ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: جریان اقلیت و اکثریت از دیدگاه علامه طباطبایی و شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: يتناول هذا المقال دراسة تيار الأقلية والأغلبية من وجهة نظر العلامة الطباطبائي والشهيد الصدر لتوضيح رؤية هذين العالمين الشيعيين حول التيارين الفكريين في صدر الإسلام. قبل أن تتخذ المذاهب الإسلامية عناوين خاصة بها، كان هذان التياران يعيشان جنبًا إلى جنب بأفكار مختلفة. عند تحليل فكر هذين العظيمين، بالرغم من أن أسلوب وطريقة البحث عند كل منهما تُعتبر خاصة ومختلفة، إلا أن هناك نقاط مشتركة كثيرة تُستخلص. من بين هذه المشتركات، ذكر الأداء الخاص لكل من التيارين، التأكيد على استمرار المسار الأصيل للإسلام في إطار «فكر الأقلية» وانحراف «الأغلبية» عن هذا المسار، والتعامل النقدي والتحليلي مع التاريخ، وهو ما تم التوسع فيه في هذا المقال.
المؤلف: محمدقاسم مبارز، قاسم جوادی
المصدر: طلوع، شتاء 1390، العدد 38، ص 121 إلى 140.
المقدمة
عادةً ما يكون الأسلوب الشائع في دراسة تاريخ الأفكار هو التركيز على جوانب ظهورها، لكن الزوايا الخفية التي تقع في هالة من الغموض بسبب مرور الزمن، وتدخل الأيادي الظاهرة والخفية للتيارات والحكام السياسيين، والتعقيدات العلمية والاجتماعية وغيرها، تُهمل إلى حد ما. من خصائص المفكرين العميقين مثل العلامة الطباطبائي والشهيد الصدر أنهم يحللون وينتقدون الأفكار والتيارات بدقة ويكشفون الزوايا الخفية لها. فيما يتعلق بتيارات صدر الإسلام وتاريخ المذاهب الإسلامية، كُتبت العديد من الأعمال، لكن الأسلوب الذي سلكه هذان العالمان الشيعيان لتحليل تيارات صدر الإسلام والنظر إلى مسار تطور تاريخ الشيعة من هذه الزاوية، وكذلك الفروقات في أسلوب البحث بين هذين المفكرين الشيعيين، له أهمية كبيرة ويستحق التدقيق في دراسة التيارات الفكرية الدينية، خصوصًا المذهب الشيعي، ويمكن اعتباره منهجية خاصة متميزة.
مفهوم الأغلبية
بعد رحيل النبي صلى الله عليه وسلم، اجتمع عدد من المسلمين في سقيفة بني ساعدة لتحديد خليفة رسول الله. هذه المجموعة من المسلمين الذين برروا هذا الإجراء لاحقًا بأنه من باب الخير للمسلمين (طباطبایی، د.ت.: 30)، كانت في البداية مكونة من عدد قليل من زعماء القبائل، لكن بعد اختيار الخليفة وتوافقهم على خلافة أبي بكر، تبع معظم المسلمين القرارات المتخذة في السقيفة، ورافقوا الأسلوب والطريقة التي اتبعها الجهاز الحاكم في تنفيذ الأحكام وشرح الأوامر الدينية. أطلق العلامة الطباطبائي على هؤلاء المسلمين اسم (الأغلبية) وكتب:
… مجموعة أخرى (التي أصبحت فيما بعد الأغلبية) اجتمعت في سقيفة بني ساعدة بارتباك شديد، وعينت خليفة النبي أمام عامة المسلمين في هيئة المصلحة والخير (طباطبایی، د.ت.: 21).
مفهوم الأقلية
في مقابل تصرفات وأداء الأغلبية، كان هناك عدد آخر من المسلمين الذين كانوا ملتزمين بحفظ مسلمات الكتاب والسنة، واعتبروا هذا التصرف تجاوزًا لمسلمات الدين وثاروا احتجاجًا. رغم أن عدد المحتجين كان قليلًا في البداية، إلا أنه مع توسع الاستياء العام من أداء مجموعة الأغلبية، ازداد عددهم تدريجيًا. لم يكن احتجاج المحتجين بسبب اختلافهم مع الأغلبية في فهم الدين، بل كانوا يرون أن أداء وأفكار الأغلبية نابعة من العصيان وتجاوز المسلمات، وهو ما اعترفت به الأغلبية نفسها بخطئها (طباطبایی، 1373: 30). وهكذا، انقسم المجتمع الإسلامي إلى طيفين: الأقلية الملتزمة المحتجة، والأغلبية المتجاوزة المعترفة، وبرزت أقلية باسم (الشيعة) في المجتمع (المرجع نفسه، د.ت.: 18).
يسمي العلامة هؤلاء المسلمين المحتجين في مؤلفاته المختلفة بالأقلية، ويكتب في هذا الصدد:
كما نرى، فإن المعارضين للخلافة الانتخابية، الذين انفصلوا عن الأغلبية في اليوم الأول احتجاجًا، واشتهروا باسم «الشيعة»، لم يكونوا في البداية أكثر من عدة أفراد، لكنهم في أواخر فترة الخلافة شكلوا جمعًا ملحوظًا (طباطبایی،1370: 75).
الشهيد الصدر أيضًا ذكر هذين التيارين في صدر الإسلام باسم (الأغلبية والأقلية) وكتب:
اختلاف الهدف بين هاتين الفئتين بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خلق فوراً مجموعتين متضادتين ومتخاصمتين بأفكار ومفاهيم مختلفة، وفي هذا المسار انقسمت الأمة الإسلامية إلى جناحين؛ جناح كان كأنّ القيادة والحكم مقدران له، وتمكن من احتواء غالبية المسلمين، وجناح آخر كان محكوماً عليه، وكأنه مقدر له أن يختبر وجوده كـ”أقلية مناضلة” داخل الغالبية، وهذه المجموعة الأقلية المعترضة والمناضلة هي “الشيعة” (صدر، 1360: 82).
المبادئ
المقصود هو وجهات النظر والأفكار الأساسية للجريان، والتي تم شرح باقي المعتقدات مستمدة منها ومتوافقة مع هذه الأفكار.
1. الغالبية، الأقلية، ومبادئها ونتائجها من وجهة نظر العلامة الطباطبائي
نستعرض آراء العلامة الطباطبائي حول الغالبية والأقلية ومبادئها، وفي النهاية نعرض مبادئه المتعلقة بما ذُكر أعلاه.
