُكر سابقاً.

[6] كان هناك سبب آخر لخروج الشهيد الصدر(رض) من التنظيم الحزبي، وسنشير إليه بالإضافة إلى هذا الطلب.

[7] كتب الشهيد الكبير في شهر محرم 1380هـ.ق. رسالة لي، وكنت حينها في لبنان، أشار فيها إلى هذا الموضوع. الرسالة محفوظة لدي الآن. أورد هنا بعض مواضيع تلك الرسالة: (… منذ أسبوعين أو أكثر، ظهرت لي مشكلة أثناء مراجعة مبادئ الأحكام الشرعية. خلاصة المشكلة هي توقفي عند الآية (وأمرهم شورى بينهم) التي هي أهم تلك المبادئ، وبدونها لا يمكن إطلاقاً العمل على تنفيذ تلك المبادئ. سبب المشكلة المذكورة أمران أو أكثر، أهمها أنني لا أستطيع الرد على الاعتراض الذي قدمته على الاستدلال بالآية الكريمة، رغم أنني قد رددت على اعتراضك آنذاك، لكن الآن أصبح واضحاً لي خطأ ذلك الرد…) (… وإذا كان هناك إشكال، فإن موضوعنا الشرعي هذا سيتغير جذرياً. تمر بي لحظات أشعر فيها أكثر من أي وقت بضرورة ظهور الفرج وقيام المهدي عليه الصلاة والسلام. وأواصل التوسل إلى الله تعالى ليهديني إلى حقيقة الموضوع وحل المشكلة. لكنني من جهة أخرى أخاف وأرتعب أن يدفعني شهوى نفسي إلى حل المشكلة، وأن يدعوني تصحيح ادعاءاتي الأولية إلى القيام بهذا العمل. على كل حال، حالتي النفسية مضطربة جداً في حل هذه المشكلة، ولا بد من التوسل إلى الله فقط. أكتب لك هذا الأمر يا صديقي الذي فداك روحي لتساعدني في التأمل لحل هذه المشكلة وتحديد موقفنا الأساسي تجاه هذا الموضوع…)

[8] جاء هذا التشكيك في دلالة آية الشورى بالتزامن مع طلب آية الله العظمى الحكيم(قده) منه الانسحاب من (حزب الدعوة) إثر حادثة معروفة أشرت إليها في بعض كتبي. والسبب الشرعي الحقيقي للانسحاب من (حزب الدعوة) كان التشكيك في صحة نشاط الحزب كما ذُكر، بالإضافة إلى وجود مصلحة رآها آية الله العظمى الحكيم(قده). وكان الشهيد الكبير يشعر نفسياً وأدبياً بأنه ملزم بالاستجابة لهذا الطلب. وقد عبّر عن ذلك في بعض رسائله الخاصة التي أشرت إليها في الحاشية السابقة.

[9] تم تدوين ملخص لأفكار الشهيد الصدر حول الموضوع المذكور بواسطة آية الله السيد كاظم الحائري عند طرح هذا الموضوع، وقد كتبت عليه هامشاً، ثم كتب الشهيد الكبير هامشاً آخر عليه. في هذا الملخص تم شرح وتوضيح بعض الأفكار المطروحة.

[10] للاطلاع أكثر على خصائص هذا التعليم راجع المصادر التالية: كتيب (المرجعية الموضوعية) وكذلك كتيب (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء) وأيضاً كتيب (الدستور الجمهوري الإسلامي الإيراني) من تأليف آية الله العظمى صدر(رض).

[11] بل أعتقد أن التنظيم الخاص (الحزبي) ما دام أن الحركة الإسلامية تحتفظ بمكانة القيادة الإسلامية والإطار العام في العمل الإسلامي، فهو غير صحيح.

[12] للاطلاع أكثر على خصائص وخلفية هذا التعليم، راجع هذا العمل للشهيد الصدر: (الإسلام يقود الحياة) وكتيب (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء) (ص167 172). وكذلك كتيب (العلاقة بين الشورى والولاية) (ص10 14) من نفس القلم.