التصوف في فكر الإمام الخميني والشهيد الصدر

عبد اللطيف الحرز

دراسة تمهيدية

1-توطئة

إن أبرز ما يمتاز به الكائن البشري هي قدرته على التفكير والتأمل؛ لذا فليس غريباً أن يكون (الإنسان حيوان ناطق) هو من أقدم التعريفات لهذا المخلوق، وإذا كانت البداية هي كون عملية الإدراك واضحة جلية، وبأننا (نفهم الحقائق كما هي) أمر مسلم هو إبستمي مفروغ عنه، فإن الخطوات التي تلت على طريق البحث والتأمل أخذت بثقلها تزلزل هذه الثوابت فانقسمت الأسرة البشرية (المفكرة) إلى شطرين: قسم يعتقد بحقيقة هذا العالم ويؤمن بالحواس كمرشد لحياض الحقيقة، بينما ذهب القسم الثاني إلى الاعتصام بعُرى العقل، لكن لم تقف هذه القسمة وهذا التشظي عند هذا الحد، حيث ذهب الفريق الأول إلى ميدان الاحتدام الفكري، فانقسم إلى جبهة تقول بكون الحواس تقتنص الحق والحقيقة كاملةً وأن لا حقيقة قابعة وراء قضبان الحس فيما علا صُراخ الجبهة الثانية بأن هناك حقيقة (ما) خلف الحواس لكننا نعجز عن إدراكها؛ لذا فلا مندوحة لنا إلا أن نعتمد على الحواس، هذه الثقوب التي ملأت البدن البشري بأكمله هذه الكتلة اللحمية العجيبة، في حين انشطر الفريق الثاني إلى فرقة تقول بأن العقل يقتنص الإدراكات، وأن هذه الإدراكات مطابقة للواقع، أي أنه يوجد (شيء) آخر غير (إدراكاتنا ومفاهيمنا) فيما ذهب الفريق الثاني إلى أنه لا وجود لمُطابق، فهذه الإدراكات التي تحصل لنا هي (حقيقة) بالنسبة (لنا) فقط والمدرسة التي تقول بالحس فقط هي المدرسة الشيئانية السكولاستيكية القديمة، في حين أن المدرسة التي تعترف بوجود حقيقة (ما) لكننا لسنا قادرين على مد الجسور إليها ولا مندوحة إلا بالحس، فهي بعض فروع المدرسة التجريبية الحديثية وبعض الاتجاهات المثالية.

أما المدرسة التي تعتصم بالعقل لكنها لا ترى ما وراء إدراكاته أمراً مطابقاً كما في المدرسة المثالية[1]، ولم يكن هذا الانشطار والتشظي إلا لصعوبة البحث والتخبط و وعورة اقتناص المنهج المناسب رغم وضوح الكثير [=كأن نكون قادرين على إدراك الواقع بنسبة (ما)] من مفردات المبحوث عنه (إن النظر في الحق صعب من جهة، سهل من جهة، والدليل على ذلك أنه لم يقدر أحد من الناس على البلوغ فيه بقدر ما يستحق، ولا ذهب على الناس کلهم.. وأما إن كان أدرك شيئاً منه فإنما أدرك يسيراً.. إن حال العقل في النفس منا عندما هو في الطبيعة في غاية البيان يشبه حال عيون الخفاش عند ضياء الشمس)[2] هكذا كان يقول أرسطو.

ما هو الإنسان؟ ما هو الكون والوجود؟ ما هو ارتباط الإنسان بالكون؟ إلى أي مدى تمتد حياة الإنسان؟ ما هي إلا أسئلة [=إشكاليات] قديمة بقدم الإنسان نفسه، وفيما قام البعض يستقصي الجواب ضارباً الأرض بمعول الحواس فإن فريقاً آخر كان يجوب الموجودات بمجهر العقل في حين اعتزلت طائفة وثلّة قليلة عن كلتا الفرقتين زاعمة أنها أبصرت خيط من نور غير الحس والعقل، وأنهم سيأخذون علمهم (من الحي الذي لا يموت) حين يأخذ سائر الناس العلم من (ميت عن ميت)[3] واتخذت هذه الطائفة لنفسها طقوس معينة تكنّها، ومع ذلك لم تسلم من ظاهرة الانقسام والتشظي، وهذه الطائفة هي الصوفية، فما المقصود من (التصوف) وكيف يمكن أن نتعقل البداية من ناحية (فكرية)؟

2-الـ(أنا) المنسي

قديماً قال أفلوطين: (إن البحث في النفس جدير بالاهتمام حقاً سواء أقَصدنا به الأمور التي أشكلت علينا وكان علينا أن نجد لها حلاً أم وقفنا عند هذه الإشكالات ذاتها.. ولعمري أي بحث أجدر من البحث في النفس بأن يقضي الوقت فيه مَن يريد الاسترسال في الحديث والإسهاب في التدقيق).[4]

والبحث في النفس قديم جداً سواء جاء بصورة تنظيرية ورؤيوية أو بصورة أمثال وحكايات وعبر ورموز وأساطير، وقد اهتمت جميع الفلسفات وكافة الحضارات بهذا المبحث ونحن نجد أن ضمير المتكلم [=أنا] عند الإنسان هو أشد الضمائر حضوراً سواء بصورة مباشرة أو مستمرة، وما ذلك إلا لكون (الأنا) هو الذات نفسها، فالاعتناء بها هو توقيع وإمضاء على صفحة الوجود بكوننا حاضرين فيه وجزء منه.. وعند تتبع البحوث الأولى وحتى المعاصرة التي تناولت موضوع (الأنا) نجد أغلبها يذعن بكون هذا الأمر المشار إليه بـ(أنا) هو ليس عضواً حسياً، ما عدا ثلة قليلة من النظريات قياساً بالأولى.

إن الإنسان لمنقسم إلى سرّ وعلن: أما علنه فهو الجسم المحسوس بأعضائه وأمشاجه، وقد وقف الحس على ظاهره ودلّ التشريع على باطنه، أما سرّهُ فقوى روحه.[5]

و لأهمية هذا المبحث نجد أن فلاسفة المسلمين اعتنوا به، لارتباطه بالميتافيزيقا ومسائل المعاد[6]، وقد كان ولا يزال التعرف على (الأنا) بحثاً غامضاً لا يحصد الباحث منه إلا النزر القليل من القناعة.

و(الأنا) رغم حضورها المستمر وأكثر الأمور فاعلية فإنها وفي الوقت ذاته كأنها تقع في أقصى المعمورة وآخر الأنفاق العميقة للحقيقة، وواقع الأمر أن جهلنا مطبق فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب؛ لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية)[7]. بيد أن علماء المسلمين شمّروا عن سواعدهم ونقّبوا في أرض هذا المبحث فانطلق البحث عندهم من اعتبار (الأنا) هو جزء من الشعور، وهو أمر واضح لا لبس فيه (لم يزل الإنسان فيما نعلم ۔ حتى الإنسان الأولي ۔ يقول في بعض قوله: (أنا) و(نفسي)، يحكي به عن حقيقة من الحقائق الكونية، وهو لا محالة يدري ما يقول ويعلم ما يريد، غير أن انصراف همه إلى تعبئة أركان الحياة البدنية واشتغاله بالأعمال الجسمية لرفع الحوائج المادية يصرفه عن التعمق في أمر هذه النفس المحكى بقوله: (أنا) و(نفسي) وربما ألقى ذلك وهمه أن ذلك هو البدن لا غير، وربما وجد الإنسان أن الفارق بين الحي والميت بحسب ظهور الحس هو النفس الذي يتنفس به الإنسان ما دام حياً، فإذا فقده أو سد عليه مجاريه عاد ميتاً لا يشعر بشيء وبطل وجوده وانعدمت شخصيته وإنيته، فأذعن أن النفس هو النفَس (محركة) وهو الريح أو نوع خاص من الريح، فسماه لذلك روحاً وقضى أن الإنسان هو مجموع من الروح والبدن)[8] والذي نستنتجه هو أن البحث الفلسفي كان يحمل في رحمه سلفاً بعض مغاليق العرفان والتصوف، حيث قرر أن الانشغال بالبدن يُنسي (الأنا) فتكون النتيجة أنه إذا تناسينا البدن والانشغال بالأعمال الجسمية، فإننا سوف نتذكر (الأنا) وأن الانشغال بالنفس هو على حساب البدن وبالعكس وهي أهم مرتكزات التفكير الصوفي والعرفاني[9].

وبالجملة مما لا ريب فيه أن الإنسان في جميع أحيان وجوده يشاهد أمراً غير خارج منه يعبر عنه بـ(أنا) و(نفسي). وإذا لطف نظره وتعمق فائضاً فيما يجده في مشاهدته هذه وجده شيئاً على خلاف ما يجده من الأمور الجسمانية القابلة للتغير والانقسام والاقتران بالمكان والزمان، ووجده غير هذا البدن المادي المحكوم بأحكام المادة بأعضائه وأجزائه، فإنه ربما نسي أي عضو من أعضائه أو غفل عن جميع بدنه وهو لا ينسى نفسه ولا يغفل عنها، دع عنك ما ربما تقوله: نسيت نفسي، غفلت عن نفسي، ذهلت عن نفسي، فهذه مجازات عن عنايات نفسانية مختلفة. ألا ترى أنك تسند النسيان والغفلة والذهول حينئذ إلى نفسك وتحكم بأن نفسك الشاعرة شعرت بأمر غفلت أمر تسمّيه نفسك كالبدن ونحوه؟

وكيف كان لا ينبغي الارتياب في أن الإنسان بما أنه إنسان لا يخلو عن هذا الشعور النفسي الذي يمثل له حقيقة نفسه التي يعبّر عنها بـ(أنا)، ولو أنه استأنس قليل استيناس بما يشاهده من نفسه على انصراف من التقسم إلى مشاغله البدنية وأمانيه المادية قضى بما تقدم أن نفسه أمر مغاير لسنخ المادة والماديات؛ لما يشاهد من مغايرة خواص نفسه وآثارها بخواص الأمور المادية وآثارها، غير أن الاشتغال بالمشاغل اليومية وصرف الهمّ إلى أماني الحياة المادية ورفع الحوائج البدنية يدعوه إلى إهمال الأمر والإذعان بشيء من تلك الآراء الساذجة الأبجدية والوقف على إجمال المشاهدة.[10]

ولم يكن هذا مدخل إلى التنظير إلى الدعوة والإيمان بوجود (شيء) مغاير للأمور الحسية وهو (النفس) ولا فقط التنظير بكون (الأنا) مغايرة للبدن، بل إن الانشغال بما يمنح صاحبها (معرفة) مختلفة أولاً وآثار وحالات خارقة للمألوف ثانياً:

هذه العوامل المختلفة والأسباب المتنوعة ربما أدّى الإنسان واحداً منها أو أزيد من واحد إلى أن يتمثل عنده بعض ما لا يكاد تناله الحواس الظاهرة أو الفكرة الخالية كالواقع في مكان مظلم.. وربما كانت الإرادة إذا شفعت باليقين والإيمان الشديد والإذعان الجازم تفعل أفعالاً لا يقدر عليها الإنسان المتعارف، ولا أن الأسباب العادية يسعها أن تحدي إلى ذلك.. والذي يهمنا التنبيه عليه هو أن هذه الأمور جميعاً نتوقف في وقوعها على نوع من انصراف النفس عن الاشتغال بالأمور الخارجية عنها ۔وخاصة اللذائذ الجسمانية۔ وانعطافها إلى نفسها، ولذا كان بالأساس في جميع الارتياضات النفسانية۔ على تنوعها وتشتّتها الخارج عن الإحصاء هو مخالفة النفس في (الجملة) وليس إلا لأن انكباب النفس على مطاوعة هواها يصرفها عن الاشتغال بنفسها ويهديها إلى مشتهياتها الخارجية، فيوزّعها عليها ويقسّم شعورها بينها.

لا ينبغي لنا أن نشك في العوامل الداعية إلى هذه الآثار النفسانية كما تتم لبعض الأفراد مؤقتاً وفي أحايين يسيرة ربما تتم لبعض آخر ثابتة مستمرة أو تمكث مكثاً معتداً به، فكثيراً ما نجد أشخاصاً متزهدين عن الدنيا ولذائذها المادية ومشتهياتها الفانية لا همّ لهم إلا ترويض النفس والاشتغال بسلوك طريق الباطن.[11]

وهذا النص للعلامة الطباطبائي والذي سبقه نص واضح يقرر مرتكزتين: الأولى هي أن الانشغال بالنفس هو على حساب البدن، والثانية أن لهذا الشخص المرتاض خوارق عملية ومعارف نظرية يختص بها وحده أو الذي على شاكلته. وهاتان الحقيقتان هما بكل تأكيد شريانان أبهران للعرفان والتصوف، وهكذا جاء معنى جديد لمفهوم (جهاد النفس) وسمي بـ(الجهاد الأكبر).[12]

3-تعريف التصوف

في الحقيقة أن هناك مشكلة وعقبة في تحديد التصوف، هل هو أمر (عملي) أم هو أمر نظري، أي هل هو أطروحة للعمل أم أطروحة للاعتقاد [=نظرية إبستمولوجية]؟

فالذين يقيمون هذه القسمة مبتغاهم التفريق بين (التصوف) و(العرفان) بينما الذين لا يعيرون لهذا التفريق أهمية فهم القائلون بأن التصوف هو ذاته العرفان، ونحن عندما راجعنا ۔حسب ما بأيدينا من مصادر الآن۔ لاحظنا أن زعماء التصوف هم ذاتهم زعماء العرفان، فأصحاب السلوك العملي هم ذاتهم أصحاب الكتب والمؤلفات، كما أن الذين يفرّقون بين التصوف والعرفان لا يلتزمون بذلك، فهم يذمّون التصوف في حين أنهم يشيدون بالعرفان، لكن هذا العرفان الممدوح هو ذاته أفكار أولئك الصوفية كما هو الحال عند ملاصدرا الشيرازي[13].

أما الطباطبائي فالصورة عنه ۔عندنا۔ أيضاً غير مبهمة كثيراً، فهو يعلي من الاعتزاز بالإسلام بكونه لا يضاد الإنسان والفطرة والغرائز، ومرة ينظّر ۔كما في النص السابق۔ للتقشّف وترك اللذائذ كما أنه ذاته يدمج التصوف والعرفان عندما يجعل التصوف مدارس بلغ مجموعها نيف وعشرين مدرسة ثم يستثني الطباطبائي مدرسة واحدة وهي المدرسة التي ينتمي إليها هو؛ لكونها تعتمد على الروايات الشيعية فقط بخلاف المدارس الأخرى المتأثرة بأفكار شتى.[14]

وهذا معناه أنه مزج التصوف والعرفان، وجعلهما شيئاً واحداً، لذا نحن أيضاً سوف لا نفرّق كبير تفريق بينهما، وسوف نتناول المسائل الرئيسية في هذا الحقل.

العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره ولا يؤثر شيئاً على عرفانه وتعبده له فقط، ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه.[15]

فالصوفية تريد (الله) فقط، لذا فهي تترك التنعم بالحياة وتقرأ الأشعار وتتعبد ليل نهار لأجل الفوز برضاه سبحانه ولكي تحظى بالقرب منه.

ولقد تضاربت الأقوال في بيان سبب تسميتهم بالصوفية يقول نيكلن: إن كلمة (التصوف) مشتقة من (الصوف) والصوفي هو الذي يرتدي غليظ الصوف. قال السهروردي صاحب كتاب عوارف المعارف: (وهذا الاختيار يلائم ويناسب من حيث الاشتقاق؛ لأنه يقال: تصوَّف إذا لبس الصوف كما يقال: تقمّص إذا لبس القميص، فنسبوا إلى ظاهر اللبسة وكان ذلك أبين في الإشارة إليهم).[16]

وقيل: إن (صوفي) هو على وزن (عُوفي) بمعنى عافاه الله، وعلى وزن كوفي أي كافاه الله، وجوزي أي جازاه الله، لذا فهو من الأسماء العربية، لذا قيل: إن (الصوفي) هو من (صافاه الله).[17]

فالصوفية (هم أهل الله الذين صفت قلوبهم له دفنوا عن أنفسهم وبقوا به؛ سمّوا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله بارتفاع همتهم إليه وإقبالهم بقلوبهم عليه).[18]

وبينما يرجع البعض الاسم إلى بعض الصحابة في عهد نبي الإسلام، فإن البعض يعتقد أن الاسم جديد أحدثه البغداديون[19] وقد قام السرّاج بالرد على ذلك.

وذهب البعض إلى أن الاسم مشتق من (الصفاء)، والبعض الآخر قال: بل هو مأخوذ من (الصف) الأول في الصلاة، وآخرون قالوا: إن الاسم مشتق من (الصُفة)، وقيل: إنهم ينسبون إلى بني صوفة أحد القبائل التي كانت تقطن الكعبة قديماً.

وذهب عبد الرحمن الجامي إلى أن أول من حمل اسم (الصوفي) هو أبوهاشم الكوفي، في حين يذهب البعض من المستشرقين إلى أن أول ظهور لهذا الاسم كان في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، وذلك مع جابر بن حيان وظهر اسم الجمع [=صوفية] في سنة 199هـ بحدوث فتنة صغيرة حدثت في الإسكندرية[20]. هذا ما يرتبط بـ (التصوف).

