المجتمع السياسي والمدني الإسلامي.. هموم وقضايا

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

مقاربة فكرية تأسيسية تستهدف استكمال محاولات الشهيد الصدر(رض) في اكتشاف النظام السياسي والاجتماعي الإسلامي

مقدمة البحث

عندما يراد للمثقف أن يتحدث عن شخصية مميزة ورائدة في عالم الفكر والوعي الحضاري الإنساني، ويبحث في مزاياها ومواهبها وفكرها ورسالتها في الحياة، لابد له من أن ينطلق ـ في البداية ـ قارئا ومراجعاً وناقداً لآثار تلك الشخصية ونتاجاتها الإبداعية من أجل أن يكون لخطابه النقدي عنها قيمة إيجابية في ساحة الثقافة والمسؤولية الفكرية والإنسانية.

وحديثنا التالي عن السيد الشهيد محمد باقر الصدر (رضي الله عنه) ـ أحد أبرز الشخصيات الفكرية الإسلامية التي لا نغالي إذا ما اعتبرناها، كما هي في واقعها الأصيل مدرسة في الثقافة والوعي، ومشروعا فكرياً (نظرياً وعملياً) ورائداً في حجم الأمة كلها، له مساراته وتوجهاته ودلالاته ومقاصده ومنطلقاته المتألقة دوماً في ساحة الإبداع الإنساني ـ أقول: إن هذا الحديث يتحرك في الاتجاه السابق نفسه، الأمر الذي سيجعل دراستنا عن شهيدنا المبدع حديثا عن الإسلام ككل، لأنه (قدس سره) كان يمثل ـ في فكره وحركته ونشاطه وجهاده ـ الإسخم كله منذ أن انطلق ـ في بداية تفتح وعيه وذهنيته في الحياة ـ باحثا عن مواقع حضارية للإسلام الحركي الأصيل، على طريق بناء أسس ومسارات عملية جديدة له، باعتباره قاعدة للفكر والعاطفة والحياة.

ولذلك إذا أردنا أن نكون مخلصين لخط الشهيد الصدر الروحي والفكري، فما علينا سوى أن نجاهد في كل سلوكنا وممارساتنا من أجل أن ننتج ـ من جديد العمقَ الفكري والاجتماعي والسياسي له على مستوى سعينا الحثيث باتجاه استكمال وبناء عناصر ومعطيات المشروع الحضارري الإسلامي في ظروفنا المعقدة الراهنة التي يعاني فيها إسلامنا الرسالي من ضغوطات داخلية وخارجية قاسية في المجالات الثقافية والسياسية والأمنية والاقتصادية.

وبهذا المعنى نستطيع أن نعمل مع الشهيد الصدر ـ في فكره واجتهاداته المتنوعة ـ لنبني الحياة الإسلامية الواعية والمنفتحة ليس من موقع الوقوف على أطلاله والتباكي على مرحلته، والاكتفاء بإقامة المؤتمرات الفكرية والندوات الثقافية، وإصدار البيانات المجيدة والمذمقة، وإطلاق الشعارات الحماسية التي تمجد الشخص وتعظمه لكنها ـ في الوقت نفسه ـ تغيّب منهجه ورسالته عن ساحة الحياة.. ولكن من موقع متابعة نظراته وطروحاته ومشاريعه الفكرية الرسالية في أن ينطلق خطه (رضي الله عنه) بقوة في مجتمعاتنا، في أن نبدع أشياء جديدة، ونجدد معارف سابقة، وأن يكون الإسلامُ ـ الذي نتبعه، ونسلكه، وندعو الآخرين إليه ـ إسلامَ الفكر والوعي والحضارة.

وتلك هي مسألة المستقبل في أن يتحرك العظماء في واقعنا الإسلامي من جديد، وأن يكون لنا جيل من المفكرين الرساليين الإسلاميين الحركيين، لأنه كفانا ما عانيناه ـ ولا نزال نعاني ـ من طغيان وسيطرة أجواء الجمود والتقوقع والكسل والاسترخاء على مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فيما عشناه في عصور الجهل والتخلف والانكماش في داخل واقعنا وفكرنا وسلوكنا من خلال عدم فهمنا لقيمة التاريخ ـ بفكره وشخصياته ورموزه ـ واستغراقنا في تفاصيله ـ إلى درجة نسياننا لكثير من قواعده وأساسياته ـ وجمودنا عند الكثير من تعقداته ومفاصله المزمنة بحيث تحول التاريخ ـ في فكرنا وسلوكنا الحالي ـ من ضرورة عملية لاستلهام قيمة على ضوء معطيات الواقع المعاصر، إلى سجن أو كهف مظلم كبير جسنا أنفسنا في داخله، وفقدنا الإرادة على الخروج من دهاليزه وأنفاقه المظلمة. ونحن عندما نقرأ القرآن الكريم نجده يتحدث ـ بصراحة تامة ـ عن أهمية أن يعتمد الإنسان على وعيه وإيمانه وإرادته وكسبه التاريخى، وأن يأخذ العبرة من تاريخه. وهذا ما نلاحظه في حديثه عن تاريخ الأنبياء(عليهم السلام) والفراعنة والطغاة والحضارات والأمم التي آمنت هنا وكفرت هناك، فإنه (أي القرآن) لايريد أن نتوقف عندها، ونتجمد على معطياتها وعناصرها الأولية (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون) (البقرة: 134). أي أننا لسنا مسؤولين عن كل ما صنع الأولون، ولكننا مسؤولون عن اختياراتنا ومكتسباتنا، وعما نصنعه حالياً، وعما يسكسبه إنساننا المسلم في المستقبل، بحيث يجب أن ينطلق فيه ليصنع التاريخ والحياة، في أن يخرج من التاريخ المظلم والساكن إلى التاريخ المشرق والحي المتحرك، وساهم في بناء وصنع الحضارة الإنسانية ـ كما ساهم الشهيد الصدر (قدس سره) في صنع وإبداع الفكر والتاريخ والحياة، وإنتاج مواقع قوية جديدة للإسلام في العصر الحديث ـ لا أن يجلس مسترخيا ليتلقى ببلادة فكر الآخرين، ويقتات على فتات موائدهم. وذلك هو التحدي الذي يواجهنا، وبالتالي يتحتم علينا أن نفهمه، وندرسه، ونعمل على مواجهته بطرق واليات مختلفة لعل من أبرزها: أن نستجيب لمعطياته ونداءاته استجابة واعية وحكيمة من خلال فكرنا وتقافتنا الإسلامية الغنية التي يمكن أن تعطينا مساحة واسعة للحركة في هذا الاتجاه أو ذلك.

وهذا ما سنحاول تطبيقه على دراستنا التأسيسية التالية عن «هموم وقضايا وضرورات الاجتماع المدني والسياسي الإسلامي» التي تستهدف فتح قنوات ومواقع فكرية وعملية جديدة، نستكمل من خلالهابعض طروحات الشهيد الصدر (رضي الله عنه) في محاولاته اكتشاف معايير علمية وموضوعية جديدة ـ في مجال النظام السياسي والاجتماعي الإسلامي ـ من الأحكام والمفاهيم والضوابط الإسلامية الأصلية. أي أننا سنحاول تقديم إضافات فكرية وعملية عن اجتماعنا المدني والسياسي الإسلامي في سياق حديثنا عن صورة العالم الراهن، ودور الحركة الإسلامية في مواجهة أخطاره وتحدياته.

ولا شك بأن مساهمتنا الفكرية هذه ستعمل على أن تمهد الطريق لتأسيس قواعد وروي سياسية واجتماعية ذات بعد معرفي وفلسفي إسلامي يرتكز بالدرجة الأولى على الكثير من الاراء والطروحات المفاهيمية الإبداعية التي جاء بها وأكد على ضرورتها الإمام الشهيد السيد: محمد باقر الصدر في وعيه العلمي والموضوعي المسؤول لمسألة المجتمع الإسلامي ودولته السياسية، بحيث يمكن أن تشكل نواة صلبة لنشوء مجتمع مدني إسلامي، قادر على إعادة الاعتبار الذاتي والموضوعي للإنسان المسلم من حيث كونه المحور الأساسي في حركة الاجتماع السياسي والمدني الإسلامي، وبالتالي تحفيزه، وتأهيله، وإثارة كوامن الإبداع عنده ليكون عضوا نشيطاً ومؤثراً ومنتجاً في أمته، يشارك بقورة وفاعلية في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبناء الدولة الإسلامية الحديثة. ولا ريب في أنّ أهم شرط لتحقيق ذلك الطموح والأمل المنشود هو احترام الأفراد لطبيعة (لا القسرية) لها، وإيمانهم بحقها في التنفيذ والتطبيق، باعتبار أنّ مواجهة الحاضر المتخلف تتطلب أن. تعمد تلك الدولة إلى إيجاد إطار «اجتماعي ـ سياسي» معيّن يدمج الأمة ضمنه بحيث تتجاوب معه، وتتفع إيجاباً مع شروطه ومتطلباته من أجل أن تتحرك الأمة (كل الأمة) على طريق إنجاح التنمية، وبناء المجتمع المدني الإسلامي الحديث، لأن حركتها تعبير عن إرادتها، وعن نمود وعيها، وانطلاق مواهبها الداخلية وطاقاتها الكامنة نحو المشاركة الفاعلة في عملية البناء والتنمية للثروة الخارجية من خلال تنمية ووعي الثروة الداخلية.

أولاً: حركية المصطلح وتطور مفهومه

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن موضوعة «المجتمع السياسي المدني» خصوصاً بعد وصول العالم الحديث ـ على أعتاب الألفية الثالثة ـ إلى هذا المستوى المذهل في تقدمه وتطوره على الصعيد الإعلامي الذي تسبّب في إحداث صدمة عملية قوية في المجتمعات المتخلفة أدت إلى انفتاحها على المجتمعات الأخرى الأكثر تقدماً وتطوراً من خلال قنوات الاتصال الإعلامية الواسعة المعروفة.

وقد تزايد الاهتمام بمسألة المجتمع المدني وعلاقته بالدولة و «المجتمع السياسي» منذ بداية تفكك وانهيار المشروع الشيوعي ومنظومته السياسية في العالم، حيث بدأ الرهان على قوة المجتمع بعد نشوب حرب الخليج الثانية، وصولاً إلى انتخابات الرئاسة الإيرانية التي خلقت جواً جديداً، وواقعياً نفسياً وسياسياً مريحا في المنطقة، طرح ـ من خلاله ـ موضوع المجتمع المدني كما دعا إليه الرئيس الإيراني محمد خاتمي بصيغة مجتمع مدني إسلامي الطرح والهوية والامتداد.

ويترافق الحديث الآن عن مشروعية هذا المجتمع ـ وأهمية مؤسساته والياته، وتنظيماته المختلفة، وضرورة الانخراط بصورة مباشرة فعالة في بناء وإنضاج مرتكزاته وقواعده الإسلامية ـ مع تجدد الاهتمام بمسائل فكرية ومعرفية واجتماعية هامة جداً مثل: الحرية، وحقوق الإنسان، والعولمة، وتحديات اقتصاد السوق، والتنمية، وأزمة الثقافة والمثقفين، والسوق المتوسطية والسوق الشرق أوسطية… الخ.

على هذا الأساس سنعمد في بداية بحثنا التالي إلى التعريف بطبيعة المجتمع المدني والسياسي واليات تطوره في المجتمعات الأخرى (غير الإسلامية) بشكل عام، ثم سننطلق بعد ذلك نحو بناء أسس وقواعد معرفية خاصة بالاجتماع السياسي المدني والإسلامي (من منظور ورؤية الشهيد الصدر الحضارية) في حركته وسعيه الدؤوب والصادق باتجاه تعميق صلة الإنسان المسلم بواقعه وكيانه الفكري والسياسي الإسلامي من خلال تعميق صلته بخالقه العظيم ليكون التركيب النفسي والوجداني والتاريخي له هو القاعدة الأساسية التي تنمو عليها منطلقاته الحضارية في كل مواقع الحياة الإنسانية.

1ـ معنى كلمة المجتمع (أصالة الفرد والمجتمع):

يقوم البناء الاجتماعي البشري على ثلاث دعائم أساسية:

الأولى: الاحتياجات والمتطلبات والمنافع والأشغال التي يتبادلها الإنسان مع نظيره. حيث تتوقف الحياة البشرية ـ ضمن هذا الاتجاه ـ على تقسيم أدوار العمل، ووظائف المهن والتخصص، وتوزيع الموارد والمنافع الطبيعية واستثمارها بشكل قانوني نظامي.

الثانية: وجود النظريات، والأفكار، والعقائد، والأخلاق، والنظم، والمبادئ، والمعايير التي تجعل مجموعة من البشر تتوحد مع بعضها البعض من خلال توافقها وانسجامها النفسي والسلوكي مع قسم كبير من الأفكار والمعارف والأخلاق المهيمنة عليها و المسيطرة على حركتها في الحياة.

الثالثة:العواطف والمشاعر والأحاسيس الناتجة عن طبيعة المفاهيم والتصورات الكفرية المتبناه من قبل المجتمع. لأن المفهوم أو الفكرة تُولّد في نفس الإنسان شعوراً وإحساساً خاصاً بذلك المفهوم تجاه الواقع الإجتماعي، وتحدد ـ في الوقت نفسه ـ اتجاهه العاطفي والوجداني نحوه.

إذاً هذه هي الدعائم والعناصر الثلاثة (الحاجة، المفهوم: العقيدة، والعواطف) التي يتقوم بها المجتمع البشري، وتشترك في تهيئة التربة الصالحة لقيام وبناء هذا المجتمع.

ضمن هذا السياق يمكن أن نعرّف المجتمع ([1]) البشري بأنه عبارة عن مجموعة من أفراد البشر تنشأ فيما بينهم علاقات ترابطية من حيث الأنظمة، والعادات والتقاليد، والآداب، والقوانين الخاصة، ويعيشون حياة اجتماعية مشتركة من خلال تواجدهم، مع بعضهم البعض، في منطقة جغرافية واحدة يستفيدون فيها من البينة والطبيعة التي أقاموا عليها من حيث الماء والهواء والغذاء. وهذا الأمر يختص بالإنسان دون غيره من الكائنات الحية الأخرى.

فلا يقال مثلاً عن مجموعة من الأشجار المزرعة في بستان ما ـ والتي تعيش في بينة واحدة ـ بأنها تعيش حياة اجتماعية، وإنْ كانت تستفيد من الشروط والبينة نفسها. وتخضع لها مع بعضها البعض، لان الحوائج المشتركة، والروابط الحيوية الاجتماعية، والآلام المشتركة الخاصة والعامة، والمصالح الاجتماعية ـ التي تتوقف على إدراك الإنسان للتنظيم، والالتزام بمقتضياته وتنفيذها ـ هي التي توحّد بين البشر، وتربطهم برباطها الوثيق الذي يجعلهم في مركبهم الاجتماعي كجماعة ركبت سفينة، فلما توسطت بهم البحر والتزم كل منهم مقعده، بادر أحدهم بإحداث ثقب في وسط المسفينة بحجة أنه يتصرف بحريته وملء إرادته في مكانه الخاص به، فلو منعه الآخرون كان في ذلك نجاتهم من الغرق المحتم، ونجاة ذلك الجاهل المسكين، وبالتالي وصولهم إلى شاطئ وبر الأمان. ([2])

إننا نعتقد أن المجتمع موجود حقيقي، له واقع خارجي منتظم ضمن ضوابط وسنن خاصة به تستقل في وجودها عن الأفراد الذين يشكلون عماد هذا المجتمع. من هنا يكون «إنسان المجتمع» محكوماً بنوعين من الضوبط والقوانين، الأولى منها:تتعلق بعلم النفس الإنساني الذي يدرس الحياة والروح الإنسانية الناشئة عن الحركة الجوهرية ([3]) في الطبيعة، و الثانية: تتعلق بعلم الاجتماع الذي يدرس الحياة والروح الاجتماعية العامة الناتجة عن التمدن والحياة ضمن أنساق المجتمع ([4]). ويبدو لنا ـ من خلال متابعتنا للقرآن الكريم ([5]) ـ أن هذه النظرية في أصالة الفرد والمجتمع معاً، هي موضع نظرة تأييد من قبل آيات قرآنيد كثيرة ترى أنّ هناك وجوداً مستقلاً ومصيراً مشتركاً للمجتمعات البشرية (للأمم) وصحيفة أعمال مشتركة. وترى للأمة إدراكاً، وشعوراً، ووعياً وعملاً، وطاعة، وعصياناً. (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (الأعراف: 34). (كل أمة تُدعى إلى كتابها) (الجاثية: 28)… (زينا لكل أمة عملهم…) (الأنعام: 108).

ومن الواضح أن الأمة لو لم تكن موجودة بوجود عيني حقيقي لم يصح افتراض المصير والفهم، والشعور، والطاعة، والعصيان لها ([6])، وهذا يدل ـ دلالة قاطعة ـ على أن القرآن يؤيد وجود نوع من الحياة للمجتمع هي الحياة الاجتماعية التيط تعد حقيقة واقعية وليست أمراً اعتبارياً مستعاراً، تماماً كما أن الموت الاجتماعي حقيقة بدوره أيضاً. وهذا ماتصرح به الأيات السابقة التي تتحدث عن حياة خاصة بالأمم لا تتخلف عنها ولا تتقدم أو تتأخر، وتتحدث أيضاً عن صحيفة الأعمال، وعن إدراك الأمم وأسلوبها الخاص في التفكير، والحكم، والمسؤولية والجزاء، والعقاب. لاحظ الآية: (وهمّت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب) (غافر: 5).

ويمكننا أن نجد ـ في مواضع قرآنية أخرى ـ نسبة العمل الصادر من الفرد إلى مجتمعه، نسبة العمل الصادر من جيل إلى الأجيال اللاحقة ([7])، لأنهم كانوا يملكون فكراً اجتماعياً واحداً، وإرادة اجتماعية واحدة. أي كانت لهم روح ونفس اجتماعية واحدة ([8]). ويظهر هذا جلياً في قصة ثمود التي أوردها القرآن الكريم، حين عمد أحدهم إلى عقر ناقة صالح، فنسب القرآن الفعل السلبي للجماعة بقول: (فعقروها) فاعتبرهم مجرمين جميعاً، كما اعتبرهم معاقبين جميعاً (فدمدم عليهم ربهم). وقد أوضح هذه الحقيقة الإمام علي (عليه السلام) في قوله: «يا أيها الناس إنما يجمع الناس الرضا والسخط»… وقوله: «ماعقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا» فقال: (فعقروها لأصبحوا نادمين).

وإضافة إلى ذلك فقد نسب القرآن بعض الأعمال التي ارتكبتها الأجيال السابقة إلى الجيل المتأخر([9])، كما نسب أعمال بني إسرائيل في عهود الأنبياء السابقين إلى اليهود في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله).وقد حكم عليهم باستحقاق الذل والمسكنة لقتلهم الأنبياء بغير حق، والسر في ذلك أنّ هؤلاء ـ من وجهة النظر القرآنية ـ استمرار لأولئك القوم، بل هم قوم واحد بلحاظ الروح الاجتماعية، ومن هنا قيل «إن البشرية تتشكل من الأموات أكثر من تشكلها من الأحياء». أي أن للأموات والسلف سهماً أكبر في تشكيل عناصر البشرية من الأحياء والباقين، مثل ذلك ما قيل: «إن الأموات يحكمون على الأحياء أكثر من ذي قبل» (بتعبير أو عست كونت).

2ـ معنى كلمة المدنية (وعي المصالح الاجتماعية):

تعتبر كلمة «المدنية» أو «التمدن» خاصية متأصلة في طبيعة المجتمع البشري القادر على ممارسة دوره الإنتاجي والإبداعي وفعالياته الحركية في الحياة. وأكاد أقول: إنها نزعة إنسانية متجذرة في العمق الواعي للإنسان، تحثه ـ في إطار تطور اجتماعه البشري ـ على النشاط والكسب الفعّال المنتج لنمط راق من الحياة الاجتماعية الحضارية من خلال تأثيرها المهيمن على سلوكه ضمن مجموعة من القيم الأخلاقية، ولاطرائق السلوكية الاجتماعية التي تشكل بمجملها واقعاً تاريخياً حياً من حركية التطور البشري.

وبالنظر إلى أن طبيعة الإنسان اجتماعية ومدنية بالقوة، كنه يتميز عن باقي المخلوقات بالعقل، والوعي، والقدرة على الابتكار والاستنتاج الذهني، والتحريك العملي الواقعي القانوني، والقدرة على التفكير السليم وتنسيق الأفكار ونقل المعارف والمعاني والآراء عن طريق استخدام اللغة كوسيلة. اتصال بين الناس.. بالنظر إلى ذلك كله تبدو المدنية تعبيراً عن رغبة إنسانية جامحة في العيش الاجتماعي المشترك بين الناس في إطار بينة مدنية تقوم فيها مجموعة من العلاقات الاجتماعية والتفاعلات الضرورية، وتحكمها جملة قوانين اجتماعية (نطم ومؤسسات واليات) تربط الأفراد ببعضهم البعض في كل أعمالهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم الفردية أو الجماعية، وبما يؤدي إلى إشباع حاجاتهم الروحية والمادية، وخدمة مصالحهم، وتحقيق غاياتهم وأهدافهم الكبرى في الحياة.

إن المدينة ـ عندنا تقابل التفاعل والتواصل بين الناس من خلال اعتماد حركة التعارف (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) أي لتتحاوروا، وذلك كوسيلة أساسية من وسائل تنظيم وتنسيق العلاقات الاجتماعية بين الناس في المجتمعات الإنسانية. لأننا ـ من خلال هذا الحوار الضروري ـ يمكن أن نواجه التراجع والانهيار في اجتماعنا المدني العربي والإسلامي المستحدث، ونستحضر الفكر المحاور والعقل المحاور الذي جرى تغيبه ونفيه عن مجال الخلق، والإبداع، والتنظيم الاجتماعي المدني الذي يتطلبه مشروع النهوض الإسلامي.

إن المدينة ضرورة نفسية وعملية بين الأفراد، والجماعات، الشعوب والأمم للتعامل والرقي والتطور في المسيرة الإنسانية. لأن الإنسان يدرك من خلال فهمه لمدنيته ـ التي تعتبر دافعاً خارجياً لحراكه التكاملي ـ مصالحه الخاصة والعامة في سلوكه الاجتماعي، العام، وفي إطار علاقاته مع الاخرين، ويسعى إلى تحرير وإطلاق الدافع الداخلي الحقيقي الذي يدفعه ـ بعد معرفد تلك المصالح ـ إلى محاولة تمثلها وتجسيدها على ارض الواقع، وتنظيمها بالطريقة التي تكفل استقرار وأمن وتكامل المجتمع من خلال حل التناقضات القائمة دوماً بين المصالح الاجتماعية للإنسان من جهة وبين دوافعه الذاتية من جهة أخرى. بحيث أن المدينة الإنسانية لا يمكن أن تصل إلى كمالها الاجتماعي، وتظفر بوجودها الحقيقي بدون توافر امكانات ومعطيات فكرية ونفسية توافق بين النوعين السابقين من المصالح والدوافع الخاصة والعامة، وترفع التناقض القائم بينهما على مر التاريخ. وهذا ان يتم ـ بطبيعة الحال ـ ما لم يتواجد، في اجتماعنا المدني الإسلامي، دافع ووازع عملي يتفق مع المصالح الاجتماعية العامة… تماماً كما وجدت المصالح الطبيعية للإنسان ([10]) الدافع الشخصي الذاتي حليفا لها، وذلك بهدف تمكين الإنسان من توفير مصالحه الطبيعية والاجتماعية بطريقة إنسانية عادلة عبر تجهيزه ـ كما أسلفنا ـ بالقدرة والطاقة اللازمة لمعرفة ووعي تلك المصالح وأساليب إيجادها، وبالهدف، «الدافع» الذي يجعل الإنسان ينطلق بحماس إلى السعي في سبيل تحصيلها وتطبيقها والالتزام بها على أرض الواقع.

من خلال هذه الرؤية تتجلى المدنية ـ كسمة اساسية من سمات المجتمع المتحضر ـ في وعي الإنسان لمصالحه، ونزعته الخاصة والعامة من أجل أن يستثمر نفسه ومواهبه استثماراً مخلصاً وعادلاً في سبيل توفير مصالح الجماعة والأمة، وإيجاد الحراك والتنظيم الاجتماعي القادر على ضمان تلك المصالح والية تنفيذها، وتطبيق ذلك التنظيم المؤسساتي العام.

إن المدنية الحقيقية التي تحقق الخصائص المذكورة انفاً هي التي تصنع مسبقاً طبيعة النظام الاجتماعي واليات تطبيقه، وسبل تنفيذ متطلباته وضروراته، مع التكفل التام بالاستفادة من التجربة والعمل الواقعي المستمر، لأن البشرية لا يمكن أن تترك لوحدها تذهب إلى المجهول الغارق بضباب الأحلام المجردة من خلال وضع البشرية بنفسها للنظام الاجتماعي الذي تريد السير على هداه، مادامت معرفتها ناقصة، ومحدودة، نسبية (النسبية الاجتماعية ليست قيمة سلبية دائماً)، وشروطها (خصائصها) الفكرية والمعرفية عاجزة عن استكناه أسرار وتفاصيل المسألة الاجتماعية والإنسانية برمتها. ونحن بذلك لا نبسط المسألة، ولكننا ندعو الجميع إلى القطع المتدبر والواعي في طبيعة (بنية) التجربة البشرية على مر الأزمان حتى يومنا الحالي. كما أننا لا نريد بالمقابل أن نتحرك إيجاباً مع أولئك الذي يفكرون ببساطة وسذاجة بأنه يكفي الآن أن تنطلق الأمة من عقيدتها ومخزونها التراثي ـ كحل سحري ـ لتبني طموحها ومشروعها التنموي والاجتماعي الإسلامي المتقدم، وتصوغ مدنيتها الإسلامية الحديثة. ولكنني أود أن أؤكد ـ في هذا السياق ـ أن الأمور ليست على هذه الدرجة من السهولة المفترضة بل هي على درجة عالية من التعقيد. ولذلك يحق لنا أن نقلو بأن هذا الانطلاق نحو مواقع التحرر والبناء الاجتماعي ـ من خلال وجود نظام وصيغة اجتماعية موضوعة مسبقاً ـ شرط لازم ولكنه ليس كافياً.

3ـ معنى المجتمع المدني:

من الصعب جداً إعطاء تعريفات شاملة محددة و جاهزة لمعنى أو ماهية المجتمع المدني في صيرورته التاريخية بسبب وجود اختلافات فكرية و مفارقات معرفية عميقة بين مختلف مدارس التفكير الحديثة بشأن تجديد مواصفاته، و سماته، و تعريف المحدد في طبيعة علاقات هذا المجتمع و ارتباطه بالدولة السياسية بصورها و تلوناتها المتعددة.

و من خلال تدقيقنا في طبيعة الصراعات الأيديولوجية القائمة بين النظريات و الطروحات الفكرية و الثقافية السائدة حالياً، نجد أن موضوع موضوع المجتمع المدني قد أضحى الساحة الحقيقة لذلك الصراع الفكري في صلب حركته التاريخية الغربية، فيما يتصل بضرورة بلورة صور واضحة و معالم محددة ـ على المستوى النظري و المعرفي ـ عن التطور التاريخي للمجتمعات البشرية. حيث بدأت كل مدرسة تضفي ـ على تنظيراتها التفسيرية لتاريخ الاجتماع البشري ـ طابع الفكر الخاص الذي تلتزمه منهجأ و خطاً لها في حركة الحياة.

سواء ما يتعلق منها بالنظرية الليبرالية و تعريفاتها الثانوية المنتشرة منذ عصر النهضة وحتى الآن، أو بالنظرية الماركسية و تأويلاتها المتعددة بشأن المجتمع و التاريخ.

لكننا بالرغم من الصعوبات العملية التي يمكن أنْ تندفع و تظهر عند تبنيّنا لتعريف معين حول المجتمع المدني فإننا سنحاول إعطاء التعريف التالي لهذا المصطلح أو المقولة الجديدة التي لم يرد ذكرها في أي مجتمع من المجتمعات أو الموسوعات اللغوية العلمية و الفلسفية العربية.([11])

تعريف المجتمع المدني: هو نمط أو نوع من التنظيم الاجتماعي لسلوك الفرد في إطار ممارسته لواقع العمل العمومي ضمن مؤسسات و هيئات ثقافية و اجتماعية و نقابية مدنية ثمتل مصالحَ القوى و القيادات و الجماعات في المجتمع، تعمل باستقلالية ـ مفترضة من حيث المبدأ ـ عن أجهزة السلطة و سياسات الدولة بحيث تشكل ـ تلك الهيئات المدنية ـ ثقلا اجتماعياً و سياسياً له دوره الهام، و حضوره المميز، و تأثيره الفاعل و الحاسم في موازاة سلطة الدولة السياسة من أجل منعها من التحول إلى دولة متسلطة تستبد بالسلطة، و تنفرد بالحكم عن طريق أدوات القمع المختلفة، من خلال تركّز السلطة و الممارسة السياسية في أيدي تلك المؤسسات و الهيئات الشعبية لكي تكون العلاقة بين المجتمع السياسي و المجتمع المدني علاقة تكاملية متوازنة تتبع فيها الدولةُ المجتمعَ المدني. و بهذا يتصف المجتمع بالتعدد في الرؤى، و الاختلاف في وجهات النظر، و الحرية في طرح الأفكار، و الوعي في ممارسة النقد الموضوعي كدلالة بارزة على سلامة و صحة الموقف و التنظيم الاجتماعي.

و بتعريف مختصر و مركّز نقول: إن المجتمع المدني هو ذلك المجتمع الذي تتركز فيه كل نشاطات و فعاليات السلطة بأيدي الأمة و الشعب، و تكون ملكاً للمجتمع، و يكون فيها الحاكم خادماً و فياً للأمة، لتكون الدولة ـ بكل مؤسساتها و تنظيماتها و أجهزتها ـ في خدة هذا المجتمع.

لقد ظهر مفهوم و مصطلح المجتمع المدني ـ أول ما ظهر ـ في الفكر الاجتماعي و السياسي الغربي، و لم يظهر دفعة واحدة بالتعريف المعطى له سابقاً. بل استغرق مرحلة زمنية طويلة، و مرَّ بأدوار تاريخية متعددة ارتبط فيها تطوره المفاهيمي بالصراع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي الذي شهدته أوروبا منذ ثورتها الصناعية الأولى من القرن السابع عشر إلى يومنا الحالي في محاولات حثيثة للبحث عن وسائل جديدة تمكن من السيطرة على نزعة الحكم الطغياني، و كبح جماح الدولة الشمولية المستبدة.

لقد أُرسيت دعائم المجتمع المدني في الغرب الحديث تدريجياً أيضاً عبر مواجهة حادة ضد الطابع الديني الكنسي الرث و المتخلف و القاصر الذي كان مسيطراً على العقول و الأفئدة آنذاك باعتباره يمثل المشروعية (والشريعة) الدينية و الاجتماعية و حتى العلمية.

لقد جعلت الكنيسة من بعض المعتقدات البشرية ـ الموروثة عن الفلاسفة و علماء الكلام المسيحيين الأقدمين ـ نصوصاً مقدسة و حقائق علمية راسخة إلى جانب المبادئ الدينية الأصلية، و اعتبرت كل مخالفة لها أو نقد لسلوكها و فكر تُوجب الارتداد عن الدين، و لذلك فقد أنشأت الكنيسة جهازاً قمعياً بوليسياً (الإنكيزيسيسون أو محاكم التفتيش)([12]) يتبع و يراقب و يتفحص عقائد الناس، و يتابع ما في ضمائرهم، و يحلل سلوكياتهم المختلفة، و يسعى لأنْ يثبت التهمة على المفكر و العالم لأي سبب كان… الأمر الذي أجبر كثيراً من العلماء على التفكير بما تفكر به الكنيسة و اعتباره واقعاً علمياً صحيحاً.

و بعد صراعات طويلة حادة ـ كلّفت الغرب معاناة شديدة، و دماء و ضحايا لا يحصون ـ استطاعت حركة المشروعية للمجتمع المددني في الغرب ـ التي أنتجتها ثقافة و فكر و فلسة الغرب ـ أن تثبت وجودها و تعلن عن انتصارها الحاسم على المجتمع الكنسي القروسطي المتخلف، و ما رافقه من تقديم مشوه للدين إلى الناس بصور العنف و الاستبداد و الضغط و القهر بدلا عن تقديمه بوصفه مخلّصاً و منقذاً و هادياً و مبشراً بالمحبة و الوئام و السلام… و من الطبيعي في ظل تلك الأجواء الضاغطة و المتشنجة ـ أن تكون ردود أفعال الناس على تلك الأساليب ـ التي لا تتناسب مع الفطرة و الطبيعة البشرية الوادعة و الخيرة ـ مستنكرة و رافضة للدين و كل ما هو ديني، و بالتالي رفض الاعتقاد بالله باعتباره حجر الأساس في المعتقد الديني. و قد تسبب ذلك في ابتعاد الناس عن الدين الذي أصبح ـ في نظرهم ـ في مواجهة العلم و العقل، و نتيجة لذلك بويع العقل التجريبي الإنساني كمصدر و حيد للمعرفة و تشخيص القيمة و الحقيقة، و أصبحت قيم الترف و اللذة و الاستهلاك المادي مصدر السعادة و المنى للإنسان، و أصبح الله مجرد فكرة خيالية لا أساس لها في عالم المواقع، و خالية من أي معنى في أذهان الناس، و ليس لها أي تأثير في حياتهم، و أصبح التمتع باللذات الحسية و الثروات المادية ـ من أقصاها إلى أقصاها ـ أهم حافز و دافع للنشاط و الحراك البشري.

إذاً… لقد كانت نشأة و ظهور المجتمع المدني في الغرب و ليدة لتراكم مجموعة كبيرة من التحولات الاجتماعية و السياسية و الفكرية التي شهدتها المجتمعات الغربية، حيث أقيم كيان الدولة النفسي على قاعدة رفض المقدس (الحق الإلهي)، و ربط المجتمع المدني بالمفهوم الدنيوي العلماني للاجتماع البشري، كما و أنضج مضمون تعاقدي معاصر للحياة الاجتماعية و السياسية يتلخص جوهره في ما يلي:

1ـ التحرر السياسي من اُسر الانتماءات و العلاقات الولائية التقليدية الناتجة أساساً عن الجمود و التحجر الكنسي… طبعاً هذا لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ تحرر الإنسان، فعلياً و واقعياً، من الدين لأن الإنسان يبقى في داخل ذاته حاضناً للدين و فطرة التدين.

2ـ رعاية حق الاختلاف، و التعدد و التبأين في الآراء و النظريات، و التعارض في المفاهيم و الأفكار، و ضمان حرية حق المساءلة و المحاسبة و النقد للطروحات و الرؤى المختلفة.

3ـ احترام حقوقل الإنسان، و بخاصة حقه في المشاركة ـ جزئياً أو كلياً ـ في السلطة السياسية، و في بناء الدولة و تقرير مصير الأمة و المجتمع.

4ـ إقامة حكم القانون و النظام المدني ـ المنفصل تماماً عن سلطة الدين ـ الذي يخضع له جميع المواطنين، حكاماً و محكومين، دون استثناء.

5ـ الإيمان بدينامية المجتمع المدني و تطوره و تقدمه و حركيته.

ثانياً: المجتمع المدني في الفضاء المعرفي الإسلامي

من الضروري ـ بداية ـ إعطاء فكرة إجمالية عامة عن صيرورة و تطور هذا المفهوم في التصور المعرفي و السياسي و التاريخي الإسلامي قبل الدخول في تحليله، و فهم معناه، و استيعاب خصائصه، و آليات تطبيقه، و مدى تطابق و اختلاف التصور الغربي للمجتمع المدني عن التصور و المفهوم الإسلامي.

لقد شاع في بعض الأدبيات السياسية و الفكرية و لا سيما تلك المتأثرة بنظرية “الاستبداد الشرقي” أن الدولة في التاريخ العربي و الإسلامي طاغية قابضة بقوة على مفاصل و أركان المجتمع كله، و نافية لاستقلاله و حريته، و مدمرة لديناميكيته. فمنذ مونتسيكو، صاحب نظرية” دولة الاستبداد الشرقي” التي أملتها ـ في رأيه ـ اعتبارات جغرافية و بيئية، إلى ماركس مطور النظرية في إطار” نمط الإنتاج الآسيوي”، إلى و يتفوغل، ترسخ النظر في العديد من الدراسات العربية و الأجنبية([13])، على أن الدولة العربية و الإسلامية دولة طغت على المجتمع، و استبدت بمراكز سلطاته المختلفة، و امتدت إلى أقصى حناياه و إلى كل خلية فيه… و نحن نتصور أن تاريخنا السياسي مليء بالكثير من الدلائل، و حافل بشتى المعطيات التي تشير، بوضوح تام، إلى سلامة و صحة الرأي السابق… لأننا نجد ـ و من خلال استقرائنا و تحليلنا لحركة التاريخ الذي عاشته، و لا تزال، تعيشه أمتنا الإسلامية ـ أن هناك رسوخاً و تجذراً لثقافة السلطة العصبية، و نخبتها القبلية في مواقع و أوصال المجتمع و الأمة كلها، تجلت لا شرعيتها و لا مسؤوليتها ـ و عجزها عن خلق شعور عام بالولاء الطبيعي للمواطن تجاه مجتمعه و دولته و نظامه السياسي كشرط أساسي للعمل المبدع و المنتج ـ عبر ممارسة سياسية القهر و التسلط الأرعن، و اتباع حاكمية التغلب و الملك العضوض و ما ينتج عنها من سوء استخدام لمواقع السلطة و المسؤوليات، و تغييب مقصود لدور الأمة و المجتمع عن ساحة القرار، و التحكم التام بمصير و مال و ثروات العباد و البلاد… و لعل هذه المشكلة المزمنة “مشكلة الحكم و السياسة و إشكالية السلطة و الحرية” هي من القضايا الإشكالية الخطيرة التي فرضت وجودها على مجتمعاتنا، و ألقت بظلالها السوداء على مصيرنا الحضاري كأمة لها دور رسالي محوري بين حضارات العالم كلها… و الواضح أن المشكل السابقة تفاقمت مع محاولة الحكام و الخلفاء المتعاقبين شرعنة الاستبداد و التسلط على قواعد معرفية من الدين الإسلامي ذاته… من هنا تكمن خطورة هذا النهج الفكري، أن تعمد النخب السياسية الحاكمة ـ عبر كل التاريخ ـ إلى إضفاء مبررات شرعية دينية (لها علاقة بالمقدس) لتسلطها و هيمنتها (الأبوية) على العباد و البلاد.

إننا نعتقد أن الطابع التسلطي و الفرعوني([14]) ـ اذا صح التعبير ـ للدولة العربية و الإسلامية منذ البدايات الأولى لنشوئها و حتى لحظتنها الراهنة، قد أضحى موروثاً ثقافياً و سياسياً تتناقله الأجيال المسلمة فيما بينها على طول مسيرتها التاريخية، حتى أنّ مزاجنا (و روحنا) لم يعد يتماشى و يتفق مع الحرية و الانفتاح و الإيمان بروحية الاختلاف، و فضيلة التعدد في الرأي و الفكر. و الإسلام ـ في اعتقادي ـ ليس مسؤولا عن ذلك الإرث المتخلف، لأنه مع انبثاق الإسلام و تفجر ينبوعه الأصيل – بنزول الوحي و تتابع الأحكام الشرعية ـ ظهرتْ الحاجة الواقعية لتكوين دولة و بناء أسس قيام سلطة قانونية في المجتمع الذي نشأت فيه. و بتطور ذلك المجتمع، و اتساع أركانه، و امتداد أرجائه، تزايد متطلباته و احتياجاته تنامى التنوع الحكومي، و أملت الحاجة ابتداعَ أنماط جديدة للحكم و الأداء السياسي العام للقيادة اختلفِ فيها الشكل و بقي المضمون ثابتاً على مر التاريخ، لكن الإسلام، إذ عاد الاستبداد و القهر يتحكمان بمسيرة الأمة الإسلامية على نحو أفظع و أخطر من الأول بسبب محاولة توجيه و بناء هذا التغلب ـ كما ذكرنا سابقاً ـ على أساس الدين الإسلامي ذاته عبر محاولتهم إيجاد نصوص قرآنية، و أحاديث شريفة تؤيد مسعاهم الاستبدادي.

إذا لقد مثّل مجيء الدين الإسلامي ثورة اجتماعية و دينية كبيرة نقلت العرب و المسلمين من النظام السياسي العصبي القبلي إلى نظام الأمة و المدنية الواحدة([15])، و حاولت ـ (تلك الثورة) فيما بعد ـ تأسيس دولة سياسية و مجتمع مدني يقوم على أساس عقيدة الإسلام و مفاهيمه و تصوراته عن الكون و الوجود و الحياة و الإنسان.

و نحن عندما ندرس القرآن الكريم نجدة يؤرخ لبعض تفاصيل الحركة الاجتماعية التاريخية عند العرب و المسلمين، و مساهمتها الفعالة في إنضاج التصور المعروف عن المجتمع الإسلامى. فهو (القرآن) ينطلق، بدايةً، باتجاه محاولة إيجاد حلول ناجعة للمشكلة القائمة التي واجهت تقدم مسيرة الإسلام آنذاك (أعني بها عقلية التعصب القبلي الأعمى و الانتماء التقليدي الراسخ لقيم القبيلة و العشيرة) بعد أن يحدد أسباب الخلل و علل نشوء المشكلة، و يشير إلى مواقع وجودها و تأثيراتها الضارة على حركة المجتمع خصوصاً إذا ما كانت تلك المشكلة ذات طابع عام، وها علاقة تفاعلية مع فكر الإنسان و طبيعة حركيته الاجتماعية.

يقول القرآن الكريم:

(و قالو حَسْبنا ما وجدنا عليه آباءنا… أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً و لا يهتدون) (المائدة: 104).

(وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) (الشعراء: 74).

(قالوا ربنا إنا أطعنا ساداتنا و كبراءنا فأضلونا السبيلا). (الأحزاب: 67).

(قالو أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آبائنا و تكون لكما الكبرياء في الأرض و ما نحن لكما بمؤمنين) (يونس: 78).

(إلا قالوا مترفوها إنا على آثارهم مقتدون…) (الزخرف: 22 ـ 24).

(و إذا فعلوا فاحشة قالوا إنا وجدنا آباءنا…) (الأعراف: 28).

(بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا… أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) (لقمان: 21).

(إنهم ألفوا آباءهم ضالين. فهم على آثارهم يهرعون. و لقد ضل قبلهم أكثر الأولين)(الصافات: 69 ـ 71).

إن استخدام القرآن الكريم لمفردات من قبيل: وجدنا، آباءنا، آثارهم، مقتدون، حسبنا… الخ. يبرز لنا بوضوح بعض السمات و الخصائص النفسية و السلوكية التي يتصف بها مجتمع القبيلة ماضياً و حاضراً…. فما هي تلك المواصفات العامة التي يمكن استنتاجها و رسمها من خلال استقراء حركة المجتمعات القبلية قبل الإسلام و بعده([16])…؟!

ثالثاً: السمات العامة للمجتمع القبلي (التقليدي)

1ـ يستمد المجتمع القبلي وجوده و طاقته من خلال المَثَل الأعلى الأرضي المنخفض المنتزع من تصورات الجماعة البشرية المحصورة في إطار النسبية([17]) الزمانية و المكانية،لذلك تكون آمال و طموحات المجتمع محدودة و ضعيفة التأثير، تنظر دائماً إلى الأرض فلا تتحقق أهداف الأرض و ثنسى كلياً رسالة السماء.

لأن النبع، الذي يستقي منه أفراد هذا المجتمع تصوراتهم و أحلامهم و أمانيهم، قليل الماء و الزاد، لذا تكون كل التطلعات التي ينتجها محدودة الهدف، و ضعيفة الأفق كونها منتزعة عن واقع الجماعة بحواجزها المفروضة… و بدلا من التطلع الدائم نحو المستقبل يصبح هذا المثل المنخفض عقبة كاداء في طريق تحقيق المشاريع الطموحة من خلال تجميده للواقع القائم و حَمْله إلى المستقبل ليكون التاريخ، عنده، حركةً اجترارية و صورة مكررة (طبق الأصل) عن الماضي و الحاضر تنقلها الجماعة، آلياً، إلى المستقبل ليصبح مستقبلها رهن الماضيها.

و لعل أهم نتيجة يمكن أنْ يؤدي إليها مثل هذا الفكر المعطّل لقدرات الإنسان ـ عندما يتخذ طابع الدين و يرتدي عباءة التقوى ـ هي ـ كما يؤكد الشهيد الصدر ـ في ظهور الأديان التجزيئية المصنوعة بشرياً (الأديان الوضعية) التي تفرزها التجربة البشرية بين حين و آخر و التي يقول عنها القرآن الكريم: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان…) (النجم: 23). و فى آية أخرى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه…) (الفرقان: 43) التي يوضح فيها الله تعالى عبودية العلاقة القائمة بين المجتمع و مثاله الأعلى، و التي تختزن في مضمونها الداخلي نوعاً من الطاعة و الانقياد و العبادة و التقديس، و لأن الآلهة ـ “الهوى” هنا ـ تصبح الهاجس المحرك، و الآمر الناهي لحركة الإنسان و المجتمع. طبعة يمكن لبعض المُثل العليا المنخفضة (بالتعبير البليغ للشهيد الصدر) السائدة في المجتمعات القبلية أن يكون لها بعض الطموح، و قد تحقق للمجتمع جزءاً من غاياته المعنوية و المادية، كما و يمكن أن تضع قوانين و عادات و أخلاق، و لكنها غطاء ظاهري للمجتمع و قناع زائف… و كلما وجد الإنسان فرصة و مجالا للتحلل من هذه العادات و القوانين فسوف يتحلل و يسقط… لذلك تبقى طموحات و قوانين و معايير محدودة غير قادرة على العطاء في المدى الطويل للمسيرة البشرية، و ليس بمقدروها صُنْع الشعور الموضوعي المسؤول عند المؤمنين بها… إنها مُثُل أرضية قاصرة، ذهنياً و عملياً، عن السير و الارتقاء و التكامل، لأن وقودها قليل و طاقتها محدودة بإطار معين، ناتجة ـ أساساً ـ عن الإفراز الذهني للإنسان في سياق تفاعله مع الموجودات الخارجية. لذلك يكون هذا المثل الأعلى المنخفض، الناتج عن فكر الإنسان، غير منفصل عن الإنسان ذاته بل هو ملتصق به و معبر عن رؤيا نسبية لوجوده و غايته.

2ـ لا تؤمن المجتمعات القبيلة بسننن التطور و نواميس التغيير الكوني، بل تعتقد بمجموعة من المسلمات الفكرية و الاجتماعية العامة([18]) (يقينيات بديهية) تعتبرها الميزان و القانون الناظم للفكر و العمل، حيث يُحكم ـ على ضوء و من خلال ذلك القانون اليقيني ـ بصحة أو بطلان المعارف و المبادئ كلها. و عندما تنطلق الأحداث و امتغيرات الخطيرة ـ في واقع الأمة ـ تكون استجابتها ـ على هذه الأوضاع القلقة ـ سلبية و منفعلة غير فاعلة، و نرى أبناءها ـ المنساقين وراء مشاعرهم القبلية (و إن ارتدوا رداء الحضارة) ـ يتفرجون على الأحداث الجسام، و لا يجتهدون للتأثير على مسارها أو محاولة تغيير (أو على الأقل حرف) بعض توجهاتها في هذا الموقع أو ذاك… و يلاحظ ـ كنتيجة للإيمان المسبق بجملة قواعد و نظم فكرية ثابتة لا تتغير([19]) ـ سيطرةَ نمط التفكير السكوني الجامد ـ إذا صح التعبير ـ على أي تحرك أو انطلاقة فكرية أو اجتماعية يدخل فيها عناصر المجتمع القبلي، باعتبار أن مجموعة المفاهيم الغالبة و السائدة فيما بينهم ـ و التي يُحرص على ديمومتها و استمراريتها في الأخلاف فيما بعد ـ تمثل لديهم و عياً كونياً شاملا و مستوعباً لكل تفاصيل و دقائق حركة الوجود و الحياة، يشعرهم فطرياً بأن حياتهم الحالية، التي يرتبط بها وجودهم و وعيهم للوقائع الداخلية و الخارجية، هي الأفضل و الأحسن و الأكثر قدرة على إشعارهم بحريتهم و انطلاقتهم و انفلاتهم من قيود الزمان و المكان… لذلك نرى أنّ لدى البدوي ـ في مقابل السنن و المتغيرات ـ تصوره الخاص للأبعاد (المعاضي، تقاليد الأجداد) و من هنا جاء تمسكه بالعادات و التقاليد و الأنساب (التي هي ديمومة زمانية)([20]).

3ـ يواجه المجتمع القبلي الرافض لسنة التغيير رموز و دعاة هذا التغيير بكل قواه و عصائبه، لأن التغيير و التطور يمس أصل وجوده و تكوينه التقليدي المحافظ ـ المتوارث عن الآباء ـ الذي ارتضته القبيلة ديناً لها في حجم الحياة كلها، لذلك يكتفي أبناء هذا المجتمع بالفكر الذي ينقل إليهم من الأجداد الأولين… لاحظ قوله تعالى: (و حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا…) (المائدة: 104)، (و إئهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون، و لقد ضل قبلهم أكثر الأولين)(الصافات: 69 ـ 71) الذي يقدم لنا فكرة واقعية عن رفضهم النفسي لأية دعوة تغييرية جديدة (سلبية كانت أم إيجابية). لأن هؤلاء ـ و بحكم الألفة و العادة و الفراغ و السكون ـ وجدوا سنة قائمة ركنوا إليها، و اعتادوها فلم يسمحوا لأنفسهم بتجاوزها أو مجرد التفكير بتغييرها. و لهذا رأينا كيف كانت دعوات الأنبياء ـ على مر التاريخ ـ تواجه و تعارض بحدة و قساوة من قبل المجتمعات القبلية الجاهلة، لأن جهر دعوة الأنبياء كان يقوم على أساس وضع الناس على بداية الطريق الموصل بالله تعالى باعتباره المثل الأعلى الحقيقي، بينما كانت دعوة تلك المجتمعات ترتكز ـ كما قلنا ـ على اعتقادات معينة في شتى مجالات الحياة ألفوها بحكم سيطرة عقلية الفراغ النفسي و السكون الوجودي على أذهانهم و أعمالهم حتى أن تغلغل هذا النمط القاهر من التفكير في داخل بنيتهم النفسية قد أدى ـ مع الأيام ـ إلى تحويل الإنسان إلى إنسان جسمي مادي يعيش ليومه و لحظته الراهنة (الدهرية) من دون وجود أي طموح أو هدف سام له في الحياة.

4ـ من سمات المجتمع القبلي المغلق أيضاً، عمله الدائم على تهميش الفئات المثقفة، و العالمة و تطفيش الخبرات و الكوادر النوعية، و استبعادها من ساحة التأثير و الإبداع الثقافي و العلمي باعلرغم من كونها هي الوحيدة المؤهلة و القادرة على الارتقاء بواقع المجتمع، و السير به نحو مواقع أكثر تطوراً و ازدهاراً في الفكر و العمل على المستوى الحاضاري و العملي، و التصدري الدائم المخلص لتحقيق المشروع الحضاري الإسلامي للأمة.

و بالمقابل يعمد، دعاة و رموز العصبية القبلية المتحكمين بمفاصل القرار الأعلى، إلى ترفيع أبناء الأسر المالكة و الحاكمة (و من نفس العشيرة) إلى المناصب القيادية في “الدولة ـ القبيلة” بالنظر إلى تكاثرهم وحدة صراعهم و تنافسهم، أو بالأحرى تكالبهم المستميت على احتلال المناصب العليا و الوظائف الاستثمارية و الأمنية الخطيرة و توزيع المكاسب و المغانم فيها، و يتم ذلك، طبعاً، على حساب تراجع الأسماء الكبيرة من المفكرين و المثقفين و أصحاب الكفاءات و القدرات الحقيقية المختصين في مجالات العمل المختلفة. و يُشكّل هذا النوع من القسر و الظلم الاجتماعي و العلمي ـ إذا صح التعبير – الذي يفضي إلى إحداث اختلاف بالغ في موازين المسؤوليات و توزيع الأدوار و المهام اللازمة للنهوض بالمجتمع و الارتقاء بواقع الأمة، يشكل عامل يأس و إحباط و نفور لدى النخب المفكرة و المتعلمة و الطبقات الشعبية الوسطى في البلاد. إذ يولّد لديها ردود أفعال سلبية إزاء المنحى الانحداري الخطير الذي بدأت تسير عليه البلاد في كل قطاعاتها و مؤسساتها و هيئتها، قد تنحو ـ تلك الردود ـ منحى الاستنكاف عن المشاركة الواسعة في تطوير الواقع، و بناء المجتمع، و استنهاض بنى الدولة، و تحقيق استقلالها الحقيقي، و إنجاز مشاريعها باعتبار أنه لم يتم تقدير وعي و فكر و إبداع تلك النخب العلمية، و فتح المجال أمامها لتعبر عن ذاتها العلمية الكفوءة. لذلك تجد أن أفضل طريق و أفضل سبيل لاستمرار إبداعها، و التعبير عن تفوقها العلمي يكون في مغادرة البلد و الانخراط في العمل لذى البلدان الأخرى التي تحترم العلم و العلماء، و تبارك إنجازات المفكرين، تفسح لهم كل المجالات للعمل العلمي المنتج و الفاعل. و يبدو لنا أن هذه الظاهرة الشائكة تتزامن ـ في حركتها ـ مع تراجع كبير في الحريات العامة في مجتمعاتتا، و ضعف حقوق الإنسان فيها في عصر العولمة و الديمقراطية و الحرية و الإعلام الفضائي السريع.

5ـ الإيمان بالجبرية التاريخية، و أن حركة التاريخ البشري قد توقفت و انتهت عند هذا النوع من الفكر السائد لدى المجتمع القبلي. و يندرج هذا الأمر، طبعاً، في إطار سعي قيادات هذا المجتمع إلى فرض أيديولوجية “خلافة الله” و تشجيع مبدأ “الجبرية” الذي يعتبر أن ما يحدث هو أمر مفروض و مقرر مسبقاً من الله تعالى خيراً كان أم شراً، حقاً كان أم باطلا.

و قد وجدنا في تاريخنا العربي الكثير من النماذج الدالة على ذلك… حتى باتت الجبرية مذهباً كلامياً واسع الانتشار في أوساط كثيرة من عالمنا الإسلامي حتى الآن.

و كان أول من شجع هذا النهج المخالف لسنة التطور (قبل أن يكون مخالفاً و متناقضاً مع مفردات و معانى و تعابير القرآن الكريم) زيادبن أبي سفيان الذي سعى إلى تكريس سياسة “ضل الله في الأرض” “و خلافة الله” … الخ، ليوهم الناس بأنه يحكم بإرادة الله، و يتصرف بمشيئته. فأحاط خلافته (هو و خلفاؤه اللاحقون) بهالة من القداسة، و أسبغوا على أنفسهم ألقاب دينية فضفاضة تعبر بشكل سافر عن عقلية الجبر التاريخى. لقد كان معاوية في نظر أصحابه و مريديه “خليفة الله في الأرض” و “الصادق” و “الأمين” و المأمون”. و كان ابنه (يزيد) “امام المسلمين”. و كان عبدالله بن مروان “أمين الله” و “إمام الإسلام”.

يقول زياد هذا في خطبته المسماة (بالبتراء؟!) التي صرح فيها أن الله اختارهم (الأمويون) للخلافة، و أنهم يحكمون بقضائه و يعملون بإذنه: “يا أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة، و عنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، و نذود عنكم بفيء الله الذي خول لنا. فلنا عليكم السمع و الطاعة فيا أحببنا، و لكم علينا العدل فيما و لينا”([21]). أما معاوية فله باع طويل في توطيد و ترسيخ الحكم الوارثي (الإلهى)… حيث يقول: “نحن خلفاء الله و قدره”([22]). “الأرض لله و أنا خليفة الله، فما أخذت لي، و ما تركته للناس فبالفضل مني”([23]). و في مجال زمني آخر ـ عصر العباسييين ـ وقف المنصور (أحد أمراء المؤمنين العباسيين؟!) يوم عرفة خطيبا يحدد برنامجه السياسي (الذي يبدو من خلاله، و كأنه لا يخاطب بشراً من روح و أحاسيس و مشاعر و مسؤولية و خيارات…. الخ بل يخاطب قطيعاً من الماشية) قال: “أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه و تسديده و تأييده، و حارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته، و إرادته، و أعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، و إذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني”([24]).

6ـ لا يؤمن المجتمع القبلي بالمحاسبة أو المساءلة، و لا يخضع ساسته للرقابة أو النقد. لأن هؤلاء (الساسة و القادة) عندما يقتربون إلى درجة تأليه أنفسهم، فإن ذلك يعبر عن (عصمتهم؟!) تجاه الآخرين. لذلك تراهم يرهبون الناس عبر الضغط عليهم بذهنية الجبرية، و اتباع سلوكية التعالي و التعاظم و التكبر، و يذلونهم بالقهر و التسلط و القوة و سلب المال حتى لايجد (الناس) مفراً إلا التملق لهم و التزلف لحاشيتهم([25]). و لعلنا لا نستغرب كثيراً قول أحد خلفاء الأمويين الوليدبن عبدالملك “ـلدى استفساره، باستفهام استنكاري، عن إمكانية حساب الخليفة و توجيه اللوم له ـ: “أيمكن للخليفة أن يحاسب؟!” و كان الخليفة مخلوق من طينة “معصومة” غير بشرية… و يبدو أن الوليد قد ورث هذا الطبع عن أبيه (عبد الملك بن مروان) الذي كان يزاول عمل ـ بالحكم السياسي و الاجتماعي ـ بطريقة مزاجية، و يرفض بالمطلق الكلمة النافذة أو الموقف الناقد.

جاء في كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص:223): “و عندما تولى عبدالملك بن مروان الخلافة صعد المنبر ليلقي الخطبة الدستورية التي توضع سياسته القادمة، جاء فيها: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله عد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه، ثم نزل…؟!([26]).. لا حظ كيف يتحكم صاحب ذهنية “الجبر التاريخي” في شئوون الناس بإرادته لا بإرادتهم، و يحاكمهم بهواه و مزاجه لا بشريعتهم، و يتوعد بقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بللحق، بكل برودة أعصاب، فقط لأن صاحبها قد يفكر في نقد “الحاكم بأمر الله!؟” و محاسبته… فليس للناس، بحسب ذلك، أي رأي أو مشورة. و السلطة يتم رسمها و تحديدها فقط من قبل الخليفة (ظل الله)، و على الناس أن تستسلم له و لإخوانه (أمراء المؤمنين) و تطيعهم بدون و عي أو إرادة، أو حتى مجرد التفكير بمحاسبتهم و فرض رقابة على تصرفاتهم. لأنهم ـ و كما يزعمون ـ يحكمو باسم الله من خلال السلطة الدينية، أو غيرها من السلطات الوضعية الأخرى (و لا فرق عندهم في ذلك لأن الهم الأساسي هو في سرعة الوصول إلى غنيمة السلطة و منصب الخلافة حتى و لو جاء على بساط و همي)، فالخليفة “القائم بالأمر” هو مصدر كل قوة، و منبع كل طاقة متفجرة في الحركة الاجتماعية العامة، و مرجع لكل الأوامر و السلطات المتعلقة بأحوال العباد و أمور البلاد… لا يجوز لومه أو مساءلته لأنه ـ كما ذكرنا ـ المصداق الخارجي لسلطة الله في الأرض. و لهذا اعتقد الناس في العصر العباسي ـ و ربما لا يزال هذا الاعتقاد سائداً في كثير من البلدان ـ (نظراً للضغط النفسي و السياسي و الإعلامي و الأمني المكلَّف الذي مارسه و لا يزال يمارسه الوزير و السياف بين مستويي القداسة و الرهبة) ـ أقول: لهذا اعتقد الناس أنّ الخليفة إذا قُتل اختل نظام العالم…. احتجبت الشمس، و امتنع المطر، وجف النباتّ([27]).

7ـ يتفرد المجتمع القبلي ـ عن غيره من المجتمعات ـ بأنه لا يوجد فيه رجل كبير، أو شخصية محترمة علمية أو ثقافية أو سياسية سوى “الرب الأعلى” أو “السيد الأوحد” المطاع، فهو وحده رجل المرحلة الاستثنائية، و سفينة النجاة، و صاحب المشروع الإنقاذي، و بشخصيته الكريمة تختزل مؤسسات و بنى المجتمع كلها، أما بقية أفراد المجتمع فهم ـ بمعنى أو بآخر ـ عبيد هذا السيد الذي يحاربهم بلقمة عيشهم كي يبقوا على قدر كبير من الولاء الأعمى و الانقياد المطلق لسلطته… بحيث يمكنه أن يسجن أي شخص أو يدس له السم في طعامه، أو يضربه أو يجلده و ينفيه، أو يقتله… فلا كرامة و لا اعتبار و لا قيمة ـ في هكذا مجتمعات ـ إلا للذات العلية وحدها التي تستطيع أن تعصف بمن سبق لهم أن ساعدوها و عاونوها أومن مدحوها، تماماً كما عصف المنصور العباسي بأبي مسلم الخرساني بعد أن مكن العباسيين من تثبيت ملكهم([28]).

8ـ تهيمن على مواقع المجتمع القبلي “الراهن” ثلاث سلطات رئيسية هي:

أ ـ السلطة الرسمية (الحاكمة): التي تعمل على تطويع و قسر الفرد خصوصاً (المثقف) و اعتقال فكره و عقله لصالح مقولاتها القبلية بمختلف الوسائل الترغيبية و الترهيبية (معنوياً و مادياً)، كمحاولة شراء ضميره و قلمه، أو محاربته بلقمة الخبز أو بالعزل و الإتهام و السجن أو بالنفي و الاستبعاد من خلال استخدام سياسة “القمع البوليسي الأمني و الفكري الايديولوجي”.

ب ـ سلطة العادات و التقاليد الاجتماعية: التي أضحت مع مرور الزمن ديناً قائماً لوحده، أصبح له دعاته و مناصروه في كل حدب و صوب.

ج ـ السلطة الدينية المزيفة (وعاظ السلاطين): المتحالفة مع مراكز السلطة السياسية و الأمنية من أجل الوصول إلى المصالح الذاتية المشتركة التي لا يمكن أن تتسع دوائرها إلا من خلال الإبقاء على حالة التخلف الفكري و النفسي و تكريس واقع التبعية و الاستلحاق التي يرزح تحته أبناء المجتمع كلهم.

9ـ تتحكم بوجود المجتمع القبلي ـ على صعيد أساليب التعامل مع الأهداف و الغايات الفردية و الجماعية (و طنياً و قومياً) ـ مجموعة من الشعارات الوهمية الزائفة التي تراكمت عبر تاريخ طويل من سوء و عقم الممارسة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، و بدلا من أن تتحول (تلك الشعارات) بأفكارها و مبادئها الخاصة و العامة إلى أرض صالحة للابتكارات و الإنجزات الرفيعة التي تعود بالفائدة على الوطن و المواطن، أصبحت خالية من مضونها و مفرغة من محتوياتها الداخلية… بل أكثر من ذلك: لقد أضحت عبئاً ثقيلا مزعجاً يلقي بظلاله السوداء على كاهل منتجيها، و الدعاة إليها الذين كانوا أول من اخترقوها و أسقطوها وفق مبدأ (حاميها حراميها) بحيث أصبحت غير قادرة على تحقيق ذاتها، و الإيفاء بالتزاماتها تجاه الجماهير الواسعة التي انخرطت بقوة في الممارسة السياسية و حتى العسكرية (غير الواعية)، و قدست الكثير من التضحيات لتحقيق تلك الأهداف التي استنزف ـ أصحابُها و منظّروها ـ مواهبَ الناس، و سرقوا الدولة و موارد الأمة بذريعة العمل على تحقيق تلك الشعارات.

لقد رفع هؤلاء شعارات التقدم، و التنمية، و لافتات التحديث، و حب الوطن و غيرها من العناوين و الشعارات الذهبية شديدة اللمعان على سبيل التعصب و التحزب الأعمى، أو على سبيل الشحن و التعبئة النفسية الحماسية القاهرة، فما كان من أوطاننا و طوائفنا و أحزابنا و ملاعبنا إلا أن تحولتْ إلى معسكرات مغلقة أو إلى الغام موقوتة تنتظر ساعة الانفجار.

لقد سرت “العصبية القبلية” في كل أوصال النظام القبلي التقليدي، و باتتْ الآن خاصية أساسية من خصائص تكوين الدول العربية في مستوييها الديني و القومي على السواء… و الواقع العربي يقول بأنه بدلا من أن تنتفي و تتحلل العصبية و قواها التقليدية بظهور الإسلام، اندمجتْ في داخل الإسلام التاريخي، فأصبح المجتمع الإسلامي حاوياً على مجموعة من التكوينات العشائرية و القبلية التي اعتنقت الإسلام. و لكن مع مرور الأيام ارتقى المجتمع نسبياً بعرفه القبلي إلى مستوى القانون و النظام الشرعي الإسلامي. و هذا يعني ـ بطبيعة الحال ـ هيمنة الدولة، و سيطرتها عليه و اعتبارها هي الضمان الفعلي للمشاركة في المجتمع، كما يعني ـ من جانب آخر ـ تخلخل العصائب و الروابط القبلية في مقابل قوة المبادئ و القيم الإسلامية التي تؤكد على المساواة و العدل و المحبة و الإخاء.

لقد بلغ المجتمع العربي ـ عبر تطور الحضارات العربية كلها ـ أوجه و ذروته مع قدوم الإسلام، و بنائه للمجتمع السياسي و المدني الإسلامي الذي كان قد تحول في عهد الرسول(ص) إلى مجتمع مدني حقيقي بالمعنى الدقيق للكلمة، من خلال تأسيس هذا المجتمع ـ بحسب تعاليم القرآن، و رؤية الرسول(ص) ـ على أواصر العقيدة و روابط الانتماء الرسالي لله و الأمة، و إقامة بنيانه على قواعد متينة من المحبة و التكامل و العدل و المساواة. و قد كانت “الصحيفة ـ المعاهدة” التي نظمها النبي(ص) بين المسلمين و بين مختلف الفئات القاطنة في المدينة (و بخاصة اليهود)، و التي جاءت ـ في هذا السياق ـ لتكون أول دستور يصور لنا أحوال و أوضاع المجتمع الإسلامي الذي أصابته تغيرات كثيرة أثرت فيه، و جعلته يقوم، نتيجة لتأثيراتها، على أسس و ضوابط تنظيمية جديدة سياسياً و اجتماعياً و ثقافياً… أقول: لقد كانت تلك “الوثيقة ـ المعاهدة” من أهم الدلائل([29]) التي تشير بوضوح إلى ذلك التأسيس الأولي للمجتمع المدني الإسلامي… و قد مثلت بحق دستوراً قانونياً للمجتمع المدني الواليد، وللدولة الإسلامية الفتية. و هي بمنزلة نظام داخلي لجماعة المسلمين و المؤمنين في شؤون الجنايات و الحرب من جهة، و معاهدة بين الرسول و بين اليهود من جهة ثانية… و هي تمثل ـ في جانب ثالث منها ـ عقداً اجتماعاً تأسست عليه الدولة الإسلامية الحديثة. و هنا لا بد من التركيز على نقطة محورية جداً و هي أن هذه المعاهدة كانت منسجمة مع الأجواء العامة التي تحكم علاقة المؤمنين بعضهم مع بعض، فهي جزء من هذه العلاقة مما يوحي بأن النبي أراد أن يجعل من المجتمع المدني وحدة متكاملة لجميع الفئات الموجودة فيه، سواء منها المهاجرون و الأنصار من المؤمنين، أو من أهل الكتاب من اليهود على اخنف قبائلهم و طوائفهم، نظرا لأن المصير الأمني و الحياتي مشترك بينهم، دون أي تعقيدات من جانبه كدين جديد بحيث نستطيع تقرير الفكرة التالية و هي: أن الإسلام لم يكن ليخطط لأية مشاريع حربية أو عدائية ضد أهل الكتاب من اليهود، بل كان ـ على العكس من ذلك ـ يخطط لمشاريع سلمية طويلة الأمد لخلق التعايش السلمي بين الأديان([30])، و تنظيم العلاقات في المدينة على ضوء المستجدات و التغيرات الجديدة، أي بعد اعتناق طائفة من الأوس و الخزرج الإسلام، و بعد هجرة الصحابة و عيشهم في المدينة بجوار قبائل أخرى، و كذلك بعد قبول عرب يثرب بالرسول(ص) كحكم بينهم.

و نظراً لأهمية ” الوثيقة ـ المعاهدة “فإننا نثبتها هنا كما أوردها ابن هشام في كتاب السيرة النبوية([31]):

“قال ابن اسحاق: و كتب رسول الله (ص) كتاباً بين المهاجرين و الأنصار، وادعَ فيه اليهود و عاهدهم و أقرهم على دينهم و أموالهم و شرط لهم و اشترط عليهم:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من النبي محمد(ص) بين المؤمنين و المسلمين من قريش و يثرب، و من تبعهم، فلحق بهم و جاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون([32]) بينهم و هم يفدون عانيهم([33]) بالمعروف و القسط بين المؤمنين، و بنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى و كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين، و بنو النبت على ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى، و كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين، و بنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى، و كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف و القسط بين المؤمنين. و إن المؤمنين لا يتركون مُفْرحا([34]) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.

و أن لا يحالف مؤمن من مولى مؤمن دونه، و أن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغنى دسيسة (وسيعَة) ظلم أو عدو ان أو فساد بين المؤمنين، و إن أيديهم عليهم جمعياً، و لو كان ولد أحدهم. و لا ينصر كافر على مؤمن، و إن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، و إن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.

و إنه من تبعنا من موالي اليهود فإن له النصر و الأسوة غير مظلومين و لا متناصر عليهم، و إن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء و عدل بينهم، و إن كل غازية غزت معنا، يعقب بعضها بعضاً، و إن المؤمنين يباييء([35]) بعضهم عن بعض بما نال دمائهم في سبيل الله، و إن المؤمنين المتقين على أحسن هدى و أقومه. و اِنه لا يجير مشرك مالا لقريش و لا نفساً، و لا يحول دونه على مؤمن. و إنه من اعتبط([36]) مؤمناً قتلا عن بينة، فإنه قوْد به([37])أن يرضي ولي المقتول. و أن المؤمنين عليه كافة، و لا يحل لهم قيام إلا عليه. و إنه لا يحل لمؤمن أقر بما في الصحيفة و آمن بالله و اليوم الآخر، أن ينصر محدثاً و لا يؤويه. و إنه من نصره و آواه فإن عليه لعنة الله و غضبه يوم القيامة، و لا يؤخذ منه صرف و لا عدل. و إنكم مهما اختلفتم في شيء فإن مرده إلى الله عز و جلّ و إلى محمد.

و إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. و إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم و للمسلمين دينهم مواليهم و أنفسهم، إلا من ظلم و أثم، فإنه لا يوتغ([38]) إلا نفسه و أهل بيته، و إن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف. و إن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، و إن ليهود بني أوس مثلى ما ليهود بني عوف. و إن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا ما من ظلم و أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه و أهل بيته، و إن جفنة بطن ثعلبة كأنفسهم. و إن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، و إن البرّ دون الإثم.

و إن موالي ثعلبة كأنفسهم. و إن بطانة يهود كأنفسهم. و إنه لا يخرج منهم احد إلا بإذن محمد. و إنه لا ينحجر على ثار جرح. و إنه من فتك فبنفسه (فتك) و أهل بيته إلا من ظلم، و إن الله على أبر هذا. و إن على اليهود نفقتهم، و على المسلمين نفقتهم، و إن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، و إن بينهم النصح و النصيحة و البر دون الإثم. و إنه لم يأثم امرؤ بحليفه. و إن النصر للمظلوم، و إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. و إن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. و إن الجار كالنفس غير مضار و لا آثم. و إنه لاتُجَار حرمة إلا بإذن أهلها. و إنه ما كان أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإنّ مرده إلى الله عز و جل، و إلى محمد رسول الله(ص). و إن الله على أتقى ما في الصحيفة و أبره. و إنه لاتجار قريش و لا من نصرها، و إن بينهم النصر على من دهم يثرب، و إذا دعوا إلى صلح يصالحونه و يلبسونه، فإنهم يصالحونه و يلبسونه، و أنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كال أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، و إن يهود الأوس و مواليهم و أنفسهم، على مثل لأهل الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة. قال ابن إسحاق: و إن البر الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه. و إن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة و أبره. و إنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، و إن من خرج آمن و من قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم. و إن الله جار لمن بر و أتقى، و محمد رسول الله”.

إننا نعتقد أن وجود دلائل و معطيات تاريخية تشير إلى قيام مجتمع مدني اسلامي في السابق ـ كما يتضح من خلال هذه المعاهدة ـ لا تعتبر، بحد ذاتها، أساساً كافيا للنهوض بواقع الأمة و بناء مجتمع سياسي و مدني اسلامي يقوم على أساس تربية و تنشئة إنساننا المبدع و الخلاق في فكره و سلوكه و تنظيمه الاجتماعي، بدل لا بد من توافر شروط و مناخات اجتماعية و سياسية جديدة تتناسب مع الأوضاع و المستجدات الراهنة، خصوصاً بعد طغيان أمواج التغيرات و التحولات الاجتماعية الهامة الأخيرة التي عصفت بعالمنا الحديث، و شكّلت ـ بثورتيها العلمية و المعرفية ـ القوة المنتجة و المحركة لهذا العصر، و أصبحت إحدى أهم إيقاعاته الفكرية المؤثرة في حركة البشر.

نعم… يمكن لتلك الخلفيات التاريخية المشرقة، القائمة في ذهنيتنا الاجتماعية و الفكرية، أن تعطينا إضاءات متنوعة على طريق مسيرتنا الحاضرة و المستقبلية، و ترسم لنا بعض المعالم الحركية على طريق قيام مشروع حضاري تنموي إسلامي يمكنه المساهمة في بناء الدولة السياسية الحديثة، و المجتمع المدني المؤسساتي الحديث.

لكن السؤال المطروح هنا: هل يمكن الاستفادة الكاملة من تجربة المجتمع المدني في الغرب القائم على سيادة القانون و العدالة و الحرية؟ ثم كيف هو السبيل للوصول إلى مجتمع إسلامي ناهض يحترم حقوق الفرد و الجماعة، و يؤمن بالتعددية السياسية و الفكرية (التي أقرها الإسلام و دعا إليها ضمن موازين و ضوابط شرعية معروفة)

و يقدر الاختلاف و التباين في الآراء و النظريات؟! و هل يتقبل الإسلام في تاريخه الحالي و في المستقبل ـ كما تقبل في عهد الرسول (ص) ـ نشوء مجتمع سياسي مدني، إسلامي الطرح و الهوية و الانتماء، يأخذ بأجواء العصر، و يعيش حس و نبض الحياة المعاصرة، و يتبع حركية التجديد و التجدد في مناهجه، و فكره، و مختلف رؤاه الأخرى بما يتناسب مع الضرورات المستجدة الملحّة للحياة الراهنة؟!… ثم هل هناك إمكانيات و معطيات واقعية حالياً يمكن أن تجعل الإسلاميين يؤمنون بأفكار و طروحات مدنية و ضعية من قبيل الديمقراطية و العلمانية، باعتبار أنها تشكل ـ كما يزعم ـ العمود الفقري لأي مجتمع مدني حديث؟!

فى الواقع سنحاول ـ لا حقاً ـ الإجابة على “التساؤلات ـ الإشكالية” المطروحة أعلاه من خلال بحثنا في المدلولات والاثار السياسية و الاجتماعية الإيجابية في طبيعة التركيب النفسي و المفاهيميي العقائدي للمجتمع المدني ـ كما تحدث عنها، و ركز ثوابتها، و نظم مسارتها الشهيد الصدر (رض) ـ و ذلك ضمن رؤية قد تكون تأسيسية ـ على المستوى المعرفي النظري ـ خاصة بإنشاء مجتمع مدني إسلامي في وقتنا الحاضر أو في المدى المستقبلي:

أ ـ يقدم القرآنُ الدينَ للناس بحكم كونه سنة كونية ثابتة من سنن الحياة و الوجود، و مرتكزاً فائق النوعية في كل الحركة التاريخية. إنه قرار تكويني و سنة ثابتة، و ليس قراراً تشريعياً اعتبارياً يمكن أن يكون قابلا للمواجهة أو الإسقاط… (فطرة الله التي فطر الناس عليها…) (الروم: 30).

و وفقاً لهذا المفهوم و الصيغة المفاهيمية الراقية تكون وظيفة الإنسان ـ في سياق و عيه الفعّال لمسألة الدين ـ أنْ يعمل على ملاحقة الأهداف الكبرى، و تجسيد القيم السامية العالية و النبيلة لحركة الدين من خلال مضمونه الداخلي، و بنيته النفسية و الشعورية الممتزجة ـ فطرياً و وجودياً ـ بحقيقة الدين و جوهر الحياة. فالمجتمع الإسلامي يؤمن بأن للإنسان دوراً فاعلا و حاسماً، و حضوراً مميزاً في حركة التاريخ كلها. و هو الذي يصنع ـ بمحتواه الداخلي ـ كلَ الغايات و الإبداعات. و يتمثّل كل الأهداف العليا و الطموحات الحية للمسيرة الإنسانية من خلال مزجه الواعي بين فكرة، أو عقيدة، ما و بين شعور و إحساس معين.

و من الضروري، و الحال هذه، أن تكون مسيرة المجتمع الإسلامي ـ كما يؤكد السيد الشهيد([39]) ـ واعية و صادقة. فكل حركة حاضرية، دينية أو وضعية، لها غاية و طموح ما تسعى نحو تحقيقه، و تستمد قوتها و طاقاتها و وقودها و زخم اندفاعها من خلاله. فالهدف هو الممون الحقيقي الداخلي للحركة، و هو ـ في الوقت نفسه ـ القوة التي تمتصها عند تحقيق الهدف فتتحول الحركة إلى سكون باستنفاذها لهدفها… و الهدف الوحيد ـ الذي يتقرب منه الإنسان، و يواصل من خادله مسيرته المتصاعدة و جذوته المتقدة ـ هو الهدف الذي يقترب منه الإنسان باستمرار، و يكتشف فيه ـ كلما اقتربنا منه ـ آفاقاً جديدة و امتدادات غير منظورة تزيد الجذوة اتقاداً، و الحركة نشاطاً، و التطور إبداعاً.

و هنا يأتي دور المجتمع ليضع الله هدفاً أعلى و أرقى للمسيرة الإنسانية، و يطرح صفات الله، و أخلاقه، و قيمه كمعالم لهذا الهدف الكبير… فالعدل، و العلم، و القوة، و الرحمة، و الجود، و السلام… الخ… تشكل بمجموعها هدف المسيرة للجماعة البشرية الصالحة، و كلما اتقربتْ خطوة نحو هذا الهدف و حقت شيئاً منه انفتحت أمامها آفاقاً أرحب، و ازدادت عزيمة و جذوة لمواصلة الطريق، لأن الإنسان المحدود لا يصل إلى الله، ولكنه كلما توغل في الطريق اهنّدى إلى جديد، و امنّد به السبيل سعياً نحو المزيد… (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا) (العنكبوت: 69).

إن الله يطلب من الإنسان أن يتعامل مع صفات الله و قيمه و مبادئه بوصفها حقائق عينية يمكنها أن تعايش تجربة الإنسان الذي يستطيع بدوره أن يعمل على الالتزام بها في حياته، بما يعود بالنفع و الفائدة الكبيرين على صعيد حياته الفردية و الاجتماعية، لأن القيم لم تأتِ من فراغ أو سكون بل انبثقت من واقع عيني ملموس ارتبط بالواقع اليومي، و قد أرادها الله أن تكون رائداً و هادياً و مرشداً للإنسان في طريق الحياة، و هدفاً أساسياً لمسيرته العملية فيها.

و من خلال هذا الفهم الاجتماعي الرفيع لفلسفة الوجود الحقيقة الهادفة ـ التي امتاز بها الإسلام عن غيره من الأفكار و النظريات و الأدبيات الأخرى ـ نجد أن المجتمع الإسلامى المدني، الذي تقوم أركانه على الأسس الإسلامية الصلبة في الرؤية و المسار و الهدف، قادر ـ لا محالة ـ على الاستجابة الفاعلة لمتغيرات و شروط الحياة الجديدة، لأن الطريق إلى المَثَل الأعلى (الله تعالى) غير محدودة، و لا تقف عند حد بذاته، لذلك تكون مجالات الإبداع و التطور و الإنتاج و النمو و التصاعد الفكري و العملي قائمة بشكل دائم، و مفتوحة أمام الإنسان باستمرار من دون توقف.

و يلفت السيد الشهيد النظر([40]) ـ في هذه المقاربة و العملية جداً ـ إلى انّ الهدف و المَثَل الأعلى ـ حينما يتبنى ـ سوف يمسح من الطريق كل الالهة المزورة التي أنشاها و أقامها أفراد المجتمع القبلي الساكن (نقيض المجتمع المدني) و سوف يزيل كل الأصنام و الأقزام المتصنمة المتعملقة التي تقف حاجزة على الطريق بين الإنسان و بين وصوله إلى الله، كما سيكون (ذلك الهدف) قادراً على إعطا الحل الموضوعي للجدل و التناقض الإنساني.

أي بمعنى إعطاء الشعور و المسؤولية الموضوعية لدى الإنسان الذي ينشأ لديه ـ من خلال إيمانه بالله و وعيه له في طريقه بحدوده الواقعية و الكونية ـ إحساس و شعور معمق بالمسؤولية تجاه المثل الأعلى، و من ثم تجاه المجتمع الذي يعيش فيه و الذي يشكل انعكاساً حقيقياً لقيم ذلك المثل الأعلى على أرض الواقع.

إذا… يقوم التركيب العقائدي للمجتمع الإسلامي على قاعدة الإيمان بالله و صفاته، و يجعل منه هدفاً للمسيرة، و غاية للتحرك الحضاري الصالح و المنتج على الأرض. و هو التركيب النفسي و العملي الوحيد الذي يمد الحركة الحضارية للإنسان بمؤونة و وقود لا ينفذ:

(لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي و لو جئنا بمثله مدداً…) (الكهف: 109).

ب ـ ينعكس التركيب النفسي للمجتمع الإسلامي على طبيعة النظام الاجتماعي الإسلامي العام الذي لا يمارس دوره في فراغ و إنما يتجسد في أفعال لكائنات بشريد و علاقات قائمة بينهم، إذ يعمد هذا النظام إلى تعبئة و حشد الطاقات و القدرات المختزنة في المجتمع([41])، و تفجيرها في أفراده تبعاً لمدى انسجامه إيجاباً أو سلباً مع التركيب النفسي و النسيج العقائدي و التاريخي لهؤلاء الأفراد. لأن البناء الواعي الخاص بتقدم الأمة و تطورها ـ على طظريق توليدها لمجتمع مدني منفتح ـ لا بد و أن يأخذ بعين الاعتبار نفسية الأمة التاريخية، و طبيعة مشاعرها الواجدانية و تركيبها العقائدي الإسلامي، لأنَّ عملية النهوض و الارتقاء بواقع المجتمع الحالي، واستنهاضه نحو تحقيق مدنية حديثة راقية محورها و أساسها الإنسان نفسه المؤمن بالله تعالى كمثل أعلى مرتفع ـ بالتعبير البليغ للشهيد الصدر ـ لا يمكن أنْ تتحقق بدون إدماج الأمة كلها في عملية النهوض المفترضة، بحيث يقوم ذلك النظام الاجتماعي على مبدأ و قاعدة التفاعل الحي المباشر مع تلك الأمة… فحركة الأمة كلها شرط أساسي لازم لإنجاح أية عملية بناء حضاري و اجتماعي جديدة، و أي معركة شاملة ضد التخلف، لأن حركتها تعبير حي عن إرادتها و وعيها الذاتي و انطلاق مواهبها الداخلية نحو الفعل الخارجي المبدع. و حيث لا تنمو الأمة لا يمكن لأي منهج أو صيغ جامدة و محنطة أن تغير من الواقع شيئاً (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11).

من هذا المنطلق يجب أن تبقى تلك الحقائق ماثلة و حاضرة في أذهان الجميع لكي يُعمل على الأمة بها([42])، و التفتيش ـ في ضوئها ـ على مشروع إسلامي اجتماعي مدني مؤهل و قادر على تنشيط و تحريك المجتمع و الأمة، و تعبئة كل قواها و طاقاتها للمعركة ضد واقعها المازوم المتخلف.

ج ـ يقوم التركيب النفسي للإنسان المسلمم أيضاً على أساس تحريره من قيود الواقع، و تربيد الدوافع لديه، بحيث تنبع من الشعور العالي بالمسؤولية و الإحساس بخطورة و أهمية الواجب، و ذلك من أجل إقامة الحق و العدل، و تحمّل الصعوبات و المشاق المختلفة التي تتطلبها عملية البناء (بناء الإنسان و المجتمع)… و من الطبيعي جداً أن يؤثر الجوهر الإنساني ـ في هذا المجال ـ على نوعية التحرك الخارجي نحو الهدف المرسوم، من خلال مواجهته لبعض العقبات و المشاكل التي تعترض مسيرته في الطريق و من أهمها مشكلة الإنشداد إلى الدنيا و التعلق الأرضي بالحياة بغض النظر عن شكلها و نوعها و خيرها أو شرها… و هذا أمر يؤثر ـ كما ذكرنا ـ على المسيرة البنائية، و قد يوقفها في بدية انطلاقتها، لذلك لا بد ـ لكي تجسَّد الطاقات و ثربَّى مواهب أفراد الأمة ـ من تركيب عقائدي و نفسي له أخلاقية خاصة تنمّي في داخل الإنسان محبة الله بحيث يكون الله هو المحور الأساسي في حركة الوجود كله، ليكون الإنسان عبداً لله و حراً أمام كل مفردات الحياة و معطيات الوجود، لا أنْ يكون عبداً للدنيا، بل أنْ يكون مالكاً و سيداً حراً و منطلقاً إلى حياة أوسع و أغنى و أعلى من حياة الأرض، و مؤمناً بأن التضحية بأي شيء على الاْرض هي تحضير بالنسبة إلى تلك الحياة التي أعدها الله للمتقين من عباده. و هذا لا يتم ـ كما يؤكد عليه الشهيد الصدر ـ إلا بانتزاع ذلك التعلق الإنساني بالأرض لكي تتحول الدنيا من كونها مسرحاً للتنافس و التكالب على المال و الزعامات و الشهوة و النزوع نحو المادية العمياء، إلى مسرح للبناء الصالح، و الكدح الهادف، و الإبداع المستمر في الحياة([43])… و بذلك يتحرر الإنسان ـ في ظل المجتمع الإسلامي ـ من مغريات الأرض، و يرتفع عن الهموم و الهواجس الصغيرة التي تفصله عن الله و عن الناس، و تبعده عن التفكير بالأساسيات، و يعيش من أجل الهموم الكبيرة الواسعة النّي تتصل بحركة الحياة و هدف الوجود. و من خلال ذلك يواجه أعظم مسؤوليات البناء الاجتماعي بصدر رحب، و قلب مطمئن، و عقل مفتوح، و نفس قوية و مؤمنة.

د ـ ضرورة بناء الإنسان المسلم ـ في إطار عمله المستمر لبناء مجتمع مدني إنساني ـ على الإيمان العميق بقابلية الدعوة الاجتماعية الحضارية للإسلام، بمفاهيمها و تصوراتها الفكرية و العملية، للتجديد و المراجعة و الاجتهاد و الاستجابة لتطورات الوعي البشري، و قدرتها على مواكبة المتطلبات العملية للناس([44])، في شتى العصور و المراحل التاريخية… لأن الله تعالى لم يرد للإسلام ـ كدين سماوي خالد مهتم بشؤون الإنسان و المجتمع الخاصة و العامة ـ أن يبقى مجرد أفكار و نظريات مخزونة في بطون الكتب و الأسفار من دون أن يكون لها دور أساسي في الحياة، في أن تتجسد في مواقع التجربة البشرية، و تعايش ظروف و مناخات الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية([45])، و تشق طريقها إلى حياة الناس و ممارساتهم اليومية، الأمر الذي يتطلب ـ و بشكل مستمر ـ قدرة فائقة لدى هذا الدين على تجديد أبنيته الفكرية و آليات تطبيق منظومتة الفكرية و العقائدية في الواقع بما يتوافق مع تجدد أفكار البشر، و اتساع مداركهم المعرفة، و تعقُّد ظروفهم الاجتماعية، و تراكم احتياجاتهم و متطلباتهم الاقتصادية.

إن فاعلية هذا الدين، و قابليته على البقاء و الثبات و الاستمرار و الإنتاج و التأثير في الحياة العملية للناس مرهونة ـ إلى حد كبير ـ بقدرته على الاستجابة الإيجابية لتحديات العصر، و مشاكل الحياة، و متغيرات الواقع التي تتسم بدوام التجدد و التطور و التغيير من حال إلى حال، مما يستدعي حلولا و تصورات عملية متطورة و منسجمة مع ذاتها أولا، ثم مع الواقع ثانياً، و قادرة على المساهمة في حل مشاكل الإنسان و المجتمع المدني.

إن الدين الذي يريد أن يبقى حاضراً في حياة الإمة، و مؤثراً بقوة في حركة أبنائها، يجب أن يمتلك الطاقات و القدرات اللازمة لفتح الآفاق المستجدة من الوعي و التفكير المنطقي السليم لمعتنقيه و متبعيه، و الأمور التي تعطي للأمة الإسلامية هذا المستوى المتطور من الوعي بطبيعة الاجتماع السياسي و المدني الإسلامي هي معرفتها بخصائص المجتمع، و نوعية القيم و المعايير التي تتحكم في صياغة مواقف أفراده، وردود أفعالهم، و المرونة في التعامل مع تطورات الحياة و مستجدات المجتمع، و تفهُّم الأساليب المناسبة لتغييره و تطويره بما يتناسب و الأوضاع الجديدة، و الانفتاح على مشاكل كل عصر و ظروفه الخاصة. لذلك يجب أن يدخل و عي الإنسان المسلم ـ بضرورة مزاعاة تغيرات الأحوال و الظروف المحيطة بحركة المجتمع و الأمة ـ في صميم تركيبته النفسية و الشعورية، لأنّ الإسلام ـ كفكر حي ـ يتحرك في الحياة بحسب الطرق الطبيعية و السّنن العادية الناظمة لحركة الواقع الكوني و الوجودي، و لا علاقة للغيب في حركة الإنسان في إطار طبيعة تنظيمه الاجتماعي و المدني، لأنّ الغيب نفسه أقام النظام الوجودي للموجودات جميعاً على أساس منطق السببية و العلم.. “أبى الله سبحانه إلا أنْ يُجري الأمور على أبابها”، كما أسندَ الغيبُ نفسُه الوجودَ الإنساني إلى العلم.

(و يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) (البقرة: 151).

(و علم آدم الاسماء كلها) (البقرة: 31). لذلك لا بد أنْ يُراعى منطق الطبيعة، و نظام الأسباب، و قانون العلية الناظم للمسيرة الطبيعية و البشرية. و عندما يقف هذا الفكر ـ الذي يعكس ذلك المنطق ـ في بعض المحطات الحياتية، و يفقد قدرته على التجاوز في بعض الميادين التي قد توضع فيها حواجز و عراقيل أمام تقدمه، فإن ذلك ليس عيباً أو نقصاً فيه بشكل ذاتي، و لا يُعتبر ضعفاً في أية عقيدة أو نظرية تتحرك في الحياة ثم تأتي القوى المادية لتمنعها من مواصلة خط السير، لأن الإسلام ـ كما أشرنا ـ لا يرتكز على المبدأ الغيبي كأساس عملي في مواجهة تغيرات الحياة، و تحولات المجتمع ـ في أنْ يحكم الغيب ساحة الحياة لتتحول عناصر الحياة المختلفة إلى مواقع غيبية تخضع للغيب و تفكر فيه ـ و لكنْ أنْ يكون الغيب و ارداً في ذهنية الأمة، و أفراد المجتمع من حيث المبدأ، و في الوقت نفسه يختزن الإنسان المسلم في داخله قانون السببية الذي يقول: بأن لكل ظاهرة في الكون أسبابها المودعة في داخله، و أنّ الله قد جعل لكل شيء قدره، و أن الحياة ـ بمختلف مجالاتها (خصوصاً الاجتماعية) ـ تحكمها القوانين و الأنظمة التي يمكن للإنسان أن يكتشفها و يتعرف عليها، و يجعلها منطلقا لحركته الاجتماعية المدنية. و هذا الأمر محكوم بضرورة توفر شرط أساسي هو تغيير شروط حياتنا بما يتفق مع معايير العصر. و من الطبيعي أنّ الذي لا ينجح في ذلك يهمش و ينهار و يتداعى من الداخل ثم يخرج من التاريخ، كما هو حال أمتنا في الوقت الراهن.

و قد أكد السيد الشهيد – ضمن السياق نفسه ـ على أن هذه النظرة العينية للإنسان المسلم قد أثرت سلباً على حركته حين حددت من قوة إغراء المادة لديه، و قابليتها لإثارته و تحريكه، الأمر الذي يتجه بالإنسان في العالم الإسلامي ـ حين يتجرد عن دوافع معنوية للتفاعل مع المادة و إغرائه باستثمارها ـ إلى موقف سلبي تجاهها يتخذ شكل الزهد تارة، و القناعة تارة أخرى، و الكسل ثالثة. صحيح أنّ الغيبية قد روّضت الإنسان المسلم على الشعور الدائم برقابة فاعلة غير منظورة، قد تعبّر ـ في وعي الإنسان المسلم التقي ـ عن مسؤولية صريحة بين يدي الله، و قد تعبر في ذهن مسلم آخر عن ضمير محدد و موجه، و هي على أي حال تبتعد بإنسان العالم الإسلامي عن الإحساس بالحرية الشخصية، و الحرية الأخلاقية بالطريقة التي أحس بها الإنسان الأوروبي. و هذا التحديد في وعي الحرية و ممارستها، جَعَلَ الفرد المسلم يتجه بقوة ـ بدافع داخلي مسؤول ـ لينسجم مع جماعتها، و يشعر برابطة عميقة في تعامله معها… و بذلك اختلفت هذه الرؤية عن فكرة الضد و الصراع التي سيطرت، و لا تزال تسيطر على الفكر الأوربي الحديث([46]).

هـ ـ المعطى التأسيسي النظري الآخر في المسألة الاجتماعية الإسلامية في سعيها نحو بناء تنظيمها و حراكها المدني الحديث هو ـ كما يراه السيد الشهيد ـ تعميق إحساس الإنسان بمسؤوليته تجاه خلافة الله في الأرض. و هذه الصيغة الفكرية و العملية تعبر ـ في نظري ـ عن غنى فكري، و طموح واع في بناء المجتمع على الإيمان و العقلانية و الشعور العالي بالمسؤولية، كونها تؤكد على قدرة و أهلية و فاعلية المضمون الإنساني في عملية الخقل و الإبداع من خلال اعتبار الإنسان السيد المطلق في هذا الكون الفسيح.

و هذا التوجه العالي نحو تعميق تلك الصلة بالسماء لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ تثبيط طاقة الإنسان عن الفعل و العمل، و شعوره بالعجز عن الجديد و الخلق المستمر باستسلامه ـ كما يُزْعم ـ للقضاء و القدر، و اتكاله على الظروف و الفرص هذا و هناك.

طبعاً هذا الأمر غير وراد حتى و لو سلك الإنسان في العالم الإسلامي بعض تلك السبل التي أدت إلى إحساسه بذلك الشعور بطريقة غير متوازنة. و بالتالي ساهمت في إنشال عملية البناء الحضاري لمجتمعه و أمته.

إننا نعتقد أن الإحساس العميق للإنسان في عالمنا الإسلامي بأهمية و عيه لمسألة الخلافة الربانية، يحتوي في مضمونه الداخلي على معنى المسؤولية و الحكمة و التوازن تجاه ما يُستخلَف عليه، إذْ لا مسؤولية بدون حرية، و شعور بالاختيار، و التمكن من التحكم في الظروف، و إلا فأي استخلاف هذا إذا كان الإنسان مقيداً أو مسيّر.

و لهذا من اضروري إلباس الأرض إطار السماء ـ بحسب تعبير السيد الشهيد ـ و إعطاء العمل مع الطبيعة ـ و السعي نحوها، و تسخير إمكاناتها ـ صفة الواجب الشرعي، و مفهوم العبادة، لأن ذلك هو الذي يفجر في الإنسان المسلم طاقاته و يثير إمكاناته و قدراته. بينما قَطْع الأرض عن السماء يعطّل في الخلافة معناها، و يجمد نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء، و يعطل قوى التحريك و التجاوز الهائلة ـ في النظرة ـ بتقديم الأرض إلى الإنسان في إطار و صيغة لا تنسجم مع تلك النظرة.([47])

رابعاً: المجتمع المدني الإسلامي… قراءة أولية في الإشكاليات المعاصرة

إن التأسيس النظري لبدايات تشكيل و بناء المجتمع المدني الإسلامي في عصرنا الرّاهن، يجب أن يمر أولا على طريق فض النزاعات و الخصومات الفكرية المعرفية السّائدة على الساحة الثقافية و السياسية العربية و الإسلامية حالياً، و التي يمكن تلخيص جوانبها المختلفة في إشكالية نظرية (و عملية) موضوعية هامة جداً هي إشكالية “الإسلام و العلمنة، و قضايا الحرية و الديمقر اطية و الأخلاق الواقعية العملية”، و ذلك بعنوان كونها ـ بحسب رأي التيارات و النخب العلمانية ـ من مقومات الانتقال إلى المجتمع الإسلامي (العلماني). و يصل الأمر بتلك النخب أن تطرح و تنظّر لوجود تصادم و تناقض دائم بين البناء الإسلامي و بين الحرية و الاختلاف أو تعدد الآراء و الاجتهادات، بحيث يبدو الإسلاميون و كأنهم في حالة ازدواجية بين قناعاتهم الفكرية و النظرية و بين ممارساتهم السياسية العملية. و هذا التغير نجده واضحاً في نقد النماذج الإسلامية، و محاولة إيجاد عنصر رابط لكل تجاربها و أنماطها، بحيث تلقى التبعة على قدرة الدين ـ وطليعته الإسلامية ـ على بناء حياة سياسية جيدة منظورة تناسب ازدهار و توطر الحياة المدنية.([48])

لاشك بأن هناك إشكالية دائمة تواجه الإسلاميين تستلزم منهم إجابة شافية و وافية تتمحور حول السؤال التالي: هل بإمكان الإسلام (السياسى!؟) بناء نظام اجتماعي مدني ينتج قانوناً إسلامية مدنيا؟! و ما هي حدود العلاقة التي يقيمها هذا النظام المدني مع الآخر أنّى كان انتماؤه و توجهاته الفكرية؟! و هل هناك علاقة بين هذا النظام الاجتماعي المدني الإسلامي و بين الآخر العلماني؟!.

في الواقع، لا تزال المسألة العلمانية تشغل الأوساط الثقافية العربية و الإسلامية التي لم تتفق حتى الآن على تحديد المعنى المصطلح لكمة “العلمانية”([49])، و ربما يعود السبب الكامن وراء هذا الاختلاف في فهم المصطلح، الى طبيعة الجدل الذي انطلق من خلال منشأ تلك الكلمة ـ بلفظها و دلالتها ـ في البنية المعرفية الغربية، و محاولة النخب و القوى الثقافية عندنا ايجاد مناخ مناسب لها في فضاء الثقافة الإسلامية، يمكن ان تنمو فيه “نبتة” العلمانية. و قد قاد هذا “الاختلاف ـ الخلاف” إلى انقسام النهضويين و السلفيين بشأن الأسئلة الكثيرة المثارة حول العلمانية و علاقتها بالدين و الدولة، و الإشكاليات الناتجة عن طرح هذا الموضوع الفكري في السياق المعرفي الإسلامي في ظل المتغيرات الاجتماعية و السياسية المحلية و الدولية التي لا تزال تشهدها أمتنا حتى الآن.

لقد جاء تقديم الإجابات عن تلك الأسئلة النهضوية ـ من قبل مفكري النهضة و من جاء بعدهم تقريباً ـ دون مستوى الطموح و الآمال في كثير من مواقعه و اتجاهاته، متأثراً بعوامل و ظروف تاريخية سياسية عديدة، كان من أبرزها الظروف الناشئة من حركة الاستعمار الأوروبي لقسم كبير من بلاد العرب و المسلمين، و ما رافقه من تحولات اجتماعية و اقتصادية و فكرية كبيرة. من هنا انقسمت الإجابات المتعلقة بالعلمانية ـ بشأن نشأتها في بلادنا ـ إلى قسمين، الأول: قدّس العلمانية و اعتبرها خشبة الخلاص و الإنقاذ من بحر الظلمات و التخلف الذي تعيشه بلادنا في داخلها… أما الثاني: فقد لعنها و رفضها و أصدربحقها الفتاوى و التحريمات.

و يبدو لنا أن هذه الثنائية التناقضية ـ في طبيعة الموقف أورد الفعل العربي و الإسلامي على مسألة العلمانية ـ قد حرم المشتغلين بقضايا الفكر و الثقافة و التراث الإسلامي من تقديم قراءة نقدية موضوعية جادة لمسألة العلمانية ـ و النتائج التي أدت إليها في مجتمعاتنا في سياق حركة التطبيق و الفعل ـ و لغيرها من المسائل الفكرية التي كانت موضوعاً للانقسام الحاد بين رواد النهضة و بين التيارات الفكرية و السياسية و الاجتماعية المشتغلة بهذه المسائل([50]).

هذا و سنحاول في هذه العجالة الفكرية ـ إذا صح التعبير ـ تقديم قراءة نقدية جادة لمفهوم العلمنة و إشكالية العلاقة بينه و بين الدين الإسلامي.

ذكرنا سابقاً أن القرآن الكريم يقدم الدين الإسلامي للناس جمعياً على أساس أنه عقيدة إلهية ناظمة لحركة الواقع الروحي و المفاهيمي ، وينبثق عنها قانون ونظام كامل للإنسان والحياة، لذلك فهو (الإسلام) ليس مجرد علاقة روحية بين العبد و ربه وحسب، فيها شيء من الروح ونفخة من الأخلاق تنعكس على الواقع الداخلي للانسان،ولكنه دين حركي عملى أنزل الله من أجل اقامة العدل بين الناس، وبالتالي ايصال كل الانسان إلى كماله الممكن له ،ولهذا انطلقت الأديان كلهاـ ومنها الإسلام من أجل أن تشرع للإنسان القوانين والمبادي التي تنظم له خط العدل، عدل الإنسان مع ربه، وعدله مع نفسه، وعدله مع الناس وعناصر الحياة الأخرى من حوله. ([51]) وجعلت له في كل ما يفعل وما يترك قانوناً معيناً مبرمجاً يستمد حيويته وحركيتة مما أراد الله من مصالح للإنسان ليقوم بها، وليبتعد عن المفاسد التي نهاه عنها.

من هنا لا يكون الإسلام فكرة روحية وأخلاقية مجردة ومثالية تحلق في عالم الخيال، أو تعيش في داخل الذات في علاقة الذات بالله. و من هنا أيضاً يكتمل الجانب الروحي للإسلام بالجانب السياسي، كونه يمتلك جانباً غيبياً يتصل بالعقيدة، وجانباً مدنياً يتصل بالحياة والوجود الخارجي، ولا يوجد فصل أو قطيعة بينهما حتى نتحدث عن إشكاليات إدخال السياسة في الدين أو إدخال الدين إلى همق الحياة السياسية والاجتماعية. لأنه من المفترض ـمندئياًـ أن يمارس الدين حركته في الواقع الاجتماعي المدني من خلال الأساليب والأدوات العقلانية المتوازنة التي لا تمسيء إلى خطوطه العامة، وإلى اخلاقياته وقوانينه.

إن هذا الرأي صحيح عقائدياً وفكرياً، لأن الإسلام بخلاف المسيحية ([52]) التي ساعدت هي نفسها على إحداث الفصل بين الدولة والدين منظومة من المبادي والاحكام و الضوابط الشرعية التي يلتزمها الفرد المسلم بصفة أنها واجب رباني مقدس في مجال الحقوق و الواجبات الشرعية و السياسية، و على نطاق المعاملات، و العقود، والعقوبات، وقوانين خاصة و عامة أو تفصيلية في مجال الحقوق الفردية و الاجتماعية تنظم سلوكية الفرد و الجماعة و الأمة. ثم إن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) نفسه كان قائداً للدولة في، و هو الذي عقد التحالفات و خاص الحروب، ونظم المعاهدات و وقع المواثيق، و اضطلع بمسؤوليات تتظيم الاجتماع السياسي والمدني الديني. إضافة إلى ذلك فان التاريخ السياسي و الاجتماعي الإسلامي لم يشهد أبداً أية حركة قامت على أساس الفصل بين الديني و الدنيوي أو الفصل بين الدين و الدولة أو بين الدين ونظام الاجتماع السياسي أو الحقوقي، على الرغم من أن نفس هذا التاريخ قد عرف الكثير من ثورات الإصلاح في داخل الأمة التي قامت غالباً على مبداضرورة العوذة إلى روحية المبادي الإسلامية الأصلية الأولي فيوجه السلطات السياسية الحاكمة التي استاثرت بالفيء، و بالسلطة و الامتيازات لوحدها مدعية أنها تحكم بموجب صك الهي مقدس .

إن البدايات الزمنية الأولى لتاريخة الصراع الفكرى بين أنصار مشروع الدولة الإسلامية وأنصار الصيغة العلمانية لا تكاد تتعدى بضعة عقود من السنين، كان الوعي الإسلامية قبلها لا يعيش اضطرابا حيال القضية، مفهوماً و مشروعاً بل جل النقد الذي كتب كان يتطلع إلى إدخال تعديل على التجربة القائمة فعلاً بإسم الخلافة أو بإسم الدولة الإسلامية و بضعة عقود في حساب الوعي التاريخي للأمم لا تعطي شرعية للصيغة العلمانية للدولش اذا أردنا أن ننتظر إلى المسألة من زاوية التقادم الزمني .

فالمسلمون عاشوا طوال قرون مع صيغة الدولة الإسلامية بصرف النظر عن نقاشنا لهذه الصيغة ـ دون أن تكون هناك مشكلة نظرية تقود إلى الرفض، و إذا كنا قد شهدنا كثرة الصياغات الاجتهادية، فهي جمعياً تلتقي على الإيمان الكامل بالدولة الإسلامية كقاسم مشترك فيما بينها([53])

نحن قد نفهم العلمانية ـ في حقيقة مفهوماً العلمي الصريح ـ بأنها ليست ضد الدين، و ليست إلحاداً بالرغم من وجود فثات ملحدة تتخذ العلمانية شعارا لها ([54]) و انما العلمانية تعني أنها لا تلتزم ـ في الواقع القانوني ـ ديناً و معيناً أي أنها ليست ملزمة ـ في الواقع السياسي ـ بخطوط دين معين أى أن يعرق الدين و المتدينون في تسابيحهم و طقوسهم و صلواتهم و عباداتهم و صوفياتهم و غييباتهم في داخل الكنيسة و المسجد و تترك الحياة للنسان كي يدبروها وفقاً للتشريعات و القوانين الوضعية.

إنني أرى ـ من خلال المقاربة السابقة ـ أن نقطة الخلاف الوحيدة بين العلمنة المؤمنة ([55])و بين الإسلام هي في علاقة الدين بمسألة التشريع و السياسة التي يعتقد العلمانيون بعدم وجود أية صلة للدين بتنظيم المجتمع ساسة و تشريعا في حين يوى المسلمون أن الدين الإسلامي أساس في عملية التشريع و السياسة و التدبير باعتبار أن العدل يخترن في داخلة عدل الحكومش و السلطة و الحاكم و عدل الشعب و عدل المحتمع و الأمة و عندما يكون الأمر كذلك فكيف يمكن أن تتحرك مسألة العدل في الواقع الاجتماعي و السياسي؟ في الواقع لابد من وجود ادارة تمارس العدل من خلال الشخصيات التي تتولى تنظيم و تسيير أمور المجتمع و الناس و الشخصيات التي تراقب اذين يتولون إدارة شؤون الناس و الشخصيات التي تراقب الساحة التي يتحرك فيها هؤلاءو أولئك… هل هذا إلا الحركة السياسة في الواقع؟ لا سيما إذا عرفنا أن هناك عدلاً في الأمن و عدلاً في القانون و عدلاً في الحكم و عدلاً في السياسة أما اذا اردنا من السياسة مفهوم اللعبة الشسطانية التي تسمى اللعب على الحبال و ممارسة الالتواء و الانحراف، فهذه السياسة لا يرفضها الدين و حسب ،

ولكن ترفضها كل المواقع و الاتجاهات و الحركات الحضارية التي تريد للانسان أن ينفتح على قضايا الإنسان و الحرية و العدالة بالطريقة المسؤولة الواعية التي تؤسس لوجوده الفعال و تبني له إنسانيتة بدلاً من أن تسقط له إنسانيتة من خلال ممارستها لأساليب و فنون اللعبة السياسية بالمفهوم المتداول حاليا في مختلف الأوساط الفكرية و السياسية و اذا كان هدف السياسة الدينية إقامة العدل بين الناس و ايصالهم إلى ما يصلح أمورهم و أحوالهم و يبعدهم هن الانخراط في أجواء الفساد و النحراف و بالتالي يحثم على السير في خط الله و الخير و العدل و اذا كانت السياسة ـفي أعلى تعابيرها و أصدق  معانيها ـ تهدف إلى إقامة العدل و التوازن و المساواة بين الناس… فلماذا نفرق بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي ؟

إذاً للعدل معنى في الواقع العملي من دون سياسة، كما أن الدين ليست له أية واقعية أو فائدة من دون عدل…. فلماذا إذا تريد العلمانية ـو هذا هو لسان حال الإسلاميين ـ أن تفرض دينها وتشريعها الوضعي الجديد علينا كمسلمين، ونحن نزعم بأننا نمتلك قانوناً كاملاً ندين به ونحترمه، و نقدسه ونلتزمه في مسيرتنا الحياتية و الإنسانية بكل مفرداتها و عناوينها من خلال تشريعات الله الدينية و المدنية الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة؟ او لماذا يصير عليها (على المعلمانية) أصحابها بعد أن أدت إلى تحطيم التكوينات السياسية و الاجتماعية و الثقافية التقليدية في بلدانها، و خلخلت التوازنات الاجتماعية المادية و الروحية، الأمر الذي كشف لنا بوضوح عجرها الفاضح  عن صياغة معابير و نظم جديدة يمكن أن تكسبها ولاء الجماعة، وشرعيتها وإجماعها كشرط أساسي لإنها التتاقضات الإجتماعية و الاتواترات السياسية المتفجرة في كل حدب و صوب من عالمنا الإسلامي و الإسراع في معالجعة الأزمة الحضارية المفتوحة التي من مظاهرها تدهور المناخ الفكري و مصادرة الحريات العامة و تراجع مناخ الحوار العقلاني و المسؤول .

إننا نريد أن نؤكد هنا على أن وجود خلاف ثانوي (أو حتى أساسي) حول فكرة أو نظرية أو واقع معين بين التيارات و النخب السياسية و التقافية المختلفة يجب أن يكون قاعدة للالتقاء و منطلقاً للبدء بحوار جدي فيما بينها بهدف استبعاد الإشكاليات و التعقيدات الساخنة المتحركة هنا هناك، التي قد تتحول إلى مصدر للخلاف الدموي ـكما يحصل حالياً ـ بدلاً من أن تكون أساساً للتفاهم و تحكيم لغة العقل و الحوار الموضوعي.

لقد كانت محصلة ذلك التعقيد بين العلمانيين و الإسلاميين أن انتفت علاقاا الوعي و الخوار المتواصل بين القوي و النخب الفكرية و السياسية العربية و الإسلامية التي تورط ـ فريق منهاـ في إقصاءو نفي الإسلام نفياً كاملاً من دائرة الاجتماع السياسي لظنه ـخطاـ بأن هذه الطريقة الإستبعادية المأزومة هي السبيل الوحيد لإقامة الدولة الحديثة بحنتها العلمانية الموعودة فيها تورط قسم كبير من الفريق الآخر بمعاداة الدولة الحديثة لظنه بأنها بديل عن الإسلام أو على الأقل لظنه بأنها بديل عن قيم الإسلام و شروعيته في المجال السياسي و الاجتماعي لقد نتجت تلك الورطة التي وقع فيها فريق من الاسلاميين ـفي إطار موقفهم الرافض مطلقا لفكرة العلمنة ([56])عن وجود خلل منهجي وفكري في طريقة و عيهم و استيعابهم لمدلول مصطلح العلمنة من خلال عدم التفريق ـاسلامياً ـ بين موضوعة السلطة كشأن بشري خاضع للتصورات والمفاهيم و التحولات و تغييرات البشرية بكل عناوينها و مفرداتها و بين موضوعش الشريعة التي تعتبر شأناً إليها لا دخل للانسان فيه مطلقا.

إن الإسلام يؤكد ـفي هذا السياق ـ على ضرورة عدم تدخل السلطة أو المؤسسة الدينية ـ كسلطة إلهية تدعّي لنفسها العصمة و عدم الخطاـ في حركة المجتمع و الناس سرعا فيما يختص السلطة و الحكم و طرق ـآليات ) تداول السلطة التي يجب أن ترتكز ـفي الوعي الإسلامي على مبدأ الحرية و الاختيار و حق المعارضة الذي ضمن الإسلام وجوده وهيي له أجواءه الخاصة في داخل البينة الإسلامية .

و هذا ما تؤكد العلمانية المؤمنة في واقعها النظري في تركيزها على أهمية حق المجتمع في اختيار نوعية الحكم التي يرتضيها لنفسه من أجل إدارة مختلف شؤونه الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الفصل في خصومات أبنائه و خلافاتهم و يبقى علينا أن نفكر ـ بعد المقاربة السابقة ـ بعقلانيش متسائلين: كيف نحل إشكالية الإسلام  والعلمنة ؟

في الواقع إنّ الإنسان المسلم محكوم بفكرة (و فطرة) والتوحيد أي التزيه المطلق لله تعالي، وهذه الفكرة تحظي ـ على ما يبدوـ بالأولوية المطلقة في فكره و سلوكه و عقيدته و جميع تصوراته عن الحياة و الوجود لتشكل ـمن خلال ذلك ـ الأساس الأولي لكيان الأمة المسلمة الواحدة لكن هذا الفرد المسلم يواجه ـكغيره من أفراد البشرية ـ واقعا تعدديامتناقضا في عناصره و معطياته وأبعاده في طبيعة الواقع الدنيوي الجتماعي و الحضاري فكيف يوفق ـ و الحال هذه ـ بين عقيدته التوحيدية و دنياه التعددية المتنوعة؟ كيف يرضي ربه من خلال الالتزام بأوامره و نواهيه و يعمل في الوقت نفسه ـ على فتح إمكانات واقعية جديدة له في الحياة الاجتماعية التي يعيش بين جوانبها بمستجداتها و متغييراتها المتناقضة و المناقضة  في كثيرمن مناحيهاـ لعقيدته وفكره الديني؟ ما هو الحل و كيف يحسم الأمر إذا كانت هناك إمكانية للحسم في واقعنا الراهن؟

إننا نتصور أنّ فكرة اللاحسم و الرضى بواقع تعايش الأضداد (ثنائية العلمنة و الدين مثلا) ـفي داخل بيتنا الفكرية و التقافية و الاجتماعية ـ قد شكلت بحد ذاتها مدخلا لإحداث حروب و تواترات سياسية و فكرية في تارخنا التقافي الماضي و الحاضر ألقت بظلالها السلبية على واقعنا المعاصر.

و طبيعي جداً أن نؤكد هنا على مسألة هامة و هي أننا لا ندعو مطلقاً إلى سلوك طريق الاستبداد الفكري و السياسي و إلغاء الأخر و ممارسة الاختزال الأحادي الجانب و لكننا نريد أن نبحث عن حل وعلاج جذري واقعي لتلك الإشكالية الثنائية الخطيرة التي حرمتنا من الاستخدام النوعي الفعال و المنتج للقدرات و الطاقات الموجودة في داخل هذه الأمة من خلال ضرورة تعبئة إمكانياتها ومواهبها في معركتها الحاسمة ضد كل مواقع تخلّقها و اهترائها و انهيارها الحضاري و الاجتماعي و السياسي، والواقع العملي يثبت صحة ذلك إذ أننا لا نزال نلف و ندور في فراغ كبير حول أسئلة و ثنائيات كثيرة و الإنسان في عالمنا الإسلامي لم ينخرط بعد بفاعلية في عملية التنمية و الإبداع الحضاري، بل لا يزال يتصارع في داخل وعيه و ذاته مع نوعين من الولاء و الانتماء، لفكره وعقيدته و واقعه المتناقض و المتعدد الأمر الذي جعله ينسج حول نفسه شبكة من النسيج التوفيقي متعددة الخيوط و البطانات والالوان، وذلك لحماية تلك الذات والهوية و الثقافش من التفكيك و التحلل و الضياع و ربما يكون الحل ـ في نظر الكثيرين ـ من خلال التوفيق بين الانتماءين السابقين و لكنه ـكما نوى و نعتقد ـ ليس حلا سحرياً يمكن أن ينجز بسرعة (إذا وافقنا عليه من حيث المبدأ) انه يحتاج إلى تأسيس أولي قد تساعد بعض الخصائص العملية الحضارية لأمتنا الإسلامية  كما يعتقد مؤيدو هذا الحل ـ على تسريع عملية إنجازه من خلال كونها الحضارة الوحيدة بين الحركات الحضارية الكبري في التاريخ الإنساني التي استوعبت و دمجت و بالتالي و فقت بين المعطيات و العناصر الأساسية ـ الموجودة في كل التنوعات الحضارية العربية و الإسلامية ضمن نسيج حضاري واحد و هذا التوافق يعود إلى طبيعة الفكر و المعرفة الحضارية الإسلامية التي قدّمت للبشرية فكرة الوسطية و اعتبار الإسلام و الأمة الإسلامية دين الاعتدال و أمة الوسطية… (و جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيداً) (البقرة: 143).

إننا نهدف ـ من خلال الطرح السابق الذي قد نتحفظ على بعض تفاصيله ـ إلى إطلاق سراح الاجتماع المدني و السياسي الإسلامي، وتحرير مكوناته و منطلقاته الموضوعية المحاصرة بين علمنه تتسع للإسلام  ولكنها تصر على استبعاده عزله و نفيه و بين إسلام يتسع ـ للصيغة المدنية المؤسساتية على صعيد السلطة السياسية البشرية في معناها الدنيوي و التنظيمي و المؤسساتي في المجتمعات المتنوعة فحسب ـو لكنه يصرزعلى استبعادها من خلال سلوكيات و تنظرات بعض المسلمين و لعل في هذه الحقيقة المرة ما يسلط ضوءاً على ذلك الانشطار العداني الحاد في داخل المجتمعات العربية و الإسلامية بين المجتمع المدني و الدولة السياسية و لذلك قد يساهم ذلك العلاج الوسطي ([57]) التقريبى ـاذا صح التعبير ـ في تطوير الواقع السياسي و الجتماعي للمسلمين و يدفع باجتماعهم المدني إلى المواقع الضرورية من التقدم و الدرجات العالية من ارقي و امتلاك شروط الحياة المعاصرة و مواجهة تحدياتها من خلال ضرورة التجديدو الجتهاد في فهم الدين، ومواكبة ([58])متغيرات العصر و الحياة بما ينسجم و يتوافق مع المعطيات و الأسس الحضارية الدينية الإسلامية مع المحافظة ـطبعاً ـ على الفكر الذي ينطلق من صميم قلب الحقيقة بعيداً عن خصوصيات البينة، و جزئيات التقافة و الجوانب العاطفية، لأنه يمثل فكر الحياة و هذا الامر لا يعني ـبالضرورة ـ بقاء القيم و المعابير التي يفرزها هذا الفكر مطلقة و مثالية في اليات تطبيقها في حركة الواقع و لكن أن تكون نسبية و واقعية في طرحها وممارستها من قبل الإنسان خصوصاً في ظروفنا الحالية المليئة بالتقلبات والتحولات اليومية المتزايدة .

إن ذلك يتطلب من القيم الأخلاقية في المجتمع المدني السياسي أن تكون واقعية مرنة ترتبط ارتباطاً مباشراً بالممارسة العملية للإنسان، تخاطب مشاعرة و أحاسيسة في أوضاعه الطبيعية المختلفة في الحياة، ثم نحاول ـ بعد تنمية و عيه و ارادته ـ الارتفاع به إلى المثل الأعلى من حركة القيمة و المبدأ. ذلك المثل الذي لا يقترب من نخلاله الإنسان إلى ذروة الحتميات التي تعزله عن واقعه، و لكن أن تدفعه إلى تقصير المسافة الفاصلة بين القيمة كنظرية و بين القيمة كتطبيق، لأن القيم لم تصنع أساساً ليبلغها الإنسان و لكن ليقترب منها و لتكون قاعدة لحمايته من الانحراف و تحديد خط سيره الواقعي. إن المسالة التي يريد الإسلام للمسلمين أن يحركوها، في كل التزاماتهم و مواقفهم العملية في الحياة هي أن يكونوا واقعيين فيما يطلوقنه من احكام و فيما يحركونه من قضايا لا بمعني أن تسقط الواقهية قيمة أخلاقية هنا وقيمة أخلاقية هناك و لكن أن تكون هناك حدود و ضوابط لحركة القيم الإسلامية تنطلق من الوعي بحاجات الناس الطبيعية في الأرض في إطار تنظيماتهم المدنية الإجتماعية و التفكير بحجم طاقاتهم و قدراتهم الذاتية، لإن القيمة المثالية (غير الواقعية) عقيمة و غير منتجة إنها تشل حركة الإنسان و تمنحه شيئاً من الاسترخاء و السكون في فكره و سلوكه و وعيه .

على هذا الأساس تكون القيمة الأخلاقية نسبية حتى في الأديان، و لهذا يقول الأصوليون (مراجع الفقه و التشريع الإسلامي): ما من عام إلاّ و قد خص. لذلك يجب عدم إثارة القيمة الأخلاقية الإسلامية بطريقة مطلقة، لأنها تجمد المسلم في مواجهته للتحديات التي تقف أمامة و ما أكثرها اليوم.

إنّ القيمة في الإسلام لها قدرة على ممارسة الضبط و التحديد لحركة الإنسان المسلم و لكنها تمنحه ـبالمقابل ـ مساحة إنّ القيمة واسعة يستطيع فيها أن يملك حرية الحفاظ على قضاياه الكبري من دون اسقاط القيم، ليكون ـمن خلال واقعية قيمة ـ صلباً أمام المتغيرات و الظروف القاسية و الصعبة التي تحاول إرباكه و هزيمته. و هذا ما يفرض على العاملين بالخط الإسلامي التعامل مع الوقائع المستجدة والتحديات الخطيرة بإرادة قوية وفكر منفتح مزن واع لحسابات الواقع المحلي و العالمي من أجل اتخاذ المواقف المصيرية الواعية و المتوازنة على أساس مصالح العرب و المسلمين.

من هنا تكون واقعية المبادي و القيم (كالحرية مثلا) أن نحاول اكتشاف وسائل و خيارات و أساليب عملية جديدة واضحة المعالم و الخطوط لحركة القيمة في الواقع بما يتلاءم مع الآفاق الجديدة. أى أن نتحرك عمليا لتغيير الواقع بأدوات الواقع التي تحتاج إلى من يصنعها و يفهمها وينفتح عليها ويطورها و يحركها و يصير عليها و على ثمنها الباهظ. وهذا هو المعنى الحقيقي لواقعية و نسبية القيمة في الإسلام إنه معنى ينفتح على تعابير و تجليات المجتمع المدني الحديث في اوضح معالمه و سماته و خصائصه التي نعتقد أنها لا تتعارض ـفي دينا ميكيتها و تطورها و حركيتها المستمرة ـ مع القيم الإسلامية الواقعية باعتبارها قيماً ثابتة، لان الحركة داخل الثابت ـفي إطاره العام ـ لا تعني تمجيد الحركة، و القول بوجود عناصر للقيم و الثقافة تتسم بالثبات لا ينفي وجود عوامل تغير (محركة) يمكن أن تؤثر في هذه القيم و تلك الثقافة بحيث تعيد تشكيلها في سياق التفاعل الإيجابي مع الحركة الاجتماعية فتنشاـ نتيجة ذلك ـ منظومة جديدة للقيم و التقافات و المعايير تختلف قليلاً أو كثيراً عن المنظومة التقليدية. قيمة وجود تصور ثابت للقيم (نسيباً) هو ضبط للحركة البشرية مع وجود الأصيل و المحور الثابت الذي يرجع اليه الإنسان بكل ما يعرض له من مشاعر و أفكار و تصورات و بكل ما يجدّ في حياته من ملابسات و ظروف ومن ثم فهناك ثبات في الغايات والاهداف، والنتائج و مرونه في الوسائل والأساليب أي ثبات على الأصول و القيم الدينية و الأخلاقية و مرونة في ايجاد الإشكال المؤسسة في الواقع المعاش اما بالنسبة للتغير ـكعنوان للحركة التي تعد جوهراً ثابتاً للوجود و قانوناً أساسياً في الحياة ـ فإنه يشمل العناصر المتغيرة بفكرها و معارفها و قيمها م أجل بروز عناصر أخرى جديدة تطلبت ظروف الحياة المستجدة ظهروها بغية تحقيق الاستقرار و الانسجام في مكوناتها و عناصرها ـ بين القيمة و الفكر الواقع بما يؤدي في النهاية .

إلى كمال الإنسان المسلم في ساحة الوجود و معترك الحياة في اطار إحساسه العميق بوجوده الحر المسؤول .

و الحرية ـكفكرة إنسانية صميمية ترتبط بأصل القيم الإسلامية المطلوب تمثلها و تجسيدها في إطار التجربة الانسانية الواقعية و التحقق من واقعية تطبيقها وتحويلها إلى حقيقة قادرة على النمو و الانطلاق في المجال السياسي العربي و الإسلامي كدافع عملي حيوي أصيل لإقامة المجتمع المدني الإسلامي إن ذلك المفهوم السحري (الحرية) ـ الذي يشكل أحد أهم ركائز و أركان المجتمع المدني الحديث ـ لا يعتبر إشكالية معيقة لبناء مجتمع مدنى متطور وفق التصور والرؤية الإسلامية بل على العكس من ذلك لقد جعلها الإسلام قيمة أخلاقية واقعية نبيلة اعترف بوجودها كمقابل خارجي لكرامة الإنسان لان الإسلام في جوهر رسالته إحياء للإنسان يحرر طاقاته وملكاته من استعباد الصنميات والوثنيات المنتشرة هنا وهناك و يجعل تلك الملكات و الطاقات خالصة لله (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم)(الانفال: 23) فكانت رسالة ـفي العقيدة و الشريعة ـ تحريراً للإنسان و ذلك حتى تتحرر فيه هذه الملكات، و تخرج تلك الطاقات إلى الواقع (الذي يتبعون النبي الأمي…. ويضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم)(الاعراف: 157) فجميع أحام شريعة الإسلام اذاً ـ تحرير حتى عندما تحرم الخبائث والكبائر لأن اجتناب هذه الخبائث تحرير للإنسان من العبودية لها، ومن ثم فكل الإسلام إحياء بالحرية، يضع عن المؤمنين به القيود والأغلال  المادية، والقانوية، والخلقية، وينمي و يزكي الطاقات الخيرة لتغاب و تتغلب على الأغلال و القيود و الأتقال، فتصبح قمة العبودية لله هي ذروة الحرية و التحرير للإنسان.

وبهذا التأسيس العلمي لقيمة الحرية في الإسلام  الذي يلحظ باهتمام بالغ دور الجوهر و المضمون الإنساني في عملية التتمية و بناء الإنسان الحر و الفاعل من خلال تتميتة لإرادته ،ووعيه لمقومات شخصيته الذاتية على ضوء إيمانه بخالقه العظيم ـ تنفتح أمام الإنسان مجالات واسعة للمساهمة المركزة الفاعلة في البناء الحضاري للمجتمع المدني القائم أساساً على مبدأ الحرية كقيمة واقعية فردية و اجتماعية عبر تحريك طاقاته ومواهبه على طريق التنمية والإنتاج و الإبداع .

ونحن عندما نتحدث عن مسألة التعامل الإيجابي للإسلام مع قضية الحرية فإننا لا نهّون من السلبيات الكثيرة الناتجة عن سوء فهم و استخدام وممارسة هذه الحرية في مجالنا التاريخي الإسلامي الذي أضحى الاستبداد الفكري والسياسي طبعاثابتاً فيه ([59])بحيث أصبحت الطرق المؤدية إلى جنة الحرية الباسقة و المثمرة ـ في تربتناالسياسية والاجتماعية ـ وعرة و شائكة مملوءة بالأخطار الداهمة والمقيمة خصوصاً إذا ما عنينا بالحرية هنا الحرية الفكرية و الثقاية كأساس لحرية تنظيم مفردات السياسة و الواقع الاجتماعي الخارجي.

ضمن هذا الإطار يفترض بالنخبة الفكرية و السياسية العربية و الإسلامية أن تمتنع قليلاً عن الجدل القائم فيما بينها حاليا حول البحث عن مثال وحيد وفريد للحرية يمكن أن يتحول إلى نمودج يحتذي و يقتدى و يصلح للتعميم على الأمم جميعاو ذلك كشرط رئيسي من شروط وعي مسألة الحرية ودورها الهام في عيكلية المجتمع المدني و السياسي الإسلامي.

ومع أن جوهر الحرية واحد، لكن ماأكثر شعوب التي تستطيع أن تجرب وجوهاً مختلفة للحرية بلحاظ تفاوت و اختلاف الأوضاع التاريخية و الاجتماعية حتى يكون لها خيارات مختلفة و متعددة في طريق الحرية، وتحديد أولويات مراتبها.

إن التحولات الإيجابية الكبري و المؤثرة في حركة المجتمع الإسلامي ـ التى يحب أن تنطلق فيه استجابة للواقع الخارجي المليء بالتحديات المحدقة بالأمة ـ لا يمكن أن نضمن انطلاقتها الواعيش تلك من دون وجودالحرية ([60])ورسوخها في جوانب هذا المجتمع أعني بها حرية الفكر والرأي وتوفر عناصر الأمان والضمان الواقعي في ابرازه والتعبير عنه، وتهيئة المقدمات الكفيلة بالحفاظ على هذه الحرية وضمان أن الأحرار و أصحاب الفكر و حملة الأقلام الرسالية كما أعني بها أيضاً الحرية الاجتماعية التي تعبر عن الطاقة والقدرة التي يكسبها الإنسان من المجتمع على القيام بفعل شيء معين و تعني هذه القدرة أن المجتمع يوفر للفرد كل الوسائل والشروط التي يتطلبها القيام بذلك الفعل.

لقد أمن الإسلام  كما يقول السيد الصدر ـ بحاجة المجتمع الإنساني إلى لونين من الحرية هما، الحرية الشكلية، والحرية الجوهرية فوفر للمجتمع الحرية الجوهرية يوضع درجة معقولة من الضمان تسمح لجميع أفراد المجتمع الإسلامي بالحياة الكريمة و ممارسة متطلباتها و احتياجاتها الضرورية و لم يعترف ـ في حدود هذا الضمان ـ بالحرية المطلقة وفي الوقت نفسه لم يجعل من هذه الوقت نفسه لم يجعل من هذا الضمان مبرراً للقضاء على الحرية الشكلية و هدر قيمتها الذاتية والموضوعية، بل فتح السبيل أمام كل فرد خارج حدود الضمان ومنحه من الحريات ما ينسجم مع طبيعة رويته و مفاهيمه عن الكون والحياة و السيد الشهيد [1]قدس سره يؤكد([61])في هذا المجال ـ على أن المرء مضمون بدرجة وفي حدود خاصة وحر خارج هذه الحدود و هكذا امتزجت الحرية الجوهرية والحرية الشكلية معاً، في التصميم الإسلامي هذا الامتزاج الرائع الذي لم تنتجه الإنسانية في غير ظل الإسلام و لم تفكر فيه و تسعى الى تحقيقه إلا في غضون هذا القرن الأخير إذ بدأت المحاولات إلى إقرار مبدأ الضمان، والتوفيق بينه و بين الحرية بعد أن فشلت تجربة الرأسمالية المتوحشة فشلاً مريراً .([62]) وفي تصوري من الأفضل لنا ـ في هذا المجالـ ألا تكون مثاليين في طرحنا لفكرة و قيمة الحرية في المطلق كما لو كنا نعيش في واقع مثالي لا حدود فيه و لا حواجز أو تحديات. ([63])

إننا نعيش في مجتمع أرضي نسبي يجب أن نتعامل فيه حياتنا ووجودنا بلون من الواقعية العملية فيما يتصل بطبيعة حركة القيم الإنسانية و سبل إنجازها أو الوصول إليها في ظروف كظروفها ومناخاتنا السياسية والإجتماعية والفكرية.

إننا نحتاج إلى تحليل علمي و موضوعي للقيمة الذاتية لمعنى الحرية بعيداً عن التعابير الفضفاضة و المهلهلة، لأنّ ذلك وحده يوفر التربة المناسبة لاستنبات ونمو بذرة الحرية المطلوبة.

و بهذا المعنى الموضوعي المتوازن لا تكون الحرية ـ وفق التصور الإسلامي ـ عائقاً أو مانعاً أمام بناء متطلبات و ركائز المجتمع الإسلامي الحديث، بل تصبح عاملاً أساسياً دافعاً لوجوده و تكونه وشرطاً ضرورياً من شروط قيامه وتطوره، و نجاح مسيرته وتتمية مختلف مواقعة التي ترتبط بقضية الحرية من حيث أنه لا تتمية ـيحتاجها مجتمعاً الحديث ـ مع فقدان الحرية و الأمن، والاستقرار النفسي و المادي ولا تنمية مع عدم وجود اعتراف مبدئي بحقوق الإنسان وضمان ممارسته لحريانه العامة حيث أنه مع وجود الإنسان المضطهد والمقموع لا يمكن أن تتحقق التنمية المرغوبة كما أنه لا تنمية مع الاستبداد السياسي المعيق للتطور الثقافي و الحضاري و لا تنمية مع استغلال خيرات البلاد لصالح فئة خاصة أو حاكم معين و لا تنمية مع وجود عقدة الانبهار بالغرب وحضارته منجزاته وعدم الثقة بالنفس، واهتزاز الهوية التنموية دمجهم فيها واستحصال رضاهم الطبيعي (لا القسري) عن فعاليات التنمية، و نشاطات و توجهات أنظمتهم وحكوماتهم السياسية القائمة و تفاعلهم معها، لإن فعل التنمية يستهدف الحفاظ على الهوية و تحقيق التقدم بالتوافق مع النسيج الحضاري للأمة.

مما تقدم من تحليل و قراءة لبعض الإشكاليات ـ التي ظنّ الكثيرون أنها يمكن أن تشكل مانعاً من التطور الاجتماعي و السياسي العربي و الإسلامي باتجاه المدنية والعصرية ـيمكن أن يخلص إلى أننا تطلع بشوق إلى ممارسة دور حضاري رائد بين أمم و حضارات العالم كلها، ولا سبيل أمامنا نحو ذلك الهدف الكبير سوى البدء الفوري بتربية إنساننا المسلم على قيم إنسانية عملية (حركية) جديدة تنطلق من الوعي الفعّال بالتراث الإسلامي، و الابتعاد عن لهفة ونشوة العلمانية الوضعية الأوربية ـالعربية ـ الحديثة للتجديد و التحديث لقد أعمت ـ تلك الهفة الطارئة ـ نخبنا المفكرة عن تحديد مشكلتها المستصية و المزمنة في بعدها التاريخي، وأزمتها الراهنة التي أصابت الإنسان في صميم قلبه، ووعيه و انسانيته و ذلك من خلال نقلها لكل مساوي و سلبيات العلمانية الوضعية الغربية التي شكلت أساساً لكل حركة الاستعمار في تحالفه المفصلي الخطير مع اللاهوت الصليبي و و أتمنى ألا ينزعج أحد من تحليلي هذا حيث أنني أعلنها بكل وضوح، و أقوالها بكل صراحة: إن المجتمعات العربية و الإسلامية لا تزال تعيش في وعيها أو حتى في لا وعيها، الشعور النفسي الخاص ـ تجاه الاستعمار و أدواته و أساليبه المختلفة ـ الذي يتسم بالريبة و الشك و الاتهام و الخوف نتيجة لتاريخ طويل قاس و مرير عاشته شعوبنا من الاستغلال و الصراعات و الكوارث و القهر و الاستبعاد و الإذلال و النهب و اللصوصية الحضارية ـ إذا صح التعبيرـ فإن هذا الشعور خلق نوعاً من الانكماش لدى الأمة عن المعطيات والأسس التنظيمية و الفكرية ـ وما ينبثق عنها من تيارات وقوى…. الخ ـ التي جاءت إلينا من تجربة الإنسان الأروبي، كما وأنتج (ذلك الشعور النفسي) شيئاً من القلق تجاه الأنظمة و أنماط السلوك المستمدة من الأوضاع السياسية و المواقع الاجتماعية في بلاد المستعمرين، حيث نشأت ـنتيجة ذلك ـ حساسية ([64])شديدة ضد كل ما هو صادر من الغرب و هذه الحساسية تجعل تلك الأنظمة ـ حتى لو كانت صالحة و مستقلة عن الاستعمار من الناحية السياسية ـ غير قادرة على تعبنة و تنمية طاقات الأمة وحشدها في معركة بنائها الحضاري، ومحاولتها إنشاء مجتمعها المدني و السياسي الإسلامي الحديث.

إننا نؤكد من خلال ذلك، على أن الأمة ـ و بحكم وضعها و تاريخها النفسي و العملي الحافل بالتعقيدات و الظروف النفسية التي خلقها الاستعمار، و انكماشها تجاه كل ما يتعلق به ـ لا بد أن تقيم بناءها السياسي المدني الحديث، و تنشئ نهضتها الاجتماعية الموعودة و المرتقبة، على أساس وجود معالم حضارية و تاريخية جديدة، و نظام اجتماعي حديث يختلف اختلافاً جوهرياً عما هو سائد حالياً، بحيث لا تمت معاييره بأية صلة إلى بلاد المستعمرين.

إضافة إلى ذلك هناك التناقض الحاد و التعارض الحاسم ـ الذي أشرنا إليه في سياق البحث ـ القائم بين العقيدة الدينية الإسلامية للناس، و بين تلك المناهج التي يحاولون فرضها على المسلمين. إن تلك العقيدة لا تزال قوة محركة دافعة، تؤثر بفاعلية منقطعة النظير في توجيه السلوك، و خلق المشاعر، و تحديد نظرة الإنسان المسلم نحو أشياء و عناصر الحياة المختلفة. من هنا يأتي تأكيدنا الدائم المستمر على أن من أهم العوامل الواقعية في نجاح وضمان استمرارية صعود المناهج و الفعاليات التي تتخذ لتنظيم الحياة الاجتماعية، و بناء مجتمع عصري متقدم حديث، هو احترام و تقدير الناس لها، و إيمانهم بحقها في التجسُّد، و التنفيذ، و التطبيق، و الإجراء. و هذا المعطى الحضاري النفسي الرائع غير متوفر إلا في النظام الفكري و البنيان العقائدي الإسلامي الذي لا يمكن أن يواجه التناقض المذكور سابقاً، أي التناقض بين الإطار المفروض للتنمية و التنظيم، و بين عقيدة الإنسان المشارك أو غير المشارك في التنمية، باعتبار أن المسلم([65]) ـ كما يقول السيد الشهيد ـ لا يزال يعتز و يفخر بالانتماء النهائي لعقيدته الدينية، و يعتبرها محوراً أساسياً لحركته الفردية و الاجتماعية.

بل إنه يجد فيها سنداً قوياً و كبيراً، و عاملا مساعداً على إنجاح التنمية الموضوعية في إطاره، لأن أساس النظام الإسلامي أحكام الشريعة الإسلامية، و إيمانهم بأن الإسلام دين نزل من السماء على النبي محمد(ص)، و هو عقيدة إلهية و نظام اجتماعي و فكري و سياسي تنبثق عنه إطارات و أليات التنمية الحقيقية الشاملة القادرة على خدمة الإنسان، و تلبية متطلباته المتجددة، و بناء مجتمع مدني حضاري منظور.

الإسلامي الراهن (مظاهر الأزمة)

يجد المتابع و المدقق في طبيعة الحراك الاجتماعي الماضي و الحاضر، أنه و بعد مرور حوالي قرن و نيف على انطلاق خطاب النهضة العربية و الإسلامية (الذي لم يستطع أنْ يرقى إلى مستوى طموحات و آمال الإنسان العربي و المسلم). و بعد حوالي أربعة عقود على التحرر و الاستقلال من ربقة المستعمر الخارجي، و إنشاء الدولة القطرية الحديثة التي كانت تعبيراً عن نشأة مجتمع سياسي و مدني عربي مأزوم فاقد لركيزتي الاجماع و الشرعية. و بعد تطبيق، و فرض نظم سياسية علمانية على المجتمعات العربية (اشتراكية و قومية و… الخ) قامت (هذه النظم) ـ فاقدة الشرعية ـ بعزل المواطن و إبعاده عن السياسة و المشاركة في الحياة العمومية، و تغييب الأنسجة السياسية و الاجتماعية و الثقافية لبناه التقليدية، وز عزعة مرتكزات الاستقرار و الثبات الاجتماعي و الاقتصادي الديني… و بعد تجريب كل أنماط التحديث، و أساليب التنمية شرقية كانت أم غربية. بعد ذلك كله نجد أن هذه المجتمعات تقف أمام طريق مسدود في كل اتجاهاته و مساراته.

تقف أمام سلطنات قبلية حديثة (MODERN) نوعاً ما في الشكل لا في المضمون، تجمعها سياسة مشتركة واحدة هي حاصل جمع مصالح الفئات أو النخب المسيطرة على الثروة الوطنية و الاقتصادية و المالية و الثقافية معا([66]). و هذه السياسة هي التي تفسر الفشل أو (النجاح؟!) في تحقيق الأهداف الوطنية. فالطبقة السياسية هي التي تتحكم بالموارد و الإمكانات، و تضطلع بمسؤولية توزيعها و استثمارها، و من وراء ذلك بتوجيه دفة المجتمع، و تكوين عناصر و فعالياته، و مقوماته المادية و الأخلاقية. و لا نغالي إذا قلنا: بأن العلة الحقيقية و السبب الأساسي الذي يقف وراء التفسخ السياسي و التاريخي العربي الحالي عائد إلى تجذر عقلية القبيلة و العشيرة في واقعنا، و سيطرة (نخبها) على المفاصل القيادية العليا، و استحواذهم على مواقع العمل، و الإنتاج، و الثروة في المجتمع.

لقد عملت هذه النخبة السياسية القبلية ـ التي لا تزال تدّعي وصايتها على الحرية و الفكر و الوطن و القيم الاجتماعية الإنسانية ـ على زرع الفتنة و الفوضى و الاضطراب في بنية المجتمع من خلال سياستها العقيمة التي أدت إلى:

1ـ إحداث قطيعة شبه كاملة بين الدولة و المجتمع، الأمر الذي حول الدولة العربية الحديثة إلى دولة خاصة بالنخبة السياسية الحاكمة، بحث أصبحت عاجزة عن التحول إلى دولة مواطنيها الأحرار و الشرفاء. إنها دولة منفصلة كلياً عن الأمة بل هي ضد الأمة. و الدليل على ذلك: طغيان مظاهر الفساد السياسى و الاقتصادي و الأخلاقي الواسع المتفشية بكثرة في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية الحديثة نتيجة انسداد الآفاق، و نفاذ الطاقات، و تعاظم المشاكل، و اشتداد التوترات، و استعار التناقضات، و ضعف إمكانيات التقدم و التراكم، الأمر الذي أدى إلى استمرار الفوضى و تراكم الأخطاء و بالتالي بقاء الأزمة، و تنامي آلية العنف و العنف المضاد التي تقوم ـ اذا ما تتبعنا منابعها الحقيقية ـ في انسداد النظام السياسي القائم، و رفض النخب الحاكمة المسيطرة التخلي عن أي جزء من السلطة الفردية المطلقة التي يتمتعون بها، و الاعتراف بأن السلطة ليست حكرا أبديا على فئة أو طبقة أو نخبة، و ليست ملكية خاصة([67]).

2ـ العجز الفاضح عن إقامة الدولة الحديثة، و عن بناء علاقات قانونية متوازنة مع افراد الشعب و المجتمع المدني المهمش و الموجود خارج دائرة السلطة و الحكم، باعتبارها دولة قهرية غير قانونية في كل مواقعها حيال أكثرية مواطنيها. و قد قاد هذا النزوع السلطوي المجنون للنخبة الحاكمة ـ في استمراريتها على رأس الحكم و تحكمها بمفاصل القرار ـ إلى تزايد الرغبة الشعبية في تدمير النظام القائم بعد أن يتلاشى أو يموت كلياً الأمل في إصلاحه، أو العمل على ايجاد حلول ناجعة لأزماته من داخله. كل ذلك كان نتيجة تفاقم حالة الاستبعاد و التهميش و الإفصاء المنظم لمختلف قطاعات الشعب، و انعدام الوزن للعديد من الفئات و الشرائح الاجتماعية الشعبية و غير الشعبية.

3ـ مزيد من الإنكسارات،  الهزائم السياسية و الاقتصادية (التخبط السياسي العام و الخاص، و عقم الممارسة السياسية العملية، و سوء استخدام اعمل الإداري اليومي (الفساد الإداري)، و تقلص أداء السلطات الرسمية، و بناء حداثة ديكتاتورية غير عقلانية مستهلكة، و غير قادرة على النمو أو الإنتاج).

4ـ نزع السياسة من المجتمع باعتبارها فاعلية اجتماعية و مجتمعية حرة، و مجالا عمومياً للمجتمع، و هي أحد أرقى الأشكال التنظيمية لوحدة المجتمع، الأمر الذي اأدى إلى تغييب قسري كامل لدور الأمة و الجماهير الواسعة في عملية تداول السلطة و ممارسة السياسة، و التعبير عن الرأي (انعدام الحريات العامة).

5ـ تحميل الشعب كامل المسؤولية عن أي فشل سياسي و تنموي حَدَثَ، أو قد يحدث، في المجتمع بالرغم من تقييده و تغييبه عن ساحة القرار و الفعل أساساً.

6ـ ضمان أمن النخب السياسية الحاكمة بأي أسلوب كان، و الحفاظ على استقرارها و ثباتها في مراكزها و مناصبها العليها، حيث تعمد هذه النخبة ـ لكي تضمن بقاءها و استمرار نموذجها التسلطي ـ إلى شن حروب أهلية كامنة (و أحياناً علنية و صريحة) ضد مواطنيها ـ كما هو الحال في العديد من البلدان العربية و الإسلامية ـ بوساطة أجهزة العنف المختلفة و ما أكثرها (العسكر، الشرطة، أجهزة المخابرات، الحزب الحاكم المهيمن بأجهزته الإكراهية المادية و النفسية، النقابات، قصر الرئاسة)، حيث تمتلك كل منها أجهزتها الأمنية، و صلاحياتها الواسعة الخاصة بها، و تمارس المراقبة من دون أن تخضع لأية رقابة، أو محاسبة، أو مساءلة حكومية، أو سياسية بأي شكل من الأشكال([68]).

7ـ مواجهة أي تغيير سياسي أو ثقافي يمكن أن يفكر فيه أبناء الأمة و نخبتها المفكرة، لأن المترفين (و هم الطبقة المالية، و العسكرية، و الأمنية المهيمنة على واقع المجتمع و الناس سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا) لا يرغبون مطلقا بتغيير الواقع من حولهم في أي جانب من الجوانب، لأن مبدأ التغيير السياسي و الفكري إذا اخترق بنية المجتمع الظالم فإنه سوف يؤدي إلى تدمير و نسف كثير من البنى و الأسس التي يرتكز عليها هؤلاء في فرض هيمنتهم و تسلطهم و استبدادهم و تحكمهم بالبلاد و العباد. لذلك نجد أن الطبقات السياسية المسيطرة و الحاكمة ـ في أي مجتمع ـ تعمل على تجميد هذا المجتمع، و ترفض أن ينفذ التغيير إلى داخله، لأنهم يشعرون أنه إذا ما اهتزت بعض القواعد في المجتمع ـ على مستوى القيم أو على مستوى الفكر ـ فربما تقوم هناك ثورة تنسف كل القواعد التي يرتكزون عليها في تضليل الناس، و تزييف و عيهم و إبعادهم ـ طوعا أو كرها ـ عن ضرورة التغيير الجذري في المجتمع، و بالتالي إبقاء هذا المجتمع رهينة للسكون و الجمود و التخلف الدائم فى سبيل المحافظة على مصالحهم و منافعهم المادية الخاصة.

و السؤال المطروح الآن: كيف يمكن إسقاط تلك القبليات و العصبيات التي لا تزال تعمل على استيلاد شروط و مناخات جديدة للتكيف مع متغيرات الواقع من أجل الحافظ على مكاسبها و مواقعها؟! و ما هي الأجواء المناسبة لإنماء و إيقاد عملية المواجهة المستمرة مع تلك الذهنيات البدائية، التي تفكر دائما بكيفية المحافظة على شرعيتها المفقودة جماهيريا، من أجل بناء المجتمع المدني الإسلامي، و ولوج القرن المقبل بطموحات سياسية و فكرية جديدة تعبر عن آمال الأمة في النهوض الحضاري؟! و إلى أين يتحرك مستقبل الأجيال القادمة؟!

إنني أعتقد ـ إتماماً للحديث السابق ـ أن الذي يعبق عن المسيرة عن التقدم، و يقف في وجه حدوث كل تلك الطموحات و الآمال في و لوج العالم العربي و الإسلامي العصر الحديث ـ علميا و حضاريا و تقنيا ـ هو نوعية الآليات و السياسات الظالمة المختلفة التي طبقتها ـ و لا تزال تصر على تطبيقها الحكومات العربية و الإسلامية (صاحبة عقلية القبيلة) التي تعكس مصالح خاصة لنخبة فاقدة لمصداقيتها و شرعيتها في الشارع، انعزلت عن الجماهير، و انغلقت على تعقيداتها و همومها، و راحت تنشط ـ بحماس و عزيمة منقطعة النظير ـ من أجل الدفاع عن مواقعها و امتيازاتها، و لا تفكر مطلقا بهموم الناس، و حاجات المجتمع إلا بالحد الأدنى الذي تحافظ من خلاله على وجودها على رأس السلطة، و لا تعطي أي اهتمام بمستقبل الجماهير الواسعة و كوادرها العملية النوعية العاطلة عن العمل، و المغيبة عن ساحة التأثير و الفعل الإبداعي، و محاولة تأمين فرص العمل لأجيال الأمة القادمة، بقدر ما تفكر و تهتم بضمان الأمن، و استتباب المواقع، و ثبات الأحوال على ما هي عليه.

إن النخب القبلية العربية و الإسلامية الحديثة ـ في سياق محاربتها للتغيير الاجتماعي، وسعيها الدائم الإسقاط محلولات تشييد البنى الأساسية لإقامة مجتمع مدني منظور ـ تقف بقوة في وجه أي عامل تقدم علمي أو تقني، و تمنعه من النفاذ أو الدخول إلى المجتمعات إذا كان يمكن أن يشتم من دخوله أية رائحة للتغيير أو نفس بسيط لقلب الأوضاع، و من أي نوع كان، في العقلية أو السلوك أو التوازنات الاجتماعية أو السياسية. و لأن منع التغيير و ضمان أمن النخب الحاكمة و استقرارها يؤدي، لا محالة و في كل المجتمعات، إلى فسادها، و لأن فسادها يدفع إلى تقهقر أحوال الناس، و تدهور معيشتهم و يثير النقمة على النظام، صارت الحياة العمومية العربية و الإسلامية عموماً رهينة للصراع الخفي (و أحيانا العلني) بين الطبقات و الفئات الاجتماعية المتضررة و المختنقة الساعية بأي ثمن للتغيير و الضاغطة بشدة على النظام، و بين أصحاب السلطة الذين يضطرون إلى تكريس قسم أكبر من الموارد و الوسائل المادية و المالية و البشرية لحماية النظام و فرض الاستقرار و منع القلاقل التي يمكن أن تثار هنا و هناك. و هكذا لم يبق هنا:، في معظم البلاد العربية و الإسلامية، أي هامش للاستثمار الحاضر و المستقبل([69])… من هذا المنطلق فإن الأمل بحدوث تقدم علمي و صناعي في هذه المجتمعات مرهون ـ ليس فقط بمدى قدرتنا الفكرية و العملية على الاستجابة الفاعلة لتطورات الحياة و الزمن ـ و إنما مرهون، أيضاً ـ و بشكل أساسي ـ إلى ضرورة إحداث تغييرات هائلة على صعيد الحكم، والسلطة، و المشاركة، و الحرية… الخ. لأننا لن نستفيد من أي تطور علمي و تكنولوجي ـ يمكن أن توفره الحضارة الحديثة ـ إلا إذا ساهمنا و شاركنا في إنتاجه و إبداعه… و من باب أولى فهمه و وعيه. و نحن لا يمكن أن نطور العلم و ننتج منجزاته الحديثة مع وجود و اتساع قاعدة عقلية القبيلة المتحكمة بوجودنا و مصائرنا و آمالنا، و التي يعمل أصحابها على تدمير أي فرصة لربط ـ مجرد ربط ـ البلاد الإسلامية بتيارات التقدم العلمي و التقني… بل، على العكس من ذلك، إنها تعمل على ترسيخ كيانها الذاتي، و حفظ بقاء نظام قائم على مفاهيم القمع و الضبط و الردع عبر تمويل و دعم احتياجاتها الأمنية من خلال نهب أموال الشعب، و سرقة ثروات الأمة النفطية و غيرها، و المجتمعات العربية و الإسلامية بالنتيجة هي التي تدفع الثمن الباهظ لتلك السياسات الفاشلة للنظم السياسية العقيمة و الضعيفة الأفق التي تقوم على تعقيم الإنسان، و شل قدراته، و سحق طاقاته، و التي ليس لها مبرر وجود سوى خدمة مصالح الفئات و الطبقات التي تسيطر عليها… إنهنا نتصور أن غياب السياسة الصحيحة و غياب الإرادة السياسية الملتزمة هِما تعببيران عن غياب المصلحة في الإصلاح لا غياب القدرة أو الإمكانية عليه… و مصدر ذلك هو أن المنطلق المحرّك لهذه النظم ليس النفع العام و لكن الحفاظ على النظام، و على المصالح الخاصة التي تقف و راءه.

إننا نعتقد أنه عندما تفشل الدولة في كسب ثقة وورد أفرادها و مواطنيها، و مد جسور التعاون معهم، و العمل المستمر على تحقيق مصالحهم و طموحاتهم و تطلعاتهم من خلال اعتماد مشروع استنهاض ثقافي سياسي و اجتماعي يعبر عن آمالها و عن نسيجهم القائدي و التاريخي، و يحفزهم للمشاركة الشاملة في عملية التنمية الفردية و الجماعية.

أقول: أن عدم تحقيق كل تلك الآمال التي تتناقض مع مصالح النخبة السياسية الحاكمة العاملة على أهداف ذاتية معاكسة تماماً لأهداف الجماهير([70]) سيحول الدولة ـ عندما تعمل على ترسيخ شعاراتها و وجودها ـ إلى مجموعة إقطاعات و مافيات حقيقية لها أفرادها و أزلامها الدائرين في فلكها، و عندئذ تطفو على السطح ظاهرة جديدة هي ظاهرة التشبيح السياسي و الاجتماعي التي لها دعائمها و رموزها الذين يعملون على تحويل الدولة إلى مجموعة مزارع و استثمارات ربحية نفعية خاصة.

أجل لقد حولت أنظمتنا السياسية ـ التي سيطرت على مقاليد الحكم بقوة القهر و الغضب، و أقامت بنيانها على أشلاء القتلى و الضحايا من رعاياها ـ الدولةَ إلى فريسة سهلة متهالكة، و نقلت الستثمار الخاص بالدولة من نطاقه الطبيعي الاجتماعي إلى نطاق الستثمار الخاص في المراكمة للثروة الشخصية، و حولت بناء الجماعات و التكتلات الحية إلى تجديد لعلاقات السخرة و العبودية، و تكوين رأس المال العلمي و التقني إلى دعايات فضّة و غليظة لعقائد جوهرها تقديس الذات، و عبادة الشخصية الحاكمة، و تحقيق الاندماج العربي الضروري إلى استهلاك ممجوج لعقيدة قومية مخشبة ـ على حد تعبير أحد الباحثين العرب ـ توظّف لترسيخ القطيعة بين البلدان بدل تشجيعها على الانفتاح على بعضها.

إنني كمثقف عربي ـ لا يملك إلا سلطته المعنوية، و يعتز بانتمائه إلى الدائرة الإسلامية، و يعمل على استنهاض أفراد المجتمع كلهم ـ أحمّل مسؤولية ما حصل و يحصل من دمار و خراب و انهيار([71])، و بالنتيجة ما يحصل من طغيان سياسي، و تحلل اجتماعي، و سوء توزيع الثروة في بلادنا إلى:

1ـ الأحزاب السياسية الحاكمة و امقررة سلفاً لسياسات و خطط البلاد و أحوال العباد.

2ـ الطبقة البير و قراطية “العسكرية ـ المدنية” التي تخدم النخب و الأحزاب السياسية الحاكمة، و تتشارك معها في حركة المصالح و المنافع، و تتقاسم معها مواقع السلطة المدنية و الأمنية.

3ـ طبقة رجال الأعمال الكبار و المستثمرين الاقتصاديين و رجال المافيات التي تتحكم بمفاصل القرار الاقتصادي و مواقع القدرة و الإنتاج، و منافذ الر أسمال الوطني كله.

إن هؤلاء جميعاً ـ بعقلياتهم القبلية و ذهنياتهم العصبية المصلحية ـ هم الذين يتحمّلون المسؤولية الحقيقية الكاملة عن عملية الفساد و الإفساد الحاصلة و الجارية على قدم و ساق في كل مواقع العمل و الحركة في عالمنا العربي و الإسلامي

لماذا؟! لأنهم يمتلكون سلطة و قوة القرار السياسي و الاجتماعي و الأمني و الاقتصادي، و تتوافر بين أيديهم جميعاً وسائل العمل ايومي العمومي الرئيسية و إمكانياته المالية و الإدارية و العسكرية.

حقيقة… لقد أصبح سفهاء الأمة، و أشرارها الولاة و القائمين بالأمر، كما يعبّر عن ذلك أميرالمؤمنين على(ع) في قوله:

“ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الأمة، سفهاؤها و فجارها، فيتخذوا مال الله دولا، و عباده خولا، و الصالحين حربا، و الفاسقين حزبا، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام، و جلد حدا في الإسلام، و إن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ”([72]).

إنني لا أستطيع أن ألوم المثقف أو الشعب… لأن من لا يمتلك سلطة تقرير النفقات العامة لميزانية الدولة، و استثماراتها الاقتصادية، و إدارة المعارك الحربية (مع من؟!)، و من لا يمتلك سلطة محاسبة رجال الأعمال الذين يهرّبون مليارات الدولارات نحو الأسواق الخارجية، و من لا يمتلك سلطة وقف الهدر الكبير في الميزانيات العامة عندنا (هذه الميزانيات المخصصة فقط لبناء القيلات الفخمة، و إنشاء الشركات الضخمة، و تبذير الثروات العامة على طريق الشهوات و الغرائز) لا يصح مطلقاً أنْ نسأله عن الخسائر و الهزائم فيها، الناتجة عن سوة إدارتها. إن المسؤولية تتجلى ـ في أعلى تعبيراتها ـ من خلال درجة السلطة التي يمتلكها الفرد صاحب المسؤولية أو الفريق المنتمي إليه. لأن المسؤولية ليست تهمة لأفراد المجتمع و ليست تلبساً للناس. و إنما هي نقد و مساءلة لصاحب المسؤولية عن كيفية ممارسته لسلطته، و استخدامه لها. لذلك إنني أنصح أولئك ـ الذين يكيلون الاتهامات للشعب و المثقفين (المحرومين من أبسط حقوق الحياة الكريمة) بأنهم المسؤولون عن أزمات المجتمع و فساد الدولة ـ بأنْ يعملوا على مساءلة و محاسبة أصحاب القرار و السلطة الحقيقيين في النظام السياسي العربي و الإسلامي عموماً الذي تغيب عنه أية مظاهر لدولة القانون المدني و الذي يلغي الرأي الآخر العام، و يحرم الناس من قول الحقيقة، و ييواجه المجتمع بسلا الأمن و الترهيب، و يمنع المثقف من حرية التفكير، و التعبير، و النشر… نعم هناك كثير من المثقفين السلطويين الانتهازيين الذين تحولوا إلى بوق للسلطان، و رأس حربة لأفكاره و طموحاته الشخصية…. لكن الثقافة عموماً يجب ألا تلام، و بقية المثقفين يجب عدم رميهم و قذفهم و التشهير بهم على المنابر هنا و هناك… إن هؤلاء جميعاً محاربون حتى في سلطتهم المعنوية التي امتلكوا ناصيتها بقوة فكرهم و وعيهم… و هناك مثقفون معروفون بعمق التزامهم بخط الأمة و الجماهير، يؤمنون بوجود الأمة الإسلامية، و يسعون إلى تجاوز خلافاتها و نزاعاتها الداخلية، و العمل على وضعها في مسارات التقدم و الحضارة.

ابن مسؤؤلية المثقف تكمن في تسليح الرأي العام بالأدوات النظرية و العملية، و بالوعي الرسالي الذي يجعل الستقرار النظم ـ التي تقود إلى فساد، و سرقة أموال الدولة و المجتمع، و الاستهتار بالمصالح العامة ـ أمراً مستحيلا. هنا يجب أن يشتغل المثقف الجماهيري الملتزم. يجب أن يبني الوعي الفعال لدى أفراد الأمة لمواجهة و إسقاط العقليات القبلية التي تسببت في تشغيل التنمية و التقدم، و قامتْ بتثبيت الأمن و الاستقرار (استقرار بعض الدول عندنا يشبه وجود النار تحت الرماد) و أهدرتْ موارد و مقدرات الدولة في مشاريع تنموية خاصة. كما يجب تعميق الشعور العالي بالمسؤولية الرسالية لدى الأمة تجاه الإسلام و قيمه و مبادئه، و تصحيح المفاهيم الخاطئة المتداولة عن السلطة و توزيع الثروة و الأموال، و المساهمة الفعالة في تمكين الأمة من ممارسة حق النقد البناء، و مواجهة محاولات تزييف و تشويه الرسالة الإسلامية.

من هنا ـ وفى  إطار الإجابة عن الأسئلة المطروحة سابقاً ـ أرى أنّ الخلل الكائن و القائم في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية هو في البنية السياسية السائدة المستغلِة للدين و ليس الدين.

لأن هذه السلطة عملت على فرض رؤية أحادية علمانية للدين في أذهان الناس. ثم انطلقت لتحاسب الشعب عن هذه الرؤية التي كونتها هي عن الدين، ما يعني أن تحقيق الشروط الأولى لعملية التقدم و التجديد ليس مرهوناً بتهديم البنى التقليدية (الدينية تحديداً) في المجتمع، و الدليل على ذلك أن حداثتنا العسكرية و المدنية قد هدمت ـ باسم العلمانية ـ كل الركائز و المؤسسات التقليدية التي كانت قائمة في المجتمع، و صار الفرد يقف وحيداً أمام سلطة فردية مطلقة (سلطة رئيس الدولة، و مدير المخابرات: نموذج العراق([73])) و لا يجرؤ أحد على منازعتها سلطانها. فماذا كانت النتيجة؟ كانت أن التحديث و الحداثة و التقدم قد فشل في العالم العربي و الإسلامي على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي، بعد أن أنتج لدينا مجتمعاً أهلياً متخلفاً تم تركيبه من قبل أجهزة الدولة المستوردة (الحديثة؟!).

إننا يجب أن نعمل ـ بكل إصرار و تصميم و إرادة واعية مؤمنة و ضمن أمكانياتنا المتواضعة ـ على تنظيف دواخلنا من عناصر التخلف، و تحطيم هيلكه الذي نقبع في ظله، و إجراء تغيير جذري شامل كافراد، و في مجتمعاتنا كنظام علاقات، و أسس تعامل، و توزيع قوى و طرائق معينة في الحياة، و في المعيشة و التفكير بهدف بناء المجتمع الذي تسوده قوانن موضوعة تطبق على الجميع. مجتمع يرتكز على العقل و المنطق و العلم في إدارته و مؤسساته المدنية. مجتمع يكف مثقفوه و أبناؤه عن البحث عن مثال وحيد للحرية و العمل السياسي و الاجتماعي، يصلح للتعميم على الأمم كلها…. مجتمع يسعى إلى أن نؤمنَ عملياً بفكرة الحوار و الاعتراف بالأخطاء، و تحمّل بعضنا البعض… مجتمع ينفتح على الإسلام ليكون فكر الإسلام و معاييره هي الصورة الجوهرية للإطار القومي الذي أُرهق و هو يبحث عن صورته.

من خلال ذلك أرى أن مستقبلنا هو رهن لفعلنا و بذرنا الراهن، إنه ثمرة أعمالنا و حصاد ما نزرعه في لحظتنا الحاضرة التي يجب أن نعمل فيها على نقد أوضاعنا، و تحسين مواقعنا، و مضاعفة جهودنا و دورنا في العالم، و تكثيف مساهمتنا في المسيرة الإنسانية العالمية، و انفتاحنا على الآخرين ليكون لنا نصيب و موقع و دور في الحضارة الحديثة، و ذلك بالارتكاز ـ كما أكد السيد الشهيد الصدر (رض) على ذلك مراراً و تكراراً ـ على الثوابت الفكرية العقائدية للأمة، و الاهتمام الجدي المسؤؤل بنسيجها التاريخي الحي (أي الإسلام) باعتباره البوتقة الشاملة لها، و أساس طموحها و عاطفتها و فكرها الذي يجب أن نجتهد فيه و نشتغل عليه من أجل بناء ثقافة الحوار، و الوعي، و الانفتاح، و التواصل مع الآخر، و إنشاء النظام السياسي الخاص بهذه الثقافة الذي يستطيع أن يقلص الفارق و الثغرة الكائنة بين الحلم السياسي المعلق في سماء الرسالة (ما يجب أن يكون) و بين الفعل السياسي الأرضي (ما هو كائن) الجاثم بقوة على صدر الإنسان.

إننا نعتقد أن المجتمع المدني السياسي الإسلامي ـ المطروح حالياً بعد وصول السيد: محمد خاتمي إلى سدة الحكم الرئاسي في ايران ـ كفيل ببناء دولة المؤسسات و القانون الإسلامية التي يريدها الجميع، و ذلك لأن هذا الفكر ـ الذي تقوم عليه مدنية المجتمع الإسلامي، المناهض و المناقض لأسس المجتمع القبلي السابق (و القائم حالياً) ـ يمتلك معايير، و ضوابط عملية، و آليات عامة هي من صلب الحياة و الفكر الإسلامي الأصيل، و يستطيع أن يؤمّن ـ بالحد الأدنى ـ مشاركة كثيفة للناس و المبدعين جميعاً في عملية الإنتاج و الإثمار الحضاري، لذلك من الضروري جداً الإيمان بأن بناء و تأسيس مجتمع مدني في العالم الإسلامي ـ له قواعد الثابتة و أسسه القوية الواضحة ـ لا يمكن أن يتم من دون وعي التراث الإسلامي وعياً إيجابياً من الداخل، و محاولة دراسة و تفكيك و تحليل مضامينه المعرفية و الفكرية و العقائدية، و صياغة مقولاته و أفكاره بما يتناسب و الحاجات الاجتماعية و السياسية الضرورية في عصرنا الحاضر.

و إذا كانت العملية التطورية للفكر و الثقافة و التراث المعرفي الغربي قد أفرزتْ النمط الحديث المعروف للمجتمع المدني في الغرب، فإنه يجب علينا بالمقابل أن نعمل ـ من خلال فكرنا و ثقافتنا ـ على إيجاد نواة حقيقية لبناء نمط اجتماعي آخر من صلب مبادئنا و تراثنا.

من هذا المنظور نؤكد على أن آلية العمل المؤسساتي المدني بصيغته الإسلامية تفترض، مبدئياً، الارتكاز على ما يلي:

1ـ عقلنة السلطة([74]) السياسية و جعلها شأنا بشرياً نسبياً ما هي في واقعها الأصيل، و ذلك فيما يتعلق بأليات و أساليب و وسائل الحكم فحسب، و استبدال البنى و السلطات التقليدية و العائلية بسلطة القانون الاجتماعي المدني ـ إذا صح التعبير ـ المتفق عليه في المجتمع، و القائم على رؤى و مفاهيم و تصورات و أفكار الدين الإسلامي.

2ـ الإيمان بأن أي تحول أو تغيير في الحياة لن تكون له أية فاعلية أو تأثير إلا إذا استند على قاعدة أنسانية شاملة، و مشاركة واعية و واسعة للبشر في الحكم السياسي، لأن الصراع و التنافس السياسي السلمي هو المقوم الفعلي للحياة الاجتماعية المدنية.

3ـ الإيمان بوجود المعارضة السلمية، و حقها في التعبير، و الشرعية المقننة.

4ـ مراعاة رأي الأغلبية في البلاد و الاحتكام إليها في اللحظات الحرجة و الضرورية.

5ـ ضرورة وجود فكر و عقيدة إسلامية مستقرة في داخل الأمة تجعل من حضور الإنسان ـ في كل مجالات و أفاق الحياة، و مشاركته الحرة في العمل المجتمعي ـ شرطاً ضرورياً في عملية التغيير و التقدم.

6ـ العمل الجدي على تعميق و توسيع مساحة الحرية في المجتمع كشر أساسي لحدوث أي تحول إيجابي فيه، باعتبار أن وجود فكر مستقر و فاعل لا يمكن أن يتحقق ـ أو يكون له أي معنى ـ إلا في إطار الحرية المنظمة و الواعية، حرية الفكر، و حرية التعبير، و حرية الاجتماع، و حرية محاسبة الحكومات و مساءلتها.

7ـ إن الإسلام يؤمن بضرورة بناء المجتمع المدني، و يفرق فيه بين نوعين من المشروعية: السياسية و الدينية. أي مشروعية النظام السياسي القائم على أسس و معطيات بشرية لها امتدادات فاعلة في البعدين الفكري و الإسلامي و الواقعي الحياتي، و أن الناس هم مصدر هذه المشروعية السياسية، و رغبتهم بها شرط أساسي لقيام و ضمان دوامها و استمراريتها([75])، أي أن تكون السلطة شأناً بشرياً صرفاً يجب على البشر أن يتدبروه بمعرفتهم و ظروفهم و حاجاتهم.

بدليل أن القرآن الكريم لم يحدد صيغة للسلطة على رغم خطورة هذا الوقف و أهميته في حياة الناس. بينما حدد لهم منظومة متكاملة من الواجبات و المحرمات في باب التعامل هي أقل شأناً من خطر السلطة و هيبتها، و في مجال آخر خاطب الله تعالى رسوله(ص) في القرآن كريم بقوله (فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر)(الغاشية: 21) يعنى أنك لا تستطيع أن تجبرهم على الاختيار حتى في المجال العقائدي([76])، و لكن إذا اختاروا ما تأمرهم به بملء إرادتهم فعليك أن تحترم و تحمي هذا الاختيار، و هذا ما مارسه الرسول (ص)([77]). و أما بالنسبة للمشروعية الدينية فهي التي ترسم القواعد الكلية و المعايير العامة الناظمة لحركة النظام السياسي الإسللامي فى نطلق الثوابت الفكرية و العملية للإسلام.

من هنا نصل إلى حقيقة واقعية تقول: بأن مصطلح أو كلمة الديمقراطية([78]) ـ التي عمل الكثيرون على و ضعها في مقابل الإسلام كبعدين متعارضين غريبين و غير قابلين للقاء ـ هي آلية للحكم، و وسيلة لتداول السلطة في أي نظام سياسي، و لا علاقة لها مطلقاً بالعلمانية أو بالليبرالية، بمعنى أن العلمانية أو الليبرالية ليست شرطاً جوهرياً لبناء الديمقراطية و النظام التعددي الشوروي (وفق الصيغة الإسلامية) في أي بلد غير غربي. إنها نوع من التنسيق و الترتيب المؤسساتي ـ إذا جاز التعبير ـ لأجهزة الدولة للوصول إلى القرارات السياسية العامة التي تحدد مصلحة الأمة و الشعب من خلال تمكين الناس من اتخاذ القرارات المصيرية عبر الانتخاب. و تبعاً لذلك ينتج عن الديمقراطية مجموعة من المعايير و القيم، من أبرزها:

ـ المشاركة العامة في اتخاذ القرار و ضمان حرية الأفراد.

ـ مسؤؤلية الفرد عن أفعاله.

ـ تحقيق العدالة و المساواة بين الناس.

ـ العناية الفائقة بحقوق الإنسان.

لقد أدى هذا الترتيب المؤسساتي ـ في الغرب الحديث ـ إلى العلمانية و الليبرالية، حيث لا تلازم مُطلقاً بين العلمانية و الديمقراطية، أو بين اليبرالية و الديمقراطية، و لا بد له من أن يؤدي في المجتمع الإسلامي إلى شكل يساير فكر الناس الإسلامي، و يَخْرج من صميم إيمانهم. و نظام سياسي ينبع من فكر هم و عقيدتهم الإسلامية و بما يتناسب إيجاباً مع مفاهيمهم، و تصوراتهم القرآنية عن الكون و الوجود و الحياة.

إنني أعتقد أنه إذا كان هناك ثمة مشروع جاد و مسؤول للولوج في مشروع الحرية و الديمقراطية ـ بتجلياتها و عناوينها الشوروية (التعددية) الإسلامية ـ فلا بد من بذل الجهد العالي في التفكير في كيفية استنباتها في أرضنا بكل ما يعنيه مفهوم الاستنبات من شروط تهيئة البذور، و التربة صالحة، و وجود مناخ موات و منشطات([79]). أي أن ذلك يحتاج إلى اعتماد طريق الحوار العقلاني في بلادنا غير المستقرة سياسياً و اجتماعياً، و حلّ الخلافات بروح التفاهم و التعاون و الجدال “بالتي هي أحسن” حول مختلف القضايا، و الإشكاليات المتصلة بآليات تنفيذ و تطبيق التعددية في مجالنا السياسي و الاجتماعي، و دراسة الشروط و الخصائص التاريخية الخاصة بتطبيق نظام التعددية في بلداننا، و إيمان جميع الأطراف و القوى بضرورتها، و قبولهم لنتائجها… لكننا يجب أن نضع في حسباننا مسألة هامة جدة و هي: أن كيان الدولة العربية الحديثة ـ من حيث وجودها كدولة ـ ما يزال لا يحتمل التعددية و الديمقراطية، لأن التعدديات العصائبية المترسبة لم تنصهر في بوتقة الدولة الحديثة و المجتمع الحديث([80]). و هذا النوع القديم من التعددية سرعان ما يطفى على التعددية الديمقراطية، و يحل محلها بشكل يتجاوزها إلى ما يشبه الفوضى أو الحرب الأهلية. و قبل قرون شخّص ابن خلدون هذه الظاهرة بالقول: “إن الأوطان الكثيرة العصائب قلّ أن تستحكم فيها الدولة”. لذلك إننا نريد بناء نظام سياسي تعددي يعطي المجتمع المدني السلطة و القوة الأكبر في مارسة جميع أوجه و نشاطات و فعاليات العمل السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي بحيث تكون الدولة خادمة له، لا أن يكون المجتمع خادماً لها و لساستها و حكامها.

و أول خطوة عملية باتجاه هذا النظام المستقبلي ـ الذي يهدف إلى خلق إطار سياسي و اجتماعي يساعد المرء على تحقيق نفسه ككائن إنساني  ـ تكمن في اتباع طريق الحسم في تغيير النظام القائم، أي تغيير القاعدة التي يقوم عليها الحكم، و آلية السلطة في البلدان العربية و الإسلامية عموماً، و هي قاعدة عصائبية استبدادية موروثة، فلا يمكن ـ و الحال هذه ـ أنْ يكون هناك أمل بالمستقبل ـ من خلال نشوء سياسة حكيمة تأخذ في الاعتبار المصالح و المنافع العامة للسكان جميعاً و للبلاد عموماً ـ إلاّ عندما يكون مصير الحكومات التي تخط هذه السياسة، و تصوغها، و تحدد الاختبارات، و توزع الموارد مرتبطاً مباشرة ـ كما أسلفنا القول ـ بإرادة السكان و رضاهم و رغبتهم و عقيدتهم الفكرية و السلوكية. في هذه الحالة فقط تنشأ ـ أو يمكن أن تنشأ ـ سيااسة و طنية، و يزيد موقع و مكان المصلحة الوطنية العامة في حجر الدولة، و يحدث التفاعل الإيجابي المطلوب بين الحكومة و الشعب([81])، على حساب المصالح الجزئية و الفئوية… والسؤال الجوهري هنا هو: كيف يمكن أن ينطلق هذا التغيير، و ما هي معالمه الأساسية؟! و ما هي القوى التي يمكن أن تقوم به؟! أن الأمر خاضع ـ في تصوري ـ لمدى قدرتنا جميعاً كتيارات و قوى مجتمعية واعية، على بناء هذه القوى الضاغطة و الدافعة للتغيير عقائدياً، و سياسياً، و معنوياً، و أخلاقياً… طبعاً و قبل ذلك علينا أن نطرح و ننضج مفهوماً للدولة الإسلامية، و نظرية للحكم الإسلامي، يمكنها أن تميز بين دائرة الديني و دائرة السياسي (الشورى) ضن الدولة، و استنباط صيغ جديدة للتفاعل بين الدائرتين، و التمييز هنا لا يعني الفصل المطلق بين الديني و السياسي، بل أن تكون الدولة الإسلامية ذات طبيعة مزدوجة، فهي دولة دينية شرعا و عقيدة و نظرية بسلطة مدنية (دينية ـ مدنية) حكما و إدارة و ممارسة و تنفيذا، و هي دولة تستمد شرعيتها من الله و تستنفيد منها في إطار تنظيم الواقع الاجتماعي و السياسي للإنسان، و تستمد سلطتها العملية من الأمة و الشعب، لا على أساس أن يكون الإسلام ـ كقاعدة للفكر و العاطفة و الحياة ـ موضع تصويت و أخذ ورد بين الناس و داخل الديمقراطية، بحيث أنهم إذا صوتوا لمصلحة الإسلام على أساس ديمقراطي فإن الديمقراطية تقول بأن الإسلام شرعي و حق لأن الناس صوتوا له، أما إذا انقلبت المسألة و أصبح الناس يصوتون لغير الإسلام فلا يكون الإسلام شرعيا، و لكن أن تكون صيغة الشورى ـ التي تتغذى عناصرها من عمق التفكير و التصور الإسلامي ـ القاعدة الأساسية في الدائرة السياسية للمجتمع.

لذلك إننا نقول للجميع بأن عليهم أن يستعدوا من الآن لأن النظم السياسية العقيمة الفاقدة لشرعيتها و مصداقيتها، و التي وصلت إلى أعلى درجات الطغيان السياسي، و القمع الفكري و الثقافي في خططها و أعمالها المناقضة حتى لشعاراتها هي نفسها… إن هذه النظم الجامدة و البالية و المتخلفة لن يكون بمقدورها أن تقاوم و تجابه قوة التغيير القادم لفقرة طويلة. هذا التغيير الذي ينطلق من خلال حركتين:

الأولى (داخلية): و هي حركة الضغوط المجتمعية الهادفة إلى تعميق المشاركة الجماهيرية الواسعة في العملية السياسية و الاجتماعية و التنموية، و تحسين شروط أداء الحكومات و الأنظمة الوطنية القائمة.

والثانية (خارجية): و هي حركة المنافسة الاقتصادية، و العلمية، و الإعلامية العالمية الحالية و المستقبلية.

إننا ـ و من خلال إميماننا العميق بضرورة إحداث تغيير شامل و جذري في مجتمعاتنا كلها ـ نؤكد على أنه يجب علينا أن نؤسس لنوعية التغيير القادم، و نساهم ـ بعقلانية التخطيط و الفاعلية ـ في بناء صورته، و تأسيس ملامحه في طبيعة تفكيرنا القادم، و طريقة اتخاذنا لقراراتنا المصيرية، و الأساليب التي نتبعها، و المناهج التي نلتزمها في تنظيم حياتنا. و هذا الأمر بالغ الأهمية و هو مقدمة ضرورية جدا لبناء المجتمع الإسلامي المنشود، و صناعة الحياة التي نطمح إليها.

و من خلال ذلك يمكن أن يحدث عندنا انبعاث حضاري يبدأ من ثقتنا بذاتنا الإسلامية، و نقدها موضوعيا، و مراجعتنا لكثير من حساباتنا الفكرية و العملية، بحيث يؤهلنا هذا النهوض و الانبعاث لنكون ـ كأمة رائدة ـ معادلة مستقلة تفرض وجودها في مواجهة (مقابل) المعادلات التي فرضتها الدول الكبرى ـ و الحكومات الدائرة في فلكها ـ علينا. و لا شك في أن السبيل إلى ذلك هو تغيير ما بالنفس كأساس لتغيير ما في الواقع.

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: 11)

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

المهندس: نبيل علي صالح

سورية ـ اللاذقية

مراجع البحث و مصادره

1ـ أيوب، د. إبراهيم. التاريخ العباسي، الشركة العالمية للكتاب، بيروت1989.

2ـ إمام، د. إمام عبدالفتاح. الطاغية، من سلسلة عالم المعرفة الكويتية، العدد 183.

3ـ ابن عبدربه، العقد الفريد، دار إحياء التراث العربي، لبنان 1986.

4ـ التوحيد، مجلة إسلامية تصدر في إيران.

5ـ الحياة، صحيفة سياسية يومية تصدر في لندن.

6ـ ديورانت، ول. قصة الحضارة، الطبعة العربية.

7ـ سيرة ابن هشام.

8ـ السفير، صحيفة سياسية يومية تصدر في لبنان.

9ـ الصدر، الإمام الشهيد السيد: محمد باقر. اقتصادنا، المجمع العلمي للشهيد الصدر، إيران 1986.

10ـ الصدر، الإمام الشهد السيد: محمد باقر. التفسير الموضوعي و المدرسة القرآنية، دار التعارف، لبنان 1989.

11ـ الصدر، الإمام الشهيد السيد: محمد باقر. فلسفّنا، المجمع العلمي للشهيد الصدر، إيران 1986.

12ـ الصدر، الإمام الشهيد السيد: محمد باقر. الإسلام يقود الحياة، دار التعارف، لبنان 1990.

13ـ صابر، محي الدين. البدو و البداوة.

14ـ الطباطبائي، العلاّمة السيد: محمد حسين. الميزان في تفسير القرآن، طبعة لبنان.

15ـ فضل الله، العلاّمة السيد: محمد حسين. الحوار في القرآن، قواعده، أساليبه، معطياته. ط5، دارالملاك، لبنان 1996.

16ـ القبس، صحيفة سياسية يومية تصدر في الكويت.

17ـ المديني، توفيق. المجتمع المدني و الدولة السياسية في الوطن العربي، اتحاد الكتاب العرب، سورية 1998.

18ـ المستقبل العربي، مجلة ثقافية شهرية تصدر في لبنان.

مهندس: نبيل علي صالح

[1] ـ تشتق كلمة «المجتمع» من فعل جمع، يجمع. واصطلاح المجتمع هو مكان الاجتماع. وفي قاموس «محيط المحيط» يرد المجتمع كهيئة اجتماعية هي الحالة الحاصلة من اجتماع قوم لهم صوالح يشتركون فيها.

[2] ـ ورد المثل السابق على لسان النبي الكريم محمد (صلى الله عليه وآله).

[3] ـ يقول السيد الشهيد (رضي الله عنه)عن نظرية الحركة الجوهرية بأنها نظرية فلسفية أبدعها الفيلسوف الإسلامي «صدر الدين الشيرازي» الملقب «بالملاصدرا»، برهم فيها على أن الحركة ـ بمفهومها العميق ـ لا تمس ظواهر الطبيعة العرضية بل الحركة في تلك الظواهر ليست إلا جانباً من التطور والحركية في صميم الطبيعة، وأساس وجودها وحركتها الجوهرية. حيث قال: إن عالم المادة في تطور وتجدد مستمر، وإن حدوث العالم ـ على هذا الأساس ـ كان نتيجة حتمية لطبيعته التجددية، ولم يكن لأجل حدوث العلة، وتجدد الخالق الأول (العلة الأولى). وقد أوضح الشيرازي ـ إلى جانب الحركة الجوهرية ـ أن مبدأ الحركة في الطبيعة هو من الضرورات الفلسفية للميتافيزيقيا، والحركة الجوهرية للطبيعة هي علة الزمن. وبذلك أصبح الزمان ـ في مفهومه الفلسفي ـ مقوماً وركيزة أساسية للجسم، ولم يعد شيئاً مجرداً مستقلاً عنه.

[4] ـ كان ابن خلدون «عالم الاجتماع العربي المعروف» ول من صرح هذا الاستقلال أو الانفصال بين القوانين والسنن الحاكمة على المجتمع وبين القوانين الحاكمة على الأفراد. وقال صراحة باستقلال المجتمع في شخصيته وواقعيته. أما الاجتماعي الفرنسي «مونتيسكو» فقد كان من أوائل الشخصيات الاجتماعية التي حاولت اكتشاف النواميس والقوانين المهيمنة على حركة المجتمعات البشرية، في دراسته لمعطيات التاريخ الإنساني وعاداته وتقاليده وأنماط سلوكه وعوامله الاجتماعية.

[5] ـ من الضروري بالنسبة إلينا أن نشير هنا إلى أن الذين الإسلامي ليست لديه نظرية معينة في علم الاجتماع ولا فلسفة خاصة في دراسة الاجتماع التاريخي السياسي… وكل ما ورد في القرآن والتعاليم النوبة في هذا الإطار ـ من بحث اجتماعي أو موضوع تاريخي ـ لا يعدو أن يكون مجرد رأي وأفكار، ونظريات عامة حول المجتمع والتاريخ، لم ترد بصفة كونها مصطلحات خاصة في علم الاجتماع أو فسلفة التاريخ. إنها مباحث علمية رصينة لها موقعها الهام الذي يستدعينا للتحقيق فيها، والإمعان؟؟؟ كسائر التعاليم الإسلامية.

[6] ـ العلاّمة السيّد: محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص10، لبنان.

[7] ـ راجع سورة البقرة: 79، وسورة ال عمران: 112.

[8] ـ م.س.، (ج:4)، (ص: 105، 106).

[9] ـ الشهيد مرتضى مطهري، المجتمع والتاريخ، ص: 36، مؤسسة الوفاء، لبنان، ط: 1،1983م.

[10] ـ يؤكد السيد الشهيد ـ في هذا السياق ـ على أن المصالح الطبيعية للإنسان هي المصالح التي تقدمها الطبيعة وتوفرها الحياة للإنسان باعتباره كائناص له وجود خاص يتميز به عن بقية الكائنات والمخلوقات الحية، مثل حاجة الإنسان للعقاقير المنتشرة في الطبيعة على شكل مواد خام، والتي يظفر بها بوصفه كائناً ضعيفاً مُعرضاً للإصابة بالأمراض. فالإنسان يحتاج تلك العقاقير سواء كان يعيش منفرداص أم ضمن مجتمع مترابط. وقد ركب الإنسان تركيباً نفسياً وفكرياً خاصاً يجعله قادراً على تحقيق وتوفير المصالح الطبيعية، وتكميل هذه الناحية من حياته عبر تجربته للحياة والطبيعة.

أما المصالح الاجتماعية فتعني مصالح الإنسان العامة التي يكفلها له النظام الاجتماعي، وتضمنها له قوانينه الحاكمة بوصفه عضواً كائناً اجتماعياً يرتبط بعلاقات مع الآخرين، كالمصلحة التي يجنبها الإنسان من النظام الاجتماعي حى يسمح له بمبادلة منتوجاته بمنتوجات الآخرين، أو حين يوفر له ضمانة معيشته في حالات العجز والتعطل عن العمل. وهذا يتوقف طبعاً على مدى الوعي والإدراك الخارجي لأهمية التنظيم والمصالح الاجتماعية بين الناس في المجتمع. أي إدراك واستيعاب الموقف الاجتماعي بكل تفاصيله، وفهم محتوى وجوهر المضمون والطبيعة الإنسانية. (راجع كتاب: اقتصادنا للسيد الشهيد، ص318، ط2، المجمع العلمي للشهيد الصدر ـ إيران 1986م).

[11] . نقول هنا للتذكرة فقط: إن ابن خلدون أورد تعبير “السياسة المدنية” للتمييز بين هذه السياسة المدنية و بين السياسة التي يهيمن عليها الحكم، و يمارس من خلالها سلطاته المرتكزة ـ بحسب زعمه ـ على البعد الإلهي أو البعد الوضعي… يقول: “و ما تسمعه عن السياسة المدنية فليس من هذا الباب، و إنما معناه عنده الحكماء ما يجب على كل واحد من ذلك المجتمع في نفسه و خلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا”. من المقدمة.

[12] . يتحدث ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة (ج:16، ص: 35 من الطبعة العربية) عن تلك المحاكم قائلا: فقبل تشكيل ديوان المحاكمات في مدينة يعلن ـ من على المنابر و الكنائس ـ الأمر الصادر بالإيمان و يطلب من الناس أن يوصلوا إلى أسماع أعضاء محكمة التفتيش أخبار كل ملحد و لا ديني و مبتدع، فكانوا هذا يحرضوهم على النميمة و اتهام الجيران و الأصدقاء و الأقارب، و يضمنون النمّامين أن تبقى أسرارهم طي الكتمان، أما من كان يعرف ملحداً و لم يفضحه و عمل على إخفائه في منزله سيبتلى باللعن و التكفير. و كانت وسائل التعذيب تختلف باختلاف الأمكنة و الأزمنة، فتارة كانوا يشدون يدي المتهم إلى الخلف ثم يعلقونه إلى بهما، كما أنه من الممكن أن يوثقوه و ثاقاً محكماً بحيث لا يقدر على الحركة ثم يصبون الماء في بلعومه حتى يختنق، كما كان من الممكن أن يشدوا الحبال في يديه و رجليه بقوة هائلة بحيث تخترق الحبال اللحم فتصل إلى العظم… “إلى أن يقول:” إن عدد التحايا من عام 1480 حتى عام 1488، أي خلال 8 سنوات يقدر بـ 8800 محروقاً و 96494 محكوماً بالأشغال الشاقة و العقوبات الأخرى، و من عام 1480 إلى عام 1808 احتراق 31912 شخصاً، و حكم 291450 شخصاً بالأشغال الشاقة و باقي العقوبات الشديدة.

[13] . د. وجيه كوثراني، مصطلح المجتمع المدني و إشكالاته الحضارية، صحيفة السفير اللبنانية، 7 / 3 / 1998.

[14] . في إشارة إلى ظاهرة “الفروعونية” الواردة في القرآن الكريم التي كشف السيدُ الشهيد النقابَ عنها، و درس أسسها، و أسقط مرتكزاتها الفكرية و الايديولوجية، و هي ظاهرة تتحرك، بحكم كولها ظاهرة بشرية سياسية و اجتماعية، غير طبيعية، من خلال فعل التمرد على الله، و الدعوة إلى قيم الذاتيه و الطغيان الاجتماعي و السياسي، بحيث تعمد من خلال طغاتها إلى تفتيت المجتمع و تمزيق أبنائه في الفكر و الممارسة، و التحكم بعلاقات الإنسان بأخيه الإنسان هدف بعثرة طاقات و مواهب المجتمع الإنساني ككل…. و هذا ما أكده القرآن في أكثر من آية (قال فرعون لا أريكم إلا ما أرى و ما أهديكم إلا سبل الرشاد) (غافر: 29)… (قال فرعون: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) (القصص: 38).

[15] . ستكتفي هنا باستعراض و تحليل البدايات الأساسية الأولى لنشوء المجتمع الإسلامي منذ لحظة ولادة الإسلام الأول في عهد النحي محمد (ص)، ولن ندخل في تفاصيل الصيرورة التاريخية للمجتمع الإسلامي حيث من المعروف أن المنطقة العربية قد عرفت قبل ذلك أول التجمعات الحضارية، و نشأت على أرضها حضارات عريقة كان لها التأثير الأعظم و الفضل الأكبر على الحضارتين الإغريقية و الرومانية بشهادة كبار الباحثين و المختصين في الغرب.

[16] . على اعتبار أن المنطق العملي الذي ساد بعد وفاة الرسول الأكرم(ص) كان منطقاً قبلياً تعسفياً، ارتفعت فيه قيم الذات و القبيلة و العشيرة على حساب هبوط قيم الإسلام الرسالي النقي. و يظهر أنّ تلك العقلية أو ذلك النهج العصيي لا يزال يتحكم بوجودنا، و يرهن ممار سانتا في كل صعيد و مستوى خصوصاً على المستوى السياسي و الاجتماعي و الثقافي.

[17] . مصطلح “فكري ـ فلسفي” يطلق على الظواهر أو القضايا التي تتميز بطبيعة داخلية غير مستقرة أو ثابتة، تدخل في مواقع مختلفة من وقت الآخر، و لا تلستزم بواقع محدد معروف.

[18] . إننا نؤكد هنا على أن شدة تتابع الصراعات و التقلبات في التاريخ الإسلامي لا تعببر عن نزعة تغييريه تجديدية أو رؤية إيمانية بسنة التطور الكوني، و لكنها تعبير عن رسوخ روح الانقسام و التفتيت في مجتمعنا العربي، و ميله نحو تعددية الكيانات في نسيجه المجتمعي التاريخي، و عدم قدرة ـ هذه الكيانات المجزأة ـ على التوافق الطوعي. و على كثرة التقلبات السياسية الظاهرة يبقى الواقع العربي ـ في جوهره ـ دون تغيير، كما هو ملحوظ إلى الآن: أزمات سياسية متلاحقة. لكنها تراوح مكانها. (راجع كتاب: أين الخلل، د. محمد جابر الأنصاري، صحيفة القبس الكويتية، 17/2/1998).

[19] . تلاحظ هنا أنه، و نتيجة لوجود ثوابت معينة في واقع مجتمع القبيلة، كانت التوازنات بين أطرافها تتطلب تحقيق التوافق، بالإجماع الكامل، بين كل عصائبها نظراً لغياب السلطة المركزية القوية، فإن افتُقد هذا التوافق و لم يتأمن الإجماع الكامل، ضاق مجال الحوار و الحوال الوسط، واتسعت دائرة التنابذ و الافتراق، و بداً تشرذم القبيلة إلى عشائر متناحرة و متفرقة. و هذا ما تجده سائداً و راسخاً، للأسف، في واقعنا العربي السياسي (القبلي) الحالي، حيث يلاحظ أن المنظمات الرسمية، و الأحزاب السياسية العربية المعاصرة ما زات تسير أو تسيّر ـ كما نتابعها في أدبياتها السياسية ـ بالاجمال. و الأمر نفسه ينطبق تماماً، على كل المجالس و المنظمات و الهيئات العربية الأخرى كالجامعة العربية و مجلس التعاون الخليجي… إخ.

[20] . محي الدين صابر، البدو و البدواة (ص:135).

[21] . العقد الفريد، لابن عبدربه، (مجلد:4)، (ص:199 ـ 201).

[22] . الخلافة الإسلامية للعشماوي، دار سيناء للنشر ص132.

[23] . م.س نفسه.

[24] . العقد الفريد لابن عبدربه، المجلد الرابع، (ص:186) + تاريخ الخلفاء (ص263) + الكامل في التاريخ لابن الأثير 3/665، دار إحياء التراث العربي بيروت 1986.

[25] . د. إمام عبد الفتاح إمام…. الطاغية، من سلسلة عالم المعرفة الكويتية (العدد: 183) (ص: 51).

[26] . يبدو أن هذا الضغط و السلوك العنجهي الاستبدادي لا يزال جائما “على صدر الأمة حتى الآن بفضل وجود نخبة سياسية حاكمة لا تقيم و زنا” لقيم الحق و الأخلاق و العدل، تمتد على مساحة الوطن الكبير بطوله و عرضه.

[27] . راجع الفخري في الاّداب السلطانية (ص:125)، نقلا عن كتاب التاريخ العباسي للدكتور: ابراهيم أيوب، ص212، الشركة العالمية للكتاب بيروت: 1989.

[28] . الطاغية م.س(ص: 232).

[29] .هناك علامات و دلائل فكرية أخرى في هذا المجال يمكن أن تؤسس لرؤية مدنية جديدة لعل من أبرزها كتاب نهج البلاغة للإمام علي(ع)، و رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع)، و الموروث الفكري الضخم الوارد إلينا عن الإمام جعفر الصادق (ع) و الإمام الرضا (ع)، و باقي الكوكبة الطاهرة من أئمة أهل البيت (ع).

[30] .العلاّمة السيد: محمد حسين فضل الله، الحوار في القرآن قواعده، أساليبه، معطياته. (ص:141)، دارالملاك، ط: 5، 1996 بيروت ـ لبنان.

[31] . سيرة ابن هشام، ج:1، (ص:348)، ط: بيروت.

[32] . يتعاقلون: يؤدون الدية.

[33] . عانيهم: من العاني أي الآسي.

[34] . المُفْرَح: ذكر ابن هشام أنه المثقل بالدين، الكثير العيال.

[35] . يبايئ: يثأر.

[36] . اعتبط: قتل.

[37] . أي يثار منه.

[38] . أي يثير الفساد.

[39] . الشهيد السيد: محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، (ص:162)، دار التعارف، بيروت، لبنان 1990.

[40] . السيد الشهيد: محمد باقر الصدر، التفسير الموضوعي و المدرسة القرآنية، (ص:145)، دارالتعارف، بيروت ـ لبنان 1989.

[41] . لا نقصد به تحويل أفكار و مشاعر و عواطف الأفراد إلى صيغ قانونية تنظيمية جامدة لا روح فيها بسبب المناخ الانهزامي السائد حالياً في أوساطنا الاجتماعية و السياسية. لكننا نريد به وضع و بناء آليات عمل و أطر سليمة يتفق عليها المجتمع، و تكون موضع قبول و رضا من قبل أبنائه بحيث تؤدي الى تحقيق الهدف الأساسي المنشرد و هو تنمية الأمة اجتماعياً و اقتصادياً و سياسياً، و إثارة إمكاناتها البشرية الطبيعية الهائلة كلها في معركتها الحاسمة ضد مواقع التخلف و الاهتزاء الروحي و المفاهيمي.

[42] . إذا كانت الثقافة الغربية ـ و طبيعة الظروف السياسية التي عاشها الغرب ـ قد أديا إلى بناء المنط الحديث المعروف عن المجتمع المدني الغربي، فإنه يجب علينا بالمقابل ـ كما نفعل الآن ـ أن نفتش ـ و من خلال ثقافتنا و روحنا الحضارية الإسلامية ـ عن الأسس الازمة لبناء نمط آخر لمجتمع مدني من صلب فكرنا و تراثنا و عقيدتنا، لأنه لا يمكن بناء مجتمع مدني حديث في العالم العربي و الإسلامي، له قواعده الثابتة و القوية، من دون وعي التراث الإسلامي وعياً إيجابياً من الداخل، و محاولة دراسة مضامينه المعرفية و الفكرية و العقائدية، و صياغتها ضمن مقولات و أفكار حديثة يمكن لها أن تستيد من التجربة الغربية المتطورة في هذا الحقل.

[43] . السيد الشهيد: محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة (ص:165)، مصدر سابق.

[44] . يمثل مصطلح “المتطلبات الجديدة” الحاجات المستجدة في حياة الناس ـ رغبتهم، ذوقهم، طبيعتهم ـ و هنا نؤكد عنى أنه ليست كل ظاهرة جديدة هي بالضرورة صحية و إيجابية و تعود بالفائدة و المنفعة على حياة الناس و المجتمع، و تجب مواكبتها و الاستجابة لها. إن المطلوب هنا هو أن تكون المواكبة ـ فيما يتصّل بالمفاهيم و أساليب الحياة، و طرق العيش ـ متوازنة و عقلانية و منسجمة مع مصلحة الإنسان و المجتمع الإسلامي، و غير منطلقة من عقدة التجديد و الانبهار بالجديد في العالم، و أن تكون لها أصولها و قواعدها و جذورها.

[45] . لا بدللدين ـ كأي نظام ثقافي أو اجتماعي أو سياسي يريد أنْ يتجذّرِ في الواقع، و يمارس عملية الدعوة إلى فكره ـ من أن يتأنسنّ ليكون حياً في الواقع مسن خلال تجذّره في وعىّ الإنسان… لذلك من الطبيعي له (للدين) أن يبحث عن الوسائل و الآيات و الأطر الواقعية التي تحول هذا النظام إلى واقع حي و ملموس ينزل من خلالها إلى أرض الواقع، و يواجه التحديات و الصعوبات التي تواجه الإنسان في الحياة، في قضايا الحق و الباطل، و العدل و النظم، و ما إلى ذلك… و السياسة تمثل الوسيلة الواقعية لتأكيد العناوين الكبيرة الإنسانية في الحياة. من هنا يكون اتصال الدين بالسياسة من جهة اتصال الدين بالحياة و بالقيم و المبادئ الكبرى التي لا يمكن تحقيقها إلا من حلال السياسة، و التوافر على مناخاتها و أجوائها المختلفة. فالعدل لا يمكن تحقيقه من دون السياسة، كما لا يمكن أن تحقق عدالة من دون حكم و قانون و شريعة. و الحديث عن هذا الجانب السياسي في الفكر الديني الإسلامي لا ينطلق من خلال الفهم المتداول عن السياسة بادعاء كونها لعبة و استهلاك من دون معنى، أو أنها طموح ذاتي سياسي يحاول أن يطرح أفكاره في الهواء فحسب، بل إنه ينطلق من خلال كون السياسة منهجاً للحياة فيما تحققه من أهداف الحياة في الواقع. و الإسلام، المثَّل بالخط الفكري العقيدي، يجب أن يُظْهِرَ الطبيعةَ و الجانبَ المدني في الدين في الإطار القانوني من حياة الناس، أما الآليات التي يحقق فيها الفكر الإسلامي وجوده و امتداده، فهي آليات عمل سياسة كما أسلفنا.

[46] . السيد الشهيد: محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ص:21، م.س.

[47] . م.س، ص24.

[48] . حسن فضل الله، هل من تصادم بين القانون و الحرية، صحيفة السفير 13 تشرين الأول 1998، ص18.

[49] . طرح هذا المفهوم (العلمانية) نسبة إلى العلم: العالم ـ في سياق المواجهة التي دارت ـ كما أشرنا سابقاً ـ بين الكنيسة و رجالاتها من جهة و بين القوى الزمنية و العلمية الممثلة بالأمراء و الملوك من جهة أخرى، نتيجة ادعائها لسلطة الحق الإلهي الذي استبعدت الكنيسة من خلاله حق الإنسان في تنظيم اجتماعه السياسي و المدني، و إدارة شؤونه العامة، و تقرير مصيره، لذلك كان الصراع مريراً والرد قاسياً، حيث جاءت حركة العلمنة لتفصل بين الكنيسة و الدولة، و تحرر المسيحية من إرث الكنيسة المتخلف و ترجعها إلى حدودها الضيقة الأولية، و تُبلور ـ للمرة الأولى ـ مفهوم العلمنة كدعوة للفصل بين الديني و الدنيوي، و بذالك و لدت العلمنة في سياق الصراع بين سلطة الكنيسة و بين العلمانيين.

[50] . السيد: محمد حسن الأمين، العلمنة و الدين و الدولة، صحيفة السفير اللبنانية 3/1998.

[51]ـ لاحظ قوله تعالي (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والحكمة ليقوم بين الناس)(الحديد :22) الذي يعني أن مسالة الدين تساوي وتوازن مسألة العدل. أى أن الرسالات السماوية كلها تختصر حركتها بهدف واحد هو العدل. والعدل يمثل قيمة عملية واقعية لا يمكن أن تتحقق من دون آليات، وهيئات وموسسات وقوى سياسية مختلفة تسعى إلى تحقيق قيمة العدل. إن مسألة عدل الإنسان وعدل الحاكم و عدل القانون، وعدل القضاء هي مسألة تختزن في داخلها المعنى الدنيوي، والخط السياسي التنظيمي الحركيس الذي يقود الناس إلي النظام الأفضل في حياتهم، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التفائه بالقيم الدينية الحقيقة الانسانية.

[52]ـ تهلو المسيحية من المبادي والشرايع الخاصة ينتظم الاجتماع البشري على صعيد السياسية والحقوق والمعاملات. فمملكه المسيح ليست في هذا العالم وهي ـفي الاساس فصلت بين الله و بين القيصر. لذلك فالميسحي عندما يرضي العامانية كحركة في الجانب القانون التشريعي الوضعي لا يخسر شيئاً من التزامه وإيمانه الديني ، ولكن المسلم يخسر كثيراً، لأنه اذا أمكنه أن يخضع للواقع القانوني المدني في غير المجتمعات المتنوعة فإنه يعيش ازدواجية فكرية و عملية في الواقع بين ما هى الشريعة وما هو القانون المدني، وبذلك يكون الإرياك والاضطراب والقلق السلبي محور حياته.

[53]ـ خالد توفيق، موقف التبار العلماي من الدولة الإسلامية مجلة التوحيد الإيرانية، العدد: 93 ص 30، 1998 م.

[54]ـ يرفض الإسلام رفضاً قاطعاً مفهوم العلمانية الملحدة و يتنافي قطعاً مع موحباتها و منطلقاتها و ركائزها الفكرية و هذا عائد إلى طبيعة العقيدة الإسلامية بوصفها نظام فكري و عقائدي ديني في حين أن العلمنة الملحدة تنفي الدين من أساسة لذلك لا مجال للتوفيق أو الالتقاء بينها و بين الإسلام

[55]ـ مصطلح فكري يشير إلى العلمانية التي تقول بفصل الدين عن الدولة لكن من دون التورط في مواجهة حادة مع الدين من خلال نفيه أي أنها تعترف و تقر بوجود الدين و تتعايش معه بسلام لكنها لا تطيعه دوراً في العمل السياسي و التشريعي القانون.

و هنا أراني مضطراً أن أسحل نقطة هامة للتذكرة فقط و هي: أن طريقة تعامل تعايش العلمانية الغربية مع الدين أفضل بكثير من تعايش العلمانية العربية معه (مع الإسلام تحديداً) حيث لا تزال الكثير من العلمانيات العربية و الشرقية تعادي الدين و تحاربه و تقول بضرورة مواجتهة و اسقاطه كما نلاحظ في علمانية العسكر الأتراك المستبدة التي كانت لفترة طويلة من الزمن ـ وربما لا تزال ـ نموذجاً رفيعاً يحتذى به بالنسبة للكثير من العلمانيين العرب.

[56]ـ نحن نعتبر أن سلوك و طريقة تعامل كثير من العلمانيين مع مفاهيم و مبادي الإسلام  (وبالتالي مع الإسلاميين) قد ساعدت على سد منافذ الحوار في المحتمع و أدت بالسطات العلمانيش التي تمفصل معها فريق العلمانيين ـ الى اتباع أساليب غير سلمبة (كالملاحقة و السجن و التشريد و التعذيب و القتل و التصفية..الخ) مع جمهور الإسلاميين من جهة و في توجية هؤلاء إلى تكوين صور نمطية سيئة للغاية عن معاني و تطبيقات و سير العلمانية في بلادنا من جهة ثانية

[57]ـ إننا لا نريد أن تكون هذه الوسطية مجرد مشروع اتباعي هجيني مركب تمتزج فيه الأفكار المتناقضة و تتعايش في داخله الأضداد المتصارعة لأن ذلك يخلق تشويهاً و تحريفاً في الممارسة العملية لها من حلال طبيعة التركيبات الفكرية الكرتوتية الهشة التي تؤسسها تلك الأضداد في داخل بنية ذلك النهج لكننا نرمي إلي إيجاد ارضية متية تتشارك فيها كل المشاريع الفكرية و السياسية الخاصة وبالتيارات و القوي العاملة على الأرض في مواجهة تحديات المرحلة الحاضرة اذ لابد أن يكون هناك ـحتماً ـ اتفاق بالحد الأذن بين كل التيارات و هنا بالذات بأني دور الحوار باعتبار قاعدة اللقاء و التعاون و التوحد حول ضرورات و تحديات المرحلة بعض النظر عن التفاصيل الاُخري

[58]ـ إن المعني الحقيقي امواكبة و مسايرة العصر ينطلق من خلال دراسة العناصر التي لا تواكب الحياة في الخط الإسلامي فالعصر مخلوق زميني و ليس محوراً مطلق الحقيقة و لا يمثل مقياساً و معياراً وحيداً للحقيقة إنه علمنا و نتاجنا وصناعتنا لذلك فهو مرحلة لتجريب الأفكار و الصيغ و النظريات و؟؟؟ التي لا تحمل قداسة في مادتها الذاتية و الموضوعية

[59]ـ لقد أثّر ذلك علينا جميعاً فأصبحنا نتعامل مع الاستبداد كنمط أو كأسلوب للعيش. وللأسف لقد أدى ذلك إلى صعوبة وجود الفرض المناسبة للنمو والتقدم في المجتمعات الإسلامية بسبب افتقاده لقيمة ومعنى الحرية التي لا يمكن أن تنمو و تستقر وتزدهر و تستبت إلا في مجتمع رشيد و عقلاني وناضج في وعيه وسلوكه.

[60]ـ يجب التفريق دائماً ـ بحسب نظرة الشهيد الصدر ـ بين نوعين من الحرية في التصور الإسلامي الحرية بمعناها الطبيعي الفطري التى تعتبرا عنها جوهرياً داخلاً في الكيان الذان للإنسان و جزماً منه بحيث أنه فقدنا شعر بامتهان كرامته ووجوده والحرية بمعناها الاجتماعي: التي يكسبها الفرد من الجتمع لا من الطبيعة و هي هذا المعني تنصل بالوجود الاجتماعي الخارجي للإنسان في سلوكه و علاقاته المذهيية، والاجتماعية والفكرية.

[61]ـ الشهيد السيد: محمد باقر الصدر اقتصادنا، م .س، ص 289

[62]ـ لقد جرت ارأسمالية المتوحشة ـفي طبيعة فهمها و تطبيقها الخاطي لمفهوم و قيمة الحرية الإجتماعية و الإقتصادية ـ على البشرية كوارت مدمرة كلفت الإنسان كثيراً من الدماء و الدموع…. طبعاً الكل بعلم و يلات وماسي الحروب الطويلة التي أشعلت تيرآنهاالبلدان الرأسمالية هدف الاعتداء على البلاد الآمة و الحصول منها على المواد الأولية للماكينة الصناعية الغرية و التوفر على أسواق واسعة جديدة لتصريف منتجاتهما الصناعية… لقد تسابقت الدول الأوربية بشكل جنوني في هذا الاتجاء وأذلت و قهرت واستعبدت البشر الآمنين وفرضت عليهم العذاب و المعاناة و سخرّتهم جميعاً في خدمة إنتاجها الرأسمالي من خلال ذلك نؤكد على أن الحرية الرأسمالية ـ التي تحول الناس في سبيل الحفاظ على مصالحها و منافعها الخاصة إلى مجرد آلة ميكانيكية خالية من المشاعر و الروح و تضمن تحقيق التقدم و الرفاهية للرأسماليين في البلاد الغربية دون وجود أي اعتبار أو قيمة روحية نفسية و أخلاقية ـ ليست مؤهلة أن تكون نموذجاً فريداً يحتذي في سعينا لبناء مجتمعنا المدني.

[63]ـ يبرز تحديد القيمة و ضبطها في الوعي الإسلامي بوصفه قوة نابغة من داخل الإنسان أي من ضميره الوجداني المرتكز على قاعدة الإيمان بالله تعالى، ما يفرض عليه خليقة وحدوداً معينة لسلوكه وفعله في علاقاته مع الآخرين و موقفه من المجتمع الذي يعيش فيه.

[64]ـ و الدليل على ذلك أن الشعوب العربية و الإسلامية لم تتفاعل وتنسق مع الحركات القومية العلمانية ـ بشعاراتها السياسية و التنموية الفجة ـ التي اتخذت من القومية فلسفة و روية و قاعدة للحضارة، وأساساً للتنظيم الإجتماعي لكن القومية ـفي تصورنا ـ لم تكن و لايمكن أن تكون فلسفة للوجود، ورؤية علمية أو نمط تفكير اجتماعي إنساني و لا عقيدة ذات أسس بل هي حيادية ـبطبيعتها ـ تجاه الفلسفات، و النظريات و المذاهب الإجتماعية و العقائدية و الدينية إنها رابطة تاريخية و لغوية فحسب و قد أحست الحركات القومية بذلك فذهبت إلى الأخذ بأفكار اجتماعية و نظام معرفي اجتماعي معين حاولت أن توفق بينه وبين القومية، فنادت بالاشتراكية العربية و الليبرالية العربية الإسلامية….. الخ لكن ذلك لم يسمح لها أن توفر الحد الأدنى من ولاء الجماعة لأساليب التنمية المتبعة و الناشئة من عقائد و نظم و أفكار الآخرين.

[65] . السيد الشهيد: محمد باقر الصدر، اقتصادنا.م.س، ص: 17.

[66] . د. برهان غليون، الوطن العربي و تحديات القرن الواحد و العشرين، مجلة للمستقبل العربي، العدد: 32، ص: 28، 6/1998.

[67] . د. غليون، في الدولة الحديثة القطرية و القومية، و عناصر نقدها. صحيفة الحياة اللندنية، 28/8/1997.

[68] . توفيق المدينى، المجتمع المدنى و الدولة السياسية في الوطن العربي، ص805، اتحاد الكتاب العرب، دمشق ـ سوريا، 1997 م.

[69] . د. برهان غليون، لقاء مع صحيفة السفير اللبنانية…27/4/1998.

[70] . أن ما نراه اليوم من أعمال و مظاهر نفسية و سلوكية ظالمة للنخبة السياسية الحاكمة هو نتاج و استمرار لمعادلة حيوية قامت منذ أمد بعيد، و اشترك في صناعتها الاستعمار مع القوى و التيارات المتخاذلة و المستسلمة التي كانت، و لا تزال، حاكمة في مجتمعاتنا.

[71] . تشكل الحركات الإسلامية ـ المعارضة بقوة للوضع الاجتماعي القائم في الدول العربية و الإسلامية ـ تعبيراً واقعياً عن حالة الفكر بالتوجهات و النظريات، و العقائد و السياسات و النظم التي ثم تطبيقها على مدار عقود طويلة من الزمن، و التي كانت وراء تحويل شعار الحرية إلى غطاء و ستار لتعظيم القهر و الغلبة و سحق الفرد، و قتل مواهبه و طاقاته، و جعل الدولة الحديثة و سيلة لتعميم ظاهرة العسف و القمع و السيطرة البوليسية، و توظيف الوطنية في خدمة سلطة الاستبداد و الوصولية الانتهازية.

[72] . نهج البلاغه، (ج: 1)، (ص: 217).

[73] . عمل النظام العراقي المستبد (كنموذج سلبي لأنظمة الحكم الطاغوطية المسيطرة في عالمنا الإسلامى) – و لا يزال يعمل ـ على تدمير الشخصية الإنسانية، و تسفيه أحلام الناس و الاستهزاء بكراماتهم و أمانيهم، و تحطيم كبريائهم، و إجبارهم على التخلي عن حرماتهم، و كراماتهم و انتمائهم من أجل أن يحيا الجسد فقط (جسد النظام المجرم).

[74] . لقد حولت أنظمتنا السياسية الحاكمة مسألة الحكم و السلطة إلى هاجس جنوني، تعيشه أغلب شرائح و فئات الشعب. أي أنها جعلتْ السلطة محوراً أساسياً لها في الحياة الاجتماعية و السياسية من خلال سوء ممارستها، و فسادها التنموي و الإداري و الاجتماعي، حيث زرعت في أذهان الناس جميعاً ـ من خلال خرقها للقوانين، و تمييعها للأنظمة النافذة، و بالتالي إثرائها السريع على حساب خزينة الدولة ـ بأنهم إذا ما وصلوا إلى الحكم و المناصب (لا المسؤوليات؟!) فإن ذلك سيدر عليهم الخيرات الوافرة، و الشهرة الواسعة، و سيفتح لهم الطريق مباشرة نحو الأعلى فالأعلى.

[75] . أن الدولة في الإسلام نتاج بشري، و ليست كيانا إليهاً مقدساً، لأن الناس فيها هم المسؤولون عن إنتاج السلطة، و تداول الحكم، و بناء مؤسساتها الحاكمة كلها. نعم تسعى الدولة في الإسلام ـ من ضمن برامجها و خططها العامة ـ إلى تعميق و تطبيق القيم و الأخلاق و السياسات الإسلامية بين أفراد المجتمع بالوعي و الحوار و أساليب “التي هي أحسن” لأنه من المستحيل بمكان أن يستمر وجود و بقاء الدولة (أية دولة) خارج إرادة الناس و وعيهم و رغبتهم الطبيعية، طبعاً يمكن أن تقوم دولة لا تأخذ رأي و مشاركة الناس في السلطة بعين الاعتبار، لكنها لا يمكن أنْ تدوم أو تبقى مستقرة لأنها بالأساس غير مطلوبة. فللشعب إذاً دور حاسم في قيام الدولة و سقوطها، و التاريخ خير شاهد على ذلك. من هذا المنطلق نؤكد على أنه إذا اختار الناس لأنفسهم الشريعة الإسلامية فإن الإسلام يحمي و يحفظ هذا الاختيار الذي يدعو إليه أساساً. و أما إذا الختار الناس ـ في المجتمع نظاماً آخر يتصل بمسألة تداول السلطة و آلية تنفيذها فهذا الأمر بشري نسبي يحميه الإسلام (طبعاً بما يضمن الحفاظ على ثوابته المبدئية الإسلامية) و يدافع عنه أيضاً، لأنه يؤكد حق الاختيار الحر للإنسان، و يدعو لحمايته و رعايته.

[76] . تعتبر قضية العقائد من المؤضوعات الخارجية المرتبطة بالعقل و الوعي بالحياة و الكون و الوجود، لذلك فهي ليست من اختصاص المجتهدين. بمعنى أن رأي الفقيه المجتهد في الموضوعات الخارجية (و منها العقيدة) ليس حجة ملزمة على الإنسان إلا إذا اقتنع به من خلال المعطيات التي يملكها. لذلك إذا كان الإسلام يقف بقوة ضد العقلية الجبرية و الحتمية (أي عقلية الفرض أو الإكراه) على صعيد العقيدة التي هي ركن أساسي في الإيمان الديني فإنه ـ و من باب أولى ـ أن تكون موضوعة السلطة و السياسة ـ و هي في مرتبة أدنى من العقيدة ـ ضمن النسق نفسه، طبعاً هذا لا يعني عدم وجود رابطة مشتركة بين العقائد و بين الواقع و الحياة الإنسانية تفترض أن يكون سلوك و أخلاق و أفعال الإنسان في الحياة انعكاساً حقيقياً لوعيه العقائدي، لأن انفصال العقيدة التوحيدية عن الحياة الاجتماعية يترك ـ كما ترك سابقاً، و لا تزال آثاره السلبية تتراكم يوماً بعد يوم ـ نتائجَ سلبية خطيرة تنعكس من خلال تحول العقيدة عند الفرد إلى ممارسات طقوسية جامدة، و شعارات مجزأة فارغة من أي مضمون أو محتوى عملي واقعي. إن المسألة هنا هي أن يكون هناك تفاعل إيجابي مثمر بين المعادلة ذات الأطراف الثلاثة (الإلهية، الطبيعية، الإنسانية) لتكون الحياة فاعلة على صعيد الإنسان و الأمة.

[77] . السيد محمد حسن الأمين، العلمنة و الدين و الدولة… صحيفة السفير م.س.

[78] . تعني الديمقراطية كمصطلح فكري “يوناني المنشأ” حكم الشعب نفسه و بنفسه و لنفسه. و هذا التعريف الكلاسيكي تطور و تنامت ديناميته مع تطور و ازدهار حركة المجتمعات البشرية، لكن الأسس و المبادى القاعدية التي أقام عليها هذا المصطلح بنيانه الفكري و العملي ـ كالحرية و العدالة و المساواة ـ بقيت ثابتة غير متطورة كونها تتصل بثبات التكوين الفطري و النفسي عند الإنسان. و الواقع أن لكلمة الشعب ـ الواردة في تعريف الديمقراطية عند اليونانيين (كما يؤكد عليه أكثر الباحثين) ـ مفهومين أو معنيين أساسيين: الأول اجتماعي يشمل جميع الأفراد الذين ينتمون لدولة ما، أي النساء و الأطفال و الرجال و الشيوخ و المساجين و المجانين… و من إليهم ممن فقدوا الأهلية السياسية. و الثاني: سياسي لا يمتد إلى كل هؤلاء، بل يقتصر على من لهم حق مباشرة الحقوق السياسية، و إذا كنا نقول: أن الشعب في الديمقراطية هو صاحب السلطة الفعلية و مصدر السيادة، فإن ذلك ينصرف إلى الشعب بمدلوله السياسي فقط، أي من لهم حق الانتخاب و هم هيئة الناخبين. لكن تلك المفاهيم تطورت ـ كما أشونا ـ حتى أصبحت غاية الديمقراطية، حالياً، خَلْق إطار “سياسي ـ اجتماعي” يساعد المرء على تحقيق ذاته، و التعاون مع الآخرين لإيجاد الشروط و الموارد الروحية و المادية لتحقيق الأنا. و إنني أرى أن شروط النظام التعددي (كأساس للمجتمع المدني الإسلامي) متوفرة بكثرة في داخلنا، و في نسيجنا الاجتماعي و السياسي و التاريخي العربي و الإسلامي بالرغم من وجود مواقع مظلمة كثيرة في هذا المجال. فالتسليم بإمكانية وجود المعارضة مبدئياً، و الاستعداد لإعطائها قدراً من الشرعية المقننة، و وضع آلية عملية لتداول السلطة التشريعية و التنفيذية سلمياً و قانونياً، و مراعاة رأي الأغلبية في البلاد، و الاحتكام إليها في الحالات الضرورية و المصيرية… كلها شروط سياسية و دستورية و قانونية لها جذور في بيئتنا و هي تمثل الحد الأدني لاستنبات بذرة التعددية إسلامياً. و هي شرائط “سهلة ـ ممتنعة” نتمنى أن نتوافر عليها حالياً بالحوار، و الانفتاح، و تعميق حس الوعي في ذهنية المجتمع بقياداته و قواعده. صحيح أن سياسة الاستبداد ـ المناقضة لأبسط قواعد المجتمع المدني الحديث ـ ما تزال سارية المفعول حتى الآن. و صحيح أن تخريب الفضاء الحياتي قدتم ـ عربياً و إسلامياً ـ بإسم الحرية، و مناهضة الحرية بإسم الدفاع عن الدين و مصلحة البلد، و هي كلها علاقات تدل على المرض التاريخي المزمن لمجتمعنا الإسلامي الذي أفضى ألى أن نعيش مع فكرة الحرية و التعددية بمزاج سبئ لا ينسجم مع المعنى الحقيقي لمفهوم الحرية و التعددية، لك علينا أن نسعى بقوة لخلق أجواء مناسبة تستطيع من خلالها أن نتحمل بعضنا البعض، و أن تجتهد في ترائنا و فكرنا الإسلامي كي نصل إلى تحديد معالم و أسس واضحة ترضي الجميع للتحرك الفعال على المسار التعددي و الحرية الإنسانية. و في وضع كهذا ربما ستغدو عملية التحول ـ نحو التعددية و الحرية ـ أسرع واضمن، و تصير المسيرة أكثر اطمئناناً، و أمناً، و استقراراً، و وعياً.

[79] . د. محمد جابر الأنصاري، الديمقراطية و مقومات التكوين السياسي العربي.. مجلة المستقبل العربي، ص: 11، العدد 23، 1996.

[80] . م.س.ص: 10.

[81] ـ م،س. ص: 28.

References

References
1 قدس سره