ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شهید صدر و نظریه تفسیر متن ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: أحمد واعظي
مقدمة
للفروع المختلفة للمعارف الدينية علاقة عميقة ولا تنفصم مع مسألة «النص» وفهمه وتفسيره. فالمعارف الثلاثة: الفقه، والكلام، وتفسير القرآن، منخرطة على نطاق واسع في مسألة فهم النص. بخلاف تفسير القرآن الذي يعتمد كليًا على فهم النص، فإن حجمًا كبيرًا من الأحكام الفقهية والقضايا الكلامية هي معارف تستند إلى مضامين وموضوعات النصوص المقدسة؛ مع ذلك، فإن بعض الاستدلالات الفقهية والكلامية ليست نتاج فهم مباشر للآيات والأحاديث، ولا يؤثر فهم النص فيها تأثيرًا مباشرًا.
إن ارتباط المعارف الدينية بفهم وتفسير النص يبرز ضرورة وجود علم تمهيدي (يُنقح فيه المبادئ والضوابط والقواعد الحاكمة لفهم النص)، وهذه الضرورة يمكن أن تُدرج في فرع من العلوم كتمهيدات للتفسير أو تمهيدات للكلام أو تمهيدات لعلم الفقه. ولكن في العالم الإسلامي، تقليديًا، تُطرح المسائل المتعلقة بفهم النص غالبًا وبشكل رسمي في «علم الأصول» الذي له دور تمهيدي وآلي بالنسبة لعلم الفقه، مع أن بعض المسائل المتعلقة بالألفاظ وفهمها تظهر عرضيًا في علم المنطق وأحيانًا في تمهيدات بعض التفاسير. ومع ذلك، فإن التقليد السائد هو أن تُدرس مسائل فهم النص في علم أصول الفقه، وقد خصصت هذه المسائل دائمًا جزءًا مهمًا من علم الأصول.
بين الغربيين، كان علم «الهيرمينوطيقا» في بداياته يتولى هذا الدور. ففي القرن السابع عشر ظهر علم الهيرمينوطيقا كفرع من المعرفة يقوم بدور تمهيدي ومساعد للعلوم القائمة على تفسير النص. وفي كل فرع من العلوم، كانت تُكتب كتب إرشادية باسم الهيرمينوطيقا تتناول فيها المبادئ والقواعد والأساليب لفهم نصوص ذلك الفرع.
ومع مرور الزمن، تعزز الرأي القائل بعدم الحاجة إلى تأليف كتب إرشادية لكل فرع من العلوم، وأنه يمكن جمع قواعد فهم النص العامة في علم واحد يُسمى الهيرمينوطيقا، الذي يحتوي على منهج فهم وتفسير أي نص. ولم يبق الهيرمينوطيقا في تاريخه عند هذا الحد، بل ظهرت فيه مدارس واتجاهات متنوعة تتطلب دراسة مفصلة في مكان آخر.
رغم التحولات العديدة التي طرأت على نطاق ومسائل الهيرمينوطيقا، ظل موضوع فهم النص محط اهتمام جميع المدارس والاتجاهات الهيرمينوطيقية. وقد أدى هذا الاهتمام إلى طرح أسئلة متعددة وجديدة، وظهور نظريات تفسيرية حديثة، بحيث يجب على كل نظرية أو وجهة تفسيرية أن تقدم إجابات مناسبة لهذه الأسئلة الجديدة، وأن تنظم نظريتها التفسيرية الشاملة بطريقة تقدم تفسيرًا واضحًا لظاهرة فهم النص، وكذا تحليل طبيعة فهم النص وكشف أبعاده المختلفة.
في هذه الدراسة، نسعى إلى تعداد أهم الأسئلة التي طرحت اليوم في الهيرمينوطيقا حول ظاهرة فهم وتفسير النص، ورسم نظرية التفسير عند الشهيد الصدر، وتحليل العديد من هذه الأسئلة بناءً على هذه النظرية. ومن الجدير بالذكر أن نظرية التفسير عند الشهيد صدر هي الرؤية السائدة والمقبولة لدى أصولييّنا، والميزة الوحيدة للشهيد السعيد هي أنه أولى اهتمامًا أكبر لبعض الدقائق والنقاط المتعلقة بمسألة فهم وتفسير النص، وبيّن النظرية التفسيرية المقبولة والمطلوبة من العلماء الدينيين بوضوح أكبر.
في دراسة آراء الشهيد صدر، اعتمدنا على كتاب بحوث في علم الأصول، الذي يحتوي في سبعة مجلدات على دورة كاملة من تقارير دروس الخارج في أصوله.
تفسير النص والأسئلة الجديدة
الهيرمينوطيقا المعاصرة التي نمت وتطورت في القرن العشرين طرحت العديد من الأسئلة أمام عملية فهم النص. هذه الأسئلة عامة وتشمل أي نوع من النصوص سواء الأدبية أو القانونية أو التاريخية أو الدينية. هذه الأسئلة ترسم في الواقع أبعادًا يمكن طرحها في نظرية تفسيرية. يجب على كل نظرية تفسيرية أن تقدم إجابة واضحة لهذه الأسئلة لكي تُعتبر نظرية عامة في باب التفسير وفهم النص.