أ. أداء ومبادئ الغالبية
يرى العلامة (في تتبعه ودراسته لمشكلات وأزمات الروحانية التي ظهرت في العالم الإسلامي) أن مصدرها يعود إلى صدر الإسلام بعد رحيل النبي. ورغم أنه لا ينكر تأثير سيطرة المسيحية على العالم الإسلامي منذ ستينيات القرن الماضي في الانحطاط وظهور هذه الأزمة، إلا أنه يعزو السبب الأساسي لهذه المشكلات وانفعال المسلمين أمام المسيحية إلى داخل العالم الإسلامي وأداء الصحابة. يعتقد العلامة أن أزمة الروحانية التي أصابت العالم الإسلامي تشبه إلى حد كبير الأزمة التي أصابت الكنيسة؛ وهي مشكلات كانت الكنيسة نفسها سبباً وعاملاً فيها (طباطبایی، 1370: 64). من هنا، يجري العلامة مقارنة بين أداء الكنيسة وجماعة الصحابة والحاكمين في الإسلام. ونحن مضطرون أولاً إلى عرض أداء الكنيسة بشكل موجز وفق فهم العلامة وشرحه، ثم ندخل في فكر ومبادئ الغالبية والنتيجة التي توصل إليها العلامة من هذه المقارنة:
يرى العلامة أن الكنيسة منذ بداية سلطتها أسست تعاليمها على حلول الألوهية في جسد السيد المسيح واعتبرت ذاتها ملجأ المسيحية. وبطبيعة الحال، فإن الألوهية وكل ما يتعلق بها من معانٍ روحية اكتسبت طابعاً بشرياً مادياً، مما أدى إلى الغفلة وإنكار ما وراء المادة. ولم تكتف الكنيسة بهذا الحلول، بل وضعت نفسها مكان المسيح، وخفضت الألوهية إلى كل أبعاد الكنيسة، واعتُبرت الكنيسة المصدر والمرجع المطلق للدين والدنيا عند الناس. وكانت كل الأوامر والأحكام والأنظمة، بل حتى تجارة الجنة والنار والعقاب والثواب والمغفرة الإلهية تصدر وتُنفذ من هذا المنطلق. وهكذا، خلت المسيحية من خاصية الروحانيات والدين الإلهي، وتحولت إلى سلسلة من العقائد والأوامر الجافة والقاسية والاستبدادية البشرية التي لم يرث منها سكان الغرب سوى بعض المفاهيم التقليدية الجافة والغامضة والمادية (المرجع نفسه: 60). أما في الإسلام، فلم يكن هناك مسألة حلول، ولم تحدث! لأن النظام الذي رسمه الإسلام كان مركزاً على الله تماماً، ومؤكداً على التوحيد والربوبية الإلهية والبشرية للأنبياء. وفي هذا النظام، لم يكن هناك اتحاد أو انحلال، ولا انفصال أو انعزال، بل كل الموجودات كانت تجليات وظهوراً للحق تعالى. ومع ذلك، يرى العلامة تشابهاً في بعض الخصائص بين أداء وأفكار الكنيسة والغالبية في العالم الإسلامي، ويعتبره سبب الأزمة والمصيبة في العالم الإسلامي (المرجع نفسه: 65). ويعتبر هذه المجموعة من الأداء والأفكار جزءاً من المبادئ التي أدت إلى اعتراض وانفصال الأقلية المسلمة. وفيما يلي أذكر هذه المبادئ وبعض نتائجها.
1. المرجعية الحاكمة في الأمور الدينية
من الأمثلة البارزة التي يشير إليها العلامة كتشابه بين الكنيسة وأفكار وأداء حزب الغالبية والجهاز الحاكم في العالم الإسلامي، هي المرجعية والسيطرة التي تمارسها السلطة الحاكمة على الأمور الدينية والدنيوية للناس. فقد قيل إن الكنيسة اعتبرت نفسها مكان الدين، والمرجع والحاكم المطلق للدين والدنيا عند الناس. ويعتقد العلامة الطباطبائي أن تفكيراً وأداءً مشابهاً حدث في العالم الإسلامي. وهنا ننقل كلام العلامة حرفياً لأنه يعبر عن الموضوع:
“ولكن وضعاً مشابهاً لوضع الكنيسة بعد المسيح، الذي سُمّي في الملاحظات السابقة بـحلول الألوهية في الكنيسة، والذي يعني الحكم المطلق والسلطة غير المشروطة، ويمنح الكنيسة السيطرة على دين ودنيا الناس… ظهر في عالم الإسلام أيضاً في الأيام الأولى بعد رحيل النبي الأكرم (ص) أولاً في كرسي الخلافة ثم في جماعة الصحابة” (المرجع نفسه: 67).
ولإثبات وجود مثل هذا التفكير بين الغالبية وجهاز الخلافة، يستشهد العلامة بكلام أبي بكر الذي قال في بداية إعلان برامجه العامة:
“كان النبي الأكرم في اتخاذ القرارات وإدارة الأمور العامة مؤيداً ومستنداً إلى الوحي، ولكن الآن بعد أن قطع الوحي السماوي برحيل النبي الأكرم، لا بد لنا في اتخاذ القرارات اللازمة أن نعتمد على الاجتهاد والرأي الصائب” (المرجع نفسه: 129؛ المرجع نفسه، د.ت.: 317و26 نیزنک: طبری، 1357: 2، 460).
ويرى العلامة أن هذا السؤال جدير بالطرح: ما المقصود من قول الخليفة “كان النبي في إدارة الأمور مؤيداً بالوحي، ولكن نحن لا نملك وحيًا، فلا بد أن نعتمد على رأينا”؟ وما هي الأمور التي كان النبي (ص) لا يتدخل فيها إلا بالوحي، بينما الخليفة يتصرف فيها باجتهاده؟ يمكن تفسير رأي الخليفة بعدة أنواع: 1. الأحكام القضائية التي تصدر في الدعاوى والمنازعات. 2. الأوامر والأحكام المتعلقة بتدبير وإدارة المجتمع في حال الحرب والسلم. 3. فهم واستنباط الأحكام والقوانين الفقهية التي كان النبي (ص) يستقيها من الوحي دون تدخل في الرأي، ولكن الجهاز يجب أن يفهمها باجتهاده. 4. إبداء الرأي في جوهر الأحكام السماوية وتنفيذها.