أما (العرفان) فقالوا بأن العرفان مصدر (عرف) فيكون بمعنى واحد مع (المعرفة) قال في لسان العرب: العرفان العلم، عرفه يعرفه وعرفاناً ومعرفة وعندما ظهرت كلمة (عرفان) لدى المتصوفة المسلمين كان يراد بها نوع خاص من العلم والمعرفة هو أرفع وأسمى ۔بحسب نظرهم۔ من العلم المكتسب بطريقة ومسلك آخر هو طريق القلب والكشف والشهود والإلهام.

قال ذوالنون المصري (ت 245هـ ): إن المعرفة على ثلاثة أصناف: الأول معرفة التوحيد وهي خاصة بعامة المؤمنين المخلصين، والثاني معرفة الحجة والبيان وتلك خاصة بالحكماء و البلغاء والعلماء المخلصين، والثالث معرفة صفات الوحدانية وتلك خاصة بأهل ولاية الله المخلصين الذين يشاهدون الله بقلوبهم حتى يظهر الحق لهم ما لم يظهره لأحد من العالمين.

أما في اللغات الأخرى فالعرفان يسمى غنوص [=gnose] والكلمة يونانية الأصل [=gnosis] ومعناها (المعرفة) وقد تستعمل أيضاً بمعنى العلم والحكمة، لكن هنا لابد أن نلاحظ وبدقة أن هذه المعرفة التي يدّعيها العرفاء ليست معرفة مطلقة، بل هي معرفة دينية هكذا قال البعض ۔ومنهم محمد عابد الجابري وآخرون قبله وبعده۔ لكننا مع ذلك وبتصفح كتب المتصوفة كمصباح الأنس وفصوص الحكم وبعض كتب التصوف المسيحي واليهودي والهندي والفرنسي نجد أنهم يتحدثون عن حقيقة الخلق وكيف تكوّن العالم وما إلى ذلك.[21]

والبعض يقرر ضرورة التفريق بين العرفان [=gnose] وبين العرفانية [=gnostisme] حيث إن العرفان هو المعرفة الحاصلة لثلّة معينة من البشر تتعلق بالأسرار الإلهية في حين (أن العرفانية هي تلك المذاهب الدينية التي ظهرت في القرن الثاني للميلاد، والتي تعرّف نفسها بكونها قائمة على معرفة متجاوزة للمعرفة العقلية [=طور فوق طور العقل بتعبير ملاصدرا] وهذه المعرفة ليست مختصة بالأسرار الإلهية [=أمور الدين] بل هي أيضاً متعلقة وشاملة (بكل ما هو سرّي وخفي كالسحر والتنجيم والكيمياء..)[22].

4-تاريخ التصوف

ابتدأ التصوف كسلوك زهدي في الثقافة الإسلامية منذ البدايات الأولى للاحتكاك مع الثقافة المسيحية في مصر وبلاد الشام ومع الثقافات المشرقية الأخرى فيما بين فارس وحدود الصين.. أما المعتقد الصوفي فرغم أن ملامحه الأولى قد تشكّلت على يد متصوفة من أمثال الجُنيد منذ أواخر القرن الثالث الهجري إلا أن صياغته النظرية المتماسكة لم تكتمل حتى القرن السادس الهجري، وذلك على يد الغزالي ومحيي الدين بن عربي ومن بعدهما عبد الكريم الجيلي في القرن السابع.[23]

ويذكر بعض باحثي تاريخ الحضارة[24] أن النزعة نحو الانفراد والتأمل والاجتهاد لاقتناص المعرفة عن طريق الإلهام والكشف والقول بوحدة الوجود أمر كان موجوداً قبل الميلاد، وفي الحضارات القديمة في العراق وإيران والصين كانت خطوات واضحة تسجل نزعة إنسانية.

ونحن هنا نغضّ النظر عن كشف مصادر وأسباب هذه النزعة لدى بعض البشر (البحث عن حال الأمم والتأمل في سننهم وسيرهم وتحليل عقائدهم وأعمالهم يفيد أن الاشتغال بمعرفة النفس على طرقها المختلفة للحصول على عجائب آثارها كان دائراً بينهم بل مهمة نفسية تبذل دونها أنفس الأوقات وأغلى الأثمان منذ أقدم الأعصار. ومن الدليل عليه أن الأقوام الهجمية الساكنة في أطراف المعمورة كأفريقية وغيرها يوجد بينهم حتى اليوم بقايا أساطير السحر والكهانة.. والاعتبار الدقيق فيما نقل إلينا من المذاهب والأديان القديمة كالبرهمانية والبوذية والصابئة والمانوية والمجوسية واليهودية والنصرانية والإسلام، كل ذلك يعطي أن لمهمة معرفة النفس والحصول على آثارها تسرباً عميقاً وإن كانت مختلفة في وصفها وتلقينها وتقويمها، فالبرهمانية ۔وهي مذهب هند القديم۔ وإن كانت تخالف الأديان الكتابية في التوحيد وأمر النبوة غير أنها تدعو إلى تزكية النفس وتطهير السر.

وأما سائر الفرق المذهبية من الهنود كالجوكية أصحاب الأنفاس والأوهام وكأصحاب الروحانيات وأصحاب الحكمة وغيرهم، فلكل طائفة منهم رياضات شاقة عملية لا تخلو عن العزلة وتحريم اللذائذ الشهوانية على النفس.

وأما البوذية فبناء مذهبهم على تهذيب النفس ومخالفة هواها وتحريم لذائذها عليها للحصول على حقيقة المعرفة.

وأما الصابئون ونعني بهم أصحاب الروحانيات وأصنامها فهم وإن أنكروا أمر النبوة غير أن لهم في طريق الوصول إلى كمال المعرفة النفسانية طرقاً لا تختلف كثيراً عن طرق البراهمة والبوذية.

وأما المانوية من الثنوية فاستقرار مذهبهم على كون النفس من عالم النور العلوي وهبوطها إلى هذه الشبكات المادية المظلمة المسماة بالأبدان وأن سعادتها وكمالها في التخلص من دار الظلمة إلى ساحة النور إما اختياراً بالترويض النفساني وإما اضطراراً بالموت الطبيعي المعروف.

وأما أهل الكتاب ۔ونعني بهم اليهود والنصارى والمجوس۔ فكتبهم المقدسة وهي العهد العتيق والعهد الجديد وأوستا مشحونة بالدعوة إلى إصلاح النفس و تهذيبها ومخالفة هواها.[25]

إذن فالنزعة نحو التصوف هي من الأمور القديمة المرتبطة بحركة الإنسان حسب جدل (النكردفيليا) و(البيوفيليا) وإذ تنمو النزعة الأخروية في النظر والتعامل مع الأشياء، لذا فليس غريباً أن تحمل جميع الأديان ۔الأرضية والسماوية۔ تعاليم صوفية ۔مهما بدت مختلفة ومتخالفة۔ متعددة.

لكن ما هو الأصل في التصوف الإسلامي؟ فهو بحث كان ولا يزال مثاراً لجدل لا ينتهي عند حد، فـ(طه حسين) مثلاً يقول: إن التصوف في الأصل مذهب هندي، بينما يذهب آخرون ۔وأغلبهم من القدماء۔ إلى نفي ذلك[26] في حين أن أمثال عبدالرحمن بدوي يرون أن (التصوف نشأ إسلامياً خالصاً ولكنه في تطوره تأثر بعوامل خارجية)[27] وتحقيق هذه المسألة لا يستوعبه بحثنا هذا، لذا نرجئه إلى محل آخر.

5-ضد الإنسان

هل التصوف والعرفان ضد العقل وضد الإنسان؟

في الواقع لا يمكن أن نجيب على هذا السؤال إلا بعد عرض البنية الصوفية للمعرفة، أي يتحتم علينا كي نجيب على هذا السؤال أن نقوم بعرض منهجية التصوف في عرض أفكاره وتنظيره للمعرفة، وهو أمر يطول شرحه وبيانه، ويفضي بنا إلى أن نطيل مقدمة البحث هذا بما لا يمكن التوسع فيه أكثر من ذلك[28] إلى كوننا نتبنى ضرورة إخضاع المتصوفة لمشارط التحليل السيكولوجي. فالنتيجة ستكون إلى أننا هنا لن نقول شيئاً نتبناه ولا شيء ألبتة يمثل وجهة نظرنا في هذه المسألة بالخصوص.

وعليه فسوف نسلك مسلكاً آخر بغية إلقاء بعض الضوء بما ينفع كجواب على هذا السؤال: كتب عبدالرحمن بدوي يوماً (.. وإذا كان الإسلام في جوهره ديناً منفتحاً على كل الأجناس لا فرق عنده بين مسلم ومسلم.. فإن الصوفية المسلمين قد وسّعوا من الآفاق التي يستشرف إليها الإسلام فامتدوا بها إلى الأديان الأخرى)[29] فالعرفاء يؤمنون بأن جميع الموجودات والإنسان أشرفها ۔هي آيات (للحق)۔ العرفاء يعبّرون عن الله بالحق إشارة منهم إلى وحدة الوجود فكل ما سواه باطل، وهو وحدة المستحق للوجوب وتجلّيات له، وأنها جميعاً مرتبطة به، وأن كل إنسان مفتتحة له الأبواب للعروج والدخول في سلم (السير والسلوك) لنيل درجة (الولاية)[30] كما أنهم في تعاليمهم أوصوا أن لا نشوش الناس بأسرار لا يتحملون سماعها وحقائق يستغربون ويضيقون عن إدراكها، وأوصوا بضرورة التخلق مع الناس بأخلاق (الله) وسيرة نبيه؟ص؟ وهي أمور تكشف عن جانب مهم من جوانب الصوفية وهي الإنسانية، وعن جانب مستنير عندهم، فليس التصوف في جميع أبعاده فكر ظلامي، ففي حين تذهب الكثير من النظريات الحديثة والمعاصرة ۔وهي علمانية في أغلبها إلا ما ندر۔ إلى موت الإنسان أو أسطورة الإنسان حسب تعبير ليو شتراوس[31] وإلى (تشيّؤ) الإنسان وحوسلته[32] والنظر إليه بكونه كبقية الموجودات من جماد وحيوان ونبات، أي النظر إلى الإنسان من خلال كمية الخلايا والعظام والسوائل التي يحتويها بدنه، أما مشاعر الحب والبغض والأمل والطموح فما هي إلا ردود فعل مادية عن أمور مادية أخرى أو موروثات وانعكاسات بهيئات معينة وبالتالي فلا وجود (للإنسان) كوجود شريف أو رافع من بقية (زملائه) على الأرض، بل إن هذه المفاهيم عن الإنسان الرفيع والمتوازن والمالك لهويته لا تعدو أن تكون (أسطورة) ودأبت البشرية النظر إليها بكونها (أمنية) يجب أن تعامل على أنها هي (الحقيقة)!!

في حين نظر العرفاء والمتصوفة إلى الإنسان بكونه الموجود الأسمى، ورفعوه عن أن يكون (شيئاً) كالأشياء الأخرى، وجعلوا له منزلة رفيعة تتمثل بكونه المخصوص من بين المخلوقات بالقرب من أشرف الموجودات [=الله]، والمتصوفة لم يرتضوا صيغة السيد والعبد بين الله والإنسان؛ أي كون القضية هي قضية خضوع وإذلال للّذات البشرية، ولم يرتضوا صيغة القهر في المعاملة بين الله والإنسان، لذا أبدعوا طريقاً آخر أسمى وأرفع وهي صيغة العشق والحب، فعوضاً من أن تكون العبادات رمزاً لمقهورية الإنسان تصبح رمزاً لكونه موجوداً عاشقاً، كما أنهم خصّصوا للإنسان جانباً كبيراً جداً من دراساتهم واهتماماتهم تحت عناوين مختلفة أبرزها (الإنسان الكامل، والحقيقة المحمدية)[33].

إذن فالعرفان والتصوف من هذه (الجهة) لا يمكن أن يكون ضد الإنسان والإنسانية، أما ما قيل عن الهرمسية أو الظلامية أو اغتيال العقل من قبل المتصوفة فأمر لنا طويل وقفة فيه، لا يسع المجال هنا للتطرق إليه، نعود لنكرر إلى أننا لا نستطيع مناقشة ذلك هنا وإعطاء وجهة نظرنا فيه، فالعرفان يقوم على إبستمي معروف، وهو أن هنالك (غيب) و (باطن) فوراء عالم الإمكان يوجد عالم الوجوب وخلف عالم المادة يقع عالم الروح، لذا يجب أن نلاحظ أن الغيب لا يلعب دوراً أساسياً في منظومة العرفان والتصوف فقط، بل هو يشمل التعاليم الإسلامية برمّتها.

ويكفي للتدليل على أهمية الغيب بالنسبة للمعقولية العربية أن الحضارة الإسلامية تركّزت على الله وتوجّهت نحو المفارق وارتبطت بالمقدس وابتنت على الرمز، فهي إذن كانت تستلهم الغائب، فكلام الغائب يشكّل التأسيس، والأصل به تتأسس الجماعة وتلتئم الهوية، ومنه تنهل المعرفة، وفيه يعمل الإنسان نظره وفكره، ومن ثناياه تنبثق المعارف، ومن باطنه تنجلي الحقائق، وفي مجاله تنتظم العلوم، ومن فارغاته يتجدد القول.

ومن ضمن هذا المنظور يتبدى التاريخ وكأنه تجسيد للمفارق، ويصبح الإنسان في قوله وفعله شاهداً على اللامرئي. ولعل الصوفية هم أبلغ من عبّر عن ثنائية الغائب والشاهد وإن كانت هذه الثنائية قد طبعت الثقافة الإسلامية بطابعها، فإنها لا تقتصر على هذه الثقافة وحدها.

فالارتباط بالغائب يبدو مقوماً من مقومات الوعي الإنساني عامة، فنحن معشر البشر شهود اللامرئي، والغائب والمقدس والمفارق أنماط لوجودنا، وإذا كانت بعض العقول في الماضي واليوم قد تعاملت مع الغيب والرمزي بوصفه مما لا يعقل فإن بعض العقول المعاصرة [=مثل ليو شتراوس] قد انفتحت على هذه المجالات وتصدّت لها، وحاولت فهمها كما فعل يونغ وإياد وليو شترواس[34].

وعليه فميكانيزم (الظاهر – الباطن) و (النص – التأويل) وغير ذلك ليس أمراً مقصوراً على التصوف والعرفان، كما أن ۔ لو فرضنا ۔ اعتماد التصوف على هذه الأمور واختصاصه بها لن يؤدي إلى أن نستنتج عدم (علّية) هذه البينة، فيمكن وفقاً لذلك أن يكون التصوف (علماً) من (العلوم).

وعندما نستخدم كلمة (علم) هنا فإننا لا نجافي الحقيقة، فالتصوف هو علم من العلوم الإسلامية التي حدثت في الملة كما يقول ابن خلدون، وكان لهذا العلم موضوعه وميدانه وكان له منهجه وطريقته، وكان للصوفية نظرياتهم في الله والطبيعة والإنسان والكون إجمالاً.

والحق أن النصوص الصوفية تتكشف عن تحليل نفاذ للسلوك البشري تحليلاً لا يضاهيه إلا التحليل النفسي عند المحدثين والمعاصرين، وإذا كان الصوفية يتميزون بطريقتهم عند طرق أرباب التحليل النفسي إلا أن عظماء الصوفية وهم يعيدون قراءة النص القرآني بل هي مفاهيم محورية في هذا النص وإذ قام الصوفية بتأولها فإنهم كانوا يستكشفون ذلك (الحدث – الأصل) على نحو جديد. لا شك أنهم كانوا مختلفين في نظرتهم عن نظرة الفقهاء والمتكلمين وعن نظرة علماء الطبيعة أيضاً إلا أنهم – والحق يقال- كانوا يقفون في النص على معان جديدة، ويرتادون مناطق بكراً، وكانوا بذلك يفتحون أبواباً كانت موصدة أمام العقل، ولربما كانت الرؤية الصوفية للكون أعمق الرؤى وأكثرها أصالة.

أجل، لعل النظرة الصوفية أرحب النظرات للوجود، ولعل العرفان أكثر معاني الحق اتساعاً، وأما الكشف الذي تميز به العارفون فلقد شكّل في الحقيقة جذر الحضارة الإسلامية وأفقها في آن، فهو جذرها وأصلها إذ انبنت هذه الحضارة على الوحي، وأفقها أيضاً.

إذن مع الإشراق التقى أصحاب المنطق وأهل الطريقة، وعنده تصالح علماء السنة والشيعة، وإليه أفضى البحث عند العلماء أمثال جابر بن حيان وابن خلدون نفسه.

وما الإلهام الصوفي إلا تكرار لتلك التجربة النبوية وسعي[35] لاستعادتها وتأكيد لاستمراريتها، فالتصوف قبس من النبوة كما قال الغزالي، والعرفان هو المجال الذي معه يتقاطع البيان والبرهان، ويلتقي الوحي والقياس، ويطلّ الظاهر على الباطن.

