المذهـب الذاتي في نظرية المعـرفة

مداخلة نقدية حول الاتجاه التشكيكي بإبداعات الإمام الشهيد الصدر(رض)

السيد الشهيد محمد باقر الصدر من السمات البارزة التي تميزت بها الفلسفة الغربية في القرون الأخيرة إسهاماتها في مجال نظرية المعرفة وأعني بها تناول مصادر المعرفة ومنابعها الأساسية بالبحث والدرس ومحاولة استكشاف الركائز الأولية للكيان الفكري الجبار الذي تملكه البشرية والإجابة بذلك عن هذا التساؤل: كيف نشأت المعرفة عند الإنسان وكيف تكونت حياته العقلية بكل ما تزخر به من أفكار ومفاهيم وما هو المصدر الذي يمد الإنسان بهذا السيل من الفكر والإدراك؟وتنبع أهمية هذا البحث من خلال أنه يؤسس للرؤى الكونية التي يملكها الإنسان عن الوجود بمفرداته الأساسية: الله، العالم، الإنسان، والتي تنبثق منها الأيدلوجيات المتعددة التي تزخر بها الحياة الإنسانية، ببيان أخر إن اختلاف الأيدلوجيات في المجتمعات البشرية والتي أدت إلى اختلافهم في الأهداف والغايات التي ينبغي الوصول إليها وكذلك في الوسائل المؤدية لتحقيق تلك الغايات إنما تنبثق من تعدد الرؤى الكونية التي تنطلق منها هذه الأيدلوجيات لكن سلسلة هذه التساؤلات لا تقف عند هذا الحد وإنما يطرح تساؤل أخر هو لماذا اختلفت الرؤى الكونية فيما بينها؟ والجواب: إن ذلك ينبع من المناهج المعرفية التي اتبعتها المدارس الفكرية المختلفة لاستكشاف حقائق هذا العالم وبهذا نقف على الدور الأساسي الذي تلعبه نظرية المعرفة في الكشف عن الرؤى الكونية والمتتبع لهذا اللون من البحث قد لا يجد له عنوانا خاصا في كلمات كثير من علماء المسلمين إلا أن هذا لا يعني عدم امتداد بحوثهم لطرح مسائلها متفرقة هنا وهناك وهذا ما نجده في أبواب مختلفة من أبحاثهم الفلسفية والكلامية والأصولية فعلى سبيل المثال نجد أن البحث الأصولي عرض لهذا المجال بشكل عميق وواسع من خلال البحث الذي دار بين الإخباريين والمجتهدين والذي كان وما يزال يتمخض عن أفكار جديدة في هذا الحقل.

محاولة السيد الشهيد الصدر في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء:

تعرض السيد الشهيد الصدر ضمن أبحاثه الأصولية لدى مناقشته الإخباريين في مدى حجية البراهين العقلية إلى نمط التفكير المنطقي الأرسطي ونقده بما لم يسبقه به أحد وبعد ذلك طور من تلك الأبحاث وأكملها وأضاف إليها ما لم يكن يناسب ذكره ضمن الأبحاث الأصولية فأخرجها باسم كتاب “الأسس المنطقية للاستقراء” وهذا ما أكده في تقريرات بحثه الأصولي حيث قال «إن طريقة تولد المعارف البشرية حسبما يصورها المنطق الصوري أن الفكر يسير دائما من معارف أولية ضرورية هي أسس المعرفة البشرية إلى استنباط معارف نظرية جديدة بطريق البرهان والقياس التي يحدد صورتها علم المنطق فأي خطأ يفترض إن كان في الصورة فعلم المنطق هو عاصم منه وان كان في مادة القياس فان كانت المادة أولية فلا محالة تكون مستنتجة من برهان وقياس فينقل الكلام إليه حتى ينتهي إلى خطأ يكون في الصورة لأن المعارف الأولية لا خطأ فيها بحسب الفرض لكونها ضرورية وقد اصطلح عليها في الفكر البشري بمدركات العقل الأول وعلى المعارف المستنتجة منها بمدركات العقل الثاني إلا أن هذا التصور غير صحيح ومن هنا يطرح السيد الشهيد نظرية جديدة في المعرفة يعالج على ضوئها مشكلة الاستقراء ويعالج مستعينا بها الكثير من قضايا المنطق والمنهج الحديث وقد أطلق على هذه النظرية اسم المذهب الذاتي في المعرفة والذي من أهم مقومات هذا المذهب في مرحلته الأولى (التوالد الموضوعي) هو الاعتماد على نظرية الاحتمال وليس خافيا على أحد أن هذه النظرية التي اعتمدها السيد الشهيد في منهجه المعرفي الجديد كان قد بزغ نورها في بداية القرن العشرين على يد فلاسفة غربيين حيث نجد أن البحث عن نظرية الاحتمال بدأ يأخذ إلى جانب بعده الرياضي بعدا فلسفيا منطقيا فبين العامين (1910م و1913م) ظهرت باكورة العمل المشترك بين الفيلسوف الانكليزي برتراند رسل (1872م- 1970 م) وأستاذه الرياضي الفرد نورت وايتهد (1861م-1947 م) في ثلاث مجلدات باسم “أصول الرياضيات” تأسيسا منهما للمنطق الرياضي وقد عده بعض الباحثين من أعظم الأعمال الفكرية في تاريخ البشرية وكان رسل قد سبق ذلك بكتاب “مبادئ الرياضيات” عام 1903 م ثم تعرض رسل سنة 1912 م لمشكلة الاستقراء في كتابه مشكلات الفلسفة تحت عنوان “في الاستقراء” وكان للعالم السوفيتي أندري كولموغوروف (1903 م – 1987 م) عام 1933 م دور بارز في تحديد أنظمة العد التي تعتمد عليها نظرية الاحتمال وقد تمكن الفيلسوف الانجليزي تشارلي دنبر برود (1887م- 1971م) من التأسيس لبديهتي “الاتصال والانفصال” والتي نقلهما عنه رسل في كتابه الأتي وفي عام 1948م يعود برتراند رسل إلى الساحة مع كتابه “المعرفة الإنسانية مداها وحدودها” والذي خصص حوالي 80 صفحة منه للبحث حول نظرية الاحتمال وفي عام 1950م ظهرت إحدى أعمق الدراسات حول الاحتمال والاستقراء وذلك في كتاب الفيلسوف الألماني ردولف كارناب “الأسس المنطقية للاحتمال” الذي تناول فيه المسألة بعمق وتخصص».

كلمة لابد منها:

لكي نقف على أهمية هذه النظرية التي طرحها السيد الشهيد الصدر لابد من معرفة الهدف الذي توخاه السيد الشهيد من محاولته التأسيسية وقد أشار إلي ذلك في كلمته الأخيرة من الكتاب حيث قال: «إن هذه الدراسة الشاملة التي قمنا بها كشفت عن الأسس المنطقية للاستدلال الاستقرائي الذي يضم كل ألوان الاستدلال العلمي القائم على أساس الملاحظة والتجربة واستطاعت أن تقدم اتجاها جديدا في نظرية المعرفة يفسر الجزء الأكبر منها تفسيرا استقرائيا مرتبطا بتلك الأسس المنطقية التي كشف عنها البحث وتبرهن الدراسة في نفس الوقت على حقيقة في غاية الأهمية من الناحية العقائدية وهي أن الأسس المنطقية التي تقوم عليها كل الاستدلالات العلمية المستمدة من الملاحظة والتجربة هي نفس الأسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبر لهذا العالم عن طريق ما يتصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير فإن هذا الاستدلال كأي استدلال علمي أخر استقرائي بطبيعته وتطبيق للطريقة العامة التي حددناها للدليل الاستقرائي في كلتا مرحلتيه (التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي) فالإنسان بين أمرين:

ـ إما أن يرفض الاستدلال العلمي ككل.

ـ وإما أن يقبل الاستدلال العلمي ويعطي للاستدلال الاستقرائي على إثبات الصانع نفس القيمة التي يمنحها للاستدلال العلمي.

وهكذا يتبرهن على أن العلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي الاستقرائي ولا يمكن من وجهة النظر المنطقية للاستقراء الفصل بينهما».

الفارق بين المذهب العـقلي والمذهب الذاتي

يجب أن نعرف قبل كل شيء أن الإدراك ينقسم بصورة رئيسية إلى نوعين وهما التصور والتصديق فالتصور هو الإدراك الساذج والتصديق هو الإدراك المنطوي على حكم إلا أن المشكلة التي تواجهنا هي مشكلة أصل المعرفة التصديقية والركائز الأساسية التي يقوم عليها صرح العلم الإنساني فما هي الخيوط الأولية التي نسجت منها تلك المجموعة الكبيرة من الأحكام والعلوم وما هو المبدأ الذي تنتهي إليه المعارف البشرية في التحليل ويعد مقياسا أوليا عاما لتمييز الحقيقة عن غيرها؟ في هذه المسالة عدة مذاهب إلا أن المعروف والمشهور منها هو المذهب العقلي والمذهب التجريبي وأضاف إليهما السيد الشهيد محمد باقر الصدر المذهب الذاتي والوقوف عند هذه الإضافة يستلزم الالتفات إلى أن البحث في المعرفة البشرية يمكن تناوله من زاويتين:

الأولى: في تحديد المصدر الأساسي للمعرفة فالتجريبيون يؤمنون بأن التجربة والخبرة الحسية هي المصدر الوحيد للمعرفة فلا توجد لدى الإنسان أي معرفة قبلية بصورة مستقلة عن الحس والتجربة والعقليون يؤمنون بوجود قضايا ومعارف يدركها الإنسان بصورة قبلية ومستقلة عن الحس والتجربة وان هذه القضايا تشكل الأساس للمعرفة البشرية والقاعدة التي يقوم على أساسها البناء الفوقي للمعرفة كله.

الثانية: في تفسير نمو المعرفة أي كيف يمكن أن تنشأ من هذه المعارف القبلية الأولية معارف جديدة؟ وكيف يمكننا أن نستنتج من القضايا التي تشكل الأساس الأول للمعرفة قضايا أخرى وهكذا يتكامل البناء؟.

إن المذهب الذاتي وإن كان يتفق مع المذهب العقلي من الزاوية الأولى إلا أنه يختلف معه من الزاوية الثانية وذلك لأن المذهب العقلي لا يعترف عادة إلا بطريقة واحدة لنمو المعرفة وهي طريقة التوالد الموضوعي بينما يرى المذهب الذاتي أن في الفكر طريقتين لنمو المعرفة إحداهما التوالد الموضوعي والأخرى التوالد الذاتي ويعتقد المذهب الذاتي بأن الجزء الأكبر من معرفتنا بالإمكان تفسيره على أساس التوالد الذاتي من هنا لابد من وقفة ولو قصيرة للتعرف على ملامح المذهب العقلي الذي يمثله المنطق الأرسطي حتى يمكن الوقوف على الفارق الرئيسي الذي يميز المذهب الذاتي الذي يمثله منطق الاحتمال في نظرية السيد الشهيد محمد باقر الصدر.

المذهب العـقلي

تنقسم المعارف البشرية في رأي العقليين إلى طائفتين:

الطائفة الأولى: معارف ضرورية أو بديهية ونقصد بالضرورة هنا أن النفس تضطر إلى الإذعان بقضية معينة من دون أن تطالب بدليل أو تبرهن على صحتها كإيمانها بالقضايا التالية: النفي والإثبات لا يصدقان معا في شيء واحد، الحادث لا يوجد من دون سبب، الصفات المتضادة لا تنسجم في موضوع واحد ،الكل أكبر من الجزء ، الواحد نصف الاثنين.