يدعي العلامة أن الخيارات الثلاثة الأولى لا يمكن أن تكون المقصودة، لأن الحالتين الأوليين لا علاقة لهما بالوحي، ورأي النبي (ص) كان حجّة، وكان النبي في الأحكام القضائية يعتمد على الظواهر، وفي إدارة المجتمع يعمل بالمشورة. أما الخيار الثالث فلم يكن خاصًا بالخليفة ومقام الخلافة وبرامج الحكم العامة، بل كل من في الأمة ممن يملك القدرة على الاستنباط يحصل على الأحكام الفقهية باستنباطه الخاص.
لذا، لابد أن يكون معنى كلام الخليفة هو التدخل وإبداء الرأي في جوهر الأحكام وتنفيذها، بحيث يعمل وفق المصلحة، أي في زمن رسول الله (ص) كان تشخيص المصلحة بيد الوحي، أما الحكم الجديد فيشخص المصلحة بنفسه، وحيثما تقتضي المصالح يُنفذ الأحكام وفقًا لها ويُغيّرها.
استنادًا إلى هذا الأساس، يعرّف العلامة مقام الخلافة مساويًا ومتوازيًا مع مقام الرسالة والنبوة. فمقام الخلافة، مثل رسول الله (ص)، كان بالضبط مرجعًا ومصدرًا للأحكام والقوانين الشرعية الإسلامية؛ مع الفرق أن صلاحيات النبي (ص) كانت محصورة في إدارة شؤون المسلمين، ولم يكن له أدنى حق في التصرف أو الاجتهاد أو إبداء الرأي الشخصي في نصوص الأحكام والشريعة، وكان يجب على الوحي تحديد مهمته، أما مقام الخلافة فكان له صلاحيات مطلقة في نصوص الأحكام والشريعة وكذلك في إدارة شؤون المسلمين، وكان مطلق اليد. ويعتقد العلامة أن مقام الخلافة بهذا المعنى ثبت واكتمل بالأحاديث التي تصف الصحابة بأنهم مجتهدون ومعذّرون أو في كل حال مرضيّون عند الله (المرجع نفسه، 1370: 70).
امتناع الخليفة عن معاقبة خالد بن الوليد على جريمته بحق مالك بن نويرة وزوجته بسبب أنه لا يمكنه أن يضع سيفًا من سيوف الله الحادة في الغمد، وتحريم نكاح المتعة وتشريع عقوبة الرجم للمرتكنين بها، وتشريع «الصلاة خير من النوم» في صلاة الفجر، وأمر قتل من لا يصوّت في المجلس الستيني، والعديد من الأوامر والأفعال الأخرى من هذا النوع هي أمور يراها العلامة لا تُفسَّر إلا على أساس هذا المنهج (المرجع نفسه، د.ت.: 321و27).
2. الأحكام تتبع المصالح وقابلة للتغيير والنسخ وفقًا لها
يعتقد العلامة أن الأساس والفكر الآخر الذي انعكس في أداء الأغلبية هو أنهم لم يعتبروا الأحكام ثابتة، بل كانوا يرون أن الأحكام نزلت لحفظ مصالح المجتمع، ومع تغير المصالح تتغير الأحكام تبعًا لذلك. في زمن النبي (ص) كان هذا التغيير والتحول يتم بواسطة الوحي، لكن بعد وفاة النبي، أصبح مقام الخلافة مسؤولًا عن مراعاة مصالح المجتمع وتكييف الأحكام وفقًا لصواب رأيه واجتهاده. ويكتب في هذا الصدد:
… ولكن أساس الخلافة، كما فهمنا، كان على قاعدة نظرية أخرى، وهي أن القوانين الإسلامية التي يجب أن تُطبق في المجتمع التوحيدي هي أحكام سماوية نزلت بمطابقة وتبعية لمصلحة الوقت، وطبيعي مع تغير وتبدل مصالح الأمة الإسلامية، تتغير وتتبدل (المرجع نفسه، 1370: 63).
النماذج المذكورة سابقًا من تغيير وتشريع الأحكام على يد الخلفاء، والسُنن المختلفة للخلفاء التي فسّر كل منها الأحكام والقوانين الإسلامية وفقًا لذوقه واجتهاده وبناءً على مصالح زمانه، تنبع من هذا الأساس. ويزعم العلامة أن الوجه القبيح لهذا الفكر تجلّى أكثر عندما استُبدلت مصالح المجتمع بمصالح الحكام (المرجع نفسه، 1370: 70).
3. حصر سنة رسول الله (ص) في عصره
هذا الفكر في الواقع نتاج الأساس السابق، لأنه عندما تتبع الأحكام والتعليمات الدينية وقادة المجتمع المصالح، فطبيعي أن مصالح كل زمان وكل مجتمع تختلف. مصالح زمن النبي الأكرم تختلف عن مصالح عصر الخلفاء، وتعليمات النبي (ص) تبقى قابلة للتنفيذ طالما لم تتغير الظروف والمصالح. وبمجرد تغير المصالح، تصدر الأحكام والتعليمات متوافقة معها. لذا يدعي العلامة أن عند الأغلبية كانت سنة النبي (ص) من الأحكام والتعليمات الفرعية، المؤقتة والمحلية! لأن هذه السنة كانت تشخيصًا قدمه رسول الله (ص) وفق مصلحة زمانه، وكل زمان له مصالحه وظروفه الخاصة. ويكتب:
وأما الأحكام والقوانين التي وردت على لسان رسول الأكرم (ص) … فهي من قبيل الأحكام المؤقتة والقوانين الفرعية، وتشبه السيرة العملية لرسول الله (ص) والتعليمات الجزئية والمؤقتة والمحلية التي كان يصدرها (المرجع نفسه، 81).
معارضة عمر لطلب الدواة والورق من النبي (ص)، وكلامه (حسبنا كتاب الله؛ الله يبيح ويحرّم على رسوله. اعملوا بآية حج التمتع الأولى ولا تهتموا بآخر آية عمل النبي)، واهتمام المسلمين بحفظ القرآن وعدم الالتفات إلى الأحاديث وتحريمها من قبل جهاز الخلافة، والسُنن المختلفة لاختيار الخلفاء، والعديد من الأمور التي كانت تُمارس خلافًا لسنة رسول الله (ص) (امینی، 1366، 294: 6 نیزنک: المرجع نفسه، د.ت.: 27)، هي من الأمور التي يرى العلامة أنها دليل واضح على هذا الأمر.