فالعارف إذ ينظر في النص ويستعيد الوحي ويتدبر معانيه ويتأمل أقواله فإنه كان يمارس وحدة العقل البشري على نحو عميق وخلّاق، فيعمل على إجراء المصالحة بين الميتوس واللوغوس، بين العقل الشمولي والعقل التحليلي، بين الخيال والتصور، بين الرمز والواقع.

وبمقدار ما كان العقل العملي يميل إلى التجزّي والتحليل فإن العقل الصوفي كان يميل إلى التوحيد والتوليف، فبالنسبة إلى العارف ثمّة فرق وجمع، كثرة ووحدة، تباين وتشابه ولم يكن هذا العلم لينشأ ويحدث في الملة ۔بتعبير ابن خلدون۔ لولا أنه يضرب بجذوره عميقاً في أرضية الحضارة الإسلامية، ولولا أن اللغة العربية نفسها وما تتسم به من اتساع المعنى ورحابة الدلالة كانت بتفتحه وازدهاره، فاللغة العربية هي حقاً لغة صوفية كما قال كاتب معاصر.[36] ولا يعني ذلك بأية حال أن التصوف هو إلغاء للعقل؛ إذ بأي شيء عقل الصوفية مواجيدهم وأحوالهم[37] وبأي شيء استدلوا على الحقائق التي قرروها، وبأية لغة بل منطق صاغوا أفكارهم، وهل تعرى لغة من منطق؟ فليست المسألة إذن مسألة نفي لعقل، وإنما هي مسألة الصلة بين الحدس والاستدلال، بين ما يستدل عليه وما ينكشف، بين ما (يعلم) وما (يشهد)[38].

وعلى كلٍ فمهما يكن فالتصوف بدون شك رفض وتمرد على ازدواجية شخصية بين العلم والعمل بين التنظير والتطبيق، أما إذا وافقنا على كون شروط المعرفة العقلية هي اقتران العلم بالعمل واقتران المعرفة العلمية بالمعرفة الغيبية وسلامة الزيادات فمما لا شك فيه أنه يجب إدراج التصوف تحت هذه المعرفة؛ لوفاء المنظومة الصوفية بذلك.[39]

لكن وبالرغم من كلام علي حرب هنا فيه الكثير من الإنصاف الذي يصل إلى درجة المبالغة فإنه كرفيقه محمد عابد الجابري الذي بخس المنظومة الصوفية وأفرغها بالكامل من العلمية وطردها من جنّة (العقل) فإن كلاهما [=علي حرب والجابري] لم يعتمد على كتب القوم أنفسهم، وكما نستطيع إيراد شواهد تناقض دعوى الجابري فنحن أيضاً نستطيع أن نذكر شاهداً يناقض مغالاة علي حرب، فبالإضافة إلى كون النصوص التي سبق منا ذكرها عن صاحب تفسير الميزان فإن أحد كبار العرفاء وهو عفيف الدين التلمساني يصرح في شرحه على كتاب منازل السائرين لأبي إسماعيل عبد الله الأنصاري، حينما يذكر هذا الأخير مقام (التسليم) وأنه أمر لا تستطيع (العوام) فهمه يقول التلمساني شارحاً ذلك:

الذي يُزاحم العقول هو ترك الأسباب، فإن العقل يحكم أن تارك الاكتساب بالأسباب ربما جاع أو عطش فلا يجد الطعام والشراب، أو عَرِيَ فلا يجد ما هو معتاد به من الأثواب أو عرضت له حاجة ما توصله إليها إلا بالاكتساب، فكأنه يقول: إن التسليم يقتضي التجريد والعقل ينهى عنه، فمن حق مقام التسليم حتى صح له وكمل عنده فهو تسليم إلى الله تعالى مما هو غيبٌ منه..[40]

إذن فتقييم المنظومة الصوفية يجب أن يكون من داخلها لا بإسقاطات كتب لا تعدّ هي الكتب الصوفية الأم لها خصوصاً وأن التصوف يشكّل أحد الجوانب المهمة في مخزون التركة العربية الإسلامية والذي أثّر وما زال يؤثّر على وعينا حتى اليوم.

ونحن مهما وافقنا أو خالفنا الرأي القائل بأجنبية التصوف أو أصالته فإننا لا نستطيع أن نتصور عدم وجود تربة صالحة له مساعدة على نموه واتساعه بهذا المقدار، الأمر الذي يعود بنا بالتالي إلى بدايات انحراف القيادة الإسلامية، حيث أخذ القائد يحدّثك بأن الخلافة قميص ألبسه الله إياه، وأخذ ينشر أموال المسلمين على رؤوس الأقرباء والجواري، وظهرت الثروات الخيالية لأفراد معدودين[41].

هذا كله ولم تمض فترة طويلة على رحيل القائد المؤسس [=النبي] تلك القيادة التي شاركت الجماهير الفقر والمشقة وشظف العيش، وكانت تجلس على حصير واحد حتى أن الداخل لم يكن يعرف أي الجالسين هو النبي! هذا الانقلاب في القيادة السياسية وسوء توزيع الأموال التي حصلت جراء الفتوحات العسكرية أنتج انقلاباً في العقلية الثقافية ۔لحقتها ثورات سياسية۔ لدى البعض.. فجاء التفكير بهذه النكسة من أن السبب هو حب الدنيا والأنا ۔لاحظ تنظير ابن خلدون الذي جعل القوة في الأخلاق وزوال الملك في الانحلال الخلقي۔ وتأملوا كيف أصبحت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ألعوبة بيد صاحب السلطة يؤولها كيف يشاء، وكيف أن الفقهاء اعتبروا الحاكم الإسلامي مسلماً[42] يجب طاعته رغم استباحته للدماء والأعراض؛ محتجين من كون (الإسلام) هو مجرد التلفظ بالشهادتين، الأمر الذي تطلّب التفكير بمقاصد الشريعة وحقيقتها وما هي أهدافها. هذا من جهة. ومن جهة أخرى كثرة الفتن الطائفية والسياسية، الأمر الذي جعل الاعتزال هو محل السلامة والأمن من الفتن.

وهذان الأمران هما أهم عوامل تكوّن (الرحم) الذي أنجب التصوف، لكن يبقى البحث عن (الحبل السرّي) الذي غذّاه وسهر على تربيته هو أمر ۔كما قلنا۔ خارج عن مهمتنا هنا.

على كل حال ومهما يكن الأمر لم يكن غرضنا التاريخ للتصوف وتقييمه، وكان بإمكاننا إلغاء هذه المقدمة بفقراتها الخمس لولا العقبة التي وضعها كامل مصطفى شبيب ومحمد عابد الجابري من جهة، وعقبة تحقيق الموضوع كما كان يقول القدماء؛ لذا لم يكن بدّ من إعطاء بعض الخطوط العريضة لإيضاح أن ما قالاه هذان الباحثان لم يكن هو (فصل المقال) وليس هو الصورة الوحيدة للمسألة، ويبقى الصيد في (جيب الفراء).

6-الإمام الخميني والتصوف

لا شك في كون الإمام الخميني هو أحد أهم رجالات العصر الحديث، فمن كان يتصور أن تنهدّ إمبراطورية عملاقة تساندها أعتى قوى العالم، كالذي حصل في إيران ويكون صاحب هذه الثورة رجل أعزل يخرج من مدينة صغيرة [=قم] يلوّح للجموع بإصبعه فيدبُّ فيها النشاط، فتخرج مهرعةً لتواجه الميليشيات والترسانات المتطورة!

وبما أن كل انقلاب سياسي هو في طياته بعد اجتماعي، والبعد الاجتماعي في جوهره فضاء ملتبس بالبعد الثقافي، فيكون من المهم جداً أن نقوم بعملية حفر أركيولوجي في شخصيات كان لها أثر في هذه الظاهرة خصوصاً في مجالها الثقافي، وأعتقد أنه إذا كانت شخصية الإمام الخميني هي من تلك الشخصيات المميزة والغامضة، والتي لا يمكن التعرف عليها ۔كأي شخصية أخرى له رصيد متعدد۔ إلا بعد فكّ وتحليل؛ فإن مرجع ذلك هو كون الإمام الخميني يمتلك أبعاد متعددة متباينة، وعند تقصّي هذه الأبعاد نجد أن هناك بعدان لهما أهمية خاصة:

البعد الأول: هو التصوف والعرفان.

البعد الثاني: الفقه.

لذا فقد أخطأ من تصور أن للإمام الخميني ثلاثة أبعاد معرفية [=عرفان، فلسفة، سياسة][43] أو أن له أربعة أبعاد بإضافة (الفقه) أو خمسة بإضافة (علم الكلام) أو ستة بإضافة التفسير؛ وذلك لأن فلسفة الإمام الخميني هي جزء من عرفانه، كما أن علم الكلام والتفسير كلاهما جزء من العرفان عنده، أما السياسة فهي مرتبطة بالجانب الفقهي له تارة وبالعرفان تارة أخرى كما سيتضح.

إن الأمر الذي يستحق الباحث أن يقف عنده هو كيف وافق الإمام الخميني بين ذخيرته في التصوف والعرفان وبين ثورته السياسية؟ خصوصاً وأن الإمام الخميني لم يكن من أولئك المتصوفة والعرفاء الذين يمكن أن تفهم بعض كلماتهم بأنها تعريض بالسلطة تلويحاً أو إشارة أو تأويلاً [=كالحلاج والسهروردي] إذ أن الإمام الخميني كان صريحاً بكونه يريد تحطيم العرش الشاهنشاهي وأن يقيم بناءً سياسياً يرتكز على الشرعية الدينية، التدقيق في شخصية الإمام الخميني يعطينا مفتاحين رئيسين لها هما: التصوف وعقيدية (الثورة) والرفض في الفكر الشيعي، فالإمام الخميني ينتمي إلى مذهب الشيعة الإمامية، ولديه اطلاع كبير على تاريخ الروّاد الأوائل لهذا المذهب ۔لعل أقرب شخصية إلى الإمام الخميني هو جمال الدين الأفغاني، حيث كان هذا الأخير رغم ثورته من أساتذة التصوف والعرفان على خلاف ما هو شائع ومعروف عنه۔ وقد لاحظ الإمام الخميني أن الأئمة والروّاد كانوا حركيين فاعلين ثوار قضوا نحبهم في ساحة المعركة، الأمر الذي يدل بأن (الثورة) فكر أصيل في هذا المذهب، الأمر الذي بلغ فيه أن يسمّى هذا المذهب بالرافضة، أي ما يسمّى بلغتنا اليوم (معارضة) وإلا فإن الذي يجلس منزوياً في بيته لا يتدخل بالأمور السياسية وشؤون السلطة لا يكون خطراً يؤدي به الأمر إلى الاغتيال والمطاردة والنفي والشتم على رؤوس المنابر لمدة تزيد على السبعين عاماً، وقتل وتشريد كل من يريد أن يروي عنه أو منه حديثاً أو رواية.

هذا بالإضافة إلى أن الإمام الخميني قد لاحظ بأن هذا المذهب [=الشيعة] قد تعرض إلى عمليات القمع والإبادة والإبعاد والتهمي، وهو الأمر الذي اضطر أتباع هذا المذهب إلى أن يتجهوا نحو العمل السرّي، فظهرت آلية (التقية) كتكتيك مرحلي ليكون درع أمان أمام هذه البربريات المتوحشة، وإذا كان الأمر كذلك كان من الطبيعي جداً أن يعتقد الإمام الخميني بكون السكوت والتقية والاعتزال ما هو إلا حكم ثانوي جراء ضغوطات مرحلة تاريخية معينة [=الإمام الخميني يعتقد بأن عملية الاجتهاد الفقهي بأجمعها خاضعة لقانون المكان والزمان، وهو أمر ليس جديداً في الفقه، بل هو أمر موجود منذ بواكير الفقه الشيعي خاصةً والإسلامي عامةً] أما الأصل في الفكر الإسلامي فهو الحركية والفاعلية والثورة، وفي حين كانت فكرة (الإمام المهدي) فكرة مريحة للسابقين ۔بعضهم۔ ومشجباً نعلق عليها الآمال ونبرر الكسل، جاء الإمام الخميني وقلب هذه الفكرة إلى نار وثورة، فطرح نظرية الانتظار بكونها تستدعي ضرورة العمل من أجل التوطئة للدولة المستقبلية.[44]

أما المفتاح الثاني فهو التصوف والعرفان، حيث كان الإمام الخميني من أبرز أساتذة العرفان في مدينة قم، وكتب (أسرار الصلاة) وهو لا يزال بعد في بواكير حياته، كما أنه قام بتدريس الكتاب التصوفي الشهير (شرح منازل السائرين) لعبد الرزاق القاشاني.

وقد كان العرفان والتصوف في مدينة قم وإيران قبل الإمام الخميني يقوم بتكريس ذهنية الموت ۔الغاية القصوى هو أن يصل الإنسان إلى الموت، فالموت هو مفتاح كل خير كما يرد حافظ الشيرازي۔ وطلب الفناء وضرورة الابتعاد عن أمور الدنيا[45] في حين أنه كان بالإمكان طرح العرفان ۔لا أقل في جانب كبير منه۔ بكونه ذوقاً جمالياً ونزعة نحو السمو ومنحىً رومانتيكياً بيد أن شيئاً من ذلك لم يقع ولم يحدث، بحجة ضرورية الخلوة والجلوة والتخلق والتحقق، وتكريس الجُهد للتصفية ورفع الحجب[46] والانشغال بذكر الله.

والإمام الخميني رفض جانباً كبيراً من هذا الطرح وتمرّد عليه بشكل صريح (فذكر المحبوب [=الله] لا يتنافى مع الفعالية السياسية والاجتماعية أو السعي في خدمة شريعته وعباده).[47]

وإذا أردنا أن نختزل الكثير من جوانب البحث فسنقول: إن الإمام الخميني قد قام بثلاث مهمات في مجال التصوف والعرفان:

الأول: الدفاع عن العرفان وجعله غير مخالف للشريعة، وهي مهمة مزدوجة قام بها الإمام الخميني، حيث كان يردد وصاياه بأن لا يعارض العرفاء من دون علم بحجة عدم استساغة أقاويلهم، وغرابة نظرياتهم لا تستدعي الرفض والمحاربة، فإذا كنا لا نريد البحث عن حقيقة الأمر بخضوع هذه الكلمات للتحليل والنقد العلمي فعلينا لا أقل أن نسكت وأن نكون محايدين[48].

الثاني: الجانب الآخر الذي اهتم به الإمام الخميني هو سعيه لعقد مصالحة بين الشريعة [=الفقه] وبين العرفان، فالإمام الخميني كما رفض مبدأ الفقهاء القائل بإلغاء العرفان وضرورة محاربته وتكفيره، فإنه رفض مقولة العرفاء المخالفة للتعاليم الإسلامية أمثال بعض الأوراد والأفعال والنظريات، والتي هي بلا شك تتنافى مع مشهورات الإسلام، فالإمام الخميني يعتقد أن العرفان هو الباطن والشريعة هي الظاهر، وكلاهما شيء واحد للحقيقة، ولا يمكن الإيمان بكون الشريعة مخالفة للعرفان أو أن العرفان مخالف للشريعة وكلاهما وجهان ومرتبتان لحقيقة واحدة.[49]

وللإنصاف نقول: إن بعض العرفاء المتصوفة قد قام بهاتين المهمتين ۔مع اختلاف في الصراحة والتوسيع۔ والمهمتين الآتي ذكرهما وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الفقهاء فقد تصدّى بعض الفقهاء السابقين لمهمة الدفاع عن العرفاء[50] كما تصدّى جملة من العرفاء للرد على اتهامات الفقهاء لهم بكونهم مارقين عن الشريعة، فأوضحوا بكون طريق تصفية الباطن ومجاهدة النفس ليس بدعة، بل هو موروث عن الأولياء والأنبياء[51] كما أن الشريعة لا تتضاد مع التصوف (.. إنه قط ما وقع الخلاف بين الأنبياء والرسل؟عهم؟ في أصول الدين وأركان الإسلام وإن وقع خلاف في الفروع والأحكام الجزئية.. وإن حقيقة الشرع في جميع الأزمنة والأمكنة كانت واحدة منزّهة عن التخالف والتغاير)[52].

وبهذا (يتحقق أن الشريعة والطريقة والحقيقة مترادفة صادقة على حقيقة واحدة باعتبارات مختلفة وليس فيها خلاف نفس الأمر).[53]

لذا فالإمام الخميني وإن كان من العرفاء إلا أنه لم يكن يتخذ من العرفان معايير شاملة، فالعرفان فضاء تسبح فيه آلياته الخاصة والفقه له معايير آخرى، فالإمام الخميني وإن آمن بكون العرفان لا يتضاد مع الفقه وبالرغم من تأويله ۔كباقي العرفاء۔ لظواهر الشريعة كالوضوء وأفعال الصلاة، بيد أنه لم يكن يسمح بأن يتأثر بحثه الفقهي بذلك، ومع ذلك ۔حسب نظره۔ فالعرفان يبقى ليس بدعة وحراماً كما أن الفقه ليس هو التمام أو هو القشور تنتهي دورها عند تحصيل وإمساك (اليقين).