هنا نذكر بعضًا من هذه الأسئلة دون ترتيب منطقي للأسبقية والتأخير:
١ ـ ما الهدف من الرجوع إلى النص وفهم تفسيره؟ هل نحن في بحث عن قصد المؤلف ونريد أن نفتح طريقًا إلى عالمه الذهني ونعيد بناء ذهني له؟ أم هل يمكن تجاهل المؤلف والمتكلم والنظر إلى النص كواقع مستقل ومتميز عن المؤلف والخالق، الذي يقف أمامنا ويتحدث إلينا، وأن نفسر ونفهم النص بغض النظر عن ذهن المؤلف وقصده؟ بمعنى آخر، هل يمكن اعتبار النص ظاهرة ناتجة عن ترتيب خاص للكلمات، قابلة لتفسيرات متعددة، وقصد المؤلف هو مجرد قراءة واحدة من القراءات الممكنة لهذه الظاهرة، وبالتالي لسنا ملزمين بالبحث عن فهم تفسير المؤلف لهذا النص، بل يمكننا أن ندخل في حوار مع النص ونصل إلى فهم مختلف ومتناقض مع فهم المؤلف؟
٢ ـ ما دور المفسر في فهم النص؟ هل هو سلبي تمامًا، مستمع فقط، يحاول أن يدرك نداء النص من خلال معرفة معاني الكلمات والقواعد الأدبية؟ أم أنه يتدخل بنشاط ويشارك في بناء معنى النص، حيث تلعب عناصره الذهنية دورًا في رسم محتوى رسالة النص؟
وفقًا لبعض النظريات التفسيرية، المفسر ليس مراقبًا محايدًا، بل تلعب ذهنه دورًا مهمًا في عملية فهم النص، والمعرفة بعلم اللغة والقواعد الأدبية والعقلائية الحاكمة على التفاهم ليست العناصر الوحيدة المشاركة في فهم النص، بل المفسر نفسه وظروفه الذهنية تلعب دورًا في تحديد محتوى النص.
٣ ـ هل تدخل المعارف السابقة للمفسر في عملية فهم النص؟ هل يمكن الوصول إلى فهم نقي وخالٍ من الشوائب للنص؟ هل يمكن بحذف تدخل المعارف والافتراضات الذهنية للمفسر أن نصل إلى فهم نقي وخالٍ من الشوائب للنص؟
يعتقد بعض المنظرين في التفسير أن الفهم بشكل عام، وفهم النص بشكل خاص، دائمًا ما يكون مشوبًا بالافتراضات والمعارف السابقة للمفسر، وأن الفهم من دون هذه المعارف السابقة غير ممكن أساسًا. في الواقع، كل التفاسير والفهم هي تفسير بالرأي، ولا يمكن وجود فهم من دون تفسير بالرأي.
٤ ـ من أين تنشأ سوء الفهم وسوء التفسير للنص؟ هل مصدر سوء الفهم والتفسير الخاطئ للنص هو ذهن المفسر وخطأ وصحة معارفه الذهنية، أم أن هناك أسبابًا وعوامل أخرى يمكن بها تفسير ظاهرة تُسمى «سوء الفهم»؟
٥ ـ هناك فجوة تاريخية بين المفسر والنص. النصوص الدينية والكلاسيكية عادةً ما تكون ذات قدم تاريخي كبير. كيف نعلم أن ما يفهمه المفسرون يتوافق مع المحتوى والمعنى الحقيقي لهذه النصوص؟ قد يكون الفهم الذي لدى المفسر الآن للنص متأثرًا بالثقافة والتقليد الفكري لعصره، وهذا التقليد الفكري قد يختلف عن التقليد الفكري الذي كان موجودًا في زمن تدوين وتكوين النص. بعبارة أخرى، السؤال هو كيف تُسد الفجوة التاريخية بين المفسر والنص، وكيف نصل إلى فهم موضوعي للنص؟
يرى فريق أن هذه الفجوة لا يمكن سدها أبدًا، وأن أفق وسياق المعنى لدى المفسر يختلف عن أفق وسياق المعنى لدى النص، وأنه لا سبيل إلى إدراك يتوافق مع واقع سياق وأفق المعنى للنص، وأن الفهم الموضوعي والمتوافق مع واقع النص مستحيل.
٦ ـ ما هو الظهور اللفظي وكيف ينشأ وما هي مكانته ودوره في مسألة فهم النص؟
هذه الأسئلة، التي تُعد من أهم الأسئلة المطروحة في باب فهم النص، لم تتلق إجابات موحدة ومتشابهة، ولهذا لا نواجه نظرية تفسيرية واحدة. هنا نسعى إلى تصوير نظرية التفسير لدى الشهيد الصدر، التي تتوافق مع الرؤية المقبولة والشائعة لدى علماء أصول الفقه، لنجد في ظلها إجابات واضحة لهذه الأسئلة. نتابع عرضًا موجزًا لنظريته التفسيرية من خلال دراسة خمسة جوانب:
١ ـ دور الظهور اللفظي في فهم النص
العلاقة بين اللفظ والمعنى ووجود الدلالة اللفظية من النقاط الرئيسية والمهمة جدًا في نظرية فهم النص عند علماء أصولنا. يبدأ فهم النص بإدراك الظهور اللفظي الذي ينبع من علاقة اللفظ بالمعنى. العلاقة بين اللفظ والمعنى التي تنبع من وضع كل لفظ لمعنى أو معانٍ خاصة، تمهد لإمكانية استخدام الألفاظ لتفهيم المعنى والمقصود. نتيجة لهذا الاستخدام، تبرز جهتان: الأولى تتعلق بالمخاطب والمستمع [المفسر] وتُسمى «الدلالة» و«الظهور». والجهة الثانية تتعلق بالمتكلم والمؤلف وتُسمى «الاستعمال».[۱]
الظهور الدلالي أحيانًا يكون ناشئًا عن الوضع الخاص للفظ للمعنى، ويسمى دلالة الألفاظ على المعنى الحقيقي. في هذا النوع، الألفاظ تشكل الدلالة والظهور الكلامي بشكل مباشر ومباشر دون تدخل وسيط أو قرينة. وأحيانًا تدل الألفاظ على معانٍ مجازية، وهذه الدلالة ليست ناشئة عن الوضع، بل تتأتى بتأثير وجود قرائن وأدلة.