ب. نتائج مبادئ الأغلبية
من البديهي أن الأفكار السابقة لم تقتصر على صدر الإسلام وبقيت على شكل مبادئ بسيطة، بل ترتب عليها نتائج وقضايا كثيرة. كما يقول العلامة:
… هذه المواد كانت فسادًا نشأ نتيجة ظهور نظرية «جواز تغيير بعض المواد الدينية حسب مصلحة الوقت» داخل بنية المجتمع الإسلامي، وبالطبع لم يكن لها أثر ظاهري لفترة، وكان الإسلام يتوسع بقوة حقانيته ونوره… لكن الجروح الداخلية المذكورة كانت تستمر تدريجيًا في النمو والتطور (المرجع نفسه، د.ت.: 28).
فيما يلي الإشارة إلى بعض هذه النتائج من وجهة نظر العلامة:
1. تفريغ الدين من الروحانية وانحداره إلى مستوى القوانين المادية والبشرية
مع جعل جهاز الخلافة مرجعًا في الأمور الدينية، حلَّ على العالم الإسلامي نفس البلاء الذي حلَّ بالعالم المسيحي، حيث حلَّ الدين الإلهي السماوي محل مجموعة من القواعد والاجتهادات البشرية. ومن الطبيعي ألا يُتوقع وجود الروحانية التي في الدين السماوي في القوانين المادية والبشرية. لذا، كانت النتيجة الأولى والآثار الظاهرة من المرجعية الدينية لجهاز الخلافة هي تفريغ الدين من الروحانية، وتحول الأحكام والمعارف التي كانت ذات عمق سماوي عميق إلى أمر دنيوي، وانحدرت إلى مستوى فهم العامة الذين عادةً ما يكونون في دائرة المحسوسات المادية. يكتب العلامة في هذا الصدد:
… وأصبحت القوانين العملية وحتى المعارف الاعتقادية في الإسلام ظواهر قائمة على حياة الناس المادية، التي يمكن للناس إدراكها. وبهذا الشكل، انحدرت الحياة الروحية للإسلام من مقامها العالي وموقعها الحقيقي، ودخلت مرحلة الاجتماع وحُصرت في إطار المادة (المرجع نفسه، 1370: 74).
يرى العلامة أن تفريغ الدين من الروحانية وتحوله إلى مادي أدى إلى أن يمر الإسلام بمظاهر متعددة، حيث قدم كل حاكم شكلاً مختلفًا منه حسب ذوقه الخاص؛ يومًا يكون الإسلام طفلاً، ويومًا شابًا، ويومًا ثالثًا مسنًا ومتهالكًا، وآلاف التحولات المادية الأخرى. كل هذه الأمور تدل على مادية ودنيوية هذا الدين، وإلا فطالما كان سماويًا وتحكمه الروحانية، لما كان هناك اعتبار للزمان والمكان والتغير.
2. تحويل الحكم الإلهي المعين إلى حكم انتخابي وملكي
من الأفكار الأخرى التي استُنتجت من نظرية «اتباع الأحكام للمصالح» هي فكرة الحكم الانتخابي وإلغاء النصوص في هذا المجال. كان الفريق الحاكم يعتقد أن مصلحة المجتمع تقتضي أن تُلغى الأوامر والنصوص الإلهية السماوية المتعلقة بالخلافة على علي، وأن تُطبق القرارات الأرضية والبشرية. يوضح العلامة هذا الأمر قائلاً:
كان الشيعة يشعرون أن التعدي على نص الولاية الصريح والتمسك بمسألة (صلاح المسلمين) ينبع من عقيدة خاصة.. وهي أن الأحكام والقوانين الثابتة في الإسلام التي لا يمكن نسخها بنص القرآن، تتبع مصالح تختلف باختلاف الظروف والعوامل (المرجع نفسه، د.ت.: 23).
3. الفصل بين القرآن وسنة رسول الله (ص)
في إطار المبدأ الثالث للأغلبية، ذُكر أن سنة رسول الله (ص) وُضعت في إطار عصره، واعتُبرت حجيتها وأهميتها محصورة في هذا النطاق وقابلة للتقييم. أما القرآن، فكان يُعتبر القانون الأساسي والأحكام السماوية التي تراعي مصلحة المجتمع الإسلامي، وعمومًا كانت ملزمة للجميع، إلا في الحالات التي يقرر فيها الحاكم أو الخليفة مصلحة المجتمع مخالفة لها. في حين كانت السنة والأحكام والتعليمات الصادرة عن النبي (ص) تُعتبر أحكامًا فرعية ومؤقتة صدرت وفقًا لحاجات عصره. يكتب العلامة:
أو على الأقل، الأحكام الموجودة في سنة الرسول لا تمتلك ثباتًا وصلابة أحكام القرآن، ويمكن بسهولة تقييدها بمصلحة زمن النبي الأكرم (ص) (المرجع نفسه، 1370: 81).
4. السطحية في المعارف الإسلامية
يرى العلامة أنه بالرغم من تأكيد القرآن والسنة على العقل والتفكير والاستدلال المنطقي، فإن الأغلبية وفقًا لفكرهم الخاص ورؤيتهم للمصلحة، أعلنوا حظر النقاشات النقدية الحرة والعقلانية، واعتبروا هذه النقاشات بدعة في الدين. ونتيجة لذلك، كانت المعارف الإسلامية تُؤخذ بمعناها الابتدائي البسيط والدنيوي الذي يفهمه عامة الناس، وحُرم المسلمون من التعمق والتفكير الحر. يكتب العلامة:
في صفوة الناس والعامة في ذلك الزمان – عصر الخلفاء والصحابة – كان هذا الاعتقاد سائداً بأن نص القرآن الكريم بمعناه البسيط الذي يفهمه العامة كافٍ في مقام الاعتقاد والعمل، وعلى هذا الأساس كان كل نقاش نقدي وفضول حر في المسائل الاعتقادية ممنوعًا ويُعتبر بدعة في الدين (المرجع نفسه، 85؛ نیزنک: د.ت.: 37).