إذن فالإمام الخميني يفصل بين البحث في الشريعة لكونه قائماً على العرف وحجية الظاهر[54] لكن توجد معارف أخرى وروايات وأخبار أخرى تمثل جانباً آخر من المعرفة لا تفهم إلا بالفلسفة والعرفان (ولكن لكل علم أهل ولكل ميدان فارس، ولا يحسبن إنسان بأنه يستطيع بفكره وتأمله وعلى أساس الظهور العرفي استيعاب آيات التوحيد سواء كانت في سورة التوحيد المباركة أو في هذه الآيات المباركة [=الآيات الأولى من سورة الحديد] أو في آيات قرآنية أخرى أو استيعاب الأخبار الشريفة والخطب والأدعية ومناجاة الأئمة؟عهم؟المعبّأة والمشحونة باالمعارف.. الله شهيد على ما أقول، وكفى به شهيداً إنني لا أروم من هذا الكلام التشجيع على دراسة الفلسفة التقليدية أو العرفان التقليدي، بل المقصود هو دفع إخواني المؤمنين خاصة نحو معارف أهل البيت؟عهم؟ وحثّهم على قراءة القرآن وعدم الابتعاد عنه).[55]

لكن الإمام الخميني في مسيرته الإصلاحية اهتم بعمليتين أخريين:

الأولى: تعميم الخطاب العرفاني، حيث كان الإمام الخميني يركّز في خطابه على جملة وطائفة كبيرة من المفاهيم العرفانية والصوفية، من دون تحرّز وتخوّف من استعمالها في وسط كان يعتبر هذا الخطاب ۔والكثير إلى اليوم على نفس الوتيرة۔ خطاباً مرفوضاً ومن الواجب شرعاً محاربته وهذا الفعل لا يعني اعتراف الإمام الخميني بالعرفان فقط، بل هو إعلان لإبراز العرفان كضد للفلسفة والفقه بكونه أحد الأبعاد التراثية المهمة في الذخيرة الفكرية والحضارية للثقافة الإسلامية.

الثانية: العمل الثاني الذي اشتهر به الإمام الخميني هو التوسعة من رقعة الخطاب العرفاني، حيث كان الإمام الخميني يعمل على توظيف المصطلحات الصوفية في معركته السياسية، فكان مثلاً يعبّر عن الولايات المتحدة الأمريكية بأنها (الشيطان الأكبر) وكان يستخدم محاربة الأنا ومجاهدة النفس مع الموظفين الحكوميين، وفي الحقيقة أنه وبالإضافة إلى أن كل خطاب إنما هو تجلٍّ وانعكاس للثقافة الموروثة والمكتسبة لهذا الفرد أو ذاك أو لهذه الأمة أو تلك، فقد كان الإمام الخميني ذكياً حينما رصد طبيعة الشعب الإيراني وما يمتلكه من حمولة وموروث غنوصي وعرفاني، فيكون أقرب الطرق لمخاطبة هذا الوجدان وهذا الشعب هو من خلال نافذة هذا الموروث بالذات، وبالفعل فقد أحسن الإمام الخميني توظيف هذا العامل. وقدرة الإمام الخميني في التأثير على الجماهير والمخاطبين قضية أشهر من أن تذكر، وكان مرتضى مطهري يقول: إنه كان يتأثر بالمحاضرة التي يلقيها الإمام الخميني طوال أسبوع بأكمله فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخطاب العرفاني والصوفي يحاول أن يناجي الضمير الإنساني بعيداً عن تعقيدات العقل البرهانية.

وبهذا أصبح هذا الخطاب على يد هذا الرجل خطاباً جماهيرياً عاماً يعبّر عن طموحات الجماهير، وقد أبدع الإمام الخميني عدة مفاهيم سياسية مستقاة من الآلية والمنظومة العرفانية ذاتها، واستقى توظيفات عديدة جراء كون التصوف يبحث عن (الحقيقة) فالعارف يحاول النفاذ إلى كنه الشيء لاغياً الأعراض والزوائد، فهمّه منصبّ على حقيقة الشيء فقط، وعليه فهو يطلق ذات المفهوم والاصطلاح على أي شيء يحوي تلك الحقيقة.

ومن أمثلة ذلك مصطلح (الأصنام) حيث إن (الصنم) هو أمر معروف، أي قطعة من الحجارة تُسند إليها بعض المعتقدات الباطلة فتصدّ عن التوجه إلى مَن هو مستحق العبادة [=الله] لكن العرفاء والصوفية توسعوا في المصطلح وجعلوه شاملاً حتى للإنسان والمال والأولاد والسلطة ما دامت جميعها تشترك بكون حقيقتها تصدّ عن التوجه نحو من هو مستحق للعبادة والاهتمام.[56]

وطبقاً لهذه الآلية وهذا (الأرجانون) فإن ۔من باب المثال۔ الدولة التي يكون بيدها الإعلام والسلاح تكون هي الأقدر على إعطاء الأمور صيغة أخرى فتغوي الشعوب وتخدعها؛ لذا فهي أكثر فاعلية من إبليس نفسه، حيث إنه لا يضل إلا الأفراد وليست لديه تقنية متطورة، الأمر الذي يسوغ أن تطلق عليها مصطلح (الشيطان الأكبر).

ولم تقتصر عملية التوظيف هذه في خطاب الإمام الخميني على الاقتصار في تعميم الخطاب وتوسعة المصطلح العرفاني، بل قام أيضاً بإعطاء خطابه صيغة أكثر شمولية، من خلال ما يمتاز به الخطاب العرفاني من بعد إنساني عام، فهو خطاب عالمي لا يختص بدين معين أو مذهب معين، وقد لاحظ الأمر ذاته محمد حسين هيكل في كتابه (مدافع آية الله) إلى كون خطاب الإمام الخميني خطاباً عاماً لا يختص بمذهب معين أو يهتم بدين خاص مع أن الإمام الخميني كان في حركة مستمرة ودؤوبة من أجل الدعوة إلى الإسلام، وهذا يعود إلى كون الإمام الخميني كان مهتماً اهتماماً بالغاً ۔متبعاً للمدرسة العرفانية۔ بالإنسان (إن التصورات التي تقدمها أية فلسفة سياسية عن الإنسان.. والإنسان في الرؤية الفلسفية للإمام الراحل مجلل بتصوير عرفاني متسام لهذه الحقيقة الوجودية التي يعتبرها الإمام خلاصة كل موجودات العالم).

ويقرر.. أن الإنسان موجود غير متناه من طرفي السعادة والشقاوة، فهو إنما يضع الإنسان أمام مسؤوليته في اختيار وتحديد مصيره بإرادته واختياره[57].. وكل هذه التصورات التي يقدمها الإمام الراحل عن الإنسان تستدعي أن يصير الإنسان محوراً أساسياً في الفكر الفلسفي والمشروع السياسي التغييري للإمام.. فهو يرفض أن يقتصر الاهتمام والتفكير في الإنسان ضمن دائرة مصلحة حفظ النظام الاجتماعي باعتبارها مصلحة مشتركة بين كل أفراد المجتمع؛ لأن هذا الاهتمام لا يكشف سوى عن طريقة نفعية مؤقتة في التعامل مع وجود الإنسان، في الوقت الذي لابد من النظر إلى الإنسان بما هو حقيقة وجودية تأبى أن تنحصر في الزمان والمكان.. وتأبى في نفس الوقت [=طبقاً لمنظور المدرسة العرفانية] أن تتحدد وتنحصر منفعتها ضمن وجودها الأرضي وما يرتبط بهذا الوجود من علاقات واهتمامات.. ومما يميز الإمام الخميني حول أنه خطاب أخلاقي تحليلي في عمق الذات الإنسانية فهو يسعى لاكتشاف مجاهيل النفس البشرية.. فإن النظرة التي كان يحملها الإمام الخميني للإنسان كانت تبتني على أن هذا الموجود ينطوي على قدرات وطاقات خلّاقة لابد من تفجيرها وتسييرها في الطريق الصحيح.

ومن هنا كان الإمام يعتبر أن المحور الذي تتأسس عليه عملية الصلاح الفردي والإصلاح الاجتماعي تمرّ أولاً عبر الذات الإنسانية ضمن وجودها الفردي ومسعاها الذاتي.. وهكذا تبرز النفس الإنسانية في تفكير الإمام؟ق؟ كموضوع (أول لأية عملية إصلاحية في المجتمع).[58]

لذا فليس غريباً أن نجد أن خطاب الإمام الخميني السياسي أو العلمي على السواء يحتوي ويتضمن (ثنائية) ومزدوج لا يغيب ألبتة وهو ثنائية ومزدوج (الله – الإنسان) كل ذلك ليخرج الإمام الخميني بعملية مزجية بين الثورة والتصوف ۔الأمر الذي ينطبق تماماً على أبعاد كثيرة من مشروع جمال الدين الأفغاني۔ فقد كان يصرّح بأن حركته السياسية هي مجرد طقس عبادي يريد به رضا الله ووفاقاً مع الخطاب الديني والعرفاني جعل الإمام الخميني أولى مراتب الثورة السياسية هي الثورة الداخلية في النفس البشرية للفرد، بعدها تأتي الحركة والثورة الكبيرة والتي يكون رائدها المجتمع لا الفرد.

وهذا الأمر يشكّل الحبل السرّي الذي يغذّي تحركات الإمام الخميني، فهو لا يتخلى عن ثنائيته هذه في أغلب تحركاته، فحتى الرسالة التي بعثها إلى زعيم الاتحاد السوفيتي حين ذاك [=غورباتشوف] كانت حاوية على أمور عدة من أبرزها اشتمال الرسالة على ذكر لاسم ابن عربي وملاصدرا وتوصيته بأن تُراعى كتبهم ومؤلفاتهم في قبال الماركسية التي كانت مفخرتها بأنها (ألغت الآلهة جميعاً)[59] وهو أمر يدل على مدى توسعة الخطاب العرفاني إلى درجة كبيرة تستحق إلفات النظر ۔وخص بالذكر البعد السيكولوجي والسوسيولوجي اللذان لا محل لهما في بحثنا هذا لانتهاجنا هنا منهجاً آخر۔ حيث بات العرفان على يد الإمام الخميني حيث أضحى هذا الخطاب ليس هو خطاب الجماهير والإصلاح والثورة بل هو أيضاً خطاب الدولة الرسمي.

والإمام الخميني يذكّرنا بجمال الدين الأفغاني والمهاتما غاندي ومحمد إقبال اللاهوري، فإن هولاء جميعهم وظّفوا العرفان والتصوف من أجل النهضة والتحرر والاستقلال السياسي والثقافي، بيد أنه وبكل تأكيد أن هذا التوظيف لم يبلغ ما بلغه على يد الإمام الخميني كما أن نجاح الأفغاني وغاندي وإقبال ۔السياسي۔ لا يضاهي ما أنجزه هذا الرجل ولا يقاس به.

وبهذا التوظيف وهذه الإعادة الرؤيوية للخطاب العرفاني قام الإمام الخميني بعملية إحياء للفكر الديني عموماً والفكر العرفاني خصوصاً، فقد قدّم طرحاً آخر للدين يضاد مقولة كونه أفيون الشعوب[60] لكن موافقاً على كونه خلاص المستضعفين داعياً بصورة واضحة إلى الإسلام ۔في الوقت الذي كان يعدّ الدين حين ذاك أمر رجعي متخلف۔ معطياً تعريفاً آخر لهذا الدين، حيث كان الإسلام حسب رؤيته هو (دين المجاهدين الساعين للحق والعدالة، دين أولئك الذين ينشرون الحرية والاستقلال، إنه عقيدة المناضلين والمعادين للاستعمار).[61] وعوضاً من أن يكون العرفان والتصوف مدعاة للعزلة والسكينة والخضوع في شخصية الإمام الخميني، كان الأمر معكوساً بالكمال حيث كان هذا الرجل رافضاً ومتمرداً على جميع ألوان الخضوع وشتّى أنواع العزلة، صارخاً مستنهضاً برجالات الدين لأن يقوموا وينهضوا لأداء واجباتهم ومسؤولياتهم السياسية (ولذلك كان يرى أن مسألة الفراغ في الساحة السياسية الإسلامية أمر مرفوض تماماً؛ لأنك إذا لم تملأه بالإسلام فسوف يملأه الأخرون بالكفر)[62].

فالإمام الخميني كان يحثّ على أهمية تنهيض دور علماء الدين وضرورة تفعيل دورهم داخل الأمة والمجتمع وضرورة إنزالهم من العلياء، فلا يكونوا منعزلين أو معزولين (وأوصي العلماء المحترمين ۔لاسيما المراجع العظام۔ أن لا يعتزلوا قضايا المجتمع).[63]

فالإمام الخميني كان يؤمن بأن الإسلام هو دين النهضة الاجتماعية والسياسية، وأن القرآن هو كتاب دين ومنهج حياة لا أنه كتاب موت وبضع أعمال طقوسية (وفي الحقيقة فإن هؤلاء الطواغيت عملوا على إبعاد القرآن الذي يعدّ أعظم منهج للحياة المعنوية والمادية للبشرية حتى يوم ورودهما الحوض عن واقع الحياة، وقضوا بذلك على حكومة العدل الإلهي.. وكلما استطال هذا البنيان الأعوج ازداد به الانحراف والاعوجاج حتى وصل الأمر حداً أُقصي فيه القرآن الكريم عن ميدان الحياة، وأصبح وكأنه عديم الدور في الهداية.. ومن المؤسف أن يقتصر دور القرآن الكريم ۔وهو كتاب خلاص وبسبب المتآمرين والأصدقاء الجهلة۔ على المقابر والمآتم).[64]

لذا كان الإمام الخميني يؤكد بأن الإسلام ليس كالديانة المسيحية[65] وعليه يجب أن لا يكون علماء الإسلام كالقساوسة والرهبان والبابوات، فلابد طبقاً لذلك من إخراج علماء الدين ورجالاته في الإسلام من الكهوف والمخادع وإنقاذ القرآن من المقابر.[66]

من هنا كان الإمام الخميني حريصاً كل الحرص على ضرورة تجديد المفاهيم الدينية وإعادتها إلى الفاعلية وإعادة الحياة للمجتمع الإسلامي.

فالإمام الخميني وفقاً لما أوضحناه كان ينتقل من (التوحيد) كضرورة عقيدية إلى (وحدة الأمة) كضرورة اجتماعية ودينية، ومن طغيان النفس والهوى إلى طغيان السلاطين، وأن وجوب مجاهدة الأول هو أول درجات السلّم لمجاهدة الثاني، ومن عاشوراء قديمة إلى عاشوراء جديدة تنهض بالأمة وتحمل الراية لتحقيق تطلعاتها[67] ومن الدعوة العرفانية والصوفية[68] في الابتعاد عن المرأة إلى تثوير المرأة وتعليمها وضرورة مشاركتها السياسية[69] ومن البعد الضيق لمفهوم العبادة إلى الدائرة الأوسع؛ إذ المشاركة في الانتخابات حسب المفهومية الجديدة هي (عبادة)[70] ومن ذات التوظيف والآلية جعل الإمام الخميني قضية إنقاذ فلسطين قضية عبادية أيضاً، وبذلك أعطاها موقع أكبر وأكثر حساسية وأبرز جانبها الأصيل وأرجعها إلى هويتها (والعمل السياسي عبادة..) وهكذا يعيد الإمام الخميني صياغة المفاهيم الدينية وإعادة توظيفها موسّعاً من دائرة مزدوج (الله – الإنسان) لينتهي العداء بين التصوف والحياة، الحياة التي كان يراها التصوف بكونها (ناسوت) وعالم المُلك (الحقير).

بيد أنه ينبغي القول: إن عالم الملك ليس مبغوضاً ولا مذموماً في حد ذاته، فهو تجلّي الحق ومقام ربوبيته تعالى ومهبط ملائكته ومسجد ومكان تربية الأنبياء والأولياء؟عهم؟ ومحراب عبادة الصلحاء وموطن تجلّي الحق على قلوب عاشقي المحبوب الحقيقي.[71]

وبالرغم من أن الإمام الخميني هو الرجل الأول في الدولة والثورة حين ذاك وكان بالإمكان أن يكون هو الزعيم الأوحد، فتنشأ بذلك صور متتالية للاستبداد الديني والسياسي، لكن الإمام الخميني كان حريصاً على أهمية الاهتمام برأي الشعب والجماهير واحترامها، تجلّى ذلك بشكل واضح في ندائه لضرورة الانتخابات لكي تقرر الجماهير قيام دولة إسلامية أولاً، وتجلّى ذلك أيضاً في قضية (بني صدر) الشهيرة، وعليه يكون الإمام الخميني قد حارب قمعيات السلطة الدينية كمحاربته للعلماء القشريين ووعاظ السلاطين.[72]

واللطيف في المنهجية السياسية التي مارسها الإمام خلال مدة قيادته للدولة الإسلامية في إيران أنه كان لا يترك الفرصة تمرّ دون أن يستشير ضد أية ممارسة خاطئة أو مستبدة يمكن لأحد أفراد الجهاز الحاكم في الدولة أن يرتكبها، في الوقت الذي كان هو على رأس هذا الجهاز ويمتلك أعلى سلطة شرعية ورسمية في إدارة شؤون الدولة.[73]

وبذلك تكون (العبادة) في فكر الإمام الخميني هي التقرب إلى الله من خلال خدمة الأمة والإنسان، ليكون العرفان والتصوف لديه ليس من الإنسان إلى الإله بل من الإله إلى الإنسان، ابتداءً بجهاد النفس عند الفرد وانتهاءً بجهاد الأمة، من صراع الشهوات والنزوات الشاذة إلى مقارعة الطغاة والدكتاتورية والاستغلال.[74]

7-الإمام الشهيد محمد باقر الصدر والتصوف

بالرغم من أن منبر الإمام علي بن أبي طالب كان بمثابة دروس ومحاضرات عملية ۔بل هي من أبرزها وأنضجها۔ تُتلى من على منبر الكوفة إلا أن الظرف السياسي والفتن والمحن التي كانت تعصف بالدولة الإسلامية حين ذاك حالت دون تطوير هذا المنبر ليكون مدرسة منظّمة، حتى جاء دور الإمام الصادق، فقد استطاع هذا الإمام الكبير من استغلال ظروف التردي السياسي للدولة الأموية وعدم استقرار وبكارة الدولة العباسية ليتمكن من إنشاء مدرسة كبيرة، حاول من خلالها إعادة تشكيل العقل المسلم وبناء الهوية الإسلامية من جديد، متداركاً المذهب الشيعي من الإبادة.

وكان مشروع الإمام الصادق هذا مكلّلاً بالنجاح، حيث استمر هذا المشروع العلمي بالازدهار حتى بلغ الرشد يمضي في سيرورة التاريخ ليبلغ منتهى تألّقه في بغداد والحلة وكربلاء وسامراء والنجف، ولم تكن النُقلة من بغداد إلى النجف بالأمر الهين، لاسيما وأنها شهدت مدرسة الشيخ المفيد والسيد الرضي والمرتضى والطوسي، وقد كان لهذا الأخير أهمية بالغة، حيث قدر له أن يكون مرحلة انتقالية ۔من ناحية المكان والمحل الدرسي لا الذهنية۔ في تاريخ الحوزة والمدرسة العلمية الشيعية، فقد (مكث الشيخ الطوسي ببغداد مواصلاً عمله العلمي في البحث والتدريس إلى أن ورد بغداد عام 447هـ طغرل بيك السلجوقي فسقطت بغداد بيده، فأثار الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة وأمر بإحراق مكتبة وزير بهاء الدولة البويهي سابور بن أردشير المسماة بدار العلم.

ولم تقف الفتنة عند إحراق هذه المكتبة الثمينة، بل توسعت لتلتهم التراث الذي حفظه الشيخ الطوسي في مكتبته الخاصة.. ولما بلغت الأمور هذا الحد اضطر الشيخ الطوسي لأن يهاجر إلى النجف، بادر إلى تأسيس مدرسة علمية جديدة تهتم بتدريس وصيانة تراث أهل البيت؟عهم؟.. تلك البداية التي بدأ بها الانفتاح على التدريس والتأليف في علم الكلام ومختلف حقول المعقول الإسلامي).[75]

وبهذا أصبحت النجف تحتضن عشّاق العلم والمعرفة، وأخذت مسيرة العلم والتدريس تتطور ولكن بشكل متقطع؛ بسبب انتكاسة على الصعيد العلمي تارة كوفاة الطوسي والسياسي تارة أخرى.

وقد امتازت مدرسة النجف بمعناها الأعم أي المدرسة العلمية في مناطق العراق بنزعة نحو العقلانية والفقهية؛ لذا حاربت مسلك الأخبارية [=حركة سلفية في الفكر الشيعي] ومنهج المتصوفة والإشراق، ولا يمكننا وفقاً لهذا المنظور أن نعدّ وجود بعض حلقات الترويض والدرس العرفاني ظاهرة نجفية، فلو أخذنا حيدر آملي كمثال على وجود خط صوفي غنوصي في هذه البقعة من الأرض فلسوف نكون قد وقعنا في خطأ جسيم لكون هذا الرجل منحدر من مدارس أخرى ثم زحف إلى النجف فصادف أو عثر على شيخ طريقه (بعد التي واللتيا) ۔ شاذ عن مسيرة محيطه في هذه الأرض[76] في حين كانت المراكز الشيعية الأخرى تذاكر أمور العرفان والتصوف ويصرّح باسم ابن عربي والقونوي وابن الفارض والقاشاني علناً حتى بلغ الأمر أن يكون الشعر ۔كما هو الحال لدى حافظ الشيرازي وغيره۔ أن يحمل الهمّ العرفاني ذاته، بينما بقي الدرس العرفاني شبه المعدوم في النجف والمدارس السابقة في العراق.[77]

ولم تدرس فلسفة ملاصدرا الشيرازي ۔والتي هي آخر مدارس تدشين الغنوص۔ بشكل علني حتى لدى آخر روّاد هذه المدرسة أعني علي القاضي وتلميذه العلامة الطباطبائي،[78] لذا ليس غريباً أن يستخف الشهيد باقر الصدر الذي هو ربيب النجف بأهم نظريات العرفاء والمتصوفة،[79] فلم تكن منظومة المعرفة لدى الشهيد باقر الصدر تحتوي على الغنوص والعرفان، لكن وعلى الرغم من ذلك قام الشهيد محمد باقر الصدر بإعادة ترتيب ميدان (العبادات) و(المعاملات) في فضائه الفقهي، فقد جعل للأولى معنى أشمل وأوسع، وقد جاء ذلك جلياً في كتابه الفتاوى الواضحة.

وبالرغم من ذلك أيضاً فإن الشهيد الصدر كان يرى أن هنالك بديهية هي التي يجب أن تسود ۔لولا تسامح الإله بذلك فرخّص بتركها۔ في التعامل مع الوظائف و التكاليف الشرعية، فقد كان الصدر يؤمن بمبدأ (حق الطاعة) أي تجب طاعة الإله المنعم بجميع ما أمر به أو ما نظنّ أو نحتمل أنه أمر أو نهى عنه (بعد أن آمن الإنسان بالله والإسلام والشريعة، وعرف أنه مسؤول بحكم كونه عبداً لله تعالى من امتثال أحكام الله تعالى، يصبح ملزماً بالتوفيق بين سلوكه في مختلف الحياة والشريعة الإسلامية ومدعوّاً بحكم عقله إلى بناء كل تصرفاته الخاصة وعلاقاته مع الأفراد والآخرين على أساسها).[80]

بل إن الصدر لا يتوقف عند هذا الحد في قضية اهتمامه بالإله، حيث إنه لا يكتفي بالصيغة التنظيمية والقانونية التي يعطيها علم الفقه والشريعة، والتي ترسم حركة الإنسان وفق نصوص معينة ومعايير خاصة، فقد سعى الصدر لتطوير ذلك من خلال تحقيق رابطة وجدانية ۔لا قانونية فقط۔ بين (الإنسان) و(الإله) حيث وجد الصدر أن التنظيم القانوني لا يكفي فهو يعطي اتصالاً وتواصلاً غير (تفصيلي) بالإله، وعليه فعلى الإنسان ۔وهي ذات الدعوة الصوفية بشكلها الأولي۔ أن يسعى لتحصيل الشعور التفصيلي بالارتباط بالإله[81] حيث تصل النفس الإنسانية في علاقتها بالإله إلى أن يكون التعلق والحب (محور) حركتها [=التعبير بالمحور هو ذاته مراد الصوفية من القطبية لله الذي يمثل له العرفاء بالفراشة والنار] فيستوعب هذا الحب كل وجدان الفرد وشعوره، بحيث يصوغ حركته في الحياة على أساس هذا الحب (إن كل حب يستقطب يتخذ إحدى صيغتين وإحدى درجتين!

الدرجة الأولى: أن يشكّل هذا الحب محوراً وقاعدة لمشاعر وعواطف وآمال وطموحات هذا الإنسان، قد ينصرف عنه في قضاء حاجة في حدود خاصة ولكن يعود، سرعان ما يعود إلى القاعدة؛ لأنها هي المركز وهي المحور، قد ينشغل بحديث أو ينشغل بعمل، بطعام، بشراب، بمواجهة، بعلاقات ثانوية، بصداقات لكن يبقى ذاك الحب هو المحور، هذه هي الدرجة الأولى.

والدرجة الثانية من حب المحور: أن يستقطب هذا الحب كل وجدان الإنسان بحيث لا يشغله شيء عنه على الإطلاق، ومعنى أنه لا يشغله شيء عنه أنه سوف يرى محبوبه وقبلته وكعبته أينما توجّه، أينما توجه سوف يرى ذلك المحبوب، هذه هي الدرجة الثانية من الحب المحور، هذا التقسيم الثنائي ينطبق على حب الله وينطبق على حب الدنيا، حب الله الحب الشريف لله المحور يتخذ هاتين الدرجتين، الدرجة الأولى يتخذها في نفوس المؤمنين الصالحين الطاهرين الذين نظّفوا نفوسهم من أوساخ هذه الدنيا الدنية، هولاء يجعلون من حب الله محوراً لكل عواطفهم ومشاعرهم وطموحاتهم وآمالهم، قد يشغلون بوجبة طعام، بمتعة من المتع المباحة، بلقاء مع صديق، بتنزه في شارع، ولكن يبقى هذا هو المحور الذي يرجعون إليه بمجرد أن ينتهي هذا الاشتغال الطارئ، وأما الدرجة الثانية فهي الدرجة التي يصل إليها أولياء الله من الأنبياء والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام. علي بن أبي طالب.. هذا الرجل العظيم كلكم تعرفون ماذا قال: (إني ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله معه وقبله وبعده وفيه) لأن حب الله في هذا القلب العظيم استقطب وجدانه إلى الدرجة التي منعه من أن يرى شيئاً آخر غير الله حتى حينما كان يرى الناس كان يرى فيهم عبيد الله، حتى حينما كان يرى النعمة الموفورة كان يرى فيها نعمة الله، دائماً هذا المعنى الحرفي، هذا الربط بالله دائماً وأبداً يتجسد أمام عينيه؛ لأن محبوبه الأوحد، معشوقه الأكمل، قبلة آماله وطموحاته لم يسمح له بشريك في النظر، فلم يكن إلا الله. هذه هي الدرجة الثانية).[82]

وهذا النص كما هو واضح مشرب بل متخم بالتصوف، ونحن هنا لا نملك إلا أن نبدي ثلاث ملاحظات تقف بوجه ما اشتهر عن الصدر بكونه صاحب نزعة عقلانية كاملة حتى الرمق الأخير، وبكونه عقلاً خالصاً، وهذا النص محمّل بدلالات كثيرة نذكر ما يهمنا منها هنا وأهمها:

1 ۔ أن هذا النص يتكأ في استيضاحاته وأنموذجاته على الإمام علي بن أبي طالب،[83] وهو أمر متطابق لما اعتاده المتصوفة والعرفاء ۔جميعهم وعلى شتى مذاهبهم۔ من إسناد نظرياتهم وطقوسهم، بكونها موروثة من هذا الإمام رغم كونها متضادة ومتناقضة!

2 ۔ في حين كان الشهيد الصدر في الفترة السابقة معارضاً للتصوف وبالخصوص نظرياتهم بشأن الوجود الرابط والمعنى الحرفي، حيث كان يقول عنها بأنها معنى صوفي؛ لأنه نفهمه[84] ويهملها حتى عن النقاش، فإن الصدر في هذا النص قد خطى خطوة الأمام صوب العرفان، حيث يعتمد مقولة الوجود الرابط والحرفي.

3 ۔ النص السابق من الوضوح بمكان بشأن الدعوة إلى محورية الإله كعشق وهيام، وهو العمود الفقري للعرفان والتصوف.

ويصعّد الصدر من نشوته الروحية إلى درجة الاستلاب الكلي [=الفناء حسب اللغة الصوفية] مع هذا المحبوب (الإله أو الله) لذا يجب أن لا تكون أعمال الإنسان لصالح ذاته [=المصلحة الشخصية] أو لبلده أو قومه الخاص به؛ (أنا حينما مرّ بالعراق المد الأحمر الشيوعي، حينما مر ذلك المد الشيوعي بالعراق كنت ألف مرة ومرة أمتحن نفسي، أوجّه إلى نفسي هذا السؤال: إني أنا الآن أشعر بألم شديد؛ لأن العراق مهدّد بخطر الشيوعية، لكن هل إني سوف أشعر بنفس هذا الألم، بنفس هذه الدرجة لو أن هذا الخطر وجّه إلى إيران بدلاً عن العراق، لو وجّه إلى باكستان بدلاً عن العراق، لو وجّه إلى بلد آخر من بلاد المسلمين الكبرى بدلاً عن هذه البلاد، هل سوف أشعر بنفس الألم أو لا أشعر بنفس الألم؟ أوجّه السؤال إلى نفسي حتى أمتحن نفسي لأرى أن هذا الألم الذي أعيشه لأجل تغلغل الشيوعية في العراق هل هو ألم لخبز سوف ينقطع عني؟ لمقام شخصي سوف يتهدم، لكيان سوف يضيع؟ لأن مصالحي الشخصية [=لكون الصدر أحد رجال الدين] مرتبطة بالإسلام إلى حد ما، فهل أن ألمي لأجل أن هذه المصالح الشخصية أصبحت في خطر؟ إذا كان هكذا إذن فسوف يكون ألمي للشيوعية في العراق أشد من ألمي للشيوعية في إيران أو أشد من ألمي للشيوعية في باكستان. وأما إذا كان ألمي لله تعالى إذا كان ألمي لأني أريد أن يُعبد الله في الأرض وأريد أن لا يخرج الناس من دين الله أفواجاً فحينئذ سوف أرتفع عن حدود العراق وإيران وباكستان، سوف أعيش لمصالح الإسلام، سوف أتفاعل مع الأخطار التي تهدد الإسلام بدرجة واحدة، دون فرق بين العراق وإيران وباكستان وبين أي أرجاء العالم الإسلامي الأخرى.. كل واحد منا يجب أن يحاسب نفسه قبل أن يدخل إلى محاسبة الآخرين، يجب أن يتأمل في آلامه، في انفعالاته النفسية هل هي انفعالات لله أو انفعالاته لمصالحه؟

إذا كانت انفعالاته لمصالحه فيجب أن لا يرجو من الله شيئاً، يجب أن لا يرجو من الله حتى الثواب؛ لأنه هو يتألم لنفسه لا يتألم لله [=هل بقي للخطاب العرفاني شيء؟] فلماذا يثيبه الله، على ماذا يثيبه الله؟ سوف يكون محروماً حتى من الثواب فضلاً عن الفرج، سوف يكون محروماً حتى من الثواب الآجل، أما إذا كان ألمه لله حقيقة إذا كان انفعاله لله حقيقة فحينئذ سوف يكون أوسع أفقاً، سوف ينظر إلى كل العالم الإسلامي، إلى كل المسلمين، إلى كل المشاكل بنظرة واحدة).[85]

ومن الواضح أن هذا الخطاب هو الخطاب الذي يعمل العرفان على تدشينه دائماً، كما أنه يطابق مع ما ذكرناه سابقاً ۔حينما كنا نتحدث عن الإمام الخميني۔ أي مع ذلك الخطاب الذي يُعمل آلية الانتقال من جهاد النفس إلى جهاد الأمة ومن إصلاح الفرد إلى إصلاح المجتمع ومن الله إلى الإنسان.

ومن نفس المنطلق في ذات النسق وبسبب مفهوم (المحورية) يجعل الصدر (للمحنة) منظوراً آخر وبعداً مختلفاً ووظيفة أبعد (.. أما حينما نعيش شعورنا وغضبنا وألمنا لله لا لأنفسنا، حينما نشعر بأن المحنة ليست هي أننا فقدنا حياة الاستقرار والطمأنينة..)[86] و(نحن اليوم نرى أن الوجوه كلها ساخطة علينا متبرّمة بنا، إنما كانت ساخطة علينا متبرّمة بنا؛ لأننا لم نصانع وجهاً واحداً حتى يكفينا ذاك الوجه الواحد الوجوه كلها، نحن لم نشعر خلال حياتنا العلمية بأننا مرتبطون ارتباطاً حقيقياً بالله تعالى وأننا مدعوّون من قبله إلى بذل كل وجودنا وإمكانياتنا في سبيله، هذا الشعور حيث إننا لم نعشه، لم نصانع وجهاً واحداً، ولمّا كنا لم نصانع وجهاً واحداً لم يكفنا الوجوه كلها، أفضلنا ۔أشطرنا۔ هو من صرف قواه وطاقاته في سبيل أن يصانع هذا الوجه وهذا الوجه، وعملية اصطناع الوجوه بشكل فردي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى نتيجة فردية وأما من صانع ذلك الوجه العظيم الذي بيده ملكوت السموات والأرض [=الله] فهو القادر على أن يكفيه الوجوه كلها).[87]

وبهذا يتم الانتقال بالهمّ والمعالجة معاً من المفاهيم والعقل إلى القلب والوجدان؛ لأن العلم والمفاهيم لا تملي بالضرورة على الإنسان سلوكاً عملياً ولا تستطيع لوحدها أن تقوده إلى الطريق الصحيح عملاً وتنفيذاً، وحتى لو استطاعت ذلك فهي لن تملأ قلبه ووجدانه ولن تهدّئ تلاطمات خلجات نفسه وروحه.

وهو الأمر الذي تستشهد له المتصوفة بحكاية النبي إبراهيم التي يذكرها القرآن (وهذا الفراغ من الضمير والوجدان الذي يعيشه هذا الإنسان حتى إذا أصبح ثرياً من الناحية العقلية)[88] فبعد أن يرشدنا العقل إلى صحة المعتقد الديني أي بعد عرض الدين على العقل لابد من عرض (القلب) على الدين (أريد أن نعيش معاً لحظات بقلوبنا لا بعقولنا فقط، بوجداننا، نريد أن نعرض هذه القلوب على القرآن الكريم بدلاً من أن نعرض أفكارنا وعقولنا).[89]

وهل يوجد ثمّة فرق بين هذه الوصية وبين أي مقولة وتوصية صوفية عرفانية أخرى؟ أو ليست الدعوة العرفانية تدعو إلى شرح مقامات القرب بواسطة آيات قرآنية وتفسير وتأويل الآيات القرآنية بواسطة الوجدان والقلب؟!

لكن ومع كل الذي قلناه وعملنا على إيضاحه فإنه لا يمكننا أن نضع الشهيد الصدر ۔خلافاً لما عليه الحال مع الإمام الخميني۔ بجنب العرفاء والمتصوفة، فبالإضافة إلى كون جميع كلامات الشهيد باقر الصدر ۔هنا۔ ملتبسة بإشكالية سيكولوجية، حيث إنها كلمات خرجت من فم الصدر وهو يحدّق بسيف جلّاده ومن طبيعة الإنسان المتيقن بالموت أن يعمد إلى خطاب يذكّر بالإله و اليوم الآخر وما إلى ذلك، فإن كلام الصدر هذا موجّه إلى طلاب المدارس الدينية [=الحوزة] والذي يكون أقرب الطرق إلى إرشادهم وتوجيههم بحكم تخصصهم وسيكولوجيتهم، هو توظيف هذه المفاهيم وأيضاً فإن النغم الروحي والوجداني في خطاب الشهيد الصدر جاء يؤكد ما توصّل إليه العقل ويتصالح معه، لا أنه بديل عنه كما هو مبنى المدرسة العرفانية، إلا أنه ومع ذلك تبقى هذه النصوص ۔وما قدمناه لها من تحليل وإيضاح۔ تمثّل أهمية ليست بالقليلة في تطور المسيرة الثقافية عند الشهيد الصدر، منسجمة مع حركة الصدر في حياته اليومية ومسيرته النضالية.

8-توظيف الشهيد الصدر

ذكرنا في الفقرة السابقة بعض توظيفات الشهيد الصدر لبعض المفاهيم والخطابات، لكن جاء عرضنا لذلك هامشياً؛ لأنه لم نكن نهدف هناك إلا لإثبات وجود ملامح عرفانية لدى الصدر، والنصوص السالفة توضح استفادة وتوظيف الشهيد الصدر للمفاهيم العبادية والصوفية في عملية تربية الطلاب والتلاميذ، من أجل حثّهم على الدرس وكيفية التعامل مع تخصصهم العلمي من جهة وكيفية دمجهم بالأمة وهمومها من جهة ثانية، وربطهم بهم أكبر وأوسع خارج نطاق العنصرية والتعصبية لبلد معين أو جنس مخصوص من جهة ثالثة، بيد أنه إذا راجعنا خطاب الشهيد الصدر سنجد أن الصدر يوظّف الأبعاد الوجدانية والمعتقدات الدينية في قوالب عقلانية وعقلائية؛ من أجل إيجاد وتحصيل إنماء جيل ثوري ونهضوي جديد، من خلال توسيع المفاهيم الدينية ۔لاحظ ما ذكرناه بشأن الإمام الخميني في الفقرات السابقة بخصوص هذه المسألة۔ ونقل عملية تثويرها وتجديدها؛ من أجل بناء هيكل جديد ينطلق من الفرد إلى المجتمع ومن المجتمع إلى الدولة وإنزال رجالات الدين من أرض الملكوت وعالم المجردات والأنوار إلى ساحة الجماهير، واستبدال منهج التفكير عندهم حيث يجب دراسة الأبعاد الذاتيه والموضوعية وملاحظة تراكم التقصيرات [=الأمر الذي يشابه تراكم الاحتمالات عند الشهيد الصدر] الناتجة عن السلوك[90] بعدها نقوم بعملية رصد لهذه التقصيرات والقصورات، فننتقل من الهمّ الفردي إلى الهمّ الجماعي.

وبغية التوضيح نذكر مثالاً وأنموذجاً من عذريات الشهيد الصدر نفسه، وهي مسألة (المحنة) فلندع الصدر يتحدث عنها، ومن خلال النص سيلاحظ القارئ هذه الآلية والميكانيزمية.

ولنبدأ قبل أن نرجع إلى الوراء إلى ما قدمنا، نبدأ بالأمر الأول، أي بمشاعرنا تجاه المحنة، لابد قبل كل شيء أن ننظّف هذه المشاعر، أن نجعل مشاعرنا تجاه المحنة مشاعر صحيحة، مشاعر إسلامية تنبض بالغيرة على الإسلام لا بالغيرة على مصالحنا الخاصة، بالغيرة على الوجود الكلي لهذا الكيان لا بالغيرة على هذا الوجود؛ لأننا ما لم ننظّف هذا الشعور ونحن في غمرة الامتحان القاسي لم نستطع على أقل تقدير أن ننتصر في معركة تغيير هذا الشعور، وفي معركة إيجاد شعور نظيف تجاه هذا الامتحان، ما لم نغيّر هذا القدر الضئيل من نفوسنا، كيف نطمح أن نبني أنفسنا ككل وكيف نطمح أن نبني المسلمين ككل؟

إذن منطلق الحديث هو هذا الشعور الذي يواجهه الإنسان الممتحن تجاه محنته كيف يكون هذا الشعور؟ كثيراً ما توجد محنة وتولّد المحنة مشاعر متعددة، وبالرغم من وحدة المحنة تختلف هذه المشاعر في درجاتها ومستوياتها تبعاً لاختلاف التصور والتفكير ولاختلاف الروحيه والاتجاه.. قد يخطر على بال إنسان يعني قد يكون شعور بعض الناس إزاء هذه المحنة أن هذه المحنة كلّفته ولده، كلّفته أخاه، كلّفته صديقه؛ لأنه أخذ أخوه أو أخذ أبوه أو أخذ صديقه للمعركة فقتل، قد يعيش هذه المحنة على هذا المستوى ويشعر بها بهذه الدرجة، وهذا هو الشعور الشخصي المحدود بالمحنة.. وأخرى يتعمق هذا الشعور أكثر فأكثر فيكون شعوره إزاء المحنة شعوراً إقليمياً على أساس أن أبناء البلد الواحد يتصارعون ويتنازعون فيما بينهم، وهذا الشعور والانفعال الإقليمي تجاه المشكلة يؤدي إلى اتخاذ موقف أوسع من الموقف الأول إلى موقف يفكر فيه بأنه كيف يعيد الصفاء والسلام إلى أبناء البلد الواحد..[91]

وكما هو واضح فإن هذا النص ينطلق من مجاهدة النفس الفردية إلى مجاهدة النفس على مستوى الهمّ الجماعي، كما أنه يحمل طابع حب الإنسانية العام، وهما ركيزتان سبق أن نوّهنا بهما في الفقرة رقم 5 من هذه الدراسة حينما تحدثنا عن صفات وخصال التصوف.

وعليه فالمحنة ۔والتي هي النموذج الذي اخترناه۔ لدى الشهيد الصدر (هي في الواقع تجسيد بشكل مرير للأعمال المسبقة التي قاست بها الجماعة الممتحنة.. هي تجسيد للأعمال التي قومها الناس أنفسهم).[92]

إذن فالصدر يقوم بعملية تجسير بين المعتقدات الدينية والحياة؛ ليكون الاعتقاد بالتوحيد والإله ۔والذي هو إيمان في القلب أو العقل۔ داينمو يحرك الإنسان لأداء مهماته الحياتية، الأمر الذي يذكّر ۔بما قلناه في الفقرة رقم 6۔ بتلك الثنائية التي كانت حاضرة ويحرص على تكريسها الإمام الخميني في خطابه، وهي ثنائية (الله ۔ الإنسان) لتوجد هنا ثنائية مشابهة لدى الصدر وهي (الدين ۔ الحياة).

وقد سبق أن ذكرنا كيف تحدث الصدر عن محورية (الله) في الحب وحركة الإنسان ليقول لنا هنا بأن (حالة الاتصال بالله بالرغم من أنها كمال للإنسان هي بحد ذاتها طاقة للنجاح في خط العمل)[93] وذلك لكون القرآن لا يطرح (الإيمان مجرداً وإنما يقرنه دائماً وفي كل مورد بالعمل الصالح)[94] فالارتباط بالإله وتقنيناته [=الشريعة] لها أبعاد معرفية بالإضافة إلى أبعادها السلوكية، حيث يمنح هذا الارتباط تبريراً قيمياً كبيراً وبعداً أكسيولوجياً في صياغة نظريات شمولية للإنسان والتاريخ ۔حسب منظور الصدر۔ لأنها حين ذاك ستكون مرتبطة بما يتعالى وبمن له القدرة على الإحاطة والشمولية [=الله، النصوص والمعطيات الدينية التي بعث بها أو أمر بالأخذ منها] فيكون بذلك جديراً لأن يكون الإنسان بواسطة ذلك هو الجدير لأن يكون صاحب دعوة ورسالة نهضوية[95] من خلال الارتباط بهذا الأنموذج المتساوي والمثل الأعلى. وللمثل الأعلى في نظر الشهيد الصدر ثلاثة أنواع وأقسام:[96]

1 ۔ المثل الأعلى الذي يستمد تصوره من الواقع نفسه، ويكون منتزعاً من الواقع الذي تعيشه الجماعة البشرية من ظروف وملابسات والعلاقات الملتبسة مع معطياته وجدلياته، وعليه يكون الذهن والعقل الذي صاغ المستقبل هنا غير قادر على الارتفاع عن محيطه وعاجزاً عن تجاوز هذا الواقع، فانتزع مثله الأعلى من الواقع المثقل بحدوده وقيوده وشؤونه، ومن طبيعة المثل الأعلى المنتزع من واقع الجماعة الخاص وحدودها وقيودها وشؤونها، يصاب بالتحجر والجمود والكونكريتية غير القابلة للتمدد والمرونة، جراء التكرار والاجترار، وعليه يكون هذا النوع من الآلهة يعتمد على تجميد الواقع وتحويل الظروف النسبية إلى ظروف مطلقة ليتسنّى للجماعة البشرية من تجاوز واقعه الذي لا يسع الطموحات. وفي الواقع فإن تبنّي هذا النوع من المُثل إنما هو بفعل الإلفة والعادة والخمول والضياع وأيضاً جراء التسلط الفرعوني والفرداني على جماعة ما.

2 ۔ المثل الأعلى المحدود، وهو الذي ينتزع من تصور ذهني محدود للمستقبل أي من خطوة واحدة للمستقبل.

3 ۔ المثل الأعلى المطلق، أي المثل الأعلى الحقيقي وهو الله.. والسير نحو هذا المثال سير ارتقائي، تصاعد وتكامل؛ لأن هذا الإله غير محدود بحد أو مقيد بقيد؛ لذا تكون المسيرة مسيرة دائمة والتكامل نحوه غير منقطع وبذلك يكون الإيمان بالإله المطلق إيماناً موصلاً إلى عمل وحركية وفاعلية، خصوصاً وأن القرآن الذي هو البيان الرسمي لهذا المثل الأعلى قد اهتم بالعمل أكثر من اهتمامه بالرأي والتنظير كما يقول محمد اقبال.[97]

وعليه يكون الاعتقاد بالتوحيد حسب هذا المنظور درباً معبداً وطريقاً وتعبيراً ونهجاً نحو الحرية والثورة والتمرد (تنبثق الثورة عند الشهيد الصدر من عقيدة التوحيد مثلما هي الظواهر الاجتماعية الأخرى في المجتمع التوحيدي التي تغذيها جميعاً هذه العقيدة، وتعدّ محاولة الشهيد الصدر في بناء نظرية للثورة من العقيدة نموذجاً جاداً لمشروعه في وصل العقيدة بالحياة).[98]

وعليه فالشهيد قد حاول ما حاوله الإمام الخميني، أي بناء مجتمع يبتني على العقيدة الدينية بأن تكون عمليات التنمية والإصلاح مستندة إلى المفاهيم والمعطيات الدينية، لكن بعد تثويرها وغربلتها وإصلاحها، الأمر الذي تطلّب من الصدر أن يقوم بمحاربة مظاهر التخلف وعقلية الانحطاط من خلال تغيير الأرضية التحتية للانهيار النفسي والشعور بالاختناق والأزمة وكوننا ضحية مؤامرة لا محيص منها؛ لذا كان الصدر مهتماً بصيانة تجديد الهوية وإبرازها من خلال تركيزه في استخدامه ضمير الجمع [=فلسفتنا، اقتصادنا..] موضّحاً نهاية الشعور المتزلزل والرؤية الضبابية في تحديد الموقف تلك الرؤية القائمة على انهيار نفسي وعقدة نفسانية أنتجتها الظروف السياسية والاجتماعية السالفة (فإن منطلق [=عقلية] المصيبة والمحنة هو تلك الأرضية النفسية التي عشناها طيلة الزمن الذي تقدم وسبق هذه المحن، هذه الأرضية النفسية لم تكن نفسية صالحة لكي تنشأ ضمنها أساليب العمل الصالح لكي تؤتي هذه الأساليب ثمارها، هذه الأرضية النفسية [وهذا التنظير يشبه مفهوم القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي] التي عشناها والتي كانت ولا تزال تساهم في خلق المشاكل في طريقنا وفي تكوين المحن في وجوهنا).[99]

والصدر هنا يعتمد تحليل النفس البشرية والإنسانية في مجتمعنا حيث يكون الانهيار النفسي هو الذي صيّر الفرد في بلداننا شخصاً غير عامل ومساوقاً لروح الهزيمة.[100]

لذلك حاول الشهيد الصدر إشعال جذوة روح العمل والإبداع في روح الفرد والأمة منطلقاً في ذلك، مستنداً على المفاهيم الدينية وإرجاع الأمر إليها (أخلاقيتنا التي نعيشها لم تكن أخلاقية الإنسان العامل، هناك مظاهر أساسية للأخلاقية التي كنا نعيشها، وهذه المظاهر هي أبعد ما تكون عن أخلاقية الإنسان العامل الذي يريد أن يحمل رسالة الله والذي يريد أن يمثّل الأنبياء على الأرض، هذه الأخلاقية لابد لنا أن نطوّرها في نفوسنا.. لكي نهيّئ الأرضية النفسية التي يُقام على أساسها العمل الصحيح الذي يتسم بروح التضحية والإيثار والتجديد في أساليب العمل).[101]

إذن فالصدر يعتمد هنا الأخلاق والدعوة الأخلاقية ليقترب من الخطاب الصوفي الذي يركّز على الإنسان وفاعليته في التطهير والعمليات الطهرانية، لكن الصدر يعطف عنق خطابه نحو شكل تثويري يغاير بعض الشيء ما ذكرناه من نصوص في حديثنا السابق (والذي يريد أن يمثل الأنبياء على الأرض) فبهذا إذن يتقوم تنظير الصدر للإنسان والذي هو هنا الإنسان العامل (=أو الخليفة كما في محل آخر من خطابات الصدر) فالصدر يؤمن بكون الإرادة الإنسانية هي التي تصنع التاريخ (فالإنسان هو الذي يصنع التاريخ [من التاريخ] في نظر الصدر، وليس التاريخ هو الذي يصنع الإنسان كما ترى المدرسة الوضعية).[102]

وهو الذي يقوم بوظيفة إعمار الأرض مستفيداً ۔في الحقيقة الصدر يحصر الأمر هنا حصراً۔ من الهداية الإلهية [=الدين] والذي هو مركز تثوير وإبداع الصدر (فالوحي وحده هو القادر على أن يؤمّن التربية الثورية الخلفية النفسية الصالحة التي تنشئ ثائرين لا يريدون في الأرض علوّاً ولا فساداً وتجعل من المستضعفين أئمة لكي يتحملوا أعباء الخلافة بحق ويكونوا هم الوارثين).[103]

فالوحي وفقاً للمزدوج والثنائية التي يحرص عليها الصدر سيأتي موفّقاً لطبيعة وتكوين الحياة، ويهدي الإنسان ليكون واقعياً في سلوكه ومنهجه، فلا يكون طوباوياً ولا مثالياً، فالقرآن قاوم النظرة الأسطورية للأشياء والعقلية الغيبية التي تصادر سنن التاريخ وقوانين الكون والطبيعة.[104]

ومن هنا بالذات دشّن الشهيد الصدر منطق الاستقراء رغم ثقافة الوسط الفلسفي الذي كان محيطاً بعنق الصدر[105] ومنهجه في التفسير وهو نظرية الواقع؛ وذلك لكي تكون المعرفة أرضية ۔لا سماوية۔ منسجمة مع الواقع لا معرفة لاهوتية سرابية لتكون الحكمة بذلك متواضعة لا (متعالية)[106] لذا نجد أن الصدر يشدّد على مسألتين:

الأولى: أن لكل علم منهجه الخاص وأن لكل موضوع طبيعة وأدوات بحثية معينة تتناسب معه، كما قال هيجل والذين من بعده وكما فعل المسلمون القدامى حيث أعطوا للميتولوجيا اهتماماً لا بأس؛ لذا لا يصح أن نتعامل بعقلية علم الأصول وميتولوجيته ۔مثلاً۔ أو القوالب السكولاستيكية لبعض مسائل علم الفقه والمنطق القديم في حل القضايا الاجتماعية لأجل أن لكل منها موضوعاً مختلفاً ومغايراً وكلاً منها تحتاج إلى منهج مغاير (هناك عقلية رياضية وهناك عقلية اجتماعية، يوجد نوعان من التفكير: تفكير رياضي وتفكير اجتماعي، التفكير الرياضي هو التفكير الذي لا يقبل حقيقة من الحقائق إلا إذا كانت كل نقاط الضعف فيها قد أزيلت بالبرهان القوي الواضح الذي لا يقبل الشك والجدل.. هذا هو التفكير الرياضي، وهو التفكير الذي نعيشه في علم الأصول؛ لأن كثيراً من قواعد علم الأصول تبنى على أساس البرهنة، لكن هذا التفكير يختلف عن التفكير الاجتماعي، التفكير الاجتماعي لا يمكن أن يطلب فيه البرهان.. العمل الاجتماعي يقوم على أساس الحدس الاجتماعي، والحدس الاجتماعي يتكون من الخبرة والتجربة ومن الاطلاع على ظروف العالم وملابسات العالم).[107]

الثانية: حاول الصدر بعد أن أهبط المعرفة من سماء الأرض أو حاول لذلك أن ينزل رجالات الدين والمؤسسة الدينية من عليائها۔ تماماً كما حاول الإمام الخميني وإن كان هناك اختلاف بين المسلكين ۔إلى أرض الجماهير والميدان المعاش بعد أن طال مكثهم في عوالم التجريد العقلي والعيش في عوالم الفرضيات لعلم الأصول والتفريعات العديمة الجدوى والثمرة في الفقه والبحث عن العقل الفعّال ونيل السعادة بالتخلص من الجسد في الفلسفة[108] فبينما يقوم التصوف والعرفان على الإيمان والاعتقاد بكون المعرفة تهبط من السماء[109] وأن العزلة هي التي توصل النفس إلى محلها الأول (الطاهر) والمقدس فإن الشهيد الصدر كان يعتقد العكس تماماً وفي حين آلت النظرية الأولى إلى الغربة والاعتزال[110] فقد أدت نظرية الصدر به إلى العكس؛ لذا كان الصدر مهموماً لإيجاد طريقة ما لدمج العلماء بالمجتمع، وما انفك يوصي بذلك حتى بلوغ أيامه الأخيرة.

(إذن يجب أن نفتح أعيننا على العالم، يجب أن نعيش الخبرة والتجربة في العالم، يجب أن نفكر في أساليب العمل لا الطريقة التي نفكر فيها في أساليب علم الأصول، الطريقة المفضّلة في التفكير الأصولي أن نجلس في غرفة خالية ونقفل باب الغرفة ثم نفكر في أن الترتب [=إحدى مسائل علم أصول الفقه] مستحيل أو ممكن؛ لأنها مسألة نظرية تنبع من واقع الأمر لا تنبع من الخارج، أما العمل الاجتماعي فيحتاج إلى حدس اجتماعي، والحدس الاجتماعي يتكون من خلال التفاعل مع الناس والاطلاع على ظروف العالم من خلال الاطلاع على الملابسات وعلى التجارب التي قام بها الآخرون).[111] وما ذلك إلا جرّاء الفهم الأعرج للتعلم والدراسة (لأننا ندرس العلم للعمل ولا ندرس العلم لكي نجمّده في رؤوسنا)[112] في حين أننا نشغف التجريدات والتفريعات إلى ما لا نهاية بغض النظر عن تحصيل ثمرة من ذلك وعن بعدها وانعكاساتها على حركتنا وعلى الواقع، وكأننا خليّون من الهموم والمسؤولية، فليست أرضنا محتلة ولا نفطنا منهوباً ولا هويتنا مضاعة.

لذا انتصب الشهيد الصدر في حينه ليعلن وبكل جرأة الصمود إزاء المحيط الاجتماعي، إخفاق المؤسسة الدينية وعجزها فهي لم تقدم مشروعاً ۔ما عدا الوعظ والإنشاء۔ كما أنها لم تندمج مع الأمة ولم تحسن توظيف الموروث العاطفي لدى الجماهير إزاء الفكر الديني، فقد تعاملت مع المعاصرين كما لو أنهم الأجداد السالفين، وما ذلك إلا لأن هذه المؤسسة وقّعت هدنة غير مكتوبة مع صاحب السلطة السياسية والسلطة الاجتماعية منذ زمن بعيد متحجبةً بالتقية ومتطلبات المرحلة والتي إن كان لها وجود فيما سبق فليس لها حتى مجرد الظل اليوم (لماذا تعيش الحوزة في هذا البلد مئات السنين ثم بعد هذا يظهر إفلاسها في نفس هذا البلد الذي تعيش فيه؟!.. وإذا بأبناء هذا البلد أو ببعض أبناء هذا البلد يظهرون بمظهر الأعداء.. ألا تفكّرون في أن هذه هي جريمتنا قبل أن تكون جريمتهم؟ في أن هذه هي مسؤوليتنا قبل أن تكون مسؤوليتهم؟ لأننا لم نتعامل معهم، نحن تعاملنا مع أجدادهم ولم نتعامل معهم.. فهذه الأجيال.. تشعر بأننا نتعامل مع الموتى)[113].

وهذه النصوص تدلّل رغم تغير ملامح الوجه الثقافي ۔بعض الشيء۔ عند الصدر جرّاء اقترابه من النهاية بأن الصدر بقي وفياً لمسيرته الثورية والنهضوية حتى الرمق الأخير.

9-العرفان قراءة تجديدية

إن الكثير ممن دخلوا الإسلام بعد أن اجتاحت الدولة الإسلامية الدولتين الرومانية والفارسية كانوا يدينون بمختلف الأديان والمعتقدات بما في ذلك البوذية والمانوية والزرادشتية وغير ذلك من الأديان والمعتقدات التي مرت في فترات متعاقبة من الزمن، وتؤكد المصادر القديمة أن الفرس قد أخذوا الكثير من معتقدات الهنود والصينيين وأفكارهم حتى أصبحت أديانهم وعاداتهم في الفترات التي سبقت الغزو الإسلامي لتلك البلاد مزيجاً من البوذية والبرهمية والدهرية، في حين أن اليهودية والنصرانية كانتا منتشرتين في البلاد الخاضعة لحكم الرومان، وكان نصيب البلاد الفارسية منهما محدوداً بالقياس بغيرهما، وبلا شك فإن أولئك الذين دخلوا في الإسلام وكانوا من قبله على تلك الديانات الموروثة عن الآباء والأجداد، قد كان منهم فريق كبير من العلماء بها ومن الدعاة إليها، ومن الصعب في مثل هذه الظروف أن يحتل الدين الجديد نفوسهم وقلوبهم وتألفه عقولهم بتلك السرعة.. وبخاصة بعد أن دخلوا في الإسلام مرغمين مقهورين، هؤلاء بعد أن اطمأنوا على حياتهم في ظل الدولة الجديدة وتهيأ لهم التغلغل في العواصم الإسلامية واختلطوا بالعرب الفاتحين، واتخذ الكثير منهم المدن والعواصم مسكناً ومتجراً لهم ودوراً للعلم والفلسفة، وشاعت الترجمة من الهندية والفارسية واليونانية بواسطة (النساطرة) و(السريان)..[114]

بينما يضيف باحث آخر القول:

نعم، هناك حرّان التي تنصّر أهلها والتي احتفظت بسبب ذلك الطابع اليوناني والوثني مع عناية خاصة بالعلوم الفلكية التي انتقلت إليها من بابل مع ما يرتبط بها من عبادة الكواكب والاشتغال بالتنجيم والسحر.. كانت [حرّان].. مقراً للصابئة الذين تشكّل فلسفتهم الدينية الهرمسية أحد التيارين الرئيسين في قطاع اللامعقول في الموروث القديم.. نعم، لقد قام الحرّانيون بدور كبير في حركة النقل والترجمة في الإسلام وبكيفية خاصة في مرحلتها الثانية، فنقلوا كثيراً من تراث مدرستهم العلمي والفلسفي إلى العربية بما في ذلك بعض المؤلفات الهرمسيه.. وأهم حدث علمي يرتبط اسمه بحرّان هو انتقال مجلس التعليم [=الكتب والأساتذة] إليها في خلافة المتوكل التي دامت من سنة 279هـ إلى سنة 289هـ.

وعلى هذا تستمر الدراسة في حرّان أكثر من أربعين سنة.. يبقى بعد هذا الخليط من الآراء الفلسفية المنحولة للحكماء السبعة، وفي مقدّمتهم أمبادوقلس المنحول الذي قلنا: إنه كان المصدر الخصب الذي غرفت منه التيارات الباطنية في الإسلام مشرقاً ومغرباً[115] بينما كانت أفاميه APAMEE مركزاً علمياً بالغ الأهمية طيلة القرون الأولى للميلاد، وهي تقع على نهر العاصي إلى الجنوب من أنطاكية بشمال سورية، وتسمّى اليوم بـ(قلعة المضيق) وقد سكنتها جالية إغريقية هائلة بالإضافة إلى سكّانها السوريين، وإلى هذه المدينة ينتسب (نوميوس) مؤسس الأفلاطونية المحدثة فهو أحد أبنائها.. فإن الثابت تاريخياً هو أن أفاميه قد قامت بدور بالغ الأهمية في تكوين ونشر الفلسفة الهيلنستية، أي في تغذية ونشر التيارات الغنوصية والنظريات المقتبسة من الديانات الشرقية.[116]

هذه بعض آخر الصيحات في العرفان والتصوف والدراسات والبحث فيه وحوله، لكن لو قلنا: إن بداية العرفان في الثقافة العربية والإسلامية كانت منبثقة عن مأزق قومي أو اتني أو لو قلنا بأن العرفان والتصوف لاعقلاني أو عقلاني فهل نكون قد قلنا فصل المقال؟

مهما قلنا أو ذكرنا سيبقى التصوف جزءً من تراثنا وموضوعاً قد تغلغل في حضارتنا وتبقى أهمية إعادة تثويره، تحليله وتجزئته إبستمولوجياً وسوسيولوجياً وسيكولوجياً وميتدولوجياً عملية لها بالغ الأهمية والخطورة، وكوننا نؤيد العرفاء ۔فرضاً۔ لا يبرر التغافل عن تناقضاتهم وشطحاتهم أو كوننا بالضد منهم لا يبرر السكوت عن إيجابياتهم، فقد كان للعرفاء قدم السبق بالانتباه إلى مقاصد الشريعة عندما شاهدوا اقتتال الفرق الإسلامية بعضها مع البعض الآخر ويكفّر بعضهم الآخر، في حين أن الجميع يشهد الشهادتين ويؤدي الفرائض، كما أنهم اهتموا بالعمل وقدموه على القول ۔يعكس فعل الفقهاء۔ واستبدلوا العبودية بالحب والعشق والهيام مع الله بدل علاقة الاستعباد والقهر وجعلوا الإنسان فوق الجميع، ورفضوا عبادة الله بكونه مجهولاً مطلقاً، فسعوا لأن يعبدوا الإله الحاضر ونظروا بكون الوجود فيض متجدد[117] لا أمر ثابت جامد ساكن لا حياة فيه، كما يؤمن العرفاء والمتصوفة بفاعلية الإنسان وقدرته.

وقد استطاع المتصوفة من خلال أبحاثهم في منازل المرتاضين[118] أن يغوروا في النفس البشرية ويشرّحوا أحوالها وأمراضها وكيفية تحديد تجلّياتها من مسرّة وحزن وحب وبغض ويأس وابتهاج وامتعاض ويقظة وصحو، ليكون العرفان أسبق من مدارس التحليل النفسي.

إذن وبالرغم من كوننا على خلاف الطرح العرفاني وبالضد من دعاته فإنه ۔للإنصاف۔ يمكن تقديم طرح آخر لهواة ومعتقدي التصوف والعرفان، من خلال بناء خطاب آخر يعتمد على المنظور العلمي لتقع المصالحة ۔ولو بدرجة ما۔ بين العقل والتصوف من جهة وبين العلم والتصوف من جهة أخرى بعيداً عن الطرح الأسطوري، فيكون التصوف فضاءً رومانسياً للإنسان ونزعة نحو الحب والسلام للبشرية جمعاء، مزلزلين بذلك بالعلاقة المتوترة والملتبسة بين التصوف وحب الحياة فهل نستطيع ذلك؟

[1]. بالإضافة إلى مؤلفات ابن سينا والخواجة الطوسي انظر: دلائل الصدق، المظفر، المجلد الأول؛ بداية الحكمة ونهاية الحكمة، محمد حسين الطباطبائي؛ أصول الفلسفة، محمد حسين الطباطبائي، ترجمة عمار أبو رغيف، ج1؛ الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج1؛ تاريخ الفلسفة العربية، ج1، ص283، تأليف حنا الفاخوري وخليل الجرّ، ط. دار الجيل، بيروت؛ المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، مصباح اليزدي، ترجمة الخاقاني، ج1؛ وانظر: مقدمة التحقيق لأبي العلاء عفيفي على كتاب (فصوص الحكم) و(فلسفتنا)، محمد باقر الصدر وأيضاً (قصة الفلسفة اليونانية)، ص 69، زكي نجيب محمود و تاريخ الفلسفة العربية، جميل صليبا، ص163، ط. الشركة العالمية للكتاب (1995) وكذلك (مفكرو اليونان)، ج1، ص132 و ص431، تيدور كمبرز، ترجمة محمد حسن لطيفي (فارسي) وأيضاً تاريخ الفلسفة، أميل برهيية، ترجمة جورج طرابيشي، ج 4، ص86 و ج1، ص154 و ج2؛ الفتوحات المكية، ابن عربي، ج1، ص95، ط. دار الفكر.

[2]. تفسير ما بعد الطبيعة، ابن رشد، ج1، ص43، ط. انتشارات حكمت، طهران وهي نسخة طبق الأصل عن الطبعة الألمانية.

[3]. اللمع، الطوسي وأيضاً إيقاظ النائمين، ملاصدرا الشيرازي، ورغم الهياج المتصاعد لعقلانية ابن خلدون في أوساط الانتلجانسيا فإننا وبالرغم من ذلك نحيل إلى دفاع ابن خلدون عن التصوف والكشف والمعجزة في المقدمة، ص21، ط. انتشارات استقلال، طهران وهي نسخة مصورة عن طبعة دار المعارف، بيروت.

[4]. تاسوعات أفلوطين، ص 306، ترجمة فريد جبر، وكذلك الجزء الثامن من (الأسفار)، ملاصدرا الشيرازي، وكتاب النفس من الشفاء، تحقيق حسن زاده آملي.

[5]. فصوص الحكم، أبو نصر الفارابي، ص 73، تحقيق محمد حسن آل ياسين، وكذلك شرح فصوص الحكم، حسن زاده آملي (فارسي)، وأيضاً أثولوجيا أفلوطين عند العرب، تحقيق وتقديم عبدالرحمن بدوي.

[6]. وقد قام بجمع هذه البحوث حسن زاده في كتابه عيون مسائل النفس.

[7]. الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، ص 17، ترجمة شفيق أسعد فريد، ط. مكتبة المعارف، بيروت، 1993م.

[8]. الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج 6، ص 178 ط. الأعلمي، بيروت 1993م.

[9]. الإشارات والتنبيهات، ابن سينا، ج3 أو ج4 حسب طبعة مؤسسة النعمان، بيروت، تحقيق سليمان دنيا، وانظر بشأن أوائل ظهور ثنائية البدن والروح الطوطم والحرام، فرويد، ص123، ترجمة جورج طرابيشي، ط. دار الطليعة، بيروت.

[10]. الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج9، ص179 و ص180.

[11]. شرح فصوص الحكم، جلال الدين الآشتياني، ص165 و180-181 وهي تعليقة الإمام الخميني، وأيضاً مكاشفة القلوب في علم التصوف، ص333 ، أبو حامد الغزالي، تحقيق جميل إبراهيم حسيب، الطبعة الأولى، بغداد.

[12]. راجع الأربعون حديثاً و (الجهاد الأكبر)، الإمام الخميني.

[13]. ملاصدرا كتب (كسر أصنام الجاهلية) بيد أنه ذاته الذي كتب (إيقاظ النائمين).

[14]. انظر: لب اللباب، حسين الطهراني، وهي تقريرات لدرس الطباطبائي في التصوف. ومن الذين يعتقدون من أن التصوف فلسفة وسلوك محمد تقي مدرسي. انظر: العرفان الإسلامي، ص139.

[15]. الإشارات والتنبيهات، ابن سينا، ج4، ص68، تحقيق سليمان دنيا.

[16]. تاريخ الفلسفة العربية، حنا فاخوري وخليل الجرّ، ج1، ص288، وانظر أيضاً مقدمة التحقيق لكتاب إحياء علوم الدين، ج1، الغزالي، والعرفان الإسلامي، ص 141، وجامع الأصول والأولياء، ج1، أحمد النتهشبندي الخالدي، والعرفان وعلم الكلام، مرتضى مطهري.

[17]. موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية، عبد المنعم الحفني، ص432؛ وانظر بهذا الصدد موسوعة لالاند الفلسفية، ج1، ص467.

[18]. موسوعة الفرق والجماعات، ص432 والرسالة القيشرية، القيشري.

[19]. تاريخ التصوف الإسلامي، عبد الرحمن بدوي، ص6، ط. الكويت.

[20]. م. ن، ص11.

[21]. مع ذلك يمكن أن نوافق ما هو شائع ونقول: حتى هذه هي أمور داخلة ضمن المعتقد الديني لكونها مرتبطة بحقيقة الإله [=وحدة الوجود مثلاً] وغيرها.

[22]. بخصوص هذا الأمر وما ذكرناه من تعريف للعرفان. راجع بنية العقل العربي محمد عابد الجابري، صص251 و253و 254، ط. مركز دراسات الوحدة العربية، (1990) وانظر أيضاً، مدخل إلى فهم الإسلام، يحيى محمد، و شرح فصوص الحكم، ج1، صائن الدين علي بن محمد بن التركة، مقدمة التحقيق لمحسن بيدارفر، ط. انتشارات بيدار، قم، إيران، والصلة بين التصوف والتشيع، كامل مصطفى شبيب، ج1، وبين التصوف والتشيع، هاشم معروف الحسني.

[23]. دين الإنسان، فراس السواح، ص293، ط. دار علاء الدين، دمشق، الطبعة الثانية وكذلك التشيع، محمد حسين الطباطبائي.

[24]. وهو ويل ديوارنت في (قصة الحضارة) عند تعرضه لتاريخ الهند وانظر أيضاً، بنية العقل العربي، محمد عابد الجابري، وما قبل الفلسفة، عبدالرحمن مرحبا، وتاريخ الفلسفه العربية، حنا الفاخوري وخليل الجرّ ، ج 1، والميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج6.

[25]. الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج6، ص181-184.

[26]. انظر تاريخ الفلسفة العربية، ج1، وبين التصوف والتشيع، للقرشي.

[27]. تاريخ التصوف الإسلامي، عبد الرحمن بدوي، ص44.

[28]. بنية العقل العربي، الجابري و مدخل إلى فهم الإسلام، يحيى محمد ومداخلات، علي حرب، نقد العقل العربي في الميزان، يحيى محمد.

[29]. تاريخ التصوف الإسلامي، ص27.

[30]. انظر مثلاً رسالة في الولاية، محمد حسين الطباطبائي؛ ومصباح الهداية، الإمام الخميني.

[31]. راجع: موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، عبد الرزاق الدواي.

[32]. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري، ج1.

[33]. مصباح الأنس، أبو حمزه الفناري، وشرح فصوص الحكم، صائن الدين بن التركة، ج1، ومقدمة التحقيق، محسن بيدارفر، ورسالة في العشق، ابن سينا، والإنسان الكامل في نهج البلاغة، حسن زاده آملي.

[34]. مداخلات، علي حرب، ص65، ط. دار الحداثة، لبنان، 1985.

[35]. ويستشهد ابن عربي كاستدلال على ذلك بالآية <لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ>.

[36]. وهو يوسف اليوسف.

[37]. هذا الاستدلال مستند إلى النحو التحويلي لليو شتراوس، وهو بعيد كل البعد من أن يكون استدلالاً ينهض لردّ هذه الدعوة بيد أن علي حرب لا يستطيع تحرير خطابه من ليو شتراوس وميشيل فوكو قيد أنملة!

[38]. مداخلات، علي حرب، ص74-76 وانظر: طبعة من العقيدة إلى الثورة، حسن حنفي، ج1، ص248، ط. مدبولي.

[39]. العمل الديني وتجديد العقل، طه عبد الرحمن، ص150، ط. المركز الثقافي العربي، 1997.

[40]. شرح منازل السائرين، عفيف الدين التلمساني، ص 212.

[41]. انظر كتاب الأغاني، الأصفهاني، والغدير في الكتاب والسنة، العاملي وتاريخ الإسلام الثقافي والسياسي، صائب عبدالحميد.

[42]. انظر: الأحکام السلطانية، الماوردي.

[43]. كما فعل كامل الهاشمي في إشراقات الفلسفة السياسية، ص11.

[44]. الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني.

[45]. لكن هذا الأمر لم يتطور فيما بعد ذلك في هذه المنطقة واستمر على سجيته ذاتها.

[46]. انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي والمحجة البيضاء، الكاشاني.

[47]. موعد اللقاء، ص91، وهي مجموعة رسائل الإمام الخميني إلى ولده أحمد.

[48]. الآداب المعنوية للصلاة، الإمام الخميني، وموعد اللقاء، ص76 وأسرار الصلاة، والأربعون حديثاً.

[49]. انظر: الأربعون حديثاً وأسرار الصلاة.

[50]. راجع مثلاً الفردوس الأعلى، كاشف الغطاء.

[51]. تمهيد القواعد، ص 5، صائن الدين بن التركة، تحقيق جلال الدين الآشتياني.

[52]. أسرار الشريعة وأطوار الطريقة وأنوار الحقيقة، حيدر آملي، ص7.

[53]. م. ن، ص5.

[54]. تهذيب الأصول، السبحاني، وهي تقريرات لدرس الإمام الخميني في علم الأصول.

[55]. الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، ص599، وجراء كون العرفاء يذكرون مطالب معقدة وعويصة ويقول عنها بأنها حقائق من القرآن والسنة انقسم الفقهاء إلى شعبتين: شعبة تكفّرهم صريحاً وترمي مؤلفاتهم بكونها كتب ضلال (ذاتاً) وشعبة أخرى ذهبت إلى كون كتبهم ضلال من باب أن الناس يلتبس عليهم الأمر عند مطالعتها (.. وإن يرى ما أوجب الضلال وإن كان مطالبها حقة كبعض كتب العرفاء والحكماء المشتملة على ظواهر منكرة يدّعون أن المراد غير ظاهرها فهذه أيضاً كتب ضلال على تقدير حقيقتها)، ج1، ص87 من كتاب المكاسب، مرتضى الأنصاري، ط. انتشارات دهقاني، إيران.

[56]. انظر: شرح الأسماء، هادي السبزواري، الأسفار، ملاصدرا، ج9 وكتاب مفاتيح الغيب، ملاصدرا الشيرازي والميزان، الطباطبائي، ج3.

[57]. حول مبحثي الحرية والاختيار والشقاوة والسعادة، انظر كتاب الطلب والإرادة وأنوار الهداية في التعليق على الكفاية، وكلاهما للإمام الخميني.

[58]. الإشراقات، الفلسفة السياسية، كامل الهاشمي، ص16-22.

[59]. هذه الرسالة نشرت عنوان دعوة إلى التوحيد ولها طبعة أخرى مشروحة بقلم جوادي آملي.

[60]. دعوة إلى التوحيد، ص57.

[61]. الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني، ص19، ط. مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني.

[62]. دراسات في الفكر السياسي للإمام الخميني، ص79، الكتاب الثالث لمجلة التوحيد.

[63]. النداء الأخير، ص31، وهذا الكتاب هو وصية الإمام الخميني الأخيرة.

[64]. م. ن، ص3.

[65]. موعد اللقاء، ص82، لكن كلامنا هنا مؤدلج، لذا ۔ومن أجل الحقيقة۔ يجب مراجعة بقية النص.

[66]. م. ن، ص53.

[67]. انظر: القضية الفلسطينية في كلام الإمام الخميني، ص19 وص191 من الحكومة الإسلامية، ص191 وانظر أيضاً: الحج في أحاديث وبيانات الإمام الخميني.

[68]. راجع: إحياء علوم الدين للغزالي.

[69]. مكانة المرأة في فكر الإمام الخميني، ص 89 و93 و103، ط. مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني للشؤون الدولية.

[70]. النداء الأخير، ص33.

[71]. موعد اللقاء، ص82، لكن كلامنا هنا مؤدلج لذا ۔و من أجل الحقيقة۔ ينبغي مراجعة بقية النص.

[72]. النداء الأخير، ص59، والثورة في فكر الإمام الخميني، ص166 وإشراقات الفلسفة السياسية، ص 28.

[73]. إشراقات الفلسفة السياسية، ص33 وما بعدها والفقيه والأمة، ص 87، وتأملات في الفكر الحركي والسياسي عند الإمام الخميني، محمد حسين فضل الله، وبهذا يتضح أنه وإن كان بالإمكان تأييد محمد عمارة بما قاله ص244 من تيارات الفكر الإسلامي، ط. دار الشروق بوجود نص هناك إلا أن محمد عماره أهمل السيرة العملية للإمام الخميني.

[74]. نحن أهملنا عن عمد مسائل العرفان عند الإمام الخميني لكونها ذات المنظومة عند ابن عربي بالإضافة إلى تصريح الإمام الخميني بذلك وكما يدل على ذلك البحث والتقصي.

[75]. انظر مثلاً: تطور الدرس الفلسفي في الحوزة، عبد الجبار الرفاعي.

[76]. م. ن، ص84 .

[77]. راجع مقدمة حيدر آملي على كتابه جامع الأسرار، ص89.

[78]. راجع ما يرويه محمد حسين الطهراني في كتابيه: روح مجرد ومهر تابان.

[79]. بحوث في علم الأصول، محمود الهاشمي، ج2، ص29، وانظر: الخطابي النجفي والعراقي عموماً في كتاب الذخيرة للمرتضى وتنزيه الأنبياء للرضي، وفي حين تبطل بعض الأوساط لابن عربي ولابن الفارض نجد النقيض لدى هذه المدرسة، انظر: ج1 من دلائل الصدق للمظفر، وبالرغم من كون العلامة الحلي من أبرز تلامذة الطوسي فإنه لم يأخذ من هذا الأخير إلا الجانب العقلاني فقط و متى وجدت مسالك غنوصية فهي تعتمد على المرويات والأخبار لا على العرفان والفلسفة كابن طاوس الحلي.

[80]. المعالم الجديدة للأصول، محمد باقر الصدر، ص5، وانظر: بحوث في علم الأصول ودروس في علم الأصول بأجزائه الثلاث.

[81]. هكذا قال الصدر في المحنة وحب الدنيا، إعداد ميثم الجاسم، ص46.

[82]. م. ن، ص76، وبشأن استيضاح المعنى الحرفي والرابط راجع ج2 من الأسفار لملاصدرا الشيرازي و ص37 عن نهاية الحكمة للطباطبائي، تحقيق عباس السبزواري، ط. مؤسسة النشر الإسلامي، إيران.

[83]. رسالة لب اللباب، محمد حسين الطهراني.

[84]. بحوث في علم الأصول، ج2، ص29.

[85]. هكذا قال الصدر، ص37_39.

[86]. م. ن، ص 22.

[87]. م. ن، ص49، وفي ص52 يستشهد الصدر بقصة يوسف بن تاشفين وقضية انتزاع الأندلس من أيدي المسلمين، والملاحظ أن الصدر هنا بعكس أسلوبه المؤلف يقوم بتجريد القضية من خصوصياتها وملابساتها الموضوعية وحصر بين طرفين: الإله والعبد، كما يفعل المتصوفة والعرفاء ويظيف الصدر مقولة: إن الإسلام فوق الزمان والمكان متناسياً ما قاله في المدرسة القرآنية من كون الدين أحد مظاهر التاريخ، وما ذلك إلا إحساس منه بالنهاية وضرورة التهيّؤ للقاء الله لكونه قد عزم على الشهادة.

[88]. هكذا قال الصدر، ص47.

[89]. م. ن، ص26.

[90]. م. ن، ص15_16.

[91]. م. ن، ص18_19.

[92]. م. ن، ص44.

[93]. م. ن، ص51.

[94]. منهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الإسلامي، عبد الجبار الرفاعي، ص79، ط. مؤسسة التوحيد، وهذه العبارة هي ذات العبارة التي يفتتح بها إقبال كتابه تجديد الفكر الديني.

[95]. محمد باقر الصدر، دراسات في حياته وفكره، نخبة من الباحثين، ص196، ط. دار الإسلام وفي حين كان الصدر تابعاً لملاصدرا في كتابه فلسفتنا، ص275 و ص234 فإنه قد تطور بعد ذلك ليتخذ مسلكاً مغايراً وكان ذلك في أطروحة: الأسس المنطقية للاستقراء. والبعض يقول: إن للصدر نظرية مختلفة ليس في نظرية المعرفة فقط بل حتى في الوجود. راجع دراسات في الحكمة والمنهج، عمار أبورغيف.

[96]. المدرسة القرآنية، محمد باقر الصدر، ص148، وموجز في أصول الدين، ص82، تحقيق وتقديم عبد الجبار الرفاعي، ومنهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الإسلامي، ص132، وكذلك فلسفة الصدر، اللاوي.

[97]. تجديد الفكر الديني، محمد إقبال، ص1، ترجمة عبد العزيز المراغي وج1، ص72، من العقيدة إلى الثورة، حسن حنفي، ج1، ص72 و هموم الفكر والوطن، ج1، حسن حنفي، ج1.

[98]. موجز في أصول الدين، محمد باقر الصدر، ص69، مقدمة التحقيق عبد الجبار الرفاعي، وهذا مرتبط وكما قلنا بثنائية (الدين – الحياة) فالصدر باحث عن طبيعة الدين وكيفية تثويره، انظر ما كتبنا في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد المزدوج الحادي عشر والثاني عشر، ومجلة التوحيد، العدد 154.

[99]. هكذا قال الصدر، ص44.

[100]. قد اهتم مالك بن نبي في وجهة العالم الإسلامي، بهذه القضية بشكل أكثر دقة وتفصيلاً.

[101]. هكذا قال الصدر، ص56 .

[102]. محمد باقر الصدر، دراسات في حياته وفكره، ص201.

[103]. الإسلام يقود الحياة، محمد باقر الصدر، ص159.

[104]. المدرسة القرآنية، ص78، لكن ألا يحق لنا أن نتسائل أنه كيف يمكن أن ينسجم ذلك مع النظرية العرفانية القائمة على النزعة الأخروية والتي قدمنا عنها نصوص عدة؟!

[105]. محمد باقر الصدر؛ دراسة في المنهج، نزيه الحسن، ص19، ط. دار المعارف.

[106]. لا نملك هنا إلا أن نكرر السؤال والاستفسار السابق: كيف ينسجم ذلك مع النزعة الأخروية؟

[107]. هكذا قال الصدر، ص67-68.

[108]. هذا النوع من العقلية والتفكير هو الذي أدى ببعض الفقهاء أن يكون أصماً لا يستطيع أن يفهم خطاب الإمام الخميني، انظر مثلاً الكوثر، ج1، ص298، وهذا الكتاب هو مجموعة خطابات الإمام الخميني ط. مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني للشؤون الدولية.

[109]. راجع مقدمة الفتوحات المكية، ج1، ابن عربي وتاسوعات أفلوطين، ص389، والبعض حاول أن يفلسف هذه القضية وأن يعطيها دعماً استدلالياً كالعلامة الطباطبائي في نهاية الحكمة.

[110]. راجع توصيات العلامة الطباطبائي في رسالة لب اللباب.

[111]. هكذا قال الصدر، ص68، وفي حين يؤكد ويشدد الصدر على ذلك فإن البعض ۔ومنهم تلاميذ الصدر۔ لا زال متمسكاً برؤية عقيمة تولي الجانب اللاهوتي في الأمور أو إضفائه عليها الأهمية البالغة، وذلك حينما يقول: (إننا يجب أن نلتفت إلى جانب الشرعية في الأعمال قبل أن نلتفت إلى أن هذا العمل سوف ينجح أو لا) انظر: المرجعية والقيادة، كاظم الحائري، ص178.

[112]. هكذا قال الصدر، ص63، ويؤكد الإمام الخميني في كتابه الآداب المعنوية للصلاة، بأن لا يوجد علم نظري بحت وأن جميع العلوم هي عملية في واقعها.

[113]. هكذا قال الصدر، ص65، والإمام الشهيد محمد باقر الصدر رائد حركة التغيير في العراق، عز الدين سليم، ص46.

[114]. بين التصوف والتشيع، هاشم معروف الحسني، ص305.

[115]. تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، ص136، ط. مركز دراسات الوحدة العربية.

[116]. م. ن، ص169، وانظر: فقرة رقم 3 من هذه الدراسة.

[117]. شرح الأسماء، هادي السبزواري، ص245، ط. انتشارات جامعة طهران.

[118]. انظر كأنموذج: شرح منازل السائرين، عبد الرزاق القاشاني.