بطبيعة الحال، اللفظ مرتبط بالمعنى الحقيقي الذي وُضع له، وفي مقام الدلالة يكون الظهور في المعنى الحقيقي. العلاقة والارتباط بين اللفظ والمعنى المجازي يكون في سياق ارتباط اللفظ بالمعنى الحقيقي، فكل معنى مجازي مسبوق بمعنى حقيقي، والعلاقة بين المعنى الحقيقي واللفظ علاقة مباشرة ومباشرة ولا تحتاج إلى وجود وسيط، بينما العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي وتشكيل دلالة الكلام على المعنى المجازي تحتاج دائمًا إلى وسيط وقرينة. لذلك، دلالة اللفظ على المعنى (سواء كان المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي) تعود إلى نوع من السبب والعلّة؛ أي وجود اللفظ الذهني سبب لوجود المعنى الذهني. هذا السبب في الاستعمال الحقيقي يتحقق بسبب وضع الألفاظ للمعاني، وفي الاستعمال المجازي بمساعدة قرينة ترافق استعمال اللفظ للمعنى.[۲]
كل كلام له دلالات وظهورات ثلاث:
١ ـ «الظهور التصوري» الذي يتشكل في الذهن عند سماع ومشاهدة اللفظ بناءً على الوضع، حتى لو كان الناطق غير عاقل.
٢ ـ «الظهور التصديقي الاستعماري» الذي يدل على إرادة المتكلم والمؤلف في إبلاغ المعنى والمفهوم التصوري إلى ذهن المخاطب. شرط تحقق هذه الدلالة وجود متكلم ومؤلف عاقل ذو قصد وإرادة.
٣ ـ «الظهور التصديقي الجدي» الذي يدل على أن المتكلم والمؤلف لم يكن يقصد المزاح أو الهزل، وأنه قصد المعنى والمفهوم الكلامي بجدية. هذه الدلالة التصديقية أخص وأضيق من الدلالة التصديقية السابقة؛ لأن في بعض الحالات، مثل الهزل، يوجد الظهور التصديقي الأول دون وجود قصد جدي للمعنى المقصود.[۳]
كما أن هناك ثلاث أنواع من الظهور والدلالة في جانب السامع والمخاطب، هناك أيضًا ثلاث أنواع من الإرادة في جانب المتكلم ومفهوم الاستعمال:
١ ـ «الإرادة الاستعمالية» التي بدون وجودها لا يصدق الاستعمال، والمقصود بها إرادة التلفظ باللفظ من حيث أن اللفظ بطبيعته وصورته مؤهل لإحداث صورة المعنى في الذهن.
٢ ـ «الإرادة التفهيمية» التي تعني إرادة تفهيم المعنى بواسطة اللفظ وإبلاغه بالفعل إلى ذهن المخاطب. الفرق بين الإرادة التفهيمية والإرادة الاستعمالية هو أن إبلاغ المعنى وتفهيمه في الإرادة الاستعمالية يكون شأنًا وضرورة، أما في الإرادة التفهيمية فهو بالفعل. في الإرادة الاستعمالية يكون اللفظ فقط جاهزًا ومهيأً لإبلاغ المعنى إلى ذهن المخاطب، أما في الإرادة التفهيمية فهناك قصد تفهيمي بالفعل.
٣ ـ «الإرادة الجدية» التي توجد فقط في الحالات التي يُستعمل فيها الجملة التامة، وهي أخص من حالات الإرادة التفهيمية. الشخص الهازل لديه إرادة تفهيمية دون أن يكون لديه إرادة جدية.[۴]
الظهور الناشئ عن الكلام هو حجة وموثوق به، وأساس ومرجع هذه الموثوقية والحجية هو قاعدة ومنهج عقلي يُسمى «أصالة الظهور». هنا يطرح سؤالان: أولاً، ما المقصود من هذا الأصل العقلي، وأي ظهور ودلالة من بين الثلاثة أنواع للظهور هو الحجة والموثوق به؟ وثانياً، من أي باب تأتي حجية الظهور، ولماذا يعتبر العقلاء ظاهر الكلام حجة؟
١ ـ ١ ـ أصالة الظهور
في مناقشة أنواع الظهور والدلالة، صورنا ثلاثة أنواع من الظهور للكلام. من وجهة نظر الشهيد صدر، محتوى أصالة الظهور هو حجية وموثوقية تطابق بين مدلول التصوري للكلام والمدلول الاستعماري والمراد الجدي للكلام.[۵]
الحقيقة أن نتيجة ارتباط الألفاظ والمعاني، الألفاظ بطبيعتها تكشف عن المعاني الاستعمارية المقصودة، أي أن الألفاظ تحمل ظهوراً تصديقيًا أوليًا. الكشف عن الألفاظ من هذا الظهور التصديقي الأولي أمر ظني وغير قطعي. من أين تأتي موثوقية هذا الظن والكشف؟ ولماذا يمكننا أن نثق بهذا الظن ونعتبر مدلول التصور الكلامي هو المقصود التفهيمي للمتكلم؟ هنا نلجأ إلى قاعدة عقلية تُسمى أصالة الظهور لإثبات موثوقية هذا الكشف والظن عند العقلاء. إذن، موضوع وأصل أصالة الظهور في هذه المرحلة من الفهم هو الظهور والدلالة التصديقية الاستعمارية.
من ناحية أخرى، بطبيعة الحال، الظهور التصديقي الاستعماري يكشف ظنيًا عن كون المعنى جديًا عند المتكلم؛ والدليل على ذلك هو أنه في المحادثات والتفهيم والتفاهم، عدم تطابق الظهور التصديقي الاستعماري مع المراد الجدي يحتاج إلى قرينة ودليل، وإلا فمن الطبيعي أن يكون قصد المتكلم في التفهيم هو ما يعنيه بجدية، وبما أن هذا الكشف ظني فهو بحاجة إلى دليل للحجية والموثوقية. هنا أيضًا، للمرة الثانية، نلجأ إلى أصالة الظهور كأصل عقلي؛ أي أن العقلاء يعتبرون هذا الظن موثوقًا ومن وجهة نظرهم الظهور التصديقي الاستعماري يكشف عن المراد الجدي. وفق هذا التفسير، موضوع وأصل أصالة الظهور الثاني هو الظهور والدلالة التصديقية الجدية. لذلك، في كل كلام، تُستخدم أصالة الظهور في مرحلتين.
وفق هذا التحليل، مستند حجية الظواهر هو سيرة العقلاء. فهم بطبيعتهم العقلية في مقام التفهيم والتفاهم لا يكتفون بالتصريحات والنصوص فقط، بل يعيرون اهتمامًا لظواهر كلام بعضهم البعض ويعتبرونها علامة على كشف المراد الجدي للمتكلم. الشهيد صدر(رحمه الله) يؤكد على أن العمل بالظواهر ومحتوى هذه السيرة العقلية (أصالة الظهور) ليس تعبدًا عمليًا محضًا من جانبهم، بل هو بناء على معيار الكشفية والطريقية الموجودة في الظهور.[۶]
دلالة الظهور في مقام الكشف عن المراد تقوم على الغلبة النوعية؛ أي أن المتكلمين عادة يستخدمون الألفاظ في معانيها الحقيقية إلا إذا وُجدت قرينة تدل على العكس.[۷]
المراد الجدي هو أمر واقعي، والظهور كشف واقعي وغير تعبدي عنه. درجة هذا الكشف ليست قطعية ويقينية، لكنها ظنية غالبًا ما تصيب في كشفها عن المراد الجدي. الغلبة النوعية لتطابق هذا الظن مع الواقع (المراد الجدي) تجعل العقلاء عمومًا يتغاضون عن احتمال عدم كشف الظهور للواقع واحتمال الخطأ في فهم المراد عبر الظهور، ويعتمدون على اعتبار دائم للظن الناشئ عن الظهور، وهذا البناء العقلي هو حجية الظهور (أصالة الظهور).
٢ ـ ١ ـ الظهور الذاتي[۸] والظهور الموضوعي[۹]
في تقسيم ما، يُقسم الظهور إلى ذاتي وموضوعي. الظهور الذاتي يُسمى أيضًا الظهور الشخصي، كما يُسمى الظهور الموضوعي الظهور النوعي. من المسائل التي اهتم بها الشهيد صدر أكثر من غيره، والتي يمكن اعتبارها من ابتكاراته الأصولية، هي مسألة ما إذا كان الظهور الشخصي هو موضوع ومحور أصالة الظهور، أم أن موضوع اعتبار الظهورات هو الظهور النوعي والموضوعي للكلام؟
المقصود بالظهور الذاتي هو الظهور الذي ينشأ في ذهن كل فرد من مواجهة النص والكلام، والمقصود بالظهور الموضوعي هو الظهور الذي يتفق عليه أهل العرف والمحاورة في فهمه؛ كأن أفراد ذلك العرف اللغوي يفهمون ذلك الكلام والنص بشكل موحد.
الظهور الشخصي قد لا يتطابق مع الظهور النوعي؛ لأن الشخص دائمًا معرض لتأثير الظروف والعلاقات والثقافة والانشغالات الفردية الخاصة به. هذا التأثير يؤدي إلى تشكل انس ذهني خاص في ذهن الشخص قد يختلف أحيانًا عما يفهمه العرف ونوع الناس، فيصبح الظهور الذاتي مختلفًا عن الظهور الموضوعي.
الظهور الذاتي أمر نسبي، ولهذا يختلف بين الأفراد المختلفين. سر نسبيته هو أنه لا وجود لواقع سوى ما يتشكل في أذهان الأشخاص، وتنوع أذهان الأشخاص يؤدي إلى تعدد وتنوع الظهور الذاتي والشخصي، في حين أن الظهور الموضوعي حقيقة مطلقة وثابتة. الظهور النوعي هو حقيقة يجب علينا السعي لفهمها وتمييزها، وقد نصل إليها بعد جهدنا. في الواقع، جهد المفسر والمخاطب موجه لفهم الظهور النوعي بشكل صحيح.
سر ثبات وواقعية هذا الظهور هو أن هذا الظهور المشترك عند أهل العرف هو نتاج قوانين ثابتة ومحددة مقبولة لديهم في مقام المحاورة والتفهيم والتفاهم. لذلك، الظهور الموضوعي هو ظهور يتشكل عند نوع معين من الأفراد في لغة معينة، وهو حقيقة يبحث عنها المخاطب والمتكلم، وبسبب ثباته وواقعيته، الشك في صحة الوصول إليه شك معقول؛ لأن المخاطب والمفسر قد لا يحقق الظهور النوعي وقد يخطئ في الوصول إليه.[۱۰]
عدم التطابق وعدم التناغم بين الظهور الشخصي والظهور النوعي يمكن أن يكون لأحد السببين التاليين:
أ) أن الشخص لم يطبق جميع النقاط اللغوية ودقائق القوانين المحاورية، وبالتالي لم يتمكن من تحقيق الظهور النوعي.
ب) تأثره بالظروف الثقافية والوظيفية وما شابه ذلك، فتتشكل لديه انس ذهني خاص يشكل حجابًا في طريق فهم الظهور النوعي.
لا شك أن ما هو موضوع أصالة الظهور هو الظهور الموضوعي والنوعي للكلام؛ لأن حجية واعتبار الظهور من حيث الكشف عن المراد الجدي وظهور حال المتكلم. طريقية وقيادة الظهور نحو إدراك حال المتكلم ومراده الجدي هي وجه ودليل اعتبار الظهور عند العقلاء، ومن الواضح أن الظهور الشخصي لا يمكن أن يمتلك هذه الطريقية والكشفية، فضلاً عن أن ظاهر حال المتكلم هو ما يتبع قوانين اللغة والعرف العام، لا أن يؤسس إفادة المقصود ومراده على أساس عرف خاص وانس ذهني للأفراد والأشخاص؛ لأن الظهور الشخصي نسبي ومتغير ولا يخضع لضوابط. أساساً، لا يمكن للمتكلم بطبيعته أن يكون مطلعاً على خصائص الظهورات الذاتية والشخصية ليبني تفهيمه وبيانه لمراده على أساسها.[۱۱]
والحقيقة أن ما يقع في متناول كل مفسر ومخاطب في المرحلة الأولى هو الظهور الشخصي؛ أي ما ينتج في ذهن كل شخص من مواجهته للنص. والسؤال هو كيف يمكن إثبات الظهور الموضوعي وبأي طريقة يمكن الانتقال من الظهور الشخصي إلى الظهور النوعي؟
يرى الشهيد الصدر (ره) أن الظهور الموضوعي يمكن إثباته بطريقتين: الطريقة الأولى، التمسك بالإثبات التعبدي، والطريقة الثانية، اللجوء إلى الإثبات الوجداني. المراد بالطريقة التعبدية هو التمسك بسيرة العقلاء. الظهور الذاتي والشخصي بحد ذاته علامة وكاشف عن الظهور الموضوعي، وهذا الكشف والاماراة ظنية؛ لأن احتمال عدم التطابق والاختلاف بين الظهور الشخصي والظهور النوعي موجود. سيرة العقلاء تقوم على الاعتناء بالظهور الشخصي ونفي احتمال تأثر الظهور بالانس الذهني والشخصي، فطبع العقلاء الأولي هو الثقة بالظهور الشخصي وطريقية وكشفية ذلك من الظهور النوعي، ولا يتم التخلي عن هذا البناء العقلي إلا بوجود أدلة كافية على عدم تطابق الاثنين. نسمي هذا الأصل العقلي «أصالة التطابق» بين الظهور الشخصي والنوعي.[۱۲]
الطريقة الثانية هي التمسك بالإثبات الوجداني والمنهج التحليلي. وفقاً لهذا المنهج، يُنظر إلى الظهور الشخصي لدى أفراد متعددين في ظروف وأحوال مختلفة. في حال توافق وتطابق هذه الظهورات الشخصية، فإن احتمال أن تكون هذه الظهورات الشخصية ناتجة عن انس ذهني وشخصي للأفراد يُضعف، وفي المقابل يُقوى احتمال أن يكون منشأ هذا الظهور المشترك هو تطبيق القوانين العامة للمحادثة وارتباطها الحقيقي بين اللفظ والمعنى، لا أن تكون القرائن الشخصية والانس الذهني هي أساس هذا الظهور؛ لأن في هذه الحالة لا يكون الظهور الشخصي متطابقاً، واختلاف الثقافة والعلاقات الفردية والصراعات الشخصية يؤدي إلى اختلاف الظهور الشخصي.[۱۳]
٣ ـ ١ـ حجية الظهور النوعي لزمان النص
قيل إن ما هو موضوع الحجية والاعتبار هو الظهور الموضوعي، والظهور الشخصي والذاتي بحد ذاته لا اعتبار له إلا إذا كان كاشفاً عن الظهور الموضوعي. في الواقع، الظهور الموضوعي هو ذهن العرف العام الذي يعيش فيه المفسر والمخاطب. والسؤال الذي يطرح نفسه هو أنه ربما لا يكون عرف عام زمان المفسر مطابقاً لعرف عام زمان صدور الكلام والنص، فكيف نعتبر الظهور النوعي لعرف زمانه هو نفسه الظهور النوعي لزمان صدور النص؟
روح هذا السؤال هو احتمال زوال الظهور النوعي لزمان تكوين النص والكلام وتحوله وانتقاله إلى الظهور النوعي لزمان المخاطب والمفسر. يجب دراسة كيف يمكن دفع هذا الاحتمال للتغيير والانتقال.
يقدم الشهيد الصدر جوابين على هذا السؤال: الجواب الأول، الذي ليس خالياً من الغموض، يقوم على ادعاء بقاء الوجدان الظهوري الشخصي الفعلي. الظهور الشخصي للفظ في مرحلة الدلالة التصورية هو كاشف عقلياً عن الظهور النوعي للفظ، وبما أن هذا الظهور الشخصي لم يزَل وجدانياً ولا يزال قائماً، فإن احتمال انتقال وزوال الظهور الموضوعي يُستبعد.[۱۴]
الجواب الثاني للشهيد الصدر، الذي ينسبه إلى المحققين من الأصوليين، يقوم على أصل عقلي يسمى «أصل عدم النقل». مضمون هذا الأصل، المعروف أيضاً بالاستصحاب القهقري، هو تثبيت ظاهر الكلام في الأزمنة السابقة. ومن الجدير بالذكر أن احتمال تغير الظهور النوعي ليس دائماً ناشئاً عن احتمال تغير في المعنى الوضعي والحقيقي للألفاظ أو نقل المعنى الحقيقي للفظ إلى معنى آخر؛ لأن الظهورات السياقية والتركيبية للكلام التي تتشكل بناءً على القرائن المتصلة واللبية والارتكازات العقلائية معرضة أيضاً لاحتمال التغير، مع أن سبب احتمال التغير والتحول في هذه الحالات ليس وقوع نقل في المعاني الحقيقية للألفاظ، بل احتمال تغير الارتكازات والملابسات والفضاء الثقافي للعرف يؤدي إلى احتمال وقوع تغير في الظهور السياقي النوعي للكلام. لذلك يقترح الشهيد الصدر أن نستخدم بدلاً من «أصل عدم النقل» مصطلح «أصل الثبات في الظهورات» وأن نعتبر مضمون سيرة العقلاء في هذا الباب أوسع من التغير في المعنى الوضعي للألفاظ. على كل حال، النقطة العقلائية في هذا الأصل والسيرة العقلائية هي ندرة وقوع النقل والتغير وبطئه بحيث لا يلاحظ الإنسان العرفي، رغم معرفته وخبرته، تغيراً محسوساً في اللغة واللسان من هذه الناحية.
الدليل على وجود مثل هذا الأصل والسيرة بين العقلاء هو أنهم يولون اهتماماً كبيراً لوثائق الوقف والوصايا والعهود والمواثيق القديمة وما شابهها، وفي قراءة وفهم هذه الوثائق يكتفون بالظهور الموضوعي لهذه الوثائق في الوقت الحاضر ولدى متولي الوقف والوصية والمفسر لهذه النصوص، رغم أن الفاصل الزمني بين متولي الموقوفات وقراء هذه النصوص وزمان صدورها وتكوينها قد يكون كبيراً.[۱۵]
٢ ـ هدف فهم النص
الرأي السائد في علم الأصول هو أن الهدف من الرجوع إلى النص وتفسير وفهم الكلام هو إدراك المراد الجدي للمتكلم (ذلك المعنى النهائي الذي قصد إفادته وتفهيمه). سعي المفسر وقارئ النص في تطبيق قواعد المحاورة والدقة في مضامين الكلام هو الوصول إلى ذلك المعنى النهائي للنص الذي يشكل مدلول التصديق الجدي للكلام.
إذا قسمنا تاريخ التأويل إلى ثلاث مراحل: الكلاسيكية، والرومانسية، والفلسفية التأويلية، فإن الهدف من تفسير وفهم النص من وجهة نظر علماء أصول الفقه يتوافق مع رؤية التأويل الكلاسيكي والرومانسي. فقد كان علماء التأويل في هاتين المرحلتين يؤكدون دائمًا أن الهدف من فهم النص والكلام هو إدراك رسالة المؤلف والمتكلم.
وعند المقارنة، فإن المنهج السائد في علم الأصول للوصول إلى هذا الهدف يتناسب أكثر مع المنهج المتبع في التأويل الكلاسيكي، ويبتعد أكثر عن التأويل الرومانسي؛ لأن علم الأصول يولي اهتمامًا كبيرًا لضرورة الوصول إلى ظهور نوع من الكلام من خلال تطبيق قواعد عامة للفهم والمحادثة والدقة في مضمون الألفاظ، في حين أن التأويل الرومانسي، الذي كان “شليرماخر” و”ديلتاي” من مؤسسيه، يرى أن التفسير النحوي (القواعدي) للنص والكلام غير كافٍ، بل يحتاج إلى نوع من التنبؤ والتخمين الحدسي المبني على التعاطف مع المؤلف.
فنوع من علم النفس الجماعي والسعي لاختراق العالم الداخلي والذهني للمؤلف والمتكلم عبر التعاطف ووضع النفس في موقعه وفضائه، يُعتبر شرطًا ضروريًا للوصول إلى هدف التفسير. ومن هذا المنطلق، يُشدد على ضرورة معرفة الحياة الفردية للمؤلف وخصائص تاريخه وزمانه، واهتماماته وانشغالاته، وكلما اقتربنا من المؤلف وفهمنا فضاءه الفكري وقضاياه وصراعاته، ازداد احتمال التعاطف، وتيسّر اختراق حياته الداخلية، وأصبح الهدف من التفسير أكثر سهولة في الوصول إليه.
في علم الأصول، لا نشهد مثل هذا التأكيد على التعاطف وفهم الأجواء السائدة في زمان المتكلم وذهنه. فإذا كان فهم سياق نزول الآية أو شأن النزول في حد ذاته يلعب دورًا كقرينة متصلة في تشكيل ظهور الكلام، فإنه يُؤخذ بعين الاعتبار، وإلا فإنه يبقى مجرد تخمين وافتراض، وهو تخمين لا يُعتبر وسيلة موثوقة في تحديد المراد الجدي. يجب أن يتم فهم المراد الجدي والاقتراب من هدف التفسير عبر مسار ظهور الكلام، ولا يمكن أن يكون التعاطف سوى تخمين شخصي طالما لم يؤكده ظهور الكلام.
في التأويل الفلسفي، يكون الهدف من التفسير مختلفًا تمامًا ومتميزًا عن فهم علم الأصول للنص والكلام. فالهدف في التأويل الفلسفي ليس الوصول إلى مراد المؤلف، بل الدخول في حوار معنوي مع النص. يُنظر إلى النص والكلام كمستقلين، بغض النظر عن المؤلف والمتكلم، ويصبح طرف الحوار هو المفسر والقارئ، والتفسير والفهم هما نتاج هذا الحوار. في هذا التصور، لا يكون القارئ والمفسر مجرد مراقب للمحتوى والمضمون عبر فهم ظهور النص، بل عنصرًا فاعلًا تدخل وجهة نظره وقراءته وفهمه السابق في ناتج هذا الحوار، وهو فهم النص.
٣ ـ تأثير المعارف السابقة في عملية الفهم
نظرًا لأن الهدف من فهم النص هو الوصول إلى المراد الجدي للمتكلم والمؤلف عبر تنقيح الظهور الموضوعي، فإن ذهنية ورؤى المفسر الخاصة لا تساعد فقط في فهم النص، بل أحيانًا تعيق الوصول إلى المراد الجدي. ومع ذلك، فإن عملية فهم النص ليست خالية من بعض المعلومات والمعارف السابقة للمفسر، وهذه المعارف السابقة غير المستمدة من النص تُستخدم كمعينات لفهم النص. ولشرح ذلك، من الضروري ذكر أنواع المعارف السابقة المتعلقة بفهم النص. يمكن إجمالًا تقسيم المعارف التي ترافق القارئ للنص إلى خمس فئات. بعض هذه المعارف السابقة يمكن أن يكون لها تدخل مقبول ومعقول في عملية الفهم، بينما تدخل بعضها الآخر يكون غير مبرر ومخل بعملية الفهم:
١) المعارف الأداتية التي تلعب دورًا تمهيديًا في عملية فهم النص. فالإلمام ببعض القواعد الأصولية، وعلم المنطق، والقواعد الأدبية، واللغة، وقواعد المحاورة والتفاهم العقلائي تُعد من المعارف “الأداتية السابقة” التي لا تحدد محتوى النص، بل هي أدوات للوصول إلى فهم محتوى النص. هذه المعارف لا تفرض محتوى على النص، ولكن من دون الإلمام بها، يصبح مسار وصولنا إلى فهم رسالة النص مشوشًا.
٢) المعارف التي تؤثر في إثبات أصل الظهور للكلام. بعض هذه المعارف تتعلق بالثوابت العقلائية المحيطة بالكلام، وهذه الثوابت تعمل كقرائن متصلة بالكلام، ومعرفتها تساعد في تنقيح ظهور الكلام. وهناك نوع آخر من هذه المعارف يتعلق بالبراهين التي تُقام أحيانًا لإثبات أو نفي ظهور للكلام. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى نقاشات الأصوليين في موضوع الصحيح والأعم، وكذلك موضوع المشتق، حيث يُقام البرهان على استحالة العقلانية لوجود جامع بين الأفراد الصحيح والأعم أو بين المتلبس وما ينقضي فيه التلبس (في موضوع المشتق)، فيُستدل على نفي وضع الأسماء للجامع بين الصحيح والأعم أو الجامع بين المتلبس والمنقضي؛ لأن إثبات وجود ظهور للكلام في الجامع هو فرع لإمكانية الوضع للجامع، وبما أنه يثبت عدم وجود هذه الإمكانية، فلا يمكن إثبات أن اللفظ يظهر في الجامع.[۱۶]
٣) معلومات المفسر عن المتكلم تساعد أحيانًا في فهم كلامه. من أمثلة هذه المعارف السابقة الاعتقاد بحكمة الله وعلمه المطلق، مما يهيئ الأرضية لأخذ العمومات والإطلاقات في كلامه، وكذلك صحة استشهاد جميع اللوازم اللفظية والمنطقية لعباراته.
٤) المعلومات والمعارف اليقينية المسبقة تؤثر أحيانًا في فهم المراد الجدي من الكلام، رغم أنها لا تلعب دورًا في تنقيح ظهور موضوع الكلام. تحدث حالات يُحْرَز فيها ظهور موضوع الكلام للقارئ والمفسر، ولكن بسبب عدم توافق هذا الظهور مع المعلوم القطعي والعقلي، لا يمكن أن يكون هذا المعنى الظاهري هو المراد الجدي للمتكلم، فلا بد إذًا من ضبط المراد الجدي للكلام بما يتناسب مع هذا المعلوم القطعي، وبواسطة هذه المعرفة المسبقة يُتَغاضى عن هذا الظهور الموضوعي في فهم المراد الجدي.
٥) الفئة الخامسة مخصصة للمعلومات التي تكون ظنية وغير يقينية، والتي يدخلها المفسر بوعي أو بدون وعي في تنقيح محتوى ظهور الموضوع أو في إدراك المراد الجدي. والنقاش المعروف بـ «التفسير بالرأي» يتعلق بهذه النوعية من المعارف المسبقة.
٤ ـ التفسير بالرأي
تفسير النص دائمًا معرض للإصابة بآفة تُسمى التفسير بالرأي، ونظرية التفسير لدى الأصوليين تؤكد على ضرورة تجنب هذه الآفة. أي تدخل للأحكام المسبقة والمعارف المسبقة للمفسر والقارئ يشوش على عملية الفهم والإدراك الصحيح لمحتوى رسالة النص، ويضر بنقاء الفهم. وهذا في حين أن النظريات التفسيرية الحديثة في الهيرمينوطيقا المعاصرة غالبًا ما تعتبر عنصر التفسير بالرأي ليس فقط جائزًا بل ضروريًا. من وجهة نظرهم، التفسير أساسًا هو تفسير بالرأي، والتفسير من دون تطبيق الرأي والأحكام المسبقة للمفسر أمر مستحيل.
تأكيد الأصوليين على ضرورة تجنب تطبيق الرأي والتفسير بناءً على الأحكام المسبقة لا يعني أن محتوى النص وظهور نوعي منه يُدرك دائمًا بشكل بسيط ودون تأمل ودقة.
الحقيقة أن الوصول إلى المعنى الظاهري للنص في كثير من الحالات يحتاج إلى تدبر وتأمل وتطبيق الرأي والانتباه إلى العلاقات والدلائل والارتكازات، خاصة إذا كان ذلك الظهور سياقيًا. فهل لا يؤدي هذا إلى أن يكون تفسير النص خاليًا من التفسير بالرأي؟
يجيب الشهيد الصدر على هذا السؤال بأن الدقة وتطبيق الرأي والنظر من قبل الشارحين والمفسرين للنصوص هو من أجل الوصول إلى الدال، وليس لتحديد محتوى المدلول والرسالة.
الدقة وتطبيق الرأي في هذه الحالات هو من أجل التقاط جميع الدلائل والنقاط والانتباه إلى الخصائص التي تشكل ظهور الكلام بحيث إذا تم شرح هذه الخصائص والنقاط التي يصل إليها الشخص نتيجة التأمل وتطبيق الرأي وقُبلت من الآخرين، فإنهم أيضًا يجدون الكلام ظاهرًا في ذلك المعنى، وهذا ليس تفسيرًا بالرأي أبدًا، وسبب اختلاف العلماء في فهم النص أحيانًا يعود إلى هذا؛ أي أن بعضهم انتبه إلى بعض النقاط والدلائل نتيجة الانتباه والدقة، بينما غفل عنها آخرون بسبب عدم الدقة، ونتيجة لذلك فهموا ظاهر الكلام بشكل مختلف.[۱۷]
نوع آخر من التفسير بالرأي هو أن يُراعى الجانب الذاتي والشخصي بدلًا من الاهتمام بالظهور النوعي والموضوعي، ويُقبل الظهور الشخصي بدلًا من الظهور النوعي. قد يكون هذا الأمر غير مقصود. الجمود على خلفية معنوية خاصة[۱۸] وعدم الدقة في جوانب المعنى لدى بعض المفسرين دفعهم إلى حبس النص في قالب معنوي خاص بدلًا من التسليم لرسالة النص، مع تجاهل الجوانب المعنوية الأخرى. التفسير الصوفي الخالص للقرآن الكريم أو التفسيرات الخاصة التي قدمتها مذاهب كلامية مختلفة للقرآن هي أمثلة من هذا النوع من التفسير بالرأي.
٥ ـ الحجية والاعتبار في التفسير
تواجه غالبية المدارس الهيرمينوطيقية المعاصرة أزمة في الحجية والاعتبار في الفهم والتفسير؛ لأن حذف مراد المؤلف من مشهد التفسير والاعتقاد بتدخل المعارف المسبقة وذهنية المفسر في عملية الفهم يعزز الجانب الذاتي والذهنوي في التفسير ويشوّه موضوعيته[۱۹]. في الهيرمينوطيقا المعاصرة، غالبًا ما يكون دور القارئ وذهنه أكبر من دور النص في تكوين الفهم، خاصة في بعض المدارس التي تنكر وجود معنى واحد ونهائي في النص وتعتبر الفهم دخولًا في لعبة معنوية مع النص. في هذا الاتجاه الذي يركز على تعدد معاني النص، يصبح تفسير النص نوعًا من الشطرنج اللامتناهي، ولا تنتهي اللعبة المعنوية مع النص أبدًا.
كما يُلاحظ، في هذه المدارس يفقد الفهم الموضوعي للنص والحديث عن معايير الفهم الموضوعي والموثوق موضوعيته، لكن في نظرية التفسير لدى الأصوليين، الهدف من التفسير هو الوصول إلى فهم موثوق وحجية. والحجية هنا بمعناها الأصولي تعني فهمًا منجزًا ومعذّرًا، وهذا الفهم الموثوق والحجية تتحقق عندما يكون ظهور موضوع الكلام مبنيًا على المبادئ والقواعد الحاكمة على التفهيم والتفاهم، ويكون الفهم منهجيًا ومضبوطًا.
الحجية المنطقية التي تعني إثبات الحقانية والتطابق مع الواقع تختلف عن الحجية الأصولية. في تفسير النص، لا نبحث عن الحجية المنطقية ولا نعتبر الفهم الموثوق مطابقًا للواقع؛ لأن هذا النوع من الاعتبار أقل قابلية للتحقق والإثبات. فالحجية الأصولية تشمل الحجية المنطقية، وقد يكون الفهم الموثوق والمضبوط في الواقع غير مطابق للحقيقة. المهم في تفسير النص هو مطابقة التفسير للمعايير الحاكمة على فهم النص والحوار، وأن يكون المعنى قد تم التقاطه عبر ظهور موضوعي، لا أن تكون حقانيته المنطقية مثبتة.
هذا المعنى من الحجية والاعتبار متوافق أيضًا مع وجود اختلاف في الفهم والتفسير. فقد يكون لعدة تفسيرات للنص حجية واعتبار في آن واحد بشرط أن يكون ظهور موضوع كل منها قد تم بطريقة منهجية ويكون لها أدلة عقلائية للفهم.
الكلمة الختامية
نمو وازدهار كل فرع من فروع العلوم والمعارف البشرية هو ثمرة جهد علمي في الإجابة على الأسئلة الجديدة. بعض هذه الأسئلة مدين للنشاط العلمي لعلماء ذلك التخصص، وبعضها الآخر هو نتاج التواصل والارتباط الذي يُقام بين هذا الفرع من المعرفة والفروع الأخرى. تطور ونمو الفلسفة لا يعود فقط إلى تساؤلات الفلاسفة، بل للمكلمين وغيرهم من العلماء دور بارز في طرح الأسئلة الجديدة وتحدي الفلاسفة.
وفي علم الأصول القصة على نفس المنوال. الحقيقة أن العديد من الأسئلة المطروحة في هذا النص لم تشغل علماء الأصول لدينا بشكل مباشر، ولم يُكرس جهدهم العلمي للإجابة عليها فقط. كان لدى علماء الأصول لدينا نظرية تفسيرية خاصة بهم لا يرون حاجة للنقاش حول أبعادها وجوانبها. ولهذا السبب، بعض النقاشات التي تشغل أذهان الكثيرين اليوم في علم التأويل الحديث لم تحظَ باهتمام جدي من علماء الأصول لدينا، حتى النقاط والدقائق التي نقلت في هذا النص عن الشهيد الصدر(ره) والتي هي ذات قيمة كبيرة وذات أثر، تنبع من فطنة وذكاء خاص به، وليس من المناقشات الرسمية والرائجة في علم الأصول لدينا.
إذا ما حظيت هذه الأسئلة باهتمام رسمي من علماء علم الأصول وتحولت إلى نقاشات جادة ورسمية في علم الأصول، فسوف نشهد قريبًا إثراءً متزايدًا لهذه المناقشات، وستُعرض نظرية تفسير النص وأبعاده بوضوح وشفافية أكبر، وسنكون مزودين بمخزون أوسع في التحدي الفكري مع الاتجاهات التأويلية الحديثة.
[۱]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول (تقارير درس آية الله سيد محمدباقر صدر)، ج ١، ص ١٣٢.
[۲]. المرجع نفسه، الصفحات ٦٧ ـ ٧٢.
[۳]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ٢٦٦.
[۴]. المرجع نفسه، ج ١، ص ١٣٣.
[۵]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ج ٣، ص ٣٧٦.
[۶]. المرجع نفسه، ج ٤، ص ٢٦٨.
[۷]. المرجع نفسه، ج ٣، ص ٣٧٤.
[۸]. subjective
[۹]. objective
[۱۰] . سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ٢٩١.
[۱۱]. المرجع نفسه، ص ٢٩٢.
[۱۲]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ج ١، ص ١٦٧.
[۱۳]. المرجع نفسه، ج ٤، ص ٢٩٣.
[۱۴]. المرجع نفسه، ج ١، ص ١٧٢.
[۱۵]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ٢٩٣ ـ ٢٩٤.
[۱۶]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ص ٣٠٠.
[۱۷]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ص ٢٨٦.
[۱۸]. context
[۱۹]. objectivity