5. ترك الطريقة الشهودية وعدم الانتباه إلى الحقائق الباطنية
من المسائل التي يرى العلامة أنها كانت محل اهتمام كبير في الإسلام وتُعتبر من مصادر المعرفة الإسلامية؛ هي الحقائق الباطنية وطريقة الكشف والشهود. هذه الطريقة ممكنة بالانصهار في الروحانيات وباطن الأحكام. ومع مادية وبشرية الدين، اختفت هذه الطريقة من المجتمع الأغلب، ولم يكن الأغلبية يؤمنون بالكشف والشهود أو الوصول إلى المعارف الإسلامية عبر هذه الطريقة، وتركوا هذا السبيل مهجورًا. يكتب العلامة:
النظرية السابقة التي بُني عليها أساس الخلافة الانتخابية والتي بمقتضاها اعتُبرت السنة الإسلامية سنة اجتماعية تقوم على مصالح حياتية أساسية تُفهم بالأفكار الاجتماعية، هذه النظرية لا علاقة لها بالسير الروحي ومعرفة المعاد، والتوفيق بين هذه النظرية ومعرفة المعاد من المحالات، لأن المادية المطلقة والروحانية المطلقة نقطتان متقابلتان، والقرب من إحداهما يعني الابتعاد عن الأخرى (المرجع نفسه، 1370: 93).
هذا الأمر أدى إلى نتائج أخرى مثل الركود في العلوم الإسلامية، فقدان عدد كبير من الأحاديث، انتشار الأحاديث الموضوعة… وقد أشار العلامة إليها بإيجاز.
ج. الأقلية، أفكارها وأسسها
الأقلية الشيعية التي نشأت كرد فعل واعتراض على أداء وأفكار أغلبية المجتمع، كانت تتبع بدورها بعض الأفكار والأسس التي كانوا يعتبرونها جزءًا من الكتاب والسنة. وقد أشار العلامة إلى بعض هذه الأسس التي سنعرضها فيما يلي:
1. الأحكام والشريعة الإسلامية ثابتة وغير قابلة للتغيير
على النقيض من أساس الأغلبية وجهاز الخلافة، الذين كانوا يرون أن الأحكام تتبع المصالح وقابلة للتغيير، يرى العلامة أن الأقلية كانت تؤمن بثبات وصحة الأحكام – الكتاب والسنة – وعدم نسخها حتى يوم القيامة. كان هؤلاء المسلمون يعتقدون أن أدنى تغيير أو تساهل في الأحكام الإسلامية والسنة النبوية (مخالف صريح للقرآن) وأن مخالفتها بأي ذريعة تعتبر معارضة لثوابت الدين والسنة. يكتب العلامة:
الشيعة
كانوا يعتقدون أن الشريعة السماوية الإسلامية التي تبيّن موادها في كتاب الله وسنة النبي الأكرم تبقى ثابتة إلى يوم القيامة ولا يمكن تغييرها أبدًا، وأن الحكم الإسلامي لا يمكنه بأي عذر أن يعصي تنفيذها الكامل (المرجع نفسه، 1373: 33).
ويعتقد العلامة أنه وفقًا لرؤية الشيعة، فإن الحكم الإسلامي ملزم بالحفاظ على الأحكام واتباع سنة رسول الله (ص) وأن صلاحياته تقتصر فقط على الأمور الثانوية التي لا تتعارض مع الأحكام والسنة والتي تقتضيها المصلحة (المرجع نفسه، نیز نک: طباطبایی، 1371: 1، 218).
2. الاعتقاد بالخلافة والمرجعية السياسية لأهل البيت (ع)
من الأسس الأخرى التي أكد عليها الشيعة وفقًا لشرح العلامة، أن قيادة المجتمع الإسلامي وخلافة المسلمين بعد رسول الله (ص) هي لعلي (ع). وكان هذا الأمر مسلمًا به عند الشيعة نظرًا لمكانة وموقع علي (ع) بين المسلمين والأحاديث التي وردت في هذا الباب عن النبي (ص) (طیفور، 1426هـ37)، وقد تم قبوله كأمر ديني.
يكتب العلامة في هذا الصدد:
كان أنصار وأتباع الإمام علي (ع) يعتبرون، نظرًا للمكانة والمرتبة التي كان يتمتع بها عند النبي الأكرم (ص) والصحابة والمسلمين، أن الخلافة والمرجعية بعد وفاة النبي الأكرم (ص) هي لعلي (ع) (المرجع نفسه، 1373: 28).
بعيدًا عن هذه المسائل، يرى العلامة أن أهم سبب دفع الشيعة لإعطاء هذه القاعدة أهمية هو الشعور بالخطر من أن تقع قيادة المجتمع في يد غير أهل البيت، مما يهدد الإسلام ويجلب خطر الاستبداد والسلطنة المستبدة، كما حدث للمسلمين (المرجع نفسه).
3. الاعتقاد بالمرجعية العلمية لأهل البيت (ع)
الخيار الثالث الذي استهدفته الشيعة في اعتراضها على الأغلبية، والذي اعتبره العلامة أساسًا مهمًا لهذه الفئة من المسلمين، هو المرجعية العلمية لأهل البيت (ع). يعتقد الشيعة أنه للوصول إلى حقائق المعارف الإسلامية وكنوز العلوم الإلهية، هناك إطار محدد ومسار معين لا يمكن الوصول إلى هذه المعارف إلا من خلاله، وهذا المسار المحدد، وفقًا للشيعة، يختص بأهل بيت النبي (ص) فقط. لذلك يرى العلامة أنه بعد وفاة النبي، انقطعت الشيعة عن الآخرين في تلقي العلوم والمعارف الإسلامية وفهم حقائق الأصول والفروع الدينية، وانضموا إلى أهل البيت (ص). يكتب العلامة:
لكن جماعة المعترضين لم تستسلم عقليًا للأغلبية، وكانوا يرون أن خلافة النبي الأكرم (ص) والمرجعية العلمية حق مطلق لعلي (ع)، وكانوا يرون الرجوع العلمي والروحي إليه فقط ويدعون إليه (المرجع نفسه، 30: 1373).
2. الأقلية، الأغلبية وأداؤها وأسسها من وجهة نظر الشهيد الصدر
في هذا القسم ندرس آراء ونظريات الشهيد الصدر حول المواضيع السابقة، وفي النهاية نعرض مفكريها.
أ. نشأة الأقلية الشيعية
يصنف الشهيد الصدر نشأة الشيعة إلى مرحلتين: ولادة الفكر الشيعي وظهور هذا الفكر في قالب جماعة اجتماعية في المجتمع الإسلامي، أي كيف وُلدت الشيعة وكيف وجدت.
يرى الشهيد في مرحلة ظهور الفكر الشيعي كجماعة وجناح أقلية مقابل جناح الأغلبية (المرحلة الثانية)، أنه في السنوات الأولى للإسلام وفي حياة رسول الله (ص) كان هناك تياران فكريان مختلفان في الأمة الإسلامية: أحدهما الفكر (التعبدي) الذي كان متواضعًا ومؤمنًا وخاضعًا للنصوص الرسالية والتعليمات الوحيية في جميع جوانب الحياة. والتيار الآخر (الاجتهادي) الذي كان يحدد التعبد أمام النصوص في دائرة الأمور العبادية والغيبيات فقط، ويعتمد في غير ذلك على الاجتهاد والقياس الشخصي والمصلحة. ومع وفاة النبي الأكرم (ص) تفاقم الخلاف بين هذين التيارين وظهر جليًا.
كان التيار الأول، الذي كان أقل عددًا ومغلوبًا ومحتجًا، معروفًا باسم “الشيعة”، بينما جذب التيار الثاني عددًا أكبر وتميز بكونه الحاكم والغالب، فاستحوذ على أغلبية المجتمع (صدر، 1410: 11، 47).
يفسر الشهيد الصدر سبب كون أغلبية المجتمع الإسلامي من أنصار الفكر الثاني (الاجتهادي) بقوله: السبب في ذلك أن الفكر الاجتهادي يتوافق أكثر مع النزعات والرغبات النفسية، وأسهل فهمًا للجمهور العام، على عكس التسليم والتعبد المطلق، الذي يتطلب التقيد والتعبد في إطار محدد مع نوع من الصعوبة والقيود وعمقه خارج متناول عامة الناس (المرجع نفسه، 48).
أما في الجزء الأول (ولادة الفكر الشيعي) فيرى ضمن التفريق بين ولادة الفكر والتسمية التي عادةً ما تتم بعد فترة طويلة من ظهور ذلك الفكر وليس في الوقت ذاته (المرجع نفسه، 8) كما نرى في حالات مختلفة مثل الحنفية، الحنبلية وغيرها من المذاهب، أن الفكر الشيعي هو ثمرة الإسلام ونتيجته الطبيعية والضرورية. كان مخطط وبرنامج الإسلام بحيث لو لم يكن الفكر والطريقة الخاصة التي عُرف بها لاحقًا أنصارها باسم «الشيعة»، لما تحقق هدف الرسالة، ولما أُثمر، وأخيرًا فإن التشيع هو نتيجة حتمية وضرورة طبيعية للمبادئ والقوانين الجديدة التي عُرفت باسم الإسلام ورسالة محمد بن عبد الله(ص).
توضيح: يشرح الشهيد هذا الموضوع بأسلوب عقلاني بحت ضمن عدة مقدمات:
1. رسالة الأنبياء والإسلام هي ثورة. يرى أن الرسالة وحركة الأنبياء والدعوة الإسلامية لم تكن مجرد إصلاح أو خطوة إلى الأمام، بل كانت قفزة من الأرض إلى السماء. كانت ثورة وتحولًا وتغييرًا في جميع الأبعاد السياسية والثقافية التي شملت كل جوانب المجتمع الجاهلي. كان لا بد من تجفيف كل الرواسب والجذور والمحتويات في المجتمع الجاهلي، وتعليم الناس أسلوب حياة جديد، واستبدال القيم القديمة بقيم جديدة وتثبيتها في نفوس الأفراد. يؤمن أنه بعد سيطرة وتعزيز تعاليم الجاهلية على المجتمعات البشرية، انحرف الناس عن طريق الهداية والفطرة الإلهية. كان الغالبية العظمى من الناس بسبب البيئة الملوثة وسيطرة قيم الجاهلية بعيدين عن الحقائق الفطرية والقيم الإلهية. في مثل هذه الحالة والظروف، من الضروري أن تكون هناك ثورة لجذب الناس إلى طريق الهداية والتوحيد، بحيث يُبنى المجتمع التوحيدي بقيم فطرية وربانية من البداية، وتجفف رواسب الجاهلية في جميع أبعادها.
لقيادة هذه الثورة يمكن النظر في فرضيتين: الأولى: قيادة المستضعفين. لكن ثورة المستضعفين تواجه مشكلتين: المشكلة الأولى: أن ثورة المستضعفين تحدث نتيجة الظلم والضرر والضغوط التي يتعرضون لها من قبل المستكبرين والظالمين. لذا فإن الهدف النهائي لهذه الثورة سيكون فقط رفع الظلم والضرر الذي وقع عليهم من الظالمين، وليس القضاء على جذور الاستكبار والتغيير الجذري. المشكلة الثانية: كما ذُكر، المستضعفون أنفسهم بسبب سيطرة تعاليم الجاهلية الطويلة الأمد، عاجزون عن إيجاد الطريق الصحيح للهداية الإلهية. لذلك، يبقى احتمال قيادة الثورة فقط للفرضية الثانية التي هي
قيادة الأنبياء الإلهيين. فالأنبياء وحدهم هم القادرون بالتربية الجديدة والصحيحة على اقتلاع جذور تعاليم ومحتويات الجاهلية وبناء المجتمع التوحيدي.
… الأساس الثاني: استئصال المشاعر التي خلقتها ظروف الاستغلال واعتماد مشاعر أخرى أساسًا للثورة…. فالوحى وحده هو القادر على أن يؤمن التربية الثورية والأخلاقية والنفسية الصالحة التي تنشئ ثائرين لا يريدون في الأرض علوًا ولا فسادًا. (صدر1421: 147؛ نک: صدر، 1360: 28؛ صدر، 1429: 94).
2. الثورة تحتاج إلى زمن طويل وكافٍ لتثمر وتصل إلى الهدف المذكور. مع أن النبي محمد(ص) خطا خطوات مهمة خلال حياته لتحقيق ثورته، إلا أن بناء مجتمع توحيدي ليس أمرًا سهلاً؛ لأن الثورة كانت ضد تعاليم راسخة في جميع أبعاد وشؤون حياة الناس. بطبيعة الحال، حتى لا تُزال هذه الجذور ومحتويات المجتمع الجاهلي وأفكاره ودوافعه، وحتى لا تُرسخ القيم الثورية في قالب تربية جديدة في أعماق النفوس وحياة الناس، لن يقوم المجتمع التوحيدي. وهذا أمر لا يمكن تحقيقه عادةً خلال عمر عادي من قبل قيادة الثورة، بل يحتاج إلى زمن طويل يتناسب مع المسافات الروحية بين المجتمع الجاهلي آنذاك والإسلام. لذلك، كانت مدة أحد عشر عامًا من حياة النبي(ص) بعد الرسالة العلنية غير كافية لتحقيق الثورة، ولابد أن تبقى الثورة في منتصف الطريق (المرجع نفسه، 1410: 13 نیز 1360: 28 و 1429: 95).
… وليس صنع مجتمع التوحيد بالأمر الهيّن؛ لأنه ثورة على الجاهلية بكل جذورها وتطهير للمحتوى النفسي والفكري للمجتمع من جذور الاستغلال ومشاعره ودوافعه. ومن هنا كان شوط الثورة أطول من العمر الاعتيادي للرسول القائد، ولابد للرسول أن يترك الثورة في وسط الطريق ليلتحق بالرفيق الأعلى (المرجع نفسه، 1421: 154).
3. المجتمع الإسلامي والمسلمون لم يبلغوا بعد ذلك المستوى من النضج الفكري والتدين الذي يمكنهم من قيادة الفكر الإسلامي والثورة. يرى الشهيد أنه بالرغم من فضيلة الأمة الإسلامية التي كانت عبر تاريخ البشرية من كل النواحي أفضل الأمم وأفضل الناس، إلا أنهم لم يصلوا بعد إلى مستوى من النمو الفكري وعمق التربية الإسلامية والعصمة يمكنهم من قيادة الثورة والقيم الإسلامية وحماية الثورة واقتلاع جذور الجاهلية. يؤمن أنه إذا ظهر المجتمع الإسلامي بعد النبي(ص) وفي عصر الخلفاء الراشدين بمظهر رفيع جدًا، فليس بسبب إدراك وفهم وقدرات المسلمين الذاتية ونمو هذا المجتمع فكريًا، لأنه لو كان كذلك لاستمر هذا العظمة والثبات وزاد عمقها مع مرور الزمن، بل بسبب نورانية وعظمة شخصية النبي محمد(ص) التي كلما مر الزمن ابتعد المجتمع الإسلامي عن هذه المحورية والنور ومصدر الطاقة، وتدريجيًا نقصت عظمتها وخفت نورانيتها.
ولكن هذه الأنوار التي تظهر للمتأمل لم تكن نتيجة وعي عميق تعيشه الأمة في أبعادها الفكرية والنفسية، بل كانت نتيجة طاقة حرارية هائلة اكتسبتها هذه الأمة من إشعاع النبي الأعظم(عليه السلام). هذه الأمة التي عاشت مع أكمل قائد للبشرية اكتسبت عن طريق الإشعاع من هذا القائد درجة كبيرة من الطاقة الحرارية (المرجع نفسه، 1429: 85 ؛ المرجع نفسه، 1360: 52).
يستنتج الشهيد الصدر(ص) من هذه المقدمات الثلاث أنَّه حتى لو لم نأخذ الوحي بعين الاعتبار، ودرسنا المسألة بشكل عقلاني وطبيعي بحت دون النظر إلى ارتباط النبي(ص) بمصدر الوحي (جوادی، 1389: 155)، فإننا نصل بالضرورة إلى حقيقة أن استمرار هذه الثورة غير المكتملة يجب أن يقودها شخص مطلع تمامًا على التعاليم والقيم الإسلامية، ويتولى حتى وقت استعداد الناس لحماية القوانين الإسلامية، تربيتهم ومرجعيتهم وقيادتهم. ويدعي الشهيد: إن الأدلة المتواترة من الأحاديث والقرائن التاريخية العديدة تدل على حقيقة أن النبي(ص) كان يجتهد في تربية وتعليم التعاليم الإسلامية ونقل المفاهيم الوحيانية على مستوى المرجعية والقيادة الدينية والسياسية لعلي(ع) (المرجع نفسه، 1360: 70؛ المرجع نفسه، 1410: 40).
ويعتبر الشهيد أن أي فرضية أخرى غير النظرية المذكورة أعلاه ناقصة وغير مكتملة، لأنه إذا افترضنا أن نبي الإسلام(ص) لم يكن لديه أي استراتيجية محددة لمستقبل ثورته، وأنه صمت تجاه المستقبل، فإن هذا الاعتقاد بأن ثورته لا تواجه أي خطر، لا يقبله العقل، لأن كل ثورة في مسارها وتحقيق هدفها، وهو التغيير والتحول في جميع أبعاد وشؤون الحياة الاجتماعية والفردية للمجتمع السابق عليها، تواجه بلا شك مخاطر عديدة في غياب القيادة.
وإذا افترضنا أيضًا أن نبي الإسلام(ص) قد سلّم قيادة الثورة إلى الأمة بعده، سواء في شكل مجلس شورى أو جميع أفراد المجتمع، ففي هذه الحالة كما قيل سابقًا، أولاً لم يكن المسلمون قد بلغوا ذلك المستوى من النضج الفكري والنمو السياسي والديني الذي يمكنهم من حماية الثورة وقيادة المسار الإسلامي دون انحراف. وثانيًا، لم يكن لهذا النوع من الحكم الشورائي أو الشعبي أي سابقة لا قبل الإسلام ولا في كلام وبرامج النبي(ص).
ولو كانت هناك مثل هذه البرامج، لكان النبي(ص) قد أعد الناس والمجتمع الإسلامي لها وحدودها وتفاصيلها.
وهكذا يتضح مما تقدم أن النبي(ص) لم يكن قد طرح الشورى كنظام بديل للأمة، إذ ليس من الممكن أن تُطرح الشورى بالدرجة التي تتناسب مع أهميتها، ثم تختفي اختفاءً كاملاً عن الجميع وعن كل الاتجاهات (المرجع نفسه، 1410: 25 نیز نک: المرجع نفسه،1360: 70؛ جوادی، 1389: 165).
لذلك، يرى الشهيد أن الإسلام من دون الفكر الشيعي وقيادة الإمام علي(ع) هو ثورة غير مكتملة لم تحقق أهدافها ولم تبلغ غايتها النهائية.
ب. الأساس والأداء للأقلية (الشيعة)
أهم وأساس المبادئ التي يذكرها الشهيد لجريان الأقلية هو مسألة التعبّد والتواضع والخضوع أمام التعاليم الوحيانية، التي كانت تعتبر اتباع النصوص الدينية في جميع شؤون الحياة معيارًا أساسيًا للعمل.
في جانب الأداء لهذا التيار، يرى الشهيد أنه بما أن مسؤولية حفظ الثورة من الانحراف قد أُسندت إلى قيادة هذا التيار، فعلى الرغم من أن أئمة الشيعة لم يتولوا قيادة الحركة والمجتمع الإسلامي، إلا أنهم لم يتخلوا أبدًا عن هذه المسؤولية. ففي كل مكان يهدد فيه خطر الانحراف المجتمع والقيم الإسلامية، كان أئمة الشيعة يدخلون الميدان، وكلما ازداد تهديد هذا الخطر، ازداد دور الأئمة( وضوحًا. ويعتقد الشهيد أن الأئمة(ع) كانوا يؤدون مسؤوليتهم في جبهتين. في الجبهة الأولى كانوا يحاربون الانحرافات العملية والأفعال المنحرفة، والتي كانت تتطلب بالطبع قوة كافية ووقتًا طويلًا وقدرة عملية لتحقيق النجاح. وفي الجبهة الثانية كانوا يحاربون الانحرافات النظرية والعقائدية. في هذه الجبهة، كان الأئمة(ع) يسعون لتعميق وتأسيس التعاليم الإسلامية والوحيانية في نفوس الأمة الإسلامية، حتى يتمكن المسلمون في حال حرمانهم من التجربة الإسلامية من بناء المجتمع الإسلامي باستخدام الجانب النظري. ويعتقد الشهيد أن الأئمة(ع) كانوا ناجحين في الجبهة الثانية.
وهكذا خرج الإسلام على المستوى النظري سالماً من الانحراف وتشويه معالم التطبيق (المرجع نفسه، 1429: 75 و 115).
ج. الأساس والأداء للأكثرية
أهم وأساس المبادئ التي ينسبها الشهيد إلى هذا التيار هو الاعتقاد بالاجتهاد في غير الأمور العبادية. وهو مبدأ كان سببًا في ظهور أفكار جزئية والابتعاد في كثير من الأحيان عن النصوص.
منع عمر من إحضار القلم والورق في اللحظات الأخيرة من حياة النبي الشريف(، مخالفة مرافقة جيش أسامة لأمر النبي، الاعتراض على صلح الحديبية، منع المتعة في الزواج والحج، والعديد من المواقف الأخرى المعارضة لأوامر النبي والنصوص الدينية، كلها أمثلة على انعكاس فكر جماعة الاجتهاد (المرجع نفسه، 1360: پاورقی84و87). ويرى الشهيد أن أهم انحراف بعد رحيل رسول الله(ص) كان متعلقًا بمسألة الحكم وقضية سقيفة بني ساعدة. وهو انحراف كان بحد ذاته حالة انحراف ناتجة عن مبدأ الاجتهاد، لكنه مهد لأزمة وانحرافات تدريجية في المستقبل، بحيث كلما ابتعد الجهاز الحاكم عن صدر الإسلام، ابتعد بنفس القدر عن التجربة والتفكير الإسلامي.
وتغيير شخص الحاكم والانحراف في تفسير مضمون الحكم وسياسة الحكم، بدأ هذا في أيام أبي بكر، واشتد في أيام عمر، وبلغ ذروته في أيام عثمان بصورة غير إسلامية، وكان الانحراف يسير في خط منحني حتى وصل إلى الهاوية بعد ذلك (المرجع نفسه، 1429: 103؛ المرجع نفسه، 1360: 89 و 119).
يعتبر الشهيد سبب تصاعد الأزمة وانحراف فترة حكم الأغلبية أمرًا طبيعيًا تمامًا! لأن أولاً الحكام أنفسهم كانوا من الذين عاشوا فترة طويلة في عصر الجاهلية وتعودوا على تعاليمه، ولم تُمحَ بذور الجاهلية وجذورها الفكرية، ولو بنسبة قليلة، من أذهانهم بعد. ويمكن العثور على أمثلة لذلك في التاريخ (المرجع نفسه، 1429: 120). ثانيًا، نظرًا للمشكلات السياسية والحربية العديدة، لم تتح لصحابة رسول الله(ص) الفرصة لفهم تعاليم الإسلام بشكل كامل وتطبيقها في حياتهم. ثالثًا، بعد النبي(ص) حدثت تحولات كثيرة، ووقعت توسعات واختلاطات بين ثقافات مختلفة ومتنوعة في المجتمع الإسلامي، وهي مسائل لم تكن موجودة في حياة النبي(ص). بالإضافة إلى ذلك، كان هناك تعمد في إحداث انحراف في النصوص الدينية وتغيير الحكم الإسلامي… كل هذه العوامل كانت من أسباب تصرفات الأغلبية وانحراف المجتمع الإسلامي (المرجع نفسه).
مقارنة وتلخيص وجهتي النظر
وجهتا النظر تتشابهان كثيرًا، وفي بعض المواضع تتكاملان لتقدمان نفس المحتوى. التركيز على تياري الأقلية والأغلبية، قبل أن يظهر ذلك تحت مسمى الشيعة والسنة كمذهبين، واعتبار حركة التيار الأغلب منحنى ومنحرفًا، والتأكيد على استمرار الإسلام وتعاليم الوحي في إطار الفكر الشيعي، وعدم الاعتماد فقط على الآيات والأحاديث في إثبات المدعى، وتقديم تحليل عقلاني وتاريخي في دراسة التيارين، كلها أمثلة على نقاط مشتركة بين هذين المفكرين الشيعيين في هذا الموضوع.
رغم تقارب وجهتي النظر، ومع أن كلا العالمين الشيعيين يصلان إلى نتيجة واحدة في البحث عن الفكر الشيعي، ويعرفان الشيعة كاستمرار للمسار الإسلامي الأصيل واستمرارية خط الرسالة، إلا أن زاوية النظر وطريقة البحث والتحليل تختلف. يمكن النظر إلى هذا الاختلاف من جانبين: شكلي ومضموني. من الناحية الشكلية، اعتمد العلامة المنهج النقدي والتحليل التاريخي كإطار نظري، بينما ركز الشهيد صدر على التحليل العقلي الذي يتجاوز النقد التاريخي والتركيز على مفهوم (الثورة).
أما من الناحية المضمونية، فالاختلاف بين وجهتي النظر واضح. يحاول العلامة في تفسير الموضوع أن يبرز الانحرافات التي حدثت في المجتمع الإسلامي ويُظهر هذه الخاصية في أغلبية المجتمع الإسلامي، ليصل إلى نشوء الفكر النقدي وظهور الