الاستقراء من وجهة نظر الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: استقراء از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: محسن پورمحمد

مقدمة

منذ العصور القديمة جداً، كان الإنسان يسعى لإيجاد أساس متين لمعرفة ذاته. فقد اعتبر أرسطو، مؤسس علم المنطق ومنظمه، أن الوصول إلى الحقيقة يتم عبر ثلاثة طرق: القياس، التمثيل، والاستقراء.

ومن بين هذه الطرق الثلاث، الاستنتاج القياسي فقط هو المفيد للعلم، أما النوعان الآخران، بما في ذلك الاستقراء، فليسوا مفيدين للعلم؛ لأن هناك احتمالاً أن تكون الحالات التي لم يُستقرَ بها مخالفة للحالات التي استُقرِت. لذلك، تكمن مشكلة الاستقراء في قدم أصل الاستقراء نفسه.

كان المفكرون منذ البداية يفكرون في إيجاد حل. فمن جهة، معظم القضايا التي تُستخدم في العلوم المختلفة تستند إلى الحس والملاحظة، وبالتالي فهي استقرائية، ومن جهة أخرى، عدم فائدة الاستقراء للعلم يؤدي إلى انهيار أساس العلم وتمهيد الطريق للشك.

ما يحدث في الاستقراء مبني على قبول ثلاثة مبادئ:

١) كل حادثة مثل «ب» تحتاج إلى سبب مثل «أ»؛

٢) سبب «ب» هو الشيء الذي يُلاحظ دائماً مصاحباً له؛

٣) كلما تحقق سبب «ب» أي «أ»، تحدث «ب» أيضاً.

مشكلة الاستقراء

يواجه الاستقراء ثلاثة أسئلة وإشكالات:

أولاً: لماذا يجب افتراض سبب لكل ظاهرة ورفض احتمال الصدفة المطلقة والحدث المحض؟

ثانياً: إذا كان لكل ظاهرة سبب، لماذا يجب أن يكون السبب هو الشيء المصاحب لها، ولماذا يجب استبعاد احتمال الصدفة النسبية؟

ثالثاً: لماذا تعمل الطبيعة بشكل موحد؟ ولماذا يكون «أ» في كل الحالات المتشابهة للطبيعة سبباً لحدوث «ب»؟

يحل المنطق الأرسطي مشكلة الاستقراء بقبول قضايا لم تُستدل عليها عن طريق الاستقراء، ويعتمد على قاعدتين عقليتين كما في السابق، فيرى نفسه غير محتاج للإجابة على الإشكال الأول والثالث، وللإجابة على الإشكال الثاني يلجأ إلى قاعدة «الصدفة». هذه القضايا هي:

١- كل ظاهرة تحتاج إلى سبب (مبدأ العلية).

٢- الحالات المتشابهة لها نتائج متشابهة (مبدأ التكرار).

٣- الصدفة ليست دائمة أو غالبية، بل نادرة (مبدأ الصدفة).

المبدأ الأول والثاني مقبولان في التقليد الفلسفي الأرسطي، لكن الشهيد صدر بنقده لآراء أتباع أرسطو يعتبر الاستدلال المنطقي عليهما مستحيلاً، ويرى أن السبيل الوحيد لإثباتهما هو الاستقراء.[۱]

أما القاعدة الثالثة أو مبدأ الصدفة، فقد تشكل في نظر أرسطو بناءً على معرفة سابقة ولا تحتاج إلى برهان، لكن الشهيد صدر لا يقبل هذا الرأي. في نظره، هذه القاعدة ليست أمراً سابقاً؛ لأن العقل لا يعتبر تكرار الصدفة مستحيلاً مثل اجتماع نقيضين، وإذا كان يقصد استحالة التكرار الخارجي وليس العقلي، فحينئذ تكون قاعدة «الصدفة» تجربة وعادة وليست من المبادئ العقلية السابقة والفوق تجريبية، في حين أن المبادئ العقلية السابقة فقط هي التي تستند إليها الضرورة في إثبات أو نفي شيء ما.[۲] هذه القاعدة في نظر الشهيد صدر استقرائية. وقد قال في الفرق بين نظريته وأرسطو ما يلي:

النقطة الجوهرية في اختلافنا مع أرسطو هي أننا، رغم أننا لا ننكر ذلك المبدأ تماماً ونعتبره صادقاً في نطاق خاص، إلا أننا لا نتفق مع أرسطو في تقييم تلك القاعدة. في نظرنا، تلك القاعدة حتى لو قُبلت فهي استقرائية وليست عقلية، والحق أن منطق أرسطو لم يقدم دليلاً عليها.[۳]

وقد وجه الشهيد صدر في كتابه سبع إشكالات على حل أرسطو وأتباعه، وقدم نظريته تحت عنوان «مدرسة التوالد الذاتي للمعرفة» مقابل رأيهم القائم على «توالد موضوعي للمعرفة». وميز بين «اليقين الموضوعي» و«اليقين الذاتي». فاليقين الذاتي يدل على الجزم والقطع الذهني والنفسي تجاه أمر ما، في حين أن اليقين الموضوعي مبني على القرائن والأدلة الخارجية؛ بمعنى أن اليقين الموضوعي له صفة موضوعية، بينما اليقين الذاتي يعبر عن الجانب النفسي المعرفي.

بعد نقد آراء الأرسطيين، يعرض الشهيد صدر آراء «التجريبيين»، أي «جون ستيوارت ميل» و«ديفيد هيوم» وينتقدها.

جون ستيوارت ميل هو استقرائي قوي ومتصلب. وهو يعتقد أن مبدأ العلية يُثبت أيضاً بالاستقراء. أما هيوم فهو من أشد المعارضين للعلية ويفسرها بناءً على الترابط المعنوي والحالات النفسية. ويوافق المرحوم صدر تماماً على رأي ستيوارت ميل بأن مبدأ العلية يمكن إثباته بالاستقراء (حتى لو كان يمكن إنكاره بدونه)، لكنه يرى إشكال رأيه في اعتقاده أن التعميم الاستقرائي يحتاج إلى العلية، بينما في نظر الشهيد صدر ليس الأمر كذلك، فالاستقراء لكي يكون مثمراً لا يحتاج إلى أي مبدأ سوى مبدأ استحالة التناقض، ومبادئ موضوعية لحساب الاحتمالات، ومبدأ معرفي.[۴] أما الطرق التي اقترحها ستيوارت ميل لاكتشاف العلاقة بين الحادثتين «أ» و«ب» (الصدفة، الاختلاف، التغيرات، التزامن والبقايا) فهي في نظر الشهيد صدر لا تقدم سوى مساعدة في تقليل احتمال التوافق العشوائي بين «أ» و«ب»، لكنها لا تثبت قطعية العلاقة السببية بين «أ» و«ب»[۵] ولا تلغي احتمال وجود عامل غريب (ت) إلى الصفر، بل توضح فقط أن فرضية وجود عامل مسؤول ومجهول «ت» تفسر أموراً كثيرة، ومن ثم احتمالها منخفض جداً، لكنه لا يصل أبداً إلى الصفر.[۶]

يعتقد الشهيد صدر أن هيوم لا يشكك في نتائج البرهان الاستقرائي، بل يكمن اختلافه مع الآخرين في أنه بدلاً من تقديم تفسير موضوعي وواقعي لليقين، يعرض تفسيراً ذاتياً وذهنياً له، يعتمد بدلاً من القوانين الواقعية على العادة والحالات النفسية. وهو يتفق مع هيوم في أن مبدأ العلية لا يمكن استنتاجه من مبدأ استحالة التناقض؛ لأن فرض حدوث شيء بدون سبب لا يتضمن تناقضاً. كما أنه، مثل هيوم، يرى أن هذا المبدأ قضية عقلية بديهية سابقة لا تحتاج إلى أي برهان. لكن اختلاف الشهيد صدر مع هيوم يكمن في نقطتين:

١- هيوم لا يقبل مبدأ العلية كمبدأ عقلي أولي، بينما الشهيد صدر، خلافاً له، يرى أن مبدأ العلية يمكن تحصيله من خلال التجربة.

٢- هيوم يعتبر اليقين الناتج عن الاستقراء أمراً شخصياً وترجمة نفسية لحالة الفرد (اليقين الذاتي)، في حين أن الشهيد صدر يعتبر هذا اليقين مرتبطاً بعناصر موضوعية وشروط واقعية (اليقين الموضوعي).[۷]

أقسام الشك واليقين

قبل بيان نظرية المرحوم صدر، من الضروري أن نشير إجمالاً إلى بعض أقسام اليقين والشك:

أ) أقسام الشك:

للشك أقسام نذكر منها بعض الأمثلة:

١- الشك المنطقي: هذا النوع من الشك هو تردد يستند إلى أساس منطق وعقل. بمعنى آخر، هذا الشك يقوم على التأمل والدقة في مسألة أو قضية معينة، وليس مجرد قلق فكري ناتج عن خيال القوة الخيالية أو تمرد القوة الوهمية على قبول أمر العقل. فالشك المنطقي هو شك متجذر وأساسي، وهو أعم من الشك الاستدلالي.

٢- الشك النفسي أو الوهمي: هذا النوع من الشك يقف في مقابل الشك المنطقي، وهو في الواقع استبعاد ناتج عن عدم دقة في المسألة أو عدم تحمل القلق والاضطراب النفسي (وليس ناتجاً عن العقل والمنطق).

٣- الشك الاستدلالي: هو شك مرتبط بالبرهان والحجة، حيث لا يكتفي الشاكي بإبداء ادعائه فقط، بل يزود كلامه بالأدلة.[۸]

٤- الشك المزاجي: هذا الشك يقف تماماً في مقابل الشك الاستدلالي. الشاكي المزاجي لا يستدل على شكه، بل يكتفي بالقول إن شخصه على نحو يجعله لا يتيقن من أمور يتيقن منها الآخرون. ويدعي أن معظم الناس ساذجون وسهل التصديق ويقتنعون بأدلة ضعيفة، لكنه ليس كذلك. وهذا مجرد تبخير لا يصاحبه دليل، لذا يمكن اعتباره نوعاً من “الوسواس الفكري” إلا إذا تحدث بدليل، ففي هذه الحالة لا يكون شكاً مزاجياً.

ب) أقسام اليقين

لليقين أيضاً أنواع نذكر منها بعضاً بإيجاز:

١- اليقين المنطقي: هو يقين مبني على أساس متين ولا يقبل الشك منطقياً. في الواقع هو جزم مئة بالمئة بالقضية، متجذر وأساسي. هذا النوع من اليقين هو جزم متجذر بثبوت المحمول للموضوع أو التابع للمقدم، ولهذا السبب، بالقوة أو بالفعل، يرتبط به الجزم بـ “استحالة نفي المحمول عن الموضوع”.

٢- اليقين النفسي: هذا النوع من اليقين يقف في مقابل اليقين المنطقي، وهو في الواقع أعم من اليقين المنطقي وغير المنطقي.

“ديكارت” تحدث عن نوعين من اليقين: اليقين الميتافيزيقي واليقيين الأخلاقي. ويرى أن اليقين الميتافيزيقي لا مجال فيه لأدنى شك، على عكس اليقين الأخلاقي الذي ليس متيناً مثل اليقين المنطقي، وهو فقط لإدارة شؤون الحياة.

“فيتغنشتاين” أيضاً قسم اليقين إلى نوعين: اليقين الموضوعي واليقين الذهني. في الواقع، ما كان ديكارت يسميه اليقين الميتافيزيقي، يسميه فيتغنشتاين “اليقين الموضوعي”، مع الفرق أن ديكارت في كتاب المبادئ في المبدأ ٢٠٦ يصرح بأن اليقين الممكن لنا ليس محصوراً في اليقين الأخلاقي، لكن فيتغنشتاين لم يرَ إمكانية الوصول إلى اليقين الموضوعي.

أقسام اليقين في نظر الشهيد صدر

قسم الشهيد صدر اليقين إلى ثلاثة أقسام:

١- اليقين المنطقي: هو اليقين المنطقي أو الرياضي الذي يُراد في البرهان الأرسطي، ويعني اليقين بالقضية المحددة، وأنه من المستحيل أن تكون القضية خلاف ما علمناه. هذا اليقين مركب من نوعين من العلم، وطالما لم يُلحق العلم الثاني بالأول، لا يتحقق هذا اليقين.

٢- اليقين الذاتي أو الشخصي: أي الجزم والقطع الذهني والنفسي بأمر من الأمور، بغض النظر عما إذا كانت المبررات الواقعية تقتضيه أم لا، بمعنى آخر سواء كان مبرراً ومدلولاً أم لا.

٣- اليقين الموضوعي: هو اليقين الذي يقتضيه “المبررات الواقعية”، أي اليقين المبرر والمدلول والمبني على قرائن وشواهد خارجية (موضوعية). العلاقة بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي هي عموم وخصوص من وجه. اجتماع اليقين الذاتي والموضوعي يكون حين يتحقق يقين في نفس الشخص ويكون ذلك اليقين مبرراً ومدلولاً ويقتضي “المبررات الواقعية”. هذا النوع من اليقين هو مثال على اليقين الذاتي والموضوعي معاً. أما إذا تحقق يقين في الشخص دون أن يكون مبرراً ويقتضي “المبررات الواقعية”، فهذا اليقين مثال على اليقين الذاتي وليس الموضوعي. من ناحية أخرى، قد تكون المبررات الواقعية والأدلة مقتضية لليقين، ولكن بسبب الظروف النفسية للشخص لا يتحقق لديه اليقين. هنا يكون اليقين الموضوعي متحققاً لوجود المبررات الواقعية والموضوعية، دون تحقق اليقين الذاتي.[۹]

مراحل استنتاج الاستقراء

يرى الشهيد صدر أن الاستقراء لا يفيد اليقين المنطقي ولا اليقين الذاتي، بل يفيد اليقين الموضوعي. في الحقيقة، هو يسعى إلى الاستدلال على أنه يمكن بالتمديد الاستقرائي الانتقال من التصديق الاحتمالي الموضوعي إلى التصديق الجازم والموضوعي، وهذا وحده يكفي لإضفاء الصفة المجيزة على الاستقراء. ويقول إنه لكي يكون الاستقراء مفيداً لمثل هذا اليقين، يجب أن يمر بمرحلتين، ولكل مرحلة شروط وخصائص لازمة لكي يتم سيرها بشكل صحيح:

أ- مرحلة التولّد الموضوعي: في هذه المرحلة، بناءً على قواعد حساب الاحتمالات، تزداد درجة الاحتمال في القضية الاستقرائية بشكل متزايد، بشرط وجود وحدة وتشابه مفهومي بين الحالات المستقرأة. نمو الاحتمال في هذه المرحلة يتم بطريقة رياضية وموضوعية دون ارتباط بالحالة النفسية الشخصية. لذلك، يتناول الشهيد الصدر دراسة حساب الاحتمالات وعلى رأسها البحث في حقيقة الاحتمال. في هذا البحث، يناقش وينقد النظريات المختلفة حول الاحتمال، خصوصًا المدرسة الكلاسيكية (لابلاس) ومدرسة التواتر المنتهي، وفي النهاية يصل إلى طريق راسخ لحل مشكلة الاستقراء. يستفيد في تفسير “الاحتمال” من “العلم الإجمالي” كما يسميه الأصوليون.

ب- مرحلة التولّد الذاتي: في هذه المرحلة، يسعى الشهيد الصدر إلى الظروف التي تتحول فيها الاحتمالية المتزايدة الناتجة من المرحلة السابقة إلى يقين. يعترف بأنه لا سبيل للوصول إلى “اليقين المنطقي” من هذا المنطلق، ولا قيمة لـ “اليقين الذاتي”، ولكن في النهاية يجب انتظار اليقين الموضوعي. لذلك، يبحث عن حالة ينتقل فيها النفس حتمًا من الاحتمال المتزايد إلى الجزم واليقين.[۱۰]

في بداية هذه المرحلة، يجب قبول مبدأ مسلم به وهو أن بعض درجات التصديق الموضوعي بديهية وتتحقق بشكل أولي؛ لأن كل تصديق موضوعي إما يمكن استنتاجه من تصديقات أخرى أو لا يمكن. في الحالة الأولى، يجب أن تؤدي سلسلة هذه الاستنتاجات إلى تصديق لا يحتاج إلى استدلال.[۱۱]

بعد قبول هذا المبدأ، يتمثل دور البحث العلمي في مرحلة التولّد الذاتي في:

١- الشكل والقالب الأساسي الذي يحتاجه الدليل الاستقرائي في المرحلة الثانية لتفسير حصول الجزم.

٢- البرهان على الشروط التي يجب تحققها لضمان صحة المبدأ المذكور.

٣- البرهان على تحقق هذه الشروط في الحالات التي تم دراستها في المرحلة السابقة.[۱۲]

أما المبدأ الذي يطلبه الدليل الاستقرائي في المرحلة الثانية، فلا علاقة له بالواقع الخارجي ولا يشير إلى حقيقة موضوعية، بل يرتبط فقط بمعرفة وعلم الإنسان. وفقًا لهذا المبدأ: «عندما تتجمع كمية كبيرة من القيم الاحتمالية حول محور معين بحيث يكتسب هذا المحور قيمة احتمالية كبيرة، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحول إلى يقين تحت ظروف خاصة. كأن المعرفة البشرية مجبرة ولا تستطيع الحفاظ على القيم الاحتمالية الصغيرة جدًا. لذلك تُضحى القيم الاحتمالية الصغيرة في سبيل القيم الاحتمالية الكبيرة، أي تتحول القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين، وزوال القيم الاحتمالية الصغيرة ليس نتيجة تدخل عوامل يمكن التغلب عليها. هذا المبدأ يفترض أن زوال القيم الصغيرة وتحول القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين، هو نتيجة حركة طبيعية للمعرفة البشرية.»[۱۳]

يرجع هذا المبدأ إلى أن محورًا معينًا يجذب الجزء الأكبر من التصديق من خلال تجمع القيم الاحتمالية التي تجسدت فيه، وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع الاحتمال ومن ثم تحوله إلى يقين. في المقابل، تُهمل القيمة الاحتمالية الصغيرة والمعارضة للقيمة الكبيرة بسبب حقارتها.[۱۴]

لكي لا يؤدي تطبيق هذا المبدأ إلى زوال العلم الإجمالي نفسه، يجب افتراض وجود علمين إجماليين، أي شرط ضروري لتطبيق هذا المبدأ المعرفي. لتوضيح النقاش، انظر المثال التالي:

«افترض أن هناك عشرة آلاف كتاب في مكتبة، ونحن على يقين أن مجلدًا واحدًا منها ناقص. احتمال أن يكون أي كتاب نأخذه هو الكتاب الناقص هو ١/١٠٠٠٠، واحتمال ألا يكون كذلك هو ٩٩٩٩/١٠٠٠٠. وفقًا للمبدأ أعلاه، يجب التضحية بالاحتمال الصغير من أجل الاحتمال الكبير، واعتبار أن كل كتاب نأخذه ليس معيبًا. الآن، السؤال هو: إذا فعلنا ذلك، ألا نصل إلى نتيجة أنه لا يوجد كتاب معيب؟ وهل هذه النتيجة تتعارض مع علمنا الإجمالي – بأن هناك كتابًا ناقصًا؟ لذلك، لكي يكون هذا المبدأ معقولًا ولتتحقق الشروط التي وضعناها، يجب أن يكون لدينا علمان إجماليان. وهذا ممكن بطريقتين:

١- أن يكون تجمع الاحتمالات تابعًا لعلم إجمالي، ومحور التجمع تابع لعلم إجمالي آخر. في هذا الافتراض، لا ينتمي محور التجمع والتجمع نفسه إلى علم واحد، بل المحور طرف في علم والتجمع يعبر عن جزء كبير من قيمة علم آخر.

٢- أن يكون لدينا علم إجمالي واحد فقط يؤدي إلى زوال القيمة الاحتمالية لأحد أعضائه، ومع ذلك لا يؤدي هذا إلى نفي مبدأ العلم الإجمالي أو تفضيل بلا مرجح؛ لأن القيم الاحتمالية لأعضاء هذا العلم ليست متساوية. أما كيف يمكن أن لا تكون الاحتمالات متساوية لأعضاء علم إجمالي واحد، فسر الأمر هو أن علمًا إجماليًا آخر يتدخل ويخرج أعضاء العلم الأول من التماثل والتجانس. على سبيل المثال، إذا رميت عملة معدنية عشر مرات، احتمال ظهور كل وجه هو ١/٢. هناك ١٠٢٤=٢ تشكيلًا ممكنًا، وجميعها لها احتمال متساوٍ وهو ١/١٠٢٤. ومع ذلك، نعتبر احتمال ظهور نفس الوجه في جميع العشر مرات أقل احتمالًا من احتمال ظهور وجه معين في المرات الأولى والرابعة والسادسة والعاشرة، والوجه الآخر في المرات المتبقية.

هذا الاستبعاد يدل على وجود عامل آخر يمنع علمنا الإجمالي الأول من تساوي الاحتمالات. والشرح هو: ظهور كل وجه للعملة يعتمد على عدة عوامل مثل حالة الطقس، نوع الحركة، طريقة الرمي، ووضع العملة في اليد. إذا بقيت هذه العوامل ثابتة ومتجانسة، ستكون النتيجة دائمًا واحدة. لكن بما أن احتمال تغيرها كبير واحتمال ثباتها قليل، فإن احتمال ظهور نفس الوجه في كل الحالات قليل جدًا.[۱۵]

يبحث الشهيد صدر بهذا التعبير عن بديل جدير للأصل الأرسطي (قاعدة الاتفاق) ويقترحها، وبالتحليل الذي قدمه لمصدر ذلك الأصل، يضع عليها «قاعدة عدم التشابه».[۱۶]

 

 

[۱]. الأُسس المنطقية، ص ١١١ و ص ١١٤.

[۲]. المرجع نفسه، ص ٤٤ – ٤٥.

[۳]. المرجع نفسه، ص ٤٥ – ٤٦.

[۴]. الأُسس المنطقية، ص ٧٩.

[۵]. المرجع نفسه، ص ٨١.

[۶]. المرجع نفسه، ص ٨٧.

[۷]. الأُسس المنطقية، ص ١١٤ و ص ٣٥٦.

.[٨] Jona Than Daney, In Troduction To Contemporary Epistemology, ص ٧

[۹]. الأُسس المنطقية، ص ٣٢٢- ٣٢٧.

[۱۰]. المرجع نفسه، ص ٣٦٣.

[۱۱]. الأُسس المنطقية، ص ٣٦١-٣٦٢.

[۱۲]. المرجع نفسه، ص ٣٦٦ – ٣٦٧.

[۱۳]. المرجع نفسه، ص ٣٦٨.

[۱۴]. المرجع نفسه، ص ٣٦٩.

[۱۵].  الأُسس المنطقية، ص ٣٩٤ – ٣٩٥.

[۱۶]. الأُسس المنطقية، ص ٣٩٨.