لقد جسّد الشهید السید محمد باقر الصدر نموذجاً فریدًا للمفکر الموسوعیّ المتوقّد ذکاءً؛ إذ لم یقف عند حدود دوره کأستاذٍ یلقی الدروس فحسب، بل رسم آفاقاً أرحب وأبعد مدیً للفکر الإسلامی. وقد استثمر الشهید الصدر العطلات الدراسیة التی کانت تصادف ذکریات شهادة الأئمة (علیهم السلام)، لیجعلها محطاتٍ معرفیهً لطلاب حوزته العلمیة، باحثاً فی أبعاد شخصیّاتهم، ومستقصیاً الظروف التی أحاطت بحراکهم، ومجلیّاً الأدوار الرسالیة التی نهضوا بها فی سبیل حفظ الأمانة الإلهیة.
ولم یتوقف الشهید الصدر فی هذه المحاضرات عند السرد التاریخی، بل أعاد قراءة التراث الإسلامی قراءةً واعیةً ومبتکرة، مقدماً تنظیراً علمیاً ومنهجیاً لحیاة المعصومین (علیهم السلام). ففی هذه الرؤیة، یُنظر إلى وجود الأئمة (علیهم السلام) باعتباره حقیقةً واحدةً تتجلى فی مظاهر متعددة، ومن خلالها یطرح تحلیلاً متماسکاً وموحداً للأدوار السیاسیة والاجتماعیة التی اضطلعوا بها. ومع إقراره بأهمیة المنهج التجزئیّ فی البحث -کخطوةٍ تمهیدیةٍ لازمةٍ لعملیةِ الفهم- إلا أنه ینقد عجزه عن تفسیر الظواهر التاریخیة التی قد تبدو متناقضةً فی حیاة الأئمة، ومن ثمَّ یعتمد «المنهج الشمولیّ» أداةً جوهریةً لتحلیل حیاتهم وتفسیر مسارهم.
ویؤمن الشهید الصدر بأنَّ هذه النظرة لیست مجرد فرضٍ نظریّ، بل هی مقتضىً طبیعیٌّ لفکرة «الإمامة» فی جوهرها؛ فما دامت الإمامة -بکافة متطلباتها ومسؤولیتها- أمراً واحداً، فلا بدّ أن ینعکس هذا الواحد فی أدوار الأئمة وسلوکهم، مهما تنوعت المظاهر الخارجیة وتغیرت الظروف والملابسات التی أحاطت بکلٍ منهم.
وإلى جانب تقدیمه لهذا المنهج الشمولیّ، وإبرازه للدور المشترک الذی یشکل حلقةً متصلةً فی سلسلة الأئمة، یأتی الشهید الصدر برؤیةٍ جدیدةٍ فی قراءة تفاصیل حیاة کلٍّ منهم على حدة. وتتجلى عبقریة هذه الرؤیة فی تحلیله المعمّق لموقف أمیر المؤمنین (علیه السلام)، وقراءته الواعیة لصلح الإمام الحسن (علیه السلام) مع معاویة، وتحلیله الفرید لنهضة الإمام الحسین (علیه السلام)، فضلاً عن إبداعاته الأخرى فی تفسیر تاریخ الأئمة (علیهم السلام).
تجدر الإشارة إلى أنَّ هذه المحاضرات لم تُنشر فی حیاة الشهید الصدر تحت إشرافه المباشر، إلا أنها طُبعت بعد استشهاده فی أکثر من طبعةٍ متفاوته الجودة والدقة. ویُعدّ کتاب «أئمة أهل البیت ودورهم فی تحصین الرسالة الإسلامیة» التوثیق الأکثر اعتماداً لهذه النصوص والبحوث، التی جمعها وحققها «مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر» (أو المؤتمر العالمي للشهيد الصدر)، لتکون مرجعاً رصیناً للمهتمین بفکر الشهید الصدر.
لقراءة كتاب أئمة أهل البیت و دورهم تحصین رسالة الاسلامیة، اضغط هنا.