الطائفة الثانية: معارف ومعلومات نظرية فإن عدة من القضايا لا تؤمن النفس بصحتها إلا في ضوء معارف ومعلومات سابقة فيتوقف صدور الحكم منها في تلك القضايا على عملية تفكير واستنباط للحقيقة من حقائق أسبق وأوضح منها كما في القضايا التالية: الأرض كروية، الحركة سبب للحرارة، المادة تتحول إلى طاقة، وما إلى ذلك من قضايا الفلسفة والعلوم فإن هذه القضايا حين تعرض على النفس لا تحصل على حكم في شأنها إلا بعد مراجعة للمعلومات الأخرى ولأجل ذلك فالمعارف النظرية مستندة إلى المعارف الأولية الضرورية فلو سلبت تلك المعارف الأولية من الذهن البشري لم يستطع التوصل إلى معرفة نظرية مطلقاً فالمذهب العقلي يوضح أن الحجر الأساس للعلم هو المعلومات العقلية الأولية وعلى ذلك الأساس تقوم البنيات الفوقية للفكر الإنساني التي تسمى بالمعلومات الثانوية والعملية التي تستنبط بها معرفة نظرية من معارف سابقة هي العملية التي يطلق عليها اسم الفكر والتفكير ويؤمن المذهب العقلي لأجل ذلك بقيام علاقة السببية في المعرفة البشرية بين بعض المعلومات وبعض فان كل معرفة إنما تتوالد عن معرفة سابقة وهكذا تلك المعرفة حتى ينتهي التسلسل الصاعد إلى المعارف العقلية الأولية التي لم تنشأ من معارف سابقة ولهذا تعتبر العلل الأولى للمعرفة وهي على نحوين:

النحو الأول: ما كان شرطا أساسيا لكل معرفة إنسانية بصورة عامة كمبدأ عدم التناقض فإن هذا المبدأ لازم لكل معرفة وبدونه لا يمكن التأكد من أن قضية ما ليست كاذبة مهما أقمنا من الأدلة على صدقها وصحتها لأن التناقض إذا كان جائزا فمن المحتمل أن تكون القضية كاذبة في الوقت الذي نبرهن فيه على صدقها.

النحو الثاني: ما كان سببا لقسم من المعلومات وهو سائر المعارف الضرورية الأخرى التي تكون كل واحدة منها سببا لطائفة من المعلومات.

ويترتب على هذا الاتجاه في نمو المعرفة الإنسانية:

أولا: إن المقياس الأول للتفكير البشري بصورة عامة هو المعارف العقلية الضرورية فهي الركيزة الأساسية التي لا يستغنى عنها في كل مجال ويجب أن تقاس صحة كل فكرة وخطئها على ضوئها ويصبح بموجب ذلك ميدان المعرفة البشرية أوسع من حدود الحس والتجربة لأنه يجهز الفكر البشري بطاقات تتناول ما وراء المادة من حقائق وقضايا ويحقق للميتافيزيقيا والفلسفة العالية إمكان المعرفة وعلى عكس ذلك المذهب التجريبي فإنه يبعد مسائل الميتافيزيقيا عن مجال البحث لأنها مسائل لا تخضع للتجربة ولا يمتد إليها الحس العلمي فلا يمكن التأكد فيها من نفي أو إثبات مادامت التجربة هي المقياس الأساسي الوحيد كما يزعم المذهب التجريبي.

ثانيا: إن السير الفكري في رأي العقليين يتدرج من القضايا العامة إلى قضايا أخص منها من الكليات إلى الجزئيات وحتى في المجال التجريبي الذي يبدو لأول وهلة أن الذهن ينتقل فيه من موضوعات تجريبية جزئية إلى قواعد وقوانين عامة يكون الانتقال والسير فيه من العام إلى الخاص كما سنبينه لاحقا.

الفرق بين الاستنباط والاستقراء

إن الاستدلال الذي يمارسه الفكر البشري يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسيين هما الاستنباط والاستقراء ولكل منها منهجه الخاص وطريقه المتميز ونريد بالاستنباط كل استدلال لا تكبر نتيجته المقدمات التي تكون منها ذلك الاستدلال ففي كل دليل استنباطي تجيء النتيجة دائما مساوية أو أصغر من مقدماتها فيقال مثلا: زيد إنسان وكل إنسان يموت فزيد يموت ويقال: الحيوان إما صامت وإما ناطق والصامت يموت والناطق يموت فالحيوان يموت ففي قولنا الأول استنتجنا أن زيدا يموت بطريقة استنباطية وهذه النتيجة أصغر من مقدماتها لأنها تخص فردا من الإنسان وهو زيد بينما المقدمة القائلة كل إنسان يموت تشمل الأفراد جميعا وبذلك يتخذ التفكير في هذا الاستدلال طريقه من العام إلى الخاص فهو يسير من الكلي إلى الفرد ومن المبدأ العام إلى التطبيقات الخاصة ويطلق المنطق الأرسطي على الطريقة التي انتهجها الدليل الاستنباطي في هذا المثال اسم القياس ويعتبر الطريقة القياسية هي الصورة النموذجية للدليل الاستنباطي وفي قولنا الثاني استنتجنا أن الحيوان أي حيوان يموت بطريقة استنباطية أيضا ولكن النتيجة مساوية للمقدمة التي ساهمت في تكوين الدليل عليها القائلة الصامت يموت والناطق يموت لأن الصامت والناطق هما كل الحيوان بموجب المقدمة الأخرى القائلة الحيوان إما صامت وإما ناطق ونريد بالاستقراء كل استدلال تجيء النتيجة فيه أكبر من المقدمات التي ساهمت في تكوينه فيقال مثلا هذه القطعة من الحدي تتمدد بالحرارة وتلك تتمدد بالحرارة وهذه القطعة الثالثة تتمدد بالحرارة أيضا إذاً كل حديد يتمدد بالحرارة وهذه النتيجة أكبر من المقدمات لأن المقدمات لم تتناول إلا كمية محدودة ومن أجل هذا يعتبر السير الفكري في الدليل الاستقرائي معاكسا للسير في الدليل الاستنباطي الذي يصطنع الطريقة القياسية فبينما يسير الدليل الاستنباطي وفق الطريقة القياسية من العام إلى الخاص عادة يسير الدليل الاستقرائي خلافا لذلك من الخاص إلى العام. ومنذ بدأ الإنسان يدرس مناهج الاستدلال والتفكير ويحاول تنظيمها منطقيا طرح على نفسه السؤال التالي: هب أن المقدمات التي تقررها في الدليل الاستنباطي أو الاستقرائي صحيحة حقا فكيف يتاح لك أن تخرج منها بنتيجة وتتخذ تلك المقدمات سببا كافيا لتبرير الاعتقاد بهذه النتيجة؟ وقد أدرك الإنسان لدى مواجهة هذا السؤال ثغرة في تركيب الدليل الاستقرائي لا يوجد في الدليل الاستنباطي ما يماثلها ففي الاستنباط يرتكز استنتاج النتيجة من مقدماتها دائما على مبدأ عدم التناقض ويستمد مبرره المنطقي من هذا المبدأ لأن النتيجة في حالات الاستنباط مساوية لمقدماتها أو أصغر منها كما تقدم فمن الضروري أن تكون النتيجة صادقة إذا صدقت المقدمات وأما في حالات الاستقراء فان الدليل الاستقرائي يقفز من الخاص إلى العام لأن النتيجة في الدليل الاستقرائي أكبر من مقدماتها وليست مستبطنة فيها وهكذا نعرف أن منهج الاستدلال في الدليل الاستنباطي منطقي ويستمد مبرره من مبدأ عدم التناقض خلافا لذلك منهج الاستدلال في الدليل الاستقرائي فإنه لا يكفي لتبريره منطقيا مبدأ عدم التناقض ولا يمكن على أساس هذا المبدأ تفسير القفزة التي يصطنعها الدليل الاستقرائي في سيره من الخاص إلى العام وما تؤدي إليه من ثغرة في تكوينه المنطقي.

في ضوء ما تقدم تبين أن الاستنباط هو كل استدلال لا تكبر نتيجته المقدمات التي تكون منها ذلك الاستدلال وأن الاستقراء هو كل استدلال تجيء النتيجة فيه أكبر من المقدمات التي ساهمت في تكوينه والمنطق الأرسطي حين عالج الاستقراء لم يميز بصورة أساسية بين الملاحظة والتجربة وأراد بالاستقراء كل استدلال يقوم على أساس تعداد الحالات والأفراد وعلى هذا الأساس قسم الاستقراء إلى كامل وناقص لأن تعداد الحالات والأفراد وفحصها إذا كان مستوعبا لكل الحالات والأفراد التي تشملها النتيجة المستدلة بالاستقراء فالاستقراء كامل وإذا لم يشمل الفحص والتعداد إلا عددا محدودا منها فالاستقراء ناقص واتخذ من كل واحد من القسمين موقفا خاصا أما الاستقراء الكامل فقد أكد قيمته المطلقة من الناحية المنطقية وكونه على مستوى الطريقة القياسية في الاستنباط وأما الاستقراء الناقص فقد أرجعه المنطق الأرسطي إلى دليل قياسي يسير من العام إلى الخاص وتنبع أهمية الدليل الاستقرائي من جهة أن جميع العلوم الطبيعية من فيزيائية وطبية وفلكية ونحوها كلها تعتمد الملاحظة والتجربة للانتهاء إلى التعميمات التي تصل إليها من هنا حاول المنطق الأرسطي إرجاع الدليل الاستقرائي الذي يسير من الخاص إلى العام إلى الدليل القياسي الذي يسير من العام إلى الخاص وذلك تخلصا من تلك الثغرة التي يتركب منها تكوينه المنطقي.

وكما بينا أن الدليل الاستقرائي في المنطق الأرسطي يستبطن قياسا فهو في الحقيقة دليل قياسي يسير من العام إلى الخاص وليس دليلا استقرائيا يسير من الخاص إلى العام ويسمى المنطق الأرسطي هذا الدليل الاستقرائي بما يستبطن من قياس ” تجربة” ويعتبر التجربة أحد مصادر المعرفة أي من القضايا اليقينية في المنطق الأرسطي ويؤمن بقيمتها المنطقية وإمكان قيام العلم على أساسها قال المحقق نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي في شرحه لكتاب “الإشارات والتنبيهات” للشيخ الرئيس ابن سينا: المجربات تحتاج إلى أمرين أحدهما المشاهدة المتكررة والثاني القياس الخفي وذلك القياس هو أن يعلم أن الوقوع المتكرر على نهج واحد لا يكون اتفاقيا فإذاً هو إنما يستند إلى سبب فيعلم من ذلك أن هناك سببا وإن لم يعرف ماهية ذلك السبب وكلما علم حصول السبب حكم بوجود المسبب قطعا وذلك لأن العلم بسببية السبب وإن لم يعرف ماهيته يكفي في العلم بوجود المسبب والفرق بين التجربة والاستقراء أن التجربة تقارن هذا القياس والاستقراء لا يقارنه.

إذاً النقطة المركزية في المنطق الأرسطي هو أن الاستقراء الناقص لكي يفيد علما لابد أن يستبطن قياسا خفيا وفي مقابل ذلك يعتقد السيد الشهيد محمد باقر الصدر انه يمكن أن ننتهي إلى النتائج الكلية من خلال الاستقراء الناقص نفسه وذلك من خلال قواعد المنطق الذاتي بلا حاجة إلى ما تكلفه المنطق العقلي في الاتجاه الأرسطي من إرجاع الدليل الاستقرائي إلى الدليل القياسي.

التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي

لعل السبب في إصرار المنطق الأرسطي على إرجاع الدليل الاستقرائي إلى الدليل القياسي يكمن فيما ذكرناه سابقا من أن المذهب العقلي لا يعترف عادة إلا بطريقة واحدة لنمو المعرفة الإنسانية وهي طريقة التوالد الموضوعي بينما يرى المذهب الذاتي أن في الفكر طريقتين لنمو المعرفة إحداهما التوالد الموضوعي والأخرى التوالد الذاتي ولكي نقف على محتوى هذا الخلاف بين الاتجاهين لابد من التوفر على المراد من التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي. إن في كل معرفة يحصل عليها الإنسان جانبا ذاتيا وجانبا موضوعيا فنحن حين نعرف أن الشمس طالعة أو أن المساوي لأحد المتساويين مساو للأخر أيضا نميز بين عنصرين أحدهما الإدراك وهو الجانب الذاتي من المعرفة والأخر القضية التي أدركناها ولها بحكم تصديقنا بها واقع ثابت بصورة مستقلة عن الإدراك وهذا هو الجانب الموضوعي من المعرفة.

التوالد الموضوعي: يعني أنه متى ما وجد تلازم بين قضية أو مجموعة من القضايا وقضية أخرى فبالإمكان أن تنشأ معرفتنا بتلك القضية من معرفتنا بالقضايا التي تستلزمها فمعرفتنا بأن زيد إنسان وأن كل إنسان فان تتوالد منها معرفة بأن زيد فان وهذا التوالد موضوعي لأنه نابع عن التلازم بين الجانب الموضوعي من المعرفة المولدة والجانب الموضوعي من المعرفة المتولدة وهذا التوالد الموضوعي هو الأساس في كل استنتاج يقوم على القياس الأرسطي لأن النتيجة في القياس دائما ملازمة للمقدمات التي يتكون منها القياس فتنشأ معرفتنا بالنتيجة من معرفتنا بالمقدمات على أساس التوالد الموضوعي والتلازم بين القضايا المستدل ببعضها على بعضها الأخر بصورة قياسية.

التوالد الذاتي: يعني أن بالإمكان أن تنشا معرفة ويولد علم على أساس معرفة أخرى دون أي تلازم بين موضوعي المعرفتين وإنما يقوم على أساس التلازم بين المعرفتين نفسيهما فبينما كان المبرر لنشوء معرفة من معرفة أخرى في حالات التوالد الموضوعي هو التلازم بين الجانبيين الموضوعيين للمعرفة وكان التلازم بين الجانبين الذاتيين للمعرفة (أي العلم) تابعا للتلازم بين الجانبين الموضوعين نجد في حالات التوالد الذاتي أن المبرر لنشوء معرفة من معرفة أخرى هو التلازم بين الجانبين الذاتيين للمعرفة وأن هذا التلازم ليس تابعا للتلازم بين الجانبين الموضوعين.

والمذهب العقلي الذي يمثله المنطق الأرسطي يؤمن بأن الطريقة الوحيدة الصحيحة من الناحية المنطقية هي طريقة التوالد الموضوعي وأما طريقة التوالد الذاتي فهي تعبر عن خطأ من الناحية المنطقية لأنها تحاول استنتاج قضية من قضية أخرى دون أي تلازم بين القضيتين وتورط الفكر البشري في الخطأ له شكلان رئيسيان:

الشكل الأول: استعماله لطريقة التوالد الذاتي أي استنتاج مقدمات صادقة لا تستلزم تلك النتيجة.

الشكل الثاني: استعماله لطريقة التوالد الموضوعي باستنتاج نتيجة من مقدمات تستلزم تلك النتيجة ولكن المقدمات كاذبة.

فلكي يكون الاستدلال صحيحا في رأي المذهب العقلي لابد أن تكون طريقة التوالد فيه موضوعية لا ذاتية وأن تكون القضايا أو المقدمات المولدة صادقة وعلى هذا الأساس اضطر المنطق الأرسطي نتيجة لإيمانه بالدليل الاستقرائي إلى القول بأن طريقة التوالد في الاستدلالات الاستقرائية موضوعية لا ذاتية وأن كل استدلال استقرائي مرده إلى قياس يشتمل على كبرى عقلية وصغرى مستمدة من الخبرة الحسية وأكد المنطق الأرسطي بهذا الصدد أن الأمثلة المستمدة من الاستقراء والخبرة الحسية التي تكون الصغرى في القياس لا تكفي وحدها لاستنتاج أي تعميم استقرائي إذ لا تلازم بينها وبين التعميم موضوعيا فلا تكون طريقة التوالد في الاستقراء موضوعية ما لم ندخل في الاستدلال الاستقرائي تلك الكبرى العقلية القبلية التي تنفي تكرر الصدفة النسبية على الخط الطويل.

وبكلمة مختصرة إن المذهب العقلي الذي يمثله المنطق الأرسطي حاول تفسير جميع العلوم والمعارف التي يعترف بصحتها من الناحية المنطقية بأنها:

ـ إما أن تكون معارف أولية تعبر عن الجانب العقلي القبلي من المعرفة البشرية.

ـ وإما أن تكون مستنتجة من تلك المعارف على أساس طريقة التوالد الموضوعي.

المذهب الذاتي

يعتقد المذهب الذاتي أن الجزء الأكبر من المعرفة التي يعترف المذهب العقلي والمنطق الأرسطي بصحتها يعود إلى قضايا مستنتجة بطريقة التوالد الذاتي وهذا ما حاول معالجته السيد الشهيد الصدر في القسم الأخير من كتابه الأسس المنطقية للاستقراء ففي هذا الاتجاه:

ـ هناك معارف أولية تشكل الجزء العقلي القبلي من المعرفة وهو الأساس للمعرفة البشرية على العموم من قبيل مبدأ عدم التناقض الذي يعتبره المذهب الذاتي وفاقا للمذهب العقلي معرفة عقلية قبلية.

ـ وهناك معارف ثانوية مستنتجة من معارفنا السابقة بطريقة التوالد الموضوعي كنظريات الهندسة الاقليدية المستنتجة من بديهيات تلك الهندسة بطريقة التوالد الموضوعي.

ـ وهناك معارف ثانوية مستنتجة من معارفنا السابقة بطريقة التوالد الذاتي وهي كل التعميمات الاستقرائية فان التعميم الاستقرائي مستنتج من مجموعة أمثلة وشواهد لا يوجد أي تلازم بينها وبين ذلك التعميم فالعلم بالتعميم ينشا عن طريق العلم بتلك الأمثلة والشواهد على أساس التوالد الذاتي.

ويترتب على هذا أن من الضروري الاعتراف بأن هذه الطريقة الجديدة للتوالد ذاتيا تختلف عن طريقة التوالد الموضوعي لا يمكن إخضاعها للمنطق الصوري أو الأرسطي الذي يعالج التلازم بين أشكال القضايا إذ لا تقوم طريقة التوالد الذاتي على أساس التلازم بين القضية المستنتجة والقضايا التي اشتركت في إنتاجها لان التوالد ذاتي وليس موضوعيا ولكن هذا لا يعني فسح المجال لاستنتاج أي قضية من أي قضية أخرى على أساس التوالد الذاتي دون التقيد بين التلازم بين القضيتين كان نستنتج مثلا أن زيدا قد مات من أن الشمس طالعة فان هذا يؤدي إلى جعل طريقة التوالد الذاتي مبررا لأي استدلال خاطئ وليس هذا ما نقصده عندما نقرر هذه الطريقة إلى جانب طريقة التوالد الموضوعي.

إن ما نقصده الآن هو أن جزءاً من المعرفة التي يؤمن بها العقليون على الأقل لم يتكون على أساس التوالد الموضوعي وإنما يتكون على أساس أخر هو ما نصطلح عليه بالتوالد الذاتي وهذا يعني أن ما دمنا نود الاحتفاظ بذلك الجزء من المعرفة وبطابعه الموضوعي السليم فلابد أن نعترف بطريقة التوالد الذاتي وبان العقل ينتهج هذه الطريقة في الحصول على جزء من معرفته الثانوية والمسألة الأساسية في هذا الضوء هي كيف يمكن أن نميز بين الحالات التي يكون فيها استنتاج قضية من قضايا أخرى بدون تلازم موضوعي بينهما صحيحا وبين الحالات التي يكون فيها استنتاج قضية من قضايا أخرى بدون تلازم موضوعي بينهما خطأ؟ من الواضح أن المنطق الأرسطي لا يكفي للجواب على هذا السؤال وتمييز الشروط التي تكسب التوالد الذاتي المعقولية والصحة لأن طريقة التوالد الذاتي أساسا لا تنطبق على المنطق الأرسطي ومن أجل ذلك نلاحظ انه إذا انطلقنا من وجهة نظر المذهب الذاتي فسوف نجد أنفسنا بحاجة إلى منطق جديد إلى منطق ذاتي يكشف الشروط التي تجعل طريقة التوالد الذاتي معقولة كما احتجنا إلى المنطق الصوري لاكتشاف صيغ التلازم بين أشكال القضايا التي تجعل طريقة التوالد الموضوعي معقولة.

المراحل التي يمر بها المنطق الذاتي لإنتاج اليقين

يؤمن المذهب الذاتي بأن كل معرفة ثانوية يحصل عليها العقل على أساس التوالد الذاتي تمر بمرحلتين أساسيتين المرحلة الأولى التوالد الموضوعي والمرحلة الثانية التوالد الذاتي:

1- التوالد الموضوعي

في هذه المرحلة تبدأ المعرفة احتمالية وينمو الاحتمال باستمرار ويسير نمو الاحتمال في هذه المرحلة بطريقة التوالد الموضوعي حتى تحظى المعرفة بدرجة كبيرة جداً من الاحتمال غير أن طريقة التوالد الموضوعي تعجز عن تصعيد المعرفة إلى درجة اليقين وفي هذه المرحلة لا يوجد في الدليل الاستقرائي أي قفزة من الخاص إلى العام أو أي ثغرة عقلية وتسمى هذه المرحلة بالمرحلة الاستنباطية من الدليل الاستقرائي لأن الدليل فيها يمارس عملية استنباط عقلي وفقاً لقواعد التوالد الموضوعي للفكر يحددها المنطق الصوري والشرط الأساسي لتمكن الدليل الاستقرائي من ممارسة هذه المرحلة يتوقف على افتراض عدم وجود مبرر قبلي لرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي أي للاعتقاد بعدمها وهذا لا يكلف الدليل الاستقرائي إثباتا مسبقا لأن الرفض هو الذي يحتاج إلى إثبات وأما عدم الرفض القبلي فيكفي له عدم وجود مبرر للرفض والمقصود من السببية بالمفهوم العقلي هو علاقة بين مفهومين كمفهومي (أ) و (ب) تجعل أحدهما ضروريا عند وجود الأخر فالأول هو المسبب والثاني هو السبب أما بالنسبة بالمفهوم التجريبي فهي أن كل (أ) يعقبها أو يقارنها (ب) بصورة مطردة دون أن يفترض في هذا الاطراد أي ضرورة ومن الواضح أن رفض فكرة الضرورة واللزوم نهائيا يؤدي إلى الاعتقاد أن أي حادثة توجد عقيب حادثة أخرى فوجودها عقبها صدفة ولا يعبر عن أي لزوم فالغليان عقب الحرارة والحرارة عقب الحركة صدفة وبهذا يتضح:

– إن السببية بالمفهوم العقلي علاقة ضرورة, والسببية بالمفهوم التجريبي اقتران أو تتابع بين الحادثين بصورة مطردة صدفة.

– إن السببية بالمفهوم العقلي علاقة واحدة رئيسية بين مفهومين والعلاقات بين أفراد هذا المفهوم وأفراد ذاك ارتباطات متلازمة تنشأ من تلك العلاقة الرئيسية وليست كذلك السببية بالمفهوم التجريبي.

– إن أفراد المفهوم الواحد متلازمة في علاقاتها السببية على أساس المفهوم العقلي للسببية بمعنى أن أي فرد من أفراد ماهية معينة إذا كان سببا لفرد من أفراد ماهية معينة أخرى فمن الضروري أن يكون كل فرد من الماهية الأولى سببا لفرد من الماهية الثانية في ظل نفس الشروط التي كان الفرد الأول فيها سببا وذلك لأن السببية علاقة ضرورة بين مفهومين فلا يمكن أن يحصل فرد من مفهوم على هذه العلاقة دون فرد أخر لنفس المفهوم وهذا معنى أن الأشياء المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة أما مجرد التتابع أو الاقتران الذي تفسر السببية على أساسه في المفهوم التجريبي فهو بوصفه علاقة بين فردين لا بين مفهومين فبالإمكان أن توجد هذه العلاقة لفرد دون أخر مماثل له.

وبهذا نقف على أن من يرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي رفضا كاملا لا يمكنه أبداً أن يفسر الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطية ويبرر نمو الاحتمال بالقضية الاستقرائية وعن هذا الطريق يمكننا أن نبرهن لكل من يعترف بقيمة حقيقية للدليل الاستقرائي في تنمية الاحتمال على أنه مضطر للتنازل عن المبررات القبلية لرفض علاقات السببية ونفيها ومن أجل هذا سوف نذكر باختصار المبررات القبلية لرفض علاقة السببية بالمفهوم العقلي ويكفينا في حدود إنجاح الطريقة العامة المقترحة للدليل الاستقرائي أن لا نجد مبررات للرفض ولسنا بحاجة إلى مبررات قبلية لإثبات المفاهيم العقلية عن السببية.

مبررات رفض السببية العـقلية:

1- التبرير المنطقي:

 المبرر المنطقي لرفض علاقة السببية بمفهومها العقلي يرتكز على أساس تصورات المنطق الوضعي عن القضية إذ يربط معنى القضية بكيفية إثبات صدقها أو كذبها بما لدى الإنسان من خبرة حسية فكل جملة يمكن للإنسان بخبرته الحسية أن يثبت صدقها أو كذبها فهي قضية ذات معنى سواء كانت صادقة أو كاذبة وكل جملة لا يملك الإنسان طريقة محددة لاستخدام خبرته الحسية في إثبات صدقها أو كذبها فهي ليست قضية وليس لها معنى إطلاقا في رأي المنطق الوضعي فإذا اعتبرنا التمكن من استخدام الخبرة الحسية لإثبات صدق الجملة أو كذبها شرطا أساسيا في تكوين القضية من الناحية المنطقية أدى ذلك إلى أن كل جملة لا يؤثر افتراض صدقها أو كذبها على خبرتنا الحسية لا يمكن أن تكون قضية من الناحية المنطقية لان الخبرة الحسية سوف تعجز في هذه الحالة عن إثبات صدقها أو كذبها ما دامت هذه الخبرة الحسية لا يمكن أن تتأثر بصدقها أو كذبها.

2- التبرير الفلسفي

يمكننا أن نعتبر المبررات الناشئة عن الاتجاه التجريبي في نظرية المعرفة ذات طابع فلسفي فهناك اتجاه في نظرية المعرفة يؤمن بان التجربة والخبرة الحسية هي المصدر الأساسي للمعرفة البشرية وبرفض التسليم بمبادئ أو قضايا بصورة مستقلة عنها وهذا هو الاتجاه الذي يؤمن به المذهب التجريبي في نظرية المعرفة والفرق بين التجريبيين غير الوضعيين والمناطقة الوضعيين يتمثل في موقفهما من القضية التي لا توجد كيفية معينة لاستخدام التجربة والخبرة الحسية من أجل إثبات صدقها فهي تعتبر في رأى المناطقة الوضعيين فارغة من المعنى وأما التجريبيون غير الوضعيين فيعترفون بأنها قضية ذات معنى من الناحية المنطقية لأنهم لا يربطون معنى القضية بكيفية إثبات صدقها ولكنهم يربطون درجة التصديق بها بمدى قدرة التجربة على إثباتها فكل قضية لا يمكن للتجربة أن تبرهن عليها لا يمكن قبولها لأن التجربة والخبرة الحسية هي المصدر الأساسي للمعرفة في رأي المذهب التجريبي.

3- التبرير العلمي

وهناك الاتجاه الذي بدأه بعض علماء الفيزياء الذرية على أساس مجموعة من التجارب العلمية في مجال الذرة وهو اتجاه يميل إلى القول بأن مبدأ السببية بما تحتوي من حتمية وضرورة لا ينطبق على العالم الذري ومن الواضح أن عدم إمكان التوصل إلى تفسير سببي لسلوك الجسيم البسيط أو الذرة لا يعني بحال من الأحوال نفي السببية وإنما يعني أن التجارب العلمية لم تستطع أن تبرهن على وجود سبب لتلك الظواهر التي يمارسها ذلك الجسيم وحتى إذا افترضنا أن العلم استطاع أن يتأكد من عدم وجود أسباب تقوم على أساسها ظواهر العالم الذري وتصرفات الجسيم البسيط فهذا لا يمنع من احتمال مبدأ السببية بالنسبة إلى عالم المركبات وما يضم من ظواهر وبالتالي نحتفظ بالمصادرة التي يحتاجها الدليل الاستقرائي بالنسبة إلى هذا العالم.

4- التبرير العملي

بقيت حجة واحدة تساق عادة لتبرير الانتقال من فكرة السببية بمفهومها العقلي الذي يستبطن الضرورة الحتمية إلى فكرة القانون السببي الذي يتحدث عن مجرد التتابع بين ظاهرتين يقول رسل في توضيح هذه الحجة إننا إذا افترضنا الحصول على تعميم يقول بأن (أ) هي سبب ل (ب) مثلا جوز البلوط تسبب أشجار البلوط وكانت هناك فترة محددة بين (أ) و (ب) فقد يحدث شيء خلال هذه الفترة لمنع (ب) ولا نستطيع أن نأخذ بنظر الاعتبار ما في العالم من تعقيدات لا متناهية ولذلك يصبح التعميم السببي الذي حصلنا عليه كما يلي إن (أ) ستسبب (ب) إذا لم يحصل شيء يمنع (ب) وبعبارة أخرى إن (أ) ستسبب (ب) إلا إذا لم تسببها ولا يوجد أي معنى مفيد في قول من هذا القبيل.

ومن خلال ما ذكرناه نستطيع أن نحدد موقفنا من الأدلة والشواهد التي تساق عادة لإثبات أن الاستقراء ليس استدلال منطقيا فهناك محاولات تستهدف انتزاع الطابع المنطقي من الاستدلال الاستقرائي وتستدل على ذلك بفشل الاستقراء أحيانا وخروجه بنتائج باطلة بدون شك رغم انه من الناحية المنطقية يصطنع نفس الطريقة التي تصطنعها الاستقراءات الناجحة وهذا يعني أن نجاح الاستقراء في الوصول إلى نتائج صحيحة لا يقوم على أساس منطقي ولا يستمد مبرره من منطقية الطريقة الاستقرائية في الاستدلال لأن الطريقة نفسها موجودة في الاستقراءات الفاشلة فان هذه الاستقراءات التي تفشل أحيانا ليست هي نفسها التي تنجح في أكثر الأحيان فلا يمكن أن يستخدم ذلك كدليل على أن الاستقراء ليس مبدأ منطقيا بل إن الدليل الاستقرائي إذا استكمل متطلباته اللازمة لممارسة مرحلته الاستنباطية فهو ناجح في تنمية احتمال التعميم وإعطائه اكبر قيمة احتمالية ممكنة وهذا يعني أن الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطية يبرهن على قيمة احتمالية كبيرة وهو في حدود برهنته على هذه القيمة وضمن شروطه ومصادراته اللازمة له مبدأ منطقي ولا يعني هذا أن النتيجة التي يبرهن الاستقراء على قيمة احتمالية كبيرة لها يجب أن تكون صادقة دائما من الناحية المنطقية وإنما يعني أن القيمة الاحتمالية الكبيرة التي يعطيها الدليل الاستقرائي للنتيجة قيمة منطقية.

التوالد الذاتي:

ويقصد به أن تنشأ معرفة ويولد علم على أساس معرفة أخرى دون أي تلازم بين موضوعي المعرفتين وإنما يقوم التوالد على أساس التلازم بين المعرفتين نفسيهما فبينما كان المبرر لنشوء معرفة من معرفة أخرى في حالات التوالد الموضوعي هو التلازم بين الجانبين الموضوعيين للمعرفة وكان التلازم بين الجانبين الذاتيين للمعرفة تابعا للتلازم بين الجانبين الموضوعيين نجد في حالات التوالد الذاتي أن المبرر لنشوء معرفة من معرفة أخرى هو التلازم بين الجانبين الذاتيين للمعرفة وأن هذا التلازم ليس تابعا للتلازم بين الجانبين الموضوعيين الفارق بين هذه المرحلة من الدليل الاستقرائي وسابقتها هو انه في مرحلة التوالد الموضوعي لا نستطيع أن نصل بالمعرفة المستدلة استقرائيا إلى مستوى اليقين وإنما نقتصر على منحها أكبر درجة من الاحتمال بخلافه في هذه المرحلة حيث نصل إلى مستوى الجزم واليقين إلا أن تحقق ذلك يتوقف على مصادرة يفترضها الدليل الاستقرائي في هذه المرحلة لكن قبل بيان تلك المصادرة لابد من توضيح نقطتين الأولى وهي أن مرحلة التوالد الموضوعي تقوم على أساس علم إجمالي والثانية أقسام اليقين.

مرحلة التوالد الموضوعي تقوم على أساس علم إجمالي:

العلم – أي علم – له معلوم والمعلوم قد يكون مشخصا محددا كما إذا علمت بان الشمس طالعة ويعتبر العلم في هذه الحالة علما تفصيليا ومرتبطا بشيء واحد ارتباط العلم بالمعلوم وليس في هوية العلم التفصيلي أي مجال للشك أو الاحتمال لان الشيء المحدد والمعلوم الذي يرتبط به العلم بوصفه معلوما لا يقبل الاحتمال وغيره من الأشياء لا ارتباط للعلم التفصيلي بها وقد يكون العلم غير محدد ولا مشخص كما إذا علمت بأن أحد أصدقائك الثلاثة – بدون تعيين- سوف يزورك ويعتبر العلم في هذه الحالة علما إجماليا وهو يرتبط ارتباط العلم بالمعلوم بشيء غامض غير محدد وعلى هذا الأساس نعرف أن علاقة العلم الإجمالي لكل طرف هي علاقة تستبطن بطبيعتها الاحتمال بينما علاقة العلم بالمعلوم تستبطن بطبيعتها نفي الاحتمال وعدد أطراف العلم الإجمالي يختلف باختلاف دائرة الترديد في المعلوم فقد يكون ثلاثة وقد يكون أكثر غير أن الحد الأدنى له هو اثنان لان حالة وجود طرف واحد فقط تعني انه هو المعلوم فيصبح العلم تفصيليا لا إجماليا والعلم الإجمالي على قسمين:

أحدهما: العلم الإجمالي الذي تكون أطرافه متنافية أي لا يحتمل أن يجتمع اثنان منهما في وقت واحد كما إذا كنت تعلم أن واحدا فقط من أصدقائك الثلاثة سوف يزورك فليس من المحتمل على أساس علمك هذا أن يزروك اثنان منهم.

والأخر: العلم الإجمالي الذي تكون أطرافه غير متنافية أي أن من المحتمل اجتماع اثنين منهما كما إذا كنت تعلم أن واحدا على الأقل من أصدقائك سوف يزورك فان هذا العلم لا يفرض التنافي بين أطرافه فيكون من الاحتمال أن يزورك اثنان منهم أو الثلاثة جميعا والمراد بالعلم الإجمالي – متى أطلق – هو العلم الإجمالي من القسم الأول الذي يفرض التنافي بين أطرافه وإذا أريد أحيانا العلم الإجمالي الذي لا يفرض التنافي بين أطرافه فلن يعبر عنه بالعلم الإجمالي.

أقسام اليقين:

1- اليقين المنطقي:

وهو المعنى الذي يقصده منطق البرهان الأرسطي بكلمة اليقين ويعني اليقين المنطقي العلم بقضية معينة والعلم بأن من المستحيل أن لا تكون القضية بالشكل الذي علم فاليقين المنطقي مركب من علمين وما لم ينضم العلم الثاني إلى العلم الأول لا يعتبر يقينا في منطق البرهان قال الطباطبائي في حواشيه على الحكمة المتعالية للأسفار العقلية الأربعة للملا صدر الدين الشيرازي: اليقين هو العلم بأن كذا كذا وأنه لا يمكن أن لا يكون كذا وقد عبر عنه الفيلسوف المعاصر الشيخ جواد آملي بأنه الجزم بثبوت المحمول للموضوع والجزم باستحالة سلب المحمول عن الموضوع وأن الجزم الأول لا يزول وأن الجزم الثاني أيضاً لا يزول.

2- اليقين الذاتي:

وهو جزم الإنسان بقضية من القضايا بشكل لا يراوده أي شك أو احتمال للخلاف فيها وليس من الضروري في اليقين الذاتي أن يستبطن أي فكرة عن استحالة الوضع المخالف لما علم له فالإنسان قد يرى خطاً شديد الشبه بما يعهده من خط رفيق له فيجزم بأن هذا هو خطه ولكنه في الوقت نفسه لا يرى أي استحالة في أن يكون هذا الخط لشخص أخر رغم أنه لا يحتمل ذلك لأن كونه غير محتمل لا يعني أنه مستحيل.

3- اليقين الموضوعي:

لتوضيح هذا المعنى لليقين يجب أن نميز في اليقين بين ناحيتين إحداهما التي تعلق بها اليقين والأخرى درجة التصديق التي يمثلها فحين توجد في نفسك يقين بأن جارك قد مات تواجه قضية تعلق بها اليقين وهي أن فلانا مات وتواجه درجة معينة من التصديق يمثلها هذا اليقين لأن التصديق له درجات تتراوح من أدنى درجة للاحتمال إلى الجزم واليقين يمثل أعلى تلك الدرجات وهي درجة الجزم الذي لا يوجد في إطاره أي احتمال للخلاف وإذا ميزنا بين القضية التي تعلق بها اليقين ودرجة التصديق التي يمثلها أمكننا أن نلاحظ أن هناك نوعين ممكنين من الحقيقة والخطأ في المعرفة البشرية احدهما الحقيقة والخطأ من الناحية الأولى أي من ناحية القضية التي تعلق بها والحقيقة والخطأ من هذه الناحية مردها إلى تطابق القضية التي تعلق بها اليقين مع الواقع وعدم تطابقها فإذا كانت متطابقة فاليقين صادق في الكشف عن الحقيقة وإلا فهو مخطئ والأخر الحقيقة والخطأ في اليقين من الناحية الثانية أي من ناحية الدرجة التي يمثلها من درجات التصديق فقد يكون اليقين مصيبا وكاشفا عن الحقيقة من الناحية الأولى ولكنه مخطئ في درجة التصديق التي يمثلها.

ومن هنا نصل إلى فكرة التمييز بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي:

– فاليقين الذاتي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة سواء كانت هناك مبررات موضوعية لهذه الدرجة ام لا.

– واليقين الموضوعي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة على أن تكون هذه الدرجة متطابقة مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية.

الإيمان بالله

من المساحات الأساسية التي تأثرت بالمذهب الذاتي هي البحوث العقائدية حيث استطاعت هذه الدراسة أن تبرهن على حقيقة في غاية الأهمية ولعلها هي الهدف الحقيقي الذي حاولت تحقيقه وهذه الحقيقة هي أن الأسس المنطقية التي تقوم عليها كل الاستدلالات العلمية المستمدة من الملاحظة والتجربة هي نفس الأسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبر والخالق لهذا العالم عن طريق ما يتصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير فان هذا الاستدلال كأي استدلال علمي أخر استقرائي بطبيعته وتطبيق للطريقة العامة التي حددت للدليل الاستقرائي في كلا مرحلتيه.

الإيمان بالله في ضوء المذهب التجريبي:

حينما بدأت التجربة تبرز على صعيد البحث العلمي كأداة للمعرفة وأدرك المفكرون أن تلك المفاهيم العامة لا تكفي بمفردها في مجال الطبيعة لاكتشاف قوانينها والتعرف على أسرار الكون آمنوا بأن الحس والملاحظة العلميين هما المنطق الأساس للبحث عن تلك الأسرار والقوانين وكان هذا الاتجاه الحسي في البحث مفيدا على العموم في تطوير الخبرة البشرية بالكون وتوسيعها إلى درجة كبيرة وقد بدأ هذا الاتجاه مسيرته بالتأكيد على أن الحس والتجربة أداتان من الأدوات التي ينبغي للعقل وللمعرفة البشرية أن تستعملهما في سبيل اكتشاف ما يحيط بالإنسان من أسرار الكون ونظامه الشامل وهذا الاتجاه الحسي يعني تشجيع الباحثين في قضايا الطبيعة وقوانين الظواهر الكونية على التوصل إلى ذلك عن طريق مرحلتين:

– مرحلة الحس والتجربة وتجميع معطياتهما.

– مرحلة عقلية وهي مرحلة الاستنتاج والتنسيق بين تلك المعطيات للخروج بتفسير عام مقبول.

ولم يكن الاتجاه الحسي في واقعه العلمي وممارسات العلماء له يعني الاستغناء عن العقل ولم يستطع أي عالم من علماء الطبيعة أن يكتشف سرا من أسرار الكون أو قانونا من قوانين الطبيعة عن طريق الحس والتجربة إلا بالعقل إذ كان يجمع في المرحلة الأولى الملاحظات التي تزوده بها تجاربه وملاحظاته ثم يوازن في المرحلة الثانية بينهما بعقله حتى يصل إلى النتيجة وكان بالإمكان لهذا الاتجاه الحسي والتجريبي في البحث عن نظام الكون أن يقدم دعما جديدا وباهرا للإيمان بالله سبحانه وتعالى بسبب ما يكشفه من ألوان الاتساق ودلائل الحكمة التي تشير إلى الصانع الحكيم غير أن العلماء الطبيعيين بوصفهم علماء طبيعة لم يكونوا معنيين بتجلية هذه القضية التي كانت ولا تزال مسألة فلسفية حسب التصنيف السائد لمسائل المعرفة البشرية وقضاياها.

وسرعان ما نشأت على الصعيد الفلسفي وخارج نطاق العلم وما يجري فيه نزعات فلسفية ومنطقية حاولت أن تفلسف أو تمنطق هذا الاتجاه الحسي فأعلنت أن الوسيلة الوحيدة للمعرفة هو الحس وحيث ينتهي الحس تنتهي معرفة الإنسان فكل ما لا يكون محسوسا ولا يمكن تسليط التجربة عليه بشكل وأخر فلا يملك الإنسان وسيلة لإثباته كالله مثلا وقد وقعت هذه النزعات المتطرفة في تناقض تدريجيا فمن الناحية الفلسفية وجدت هذه النزعات نفسها مضطرة إلى إنكار الواقع الموضوعي أي إنكار الكون الذي نعيش فيه جملة وتفصيلا لأننا لا نملك سوى الحس والحس إنما يعرفنا على الأشياء كما نحسها ونراها لا كما هي فنحن حين نحس بشيء يمكننا أن نؤكد وجوده في إحساسنا وأما وجوده خارج نطاق وعينا وبصورة مستقلة وموضوعية ومسبقة على الإحساس فلا سبيل إلى إثباته تماما كالأحول الذي يرى أشياء لا وجود لها فهو يؤكد رؤيته لتلك الأشياء ولكنه لا يؤكد وجود تلك الأشياء في الواقع وبهذا قضت النزعة الحسية الفلسفية في النهاية على الحس نفسه كوسيلة للمعرفة وأصبح هو الحد النهائي لها بدلا عن أن يكون وسيلة وعادت المعرفة الحسية كلها مجرد ظاهرة لا وجود لها بصورة مستقلة عن وعينا وإدراكنا ومن الناحية المنطقية اتجهت النزعات الحسية في أحدث تيار من تياراتها إلى الوضعية القائلة بأن كل ملة لا يمكن التأكد من صدق مدلولها أو كذبه بالحس والتجربة فهي كلام فارغ من المعنى شأنها شأن حروف الهجاء المبعثرة وعلى هذا الأساس لو قلت الله موجود لكان بمثابة أن تقول ديز موجود فكما لا معنى لهذه الجملة كذلك تلك لأن وجود الله تعالى لا يمكن التعرف عليه بالحس والتجربة ونفس قولهم هذا يحمل تناقضا بسبب ما فيه من تعميم لا يمكن التعرف عليه بالحس والتجربة المباشرة فهو كلام فارغ من المعنى بحكم ما يحمل من قرار فهذه النزعة المنطقية التي تدعي أن كل جملة لا يتاح للحس والتجربة اختبار مدلولها فهي فارغة من المعنى تصدر بهذا الادعاء تعميما وكل تعميم فهو يتجاوز نطاق الحس لأن الحس لا يقع إلا على حالات جزئية محدودة وهكذا تنتهي هذه النزعة إلى تناقض مع نفسها إضافة إلى تناقضها مع كل التعميمات العلمية التي يفسر بها العلماء ظواهر الكون تفسيرا شاملا لأن التعميم – أي تعميم – لا يمكن الإحساس به مباشرة وإنما يستنتج ويستدل عليه بدلالة ظواهر حسية محدودة ومن حسن الحظ أن العلم لم يعبأ في مسيرته وتطوره المستمر بهذه النزعات فكان يمارس عمله الاكتشافي للكون دائما مبتدئا بالحس والتجربة ومتجاوزا بعد ذلك الحدود الضيقة التي فرضتها تلك النزعات الفلسفية والمنطقية ليبدل جهدا عقليا في تنسيق الظواهر ووضعها في أطر قانونية عامة والتعرف على ما بينها من روابط وعلاقات.

وقد تضاءل النفوذ الفلسفي والمنطقي لهذه النزعات المتطرفة على صعيد المذاهب الفلسفية المادية فالفلسفة المادية التي يمثلها بصورة رئيسية الماديون الجدليون ترفض تلك النزعات بكل وضوح وتعطي لنفسها الحق في أن تتجاوز نطاق الحس والتجربة التي يبدأ العالم بها بحثه وتتجاوز أيضا المرحلة الثانية التي يختم بها العالم بحثه وذلك لكي تقارن بين معطيات العلم المختلفة وتضع لها تفسيرا نظريا عاما وتعين أوجه العلاقات والروابط التي يمكن افتراضها بين تلك المعطيات وبهذا فان المادية الجدلية التي هي الوريث الحديث للفكر المادي على مر التاريخ أصبحت بنفسها غيبية من وجهة نظر تلك النزعات الحسية المتطرفة حين خرجت بتفسير شامل للكون ضمن إطار ديالكتيكي.

وهذا يعني أن المادية والإلهية معا قد اتفقتا على تجاوز النطاق الحسي الذي دعت تلك النزعات المادية المتطرفة إلى التقيد به وأصبح من المعقول أن تتخذ المعرفة مرحلتين: مرحلة لتجميع معطيات الحس والتجربة ومرحلة لتفسيرها نظريا وعقليا وإنما الخلاف بين المادية والإلهية على نوع التفسير الذي تستنتجه عقليا في المرحلة الثانية من معطيات العلم المتنوعة فالمادية تفترض تفسيرا ينفي وجود صانع حكيم والإلهية ترى أن تفسير تلك المعطيات لا يمكن أن يكون مقنعا ما لم يشتمل على الإقرار بوجود صانع حكيم وسنعرض فيما يلي نمطين من الاستدلال على وجود الصانع الحكيم سبحانه يتمثل في كل منهما معطيات الحس والتجربة من ناحية وتنظيمها عقليا واستنتاج أن للكون صانعا حكيما من خلال ذلك.

النمط الأول: نطلق عليه الدليل الفلسفي.

النمط الثاني: نطلق عليه اسم الدليل العلمي أو الاستقرائي.

وقبل أن ندخل في الحديث عنهما يجب أن نتساءل ما هو الدليل الفلسفي؟ وما الفرق بينه وبين الدليل العلمي؟ وما هي أقسام الدليل؟ إن الدليل ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي:

1- الدليل الرياضي 2- الدليل العلمي 3- الدليل الفلسفي.

1- الدليل الرياضي: هو الدليل الذي يستعمل في مجال الرياضيات البحتة والمنطق الصوري الشكلي ويقوم هذا الدليل دائما على مبدأ أساسي وهو مبدأ عدم التناقض القائل إن (أ) هي (أ) ولا يمكن أن لا تكون (أ) فكل دليل يستند إلى هذا المبدأ وما يتفرع عنه من نتائج فقط يطلق عليه اسم الدليل الرياضي وهو يحظى بثقة من الجميع.

2- الدليل العلمي: هو الدليل الذي يستعمل في مجال العلوم الطبيعية ويعتمد على المعلومات التي يمكن إثباتها بالحس أو الاستقراء العلمي إضافة إلى مبادئ الدليل الرياضي.

3- الدليل الفلسفي: هو الدليل الذي يعتمد لإثبات واقع موضوعي في العالم الخارجي على معلومات عقلية والمعلومات العقلية هي المعلومات التي لا تحتاج إلى إحساس وتجربة إضافة إلى مبادئ الدليل الرياضي وهذا لا يعني بالضرورة أن الدليل الفلسفي لا يعتمد على معلومات حسية واستقرائية وإنما يعني أنه لا يكتفي بها بل يعتمد إلى جانب هذا أو بصورة مستقلة عن ذلك معلومات عقلية أخرى في إطار الاستدلال على القضية التي يريد إثباتها ولربما تساءل البعض عن إمكانية الاعتماد على المعلومات العقلية أي على الأفكار التي يوحي بها العقل بدون حاجة إلى إحساس وتجربة أو استقراء علمي؟ فالجواب هو نعم لما تقدم من أن هناك في معلوماتنا ما يحظى بثقة الجميع كمبدأ عدم التناقض الذي تقوم عليه كل الرياضيات البحتة وهو مبدأ يقوم إيماننا به على أساس عقلي وليس على أساس الشواهد والتجارب في مجال الاستقراء.

الإيمان بالله في ضوء المذهـب العـقلي

عرفنا في المقال السابق أن الاتجاه المادي والاتجاه العقلي وإن اتفقا على أن المعرفة تمر بمرحلتين هما مرحلة تجميع معطيات الحس والتجربة ومرحلة تفسيرها نظريا وعقليا غير أنهما اختلفا على نوع التفسير الذي يستنتج عقليا في المرحلة الثانية وهنا نحاول الوقوف على نموذج من الدليل الفلسفي لإثبات الصانع وموقف الاتجاه المادي منه:

الدليل الفلسفي ويعتمد هذا الدليل على القضايا الثلاث التالية:

أولا: على البديهة القائلة أن كل حادثة لها سبب تستمد منه وجودها وهذه قضية يدركها الإنسان بشعوره الفطري ويؤكدها الاستقراء العلمي باستمرار.

ثانيا: على القضية القائلة كلما وجدت درجات متفاوتة من شيء بعضها أقوى وأكمل من بعض فليس بالإمكان أن تكون الدرجة الأقل كمالا والأدنى محتوى هي السبب في وجود الدرجة الأعلى فالحرارة لها درجات والمعرفة لها درجات بعضها اشد وأكمل من بعض فلا يمكن أن تنبثق درجة أعلى من الحرارة عن درجة أدنى منها ولا يمكن أن يكتسب الإنسان معرفة كاملة باللغة الانجليزية من شخص لا يعرف منها إلا قدرا محدودا أو يجهلها تماما.

ثالثا: إن المادة في تطورها المستمر تتخذ أشكالا مختلفة في درجة تطورها ومدى التركيز فيها فالجزيء من الماء الذي لا حياة فيه ولا إحساس يمثل شكلا من أشكال الوجود للمادة ونطفة الحياة التي تساهم في تكوين النبات والحيوان البروتوبلازم تمثل شكلا ارفع لوجود المادة والاميبا التي تعتبر حيوانا مجهريا ذا خلية واحدة تمثل شكلا من وجود المادة أكثر تطورا والإنسان هذا الكائن الحي الحساس المفكر يعتبر الشكل الأعلى من أشكال الوجود في هذا الكون وحول هذه الأشكال المختلفة من الوجود يبرز السؤال التالي هل الفارق بين هذه الأشكال مرد فارق كمي في عدد الجزيئات والعناصر وفي العلاقات الميكانيكية بينها أو هو فارق نوعي وكيفي يعبر عن درجات متفاوتة من الوجود ومراحل من التطور والتكامل؟ وبكلمة أخرى هل الفارق بين التراب والإنسان الذي تكون منه عددي فقط أو هو الفارق بين درجتين من الوجود ومرحلتين من التطور والتكامل كالفارق بين الضوء الضعيف والضوء الشديد؟

وقد آمن الإنسان بفطرته مند طرح على نفسه هذا السؤال بأن هذه الأشكال درجات من الوجود ومراحل من التكامل فالحياة درجة أعلى من الوجود للمادة وهذه الدرجة نفسها ليست حدية وإنما هي أيضا درجات وكلما اكتسبت الحياة مضمونا جديدا عبرت عن درجة أكبر ومن هناك كانت حياة الكائن الحساس المفكر أغنى وأكبر درجة من الحياة والنبات وهكذا غير أن الفكر المادي قبل أكثر من قرن من الزمن خالف في ذلك إيمانا منه بوجهة النظر الميكانيكية في تفسير الكون القائلة بان العالم الخارجي يتكون من جسيمات صغيرة متماثلة تؤثر عليها قوى بسيطة متشابهة جاذبة وطاردة ضمن قوانين عامة أي أن عملها يقتصر على التأثير بتحريك بعضها للبعض من مكان إلى مكان وبهذا الجذب والطرد تتجمع أجزاء وتتفرق وتتنوع أشكال المادة وعلى هذا الأساس حصرت المادية الميكانيكية التطور والحركة بحركة الأجسام والجسيمات في الفضاء من مكان إلى مكان وفسرت جميع أشكال المادة المختلفة بأنها طرق شتى لتجمع تلك الجسيمات وتوزعها دون أن يحدث من خلال تطور المادة شيء جديد فالمادة لا تنمو في وجودها ولا تترقى في تطورها وإنما تتجمع وتتوزع بطرق مختلفة كالعجينة في يدك حين تشكلها بأشكال مختلفة وتظل دائما هي العجينة نفسها دون جديد.

هذه الفرضية أوحى بها تطور علم الميكانيك الذي كان أول العلوم الطبيعية تحررا وانطلاقا في أساليب البحث العلمي وشجع عليها ما أحرزه هذا العلم من نجاح في اكتشاف قوانين الحركة الميكانيكية وتفسير الحركات المألوفة للأجسام الاعتيادية على أساسها بما فيها حركات الكواكب في الفضاء ولكن استمرار تطور العلم وامتداد أساليب البحث العلمي إلى مجالات متنوعة أخرى اثبت بطلان تلك الفرضية وعجزها من ناحية عن تفسير كل الحركات المكانية تفسيرا ميكانيكيا وقصورها من ناحية أخرى عن استيعاب كل أشكال المادة ضمن الحركة الميكانيكية للأجسام والجسيمات من مكان إلى مكان وأكد العلم ما أدركه الإنسان بفطرته من أن تنوع أشكال المادة لا يعود إلى مجرد نقلة مكانية من مكان إلى مكان بل إلى ألوان من التطور النوعي والكيفي وثبت من خلال التجارب العلمية إن أي تركيب عددي للجسيمات لا يمثل حياة أو إحساسا أو فكرا وهذا ما يجعلنا أمام تصور يختلف كل الاختلاف عن التصور الذي تقدمه المادية الميكانيكية إذ نواجه في الحياة والإحساس والفكر عملية نمو حقيقية في المادة وتطورا نوعيا في درجات وجودها سواء كان محتوى هذا التطور النوعي شيئا ماديا من درجة أعلى أو شيئا لا ماديا.

ثلاث قضايا منطقية:

1- كل حادثة لها سبب.

2- الأدنى لا يكون سببا لما هو أعلى منه درجة.

3- اختلاف درجات الوجود في هذا الكون وتنوع أشكاله كيفيا.

وفي ضوء هذه القضايا الثلاث نعرف أنا نواجه في الأشكال النوعية المتطورة نموا حقا أي تكاملا في وجود المادة وزيادة نوعية فيه فمن حقنا أن نتساءل من أين جاءت هذه الزيادة؟ وكيف ظهرت هذه الإضافة الجديدة مع أن لكل حادثة سببا كما تقدم؟ وتوجد بهذا الصدد إجابتان:

الإجابة الأولى: إنها جاءت من المادة نفسها فالمادة التي لا حياة فيها ولا إحساس ولا فكر أبدعت من خلال تطورها الحياة والإحساس والفكر أي أن الشكل الأدنى من وجود المادة كان هو السبب في وجود الشكل الأعلى درجة والأغنى محتوى.

وهذه الإجابة تتعارض مع القضية الثانية المتقدمة التي تقرر أن الشكل الأدنى درجة لا يمكن أن يكون سببا لما هو اكبر منه درجة وأغنى منه محتوى من أشكال الوجود فافتراض أن المادة الميتة التي لا تنبض بالحياة تمنح لنفسها أو لمادة أخرى الحياة والإحساس والتفكير يشابه افتراض أن الإنسان الذي يجهل اللغة الانجليزية يمارس تدريسها وان الفقير الذي لا يملك رصيدا يمول المشاريع.

الإجابة الثانية: إن هذه الزيادة التي تعبر عنها المادة من خلال تطورها جاءت من مصدر يتمتع بكل ما تحتويه تلك الزيادة الجديدة من حياة وإحساس وفكر وهو الخالق سبحانه وتعالى هذه هي الإجابة الوحيدة التي تنسجم مع القضايا الثلاث المتقدمة وتستطيع أن تعطي تفسيرا معقولا لعملية النمو والتكامل في أشكال الوجود على ساحة هذا الكون الرحيب.

موقف المادية من هذا الدليل:

إن المادية الميكانيكية غير محرجة في مواجهة هذا الدليل لأنها كما عرفنا تفسر الحياة والإحساس والفكر بأنها أشكال من التجميع والتوزيع للأجسام والجسيمات لا أكثر فلا يحدث من خلالها شيء جديد سوى حركة الأجزاء وفقا لقوى ميكانيكية- وأما المادية الحديثة فهي لإيمانها بالتطور النوعي والكيفي للمادة من خلال هذه الأشكال تواجه إحراجا في هذا الدليل غير أنها اختارت أسلوبا أخر في تفسير هذا التطور الكيفي توفق فيه بين القضية الثانية المتقدمة ورغبتها في الاكتفاء بالمادة وحدها كتفسير لكل تطوراتها وهذا الأسلوب هو أن المادة هي مصدر العطاء وهي التي تمول عملية التطور الكيفي ولكن لا كما يمول الفقير المشاريع لكي يتعارض مع القضية الثانية المتقدمة بل إن ذلك يتم على أساس أن كل أشكال التطور ومحتوياته موجودة في المادة مند البدء فالدجاجة موجودة في البيضة والغاز موجود في الماء وهكذا.

أما كيف تكون المادة في وقت واحد بيضة ودجاجة أو ماء وغاز؟ فتجيب المادية الجدلية على ذلك بأن هذا تناقض والتناقض هو قانون الطبيعية العام فكل شيء يحتوي على نقيضه في أحشائه وهو في صراع مستمر مع هذا النقيض وبهذا الصراع بين النقيضين ينمو النقيض الداخلي حتى يبرز ويحقق تحولا في المادة كالبيضة تنفجر في لحظة معينة ويبرز فرخ الدجاجة من داخلها وعن هذا الطريق تتكامل المادة باستمرار لان النقيض الذي يبرز من خلال الصراع يمثل المستقبل أي خطوة إلى الأمام.

مناقشة الموقف:

الاحتمال الأول: أن يراد بذلك أن البيضة وفرخ الدجاجة نقيضان أو ضدان وان البيضة تصنع الفرخ وتسبغ عليه صفات الحياة أي إن الميت يلد الحي ويصنع الحياة وهذا تماما كالفقير الذي يمول المشاريع الكبيرة يتعارض مع البديهية المتقدمة.

الاحتمال الثاني: أن يراد بذلك أن البيضة لا تصنع الفرخ بل تبرزه بعد أن كان كامنا فيها لأن كل شيء يكمن فيه نقيضه فالبيضة حينما كانت بيضة هي في الوقت نفسه فرخ دجاجة كالصورة التي تبدو من جانب بشكل ومن جانب آخر بشكل مختلف ومن الواضح أن البيضة إذا كانت في الوقت نفسه فرخ دجاجة فلا توجد هناك أي عملية نمو أو تكامل عندما تصبح البيضة دجاجة لأن كل ما وجد الآن كان موجودا منذ البدء تماما كالشخص يخرج نقوده من جيبه فلا يزداد بذلك ثراء لأن كل ما بيده الآن من نقود كان في جيبه.

الاحتمال الثالث: أن يراد أن البيضة نفسها تعبر عن ضدين أو نقيضين مستقلين لكل منهما وجوده الخاص أحدهما يتمثل في النطفة التي سببها في داخل البيضة اللقاح والأخر سائر ما تحتويه البيضة من مواد وهذان الضدان وحدتهما معركة في داخل قشر البيضة ومن خلال هذا الصراع برز احد الضدين وانتصرت النطفة فتحولت البيضة إلى دجاجة ولكن لماذا نسمي هذا التفاعل بين النطفة والمواد الطبيعية المكونة للبيضة تناقضا؟ إنها مجرد تسمية وليست بأفضل من أن يقال إن احدهما يندمج في الأخر أو يتوحد فيه هب أنا سمينا ذلك تناقضا فلن تحل المشكلة بذلك ما دمنا نسلم بان هذا التفاعل الخاص بين الضدين يؤدي إلى نتيجة اكبر إلى عملية نمو إلى شيء جديد يزيد على المجموع العددي لهما فمن أين جاءت هذه الزيادة؟ هل جاءت من الضدين المتصارعين الفاقدين معا لها مع أن فاقد الشيء لا يعطيه بحكم القضية الثانية من القضايا الثلاث المتقدمة؟.

الإيمان بالله في ضوء المذهب الذاتي

عرفنا سابقا أن الدليل العلمي لإثبات الصانع سبحانه وتعالى يتخذ منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات وهذا المنهج له صيغ معقدة وبدرجة عالية من الدقة وتقييمه الشامل يتم من خلال دراسة تحليلية كاملة للأسس المنطقية للاستقراء ونظرية الاحتمال وهذا ما حاولنا التوفر عليه في هذه السلسلة من المقالات المتواضعة والمختصرة جدا لكن لكي يؤخذ هذا الاستدلال لإثبات الصانع الحكيم طابعا عموميا ويمكن الاستفادة منه بنحو أوسع نحرص هنا على تفادي تلك الصعوبات والابتعاد عن أي صيغ معقدة أو تحليل عسير الفهم ولهذا سنقوم فيما يلي بأمرين:

1- تحديد المنهج الذي سنتبعه في الاستدلال وتوضيح خطواته بصورة مبسطة وموجزة.

2- تقييم هذا المنهج وتحديد مدى إمكان الوثوق به لا عن طريق تحليله منطقيا واكتشاف الأسس المنطقية والرياضية التي يقوم عليها بل نقيمه في ضوء تطبيقاته الأخرى العملية المعترف بها عموما لكل إنسان سوى.

فنوضح أن المنهج الذي يعتمده الدليل على وجود الصانع الحكيم هو نفس المنهج الذي نعتمده في استدلالاتنا التي نثق بها كل الثقة في حياتنا اليومية الاعتيادية أو في البحوث العلمية التجريبية على السواء إن ما يأتي سيوضح بدرجة كافية إن منهج الاستدلال على وجود الصانع الحكيم سبحانه وتعالى هو المنهج الذي نستخدمه عادة لإثبات حقائق الحياة اليومية والحقائق العلمية فما دمنا نثق به لإثبات هذه الحقائق فمن الضروري أن نثق به بصورة مماثلة لإثبات الصانع الحكيم الذي هو أساس تلك الحقائق جميعا فأنت في حياتك الاعتيادية حين تجد طبيبا نجح في علاج حالات مرضية كثيرة فتثق به وتتعرف على انه طبيب حاذق وحين تستعمل إبرة البنسلين في عشر حالات مرضية وتصاب فور استعمالها في كل مرة بأعراض متشابهة تستنتج من ذلك أن في جسمك حساسية خاصة تجاه مادة البنسلين أنت في كل هذه الاستدلالات وأشباهها تستعمل في الحقيقة منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات وهذا المنهج نفسه هو منهج الدليل الذي نجده فيما يأتي لإثبات الصانع الحكيم وهذا ما سنراه بكل وضوح عند استعراض ذلك الدليل.

تحديد المنهج وخطواته:

إن منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات يمكن تلخيصه إذا توخينا البساطة والوضوح في الخطوات الخمس التالية:

أولا: نواجه في مجال الحس والتجربة ظواهر عديدة

ثانيا: ننتقل بعد ملاحظتها وتجميعها إلى مرحلة تفسيرها والمطلوب في هذه المرحلة أن نجد فرضية صالحة لتفسير تلك الظواهر وتبريرها جميعا ونقصد بكونها صالحة لتفسير تلك الظواهر أنها إذا كانت ثابتة في الواقع فهي تستبطن أو تتناسب مع وجود جميع تلك الظواهر التي هي موجودة فعلا.

ثالثا: نلاحظ أن هذه الفرضية إذا لم تكن صحيحة وثابتة في الواقع ففرصة وجود تلك الظواهر كلها مجتمعة ضئيلة جدا.

رابعا: نستخلص من ذلك أن الفرضية صادقة ويكون دليلنا على صدقها وجود تلك الظواهر التي أحسسنا بوجودها في الخطوة الأولى.

خامسا: إن درجة إثبات تلك الظواهر للفرضية المطروحة في الخطوة الثانية تناسب عكسيا مع نسبة احتمال وجود تلك الظواهر جميعا إلى احتمال عدمها أو عدم واحد منها على الأقل على افتراض كذب الفرضية فكلما كانت هذه النسبة أقل كانت درجة الإثبات أكبر حتى تبلغ في حالات اعتيادية كثيرة إلى درجة اليقين الكامل بصحة الفرضية وفقا للمرحلة الثانية من الدليل الاستقرائي.

هذه هي الخطوات التي نتبعها عادة في كل استدلال استقرائي يقوم على أساس حساب الاحتمال سواء في مجال الحياة الاعتيادية أو على صعيد البحث العلمي أو في مجال الحياة الاعتيادية أو في مجال الاستدلال المقبل على الصانع الحكيم سبحانه وتعالى.

تقييم المنهج:

ولنقيم هذا المنهج من خلال التطبيقات والأمثلة كما وعدنا سابقا وسنبدأ بالأمثلة من الحياة الاعتيادية فحينما تتسلم رسالة بالبريد وتقراها فتتعرف على أنها من أخيك لا من شخص أخر ممن يرغب في مراسلتك تمارس بذلك استدلالا استقرائيا قائما على حساب الاحتمال ومهما كانت هذه القضية – وهي أن الرسالة من قبل أخيك – واضحة في نظرك فهي في الحقيقة قضية استنتجتها بدليل استقرائي وفقا للمنهج المتقدم فالخطوة الأولى تواجه فيها ظواهر عديدة من قبيل أن الرسالة تحمل اسما يتطابق مع اسم أخيك تماما وقد كتبت فيها الحروف جميعا بنفس الطريقة التي يكتب بها أخوك كذلك نفس طريقة الإملاء وبعض الأخطاء الإملائية الموجودة في الرسالة هي نفس الطريقة ونفس الأخطاء التي اعتادها أخوك في كتابته الخ وفي الخطوة الثانية تتساءل هل الرسالة قد أرسلها أخي إلى حقا أم هي من شخص أخر يحمل نفس الاسم؟ وهنا تجد أن لديك فرضية صالحة لتفسير وتبرير تلك الظواهر وهي أن تكون هذه الرسالة من أخيك حقا فإذا كانت من أخيك فمن الطبيعي أن تتوافر كل تلك المعطيات التي لاحظتها في المرحلة الأولى وفي الخطوة الثالثة تطرح على نفسك السؤال التالي إذا لم تكن هذه الرسالة من أخي بل كانت من شخص أخر فما هي فرصة أن تتوافر فيها كل تلك المعطيات والخصائص التي لاحظتها في الخطوة الأولى؟ إن هذه الفرصة بحاجة إلى مجموعة كبيرة من الافتراضات لأننا لكي نحصل على كل تلك المعطيات والخصائص في هذه الحالة يجب أن نفترض أن شخصا أخر يحمل نفس الأسلوب ويشابه أخاك تماما في طريقة إملاءه وأسلوبه الخ وهذه مجموعة من الصدف يعتبر احتمال وجودها جميعا ضئيلا جدا وكلما ازداد عدد هذه الصدف التي لابد من افتراضها تضاءل الاحتمال أكثر فأكثر والأسس المنطقية للاستقراء تعلمنا كيف نقيس الاحتمال وتفسر لنا كيف يتضاءل هذا الاحتمال ولماذا يتضاءل تبعا لازدياد عدد الصدف التي يفترضها وفي الخطوة الرابعة تقول ما دام توافر كل هذه الظواهر في الرسالة أمر غير محتمل إلا بدرجة ضئيلة جدا على افتراض أن الرسالة ليست من أخيك فمن المرجح بدرجة كبيرة بحكم توافر هذه الظواهر فعلا أن تكون الرسالة من أخيك وفي الخطوة الخامسة تربط بين الترجيح الذي قررته في الخطوة الرابعة ومؤداه أن الرسالة قد أرسلت من أخيك وبين ضالة الاحتمال التي قررتها في الخطوة الثالثة وهي ضالة احتمال أن تتوافر كل تلك الظواهر في الرسالة بدون أن تكون من أخيك ويعني الربط بين هاتين الخطوتين أن درجة ذلك الترجيح تتناسب عكسيا مع ضالة هذا الاحتمال فكلما كان هذا الاحتمال أقل درجة كان ذلك الترجيح اكبر قيمة وأقوى إقناعا وإذا لم تكن هناك قرائن عكسية تنفي أن تكون الرسالة من أخيك فسوف تنتهي من هذه الخطوات الخمس إلى القناعة الكاملة بأن الرسالة من أخيك.

الاعتقاد بعقل الآخرين:

يتضح منشأ الاعتقاد بأن للناس الآخرين الذين نعاشرهم أو نطلع على إنتاج متسق ومفهوم لهم عقلا وتفكيرا فإذا ما قرأنا لشخص كتابا متسق المعنى نسلم بأنه عاقل ونرفض احتمال انه مجنون قد تجمعت لديه خواطر جنونية فأنتجت على سبيل الصدفة ذلك الكتاب وقد يخيل للإنسان الأرسطي التفكير أن الاستدلال على عقل هذا المؤلف عن طريق ما يتمثل في كتابه من اتساق ونضج فكري من نوع الاستدلال على وجود السبب بوجود مسببه ولكن الواقع أن الكتاب بقدر ما يتصل بمبدأ السببية لا يمكن أن يبرهن منطقيا- على أساس هذا المبدأ- على أن المؤلف إنسان يتمتع بمعرفة منظمة إذ كما يمكن أن يكون المؤلف لكتاب في اللغة على قدر من المعرفة باللغة أتاح له أن يكتب ذلك الكتاب كذلك يمكن أن يكون مجنونا تتابعت خواطر عشوائية في ذهنه فادت إلى تكون ذلك الكتاب وفي كلتا الحالتين يجد مبدأ السببية تطبيقه الضروري غير أن الدليل الاستقرائي هو الذي يعين الفرضية الأولى وينفي الفرضية الثانية وذلك لان الفرضية الثانية تتضمن عددا كبيرا من الافتراضات المستقلة بقدر فقرات الكتاب لأن كل فقرة من الكتاب إذا كانت نتيجة لخاطر جنوني فلا توجد أي علاقة تلازم بين كل فقرة والفقرات الأخرى وعلى العكس من ذلك الفرضية الأولى فإنها تتضمن عددا أقل من الافتراضات لأن المعرفة التي تفسر على أساس الفرضية الأولى فقرة معينة في الكتاب قد تكون بنفسها تفسر عددا أخر من الفقرات وهكذا تصبح المجموعة من الافتراضات المستقلة التي تتطلبها الفرضية الأولى أقل كثيرا من مجموعة الافتراضات المستقلة التي تتطلبها الفرضية الثانية وينشأ على هذا الأساس علمان إجماليان:

أحدهما: العلم الإجمالي الذي يستوعب احتمالات مجموعة الافتراضات المستقلة التي تتطلبها الفرضية الأولى لأن هذه الافتراضات إذا كانت ثلاثة مثلا رمزنا إليها ب (أ , ب , ج) ففيها ثمانية احتمالات هي احتمالات الصدق والكذب فيها إذ قد يصدق الافتراض (أ) فقط وقد يصدق الافتراض (ب) فقط وقد يصدق الافتراض (ج) فقط وقد تصدق كل هذه الافتراضات الثلاثة وهذا العلم الإجمالي ينفي الفرضية الأولى بقيمة احتمالية كبيرة لأن كل أطرافه باستثناء طرف واحد وهو افتراض أن يصدق أ و ب و ج جميعا في صالح نفي الفرضية الأولى وهذا الطرف الوحيد حيادي تجاه ذلك لأن أ و ب وج إذا كانت جميعا صادقة فقد يكون الكتاب نتيجة لمعرفة وقد يكون نتيجة لجرة قلم عشوائية.

والأخر: العلم الإجمالي الذي يستوعب احتمالات مجموعة الافتراضات المستقلة التي تتطلبها الفرضية الثانية ولما كانت هذه المجموعة أكبر عددا من مجموعة الافتراضات المستقلة التي تتطلبها الفرضية الأولى فسوف يكون عدد أطراف هذا العلم الإجمالي أكثر وهذا العلم ينفي الفرضية الثانية بقيمة احتمالية أكبر من القيمة التي أعطاها العلم الإجمالي الأول لنفي الفرضية الأولى.

إثبات الصانع بالدليل الاستقرائي:

بدلا عن الكتاب يمكن أن نفترض مجموعة من الظواهر في العالم موضوعا للاستقراء وبدلا عن استخدام الدليل الاستقرائي لإثبات أن مؤلف الكتاب إنسان عالم لا إنسان مجنون يمكننا أن نستخدمه لإثبات صانع حكيم لتلك المجموعة من الظواهر وذلك بإتباع نفس الخطوات الخمس السابقة:

الخطوة الأولى: نلاحظ توافقا مطردا بين عدد كبير وهائل من الظواهر المنتظمة وبين حاجة الإنسان ككائن حي وتيسير الحياة له على نحو نجد أن أي بديل لظاهرة من تلك الظواهر يعني انطفاء حياة الإنسان على الأرض أو شلها وفيما يلي نذكر عددا من تلك الظواهر كأمثلة: تتلقى الأرض من الشمس كمية من الحرارة تمدها بالدفء الكافي لنشوء الحياة وتوفير حاجة الكائن الحي إلى الحرارة لا أكثر ولا أقل وقد لوحظ علميا أن المسافة التي تفصل بين الأرض والشمس تتوافق توافقا كاملا مع كمية الحرارة المطلوبة من اجل الحياة على هذه الأرض فلو كانت ضعف ما عليها الآن لما وجدت حرارة بالشكل الذي يتيح الحياة ولو كانت نصف ما عليها الآن لتضاعفت الحرارة إلى الدرجة التي لا تطيقها حياة ونلاحظ ظاهرة طبيعية تتكرر باستمرار ملايين المرات على مر الزمن تنتج الحفاظ على قدر معين من الأوكسجين باستمرار وهي أن الإنسان والحيوان عموما حينما يتنفس الهواء ويستنشق الأوكسجين يتلقاه الدم ويوزع في جميع أرجاء الجسم ويباشر هذا الأوكسجين في حرق الطعام وبهذا يتولد ثاني أوكسيد الكربون الذي يتسلل إلى الرئتين ثم يلفظه الإنسان وبهذا ينتج الإنسان وغيره من الحيوانات هذا الغاز باستمرار وهذا الغاز بنفسه شرط ضروري لحياة كل نبات والنبات بدوره حين يستمد ثاني اوكسيد الكربون يفصل الأوكسجين منه ويلفظه ليعود نقيا صالحا للاستنشاق من جديد ونلاحظ أن القمر الذي يبعد عن الأرض مسافة محددة وهي تتوافق تماما مع تيسير الحياة العملية للإنسان على الأرض ولو كان يبعد عنا مسافة قصيرة نسبيا لتضاعف المد الذي يحدثه وأصبح من القوة على نحو يزيح الجبال من مواضعها ونلاحظ أن قشرة الأرض والمحيطات تحتجز على شكل مركبات الجز الأعظم من الأوكسجين حتى انه يكون ثمانية من عشرة من جميع المياه في العالم وعلى الرغم من ذلك ومن شدة تجاوب الأوكسجين من الناحية الكيماوية للاندماج على هذا النحو فقد ظل جزء محدود منه طليقا يساهم في تكوين الهواء وهذا الجزء يحقق شرطا ضروريا من شروط الحياة.

الخطوة الثانية: نجد أن هذا التوافق المستمر بين الظاهرة الطبيعية ومهمة ضمان الحياة وتيسيرها في ملايين الحالات يمكن أن يفسر جميع هذه المواقع بفرضية واحدة وهي أن نفترض صانعا حكيما لهذا الكون قد استهدف أن يوفر في هذه الأرض عناصر الحياة وييسر مهمتها فان هذه الفرضية تستبطن كل هذه التوافقات

الخطوة الثالثة: نتساءل إذا لم تكن فرضية الصانع الحكيم ثابتة في الواقع فما هو مدى احتمال أن تتواجد كل تلك التوافقات بين الظواهر الطبيعية ومهمة تيسير الحياة دون أن يكون هناك هدف مقصود؟ ومن الواضح أن احتمال ذلك يعني افتراض مجموعة هائلة من الصدف.

الخطوة الرابعة: نرجح بدرجة لا يشوبها الشك أن تكون الفرضية التي طرحناها في الخطوة الثانية صحيحة أي أن هناك صانعا حكيما.

الخطوة الخامسة: نربط بين هذا الترجيح وبين ضالة الاحتمال التي قررناها في الخطوة الثالثة ولما كان الاحتمال في الخطوة الثالثة يزداد ضالة كلما ازداد عدد الصدف التي لابد من افتراضها فيه كما عرفنا سابقا فمن الطبيعي أن يكون هذا الاحتمال ضئيلا بدرجة لا تماثلها احتمالات الخطوة الثالثة في الاستدلال على أي قانون علمي لأن عدد الصدف التي لابد من افتراضها في احتمال الخطوة الثالثة هنا أكثر من عددها في أي احتمال مناظر وكل احتمال من هذا القبيل فمن الضروري أن يزول.

مشكلتان

الملاحظ أن الدليل الاستقرائي العلمي لإثبات الصانع تعالى لم يلق قبولا عاما على صعيد الفكر الأوربي وأنكره فلاسفة كبار أمثال “رسل” ولعل السبب في ذلك يعود إلى عدم قدرة هؤلاء المفكرين التغلب على مشكلتين أساسيتين تعترضان هذا النحو من الدليل:

المشكلة الأولى: انه قد يلاحظ أن البديل المحتمل لفرضية الصانع الحكيم تبعا لمنهج الدليل الاستقرائي هو أن تكون كل ظاهرة من الظواهر المتوافقة مع مهمة تيسير الحياة ناتجة عن ضرورة عمياء في المادة بان تكون المادة بطبيعتها وبحكم تناقضاتها الداخلية وفاعليتها الذاتية هي السبب فيما يحدث لها من تلك الظواهر والمقصود من الدليل الاستقرائي تفضيل فرضية الصانع الحكيم على البديل المحتمل لأن تلك لا تستبطن إلا افتراضا واحدا وهو افتراض الذات الحكيمة بينما البديل يفترض ضرورات عمياء في المادة بعدد الظواهر موضوعة البحث فيكون احتمال البديل احتمالا لعدد كبير من الوقائع والصدف فيتضاءل حتى يفنى غير أن هذا إنما يتم إذا لم تكن فرضية الصانع الحكيم مستبطنة لعدد كبير من الوقائع والصدف أيضا مع انه قد يبدو أنها مستبطنة لذلك لان الصانع الحكيم الذي يفسر كل تلك الظواهر في الكون يجب أن نفترض فيه علوما وقدرات بعدد تلك الظواهر وبهذا يكون العدد الذي تستبطنه هذه الفرضية من هذه العلوم والقدرات بقدر ما يستبطنه البديل من افتراض ضرورات عمياء فأين التفضيل؟ وقبل الإجابة على هذه المشكلة لابد من بيان الفرق بين الاحتمالات المشروطة والاحتمالات المستقلة

الاحتمالات المشروطة والمستقلة:

إذا كان (أ) و (ب) حالتين محتملتين فقد تكون قيمة احتمال (ب) إذا افترضنا وجود (أ) اكبر من قيمة احتمال (ب) إذا لم نفترض وجود أ مثال ذلك إن نجاح الطالب في المنطق حالة محتملة ونجاحه في الرياضيات حالة محتملة أيضا غير إنا إذا افترضنا أن الطالب قد نجح في المنطق فسوف يكبر احتمال أن ينجح في الرياضيات على أساس ما يكشف عنه النجاح في المنطق من كفاءة عالية والعكس صحيح أيضا بمعنى إنا إذا افترضنا أن الطالب قد نجح في الرياضيات فعلا فسوف يكبر احتمال أن ينجح في المنطق وكل احتمال يتأثر بافتراض صدق احتمال أخر يسمى احتمالا مشروطا فإذا أردنا أن نعرف قيمة احتمال أن ينجح الطالب في المنطق والرياضيات معا فلابد أن نضرب قيمة احتمال نجاحه في المنطق بقيمة احتمال نجاحه في الرياضيات على افتراض نجاحه في المنطق وفقا لبديهة الاتصال القائلة أن درجة احتمال تفوق الطالب في المنطق والرياضيات في وقت واحد يساوي درجة احتمال تفوقه في المنطق متفوقا في الرياضيات فإذا رمزنا إلى النجاح في المنطق ب (أ) والى النجاح في الرياضيات ب (ب) والى الانتماء إلى المدرسة ب (ج) حصلنا على المعادلة التالية: قيمة احتمال (أ) و (ب) معا= قيمة احتمال أ/ح ضرب ب/ ج+ أ وهناك احتمالات غير مشروطة لا يتأثر بعضها بافتراض صدق الأخر من قبيل احتمال أن ينجح خالد في المنطق واحتمال أن ينجح في الرياضيات ويسمى هذا النوع من الاحتمالات بالاحتمالات المستقلة.

إذا اتضحت هذه المقدمة نقول جوابا عن المشكلة الأولى إن التفضيل ينشأ من أن هذه الضرورات العمياء غير مترابطة بمعنى أن افتراض أي واحدة منها يعتبر حياديا تجاه افتراض الضرورة الأخرى وعدمها وهذا يعني في لغة حساب الاحتمال أنها حوادث مستقلة وان احتمالاتها احتمالات مستقلة وأما العلوم والقدرات التي يتطلبها افتراض الصانع الحكيم للظواهر موضوعة البحث فهي ليست مستقلة لأن ما يتطلبه صنع بعض الظواهر من علم وقدرة هو نفس ما يتطلبه صنع بعض أخر من علم وقدرة فافتراض بعض تلك العلوم والقدرات ليس حياديا تجاه افتراض بعضها الأخر بل يستبطنه أو يرجحه بدرجة كبيرة وهذا يعني بلغة حساب الاحتمال أن احتمالات هذه المجموعة من العلوم والقدرات مشروطة أي إن احتمال بعضها على تقدير افتراض بعضها الأخر كبير جدا وكثيرا ما يكون يقينا وحينما نريد أن نقيم احتمال مجموعة هذه العلوم والقدرات واحتمال مجموعة تلك الضرورات ونوازن بين قيمتي الاحتمالين يجب أن نتبع قاعدة ضرب الاحتمال المقرر في حساب الاحتمال بان نضرب قيمة احتمال كل عضو في المجموعة بقيمة احتمال عضو أخر فيها وهكذا والضرب كما نعلم يؤدي إلى تضاؤل الاحتمال وكلما كانت عوامل الضرب اقل عددا كان التضاؤل اقل وقاعدة الضرب في الاحتمالات المشروطة والاحتمالات المستقلة تبرهن رياضيا على انه في الاحتمالات المشروطة يجب أن نضرب قيمة احتمال عضو بقيمة احتمال عضو أخر على افتراض وجود العضو الأول وهو كثيرا ما يكون يقينا او قريبا من اليقين فلا يؤدي الضرب إلى تقليل الاحتمال إطلاقا أو إلى تقليله بدرجة ضئيلة جدا خلافا للاحتمالات المستقلة التي يكون كل واحد منها حياديا تجاه الاحتمال الأخر فان الضرب هناك يؤدي إلى تناقص القيمة بصورة هائلة ومن هنا ينشا تفضيل احد الافتراضين على الأخر.

المشكلة الثانية: هي المشكلة التي تنجم عن تحديد قيمة الاحتمال القبلي للقضية المستدلة استقرائيا ولتوضيح ذلك يقارن بين تطبيق الدليل الاستقرائي لإثبات الصانع وتطبيقه في المثال السابق لإثبات أن الرسالة التي تسلمتها بالبريد هي من أخيك ويقال بصدد هذه المقارنة أن سرعة اعتقاد الإنسان في هذا المثال بأن الرسالة قد أرسلها أخوه تتأثر بدرجة احتمال هذه القضية قبل أن يفض الرسالة ويقرأها وهو ما نسميه بالاحتمال القبلي للقضية فإذا كان قبل أن يفتح الرسالة يحتمل بدرجة خمسين في المائة مثلا أن أخاه يبعث إليه برسالة فسوف يكون اعتقاده بأن الرسالة من أخيه وفق الخطوات الخمس للدليل الاستقرائي سريعا بينما إذا كان مسبقا لا يحتمل أن يتلقى رسالة من أخيه بدرجة معتد بها إذ يغلب على ظنه مثلا بدرجة عالية من الاحتمال انه قد مات فلن يسرع إلى الاعتقاد بان الرسالة من أخيه ما لم يحصل على قرائن مؤكدة فما هو السبيل في مجال إثبات الصانع لقياس الاحتمال القبلي للقضية؟ والحقيقة إن قضية الصانع الحكيم سبحانه وتعالى ليست محتملة وإنما هي مؤكدة بحكم الفطرة والوجدان ولكن لو افترضنا أنها قضية محتملة نريد إثباتها بالدليل الاستقرائي فانه يمكن أن نقدر قيمة الاحتمال القبلي بالطريقة التالية:

نأخذ كل ظاهرة من الظواهر موضوعة البحث بصورة مستقلة فنجد أن هناك افتراضين يمكن أن نفسرها بأي واحد منهما:

– افتراض صانع حكيم

– افتراض ضرورة عمياء في المادة

وما دمنا أمام افتراضين ولا نملك أي مبرر مسبق لترجيح احدهما على الأخر فيجب أن نقسم رقم اليقين عليهما بالتساوي فتكون قيمة كل واحد منهما خمسين في المائة ولما كانت الاحتمالات التي في صالح فرضية الصانع الحكيم مترابطة ومشروطة والاحتمالات التي في صالح فرضية الضرورة العمياء مستقلة وغير مشروطة فالضرب يؤدي باستمرار إلى تضاؤل شديد في احتمال فرضية الضرورة العمياء وتصاعد مستمر في احتمال فرضية الصانع الحكيم وهكذا ننتهي إلى حقيقة أساسية هي أن الأسس المنطقية التي تقوم عليها كل الاستدلالات العلمية المستمدة من الملاحظة والتجربة هي نفس الأسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبر لهذا العالم عن طريق ما يتصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير فان هذا الاستدلال كأي استدلال علمي أخر استقرائي بطبيعته وتطبيق للطريقة العامة التي حددناها للدليل الاستقرائي في كلتا مرحلتيه فالإنسان بين أمرين فهو إما أن يرفض الاستدلال العلمي ككل وإما أن يقبل الاستدلال العلمي ويعطي للاستدلال الاستقرائي على إثبات الصانع نفس القيمة التي يمنحها للاستدلال العلمي.

وبهذا يتبرهن أن العلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي الاستقرائي ولا يمكن من وجهة النظر المنطقية للاستقراء الفصل بينهما وهذا الارتباط المنطقي بين مناهج الاستدلال العلمي والمنهج الذي يتخذه الاستدلال على إثبات الصانع بمظاهر الحكمة قد يكون هو السبب الذي أدى بالقران الكريم إلى التركيز على هذا الاستدلال من بين ألوان الاستدلال المتنوعة على إثبات الصانع تأكيدا للطابع التجريبي والاستقرائي للدليل على إثبات الصانع إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرب في البحر بما ينفع الناس وما انزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون.

سليمان الشجاع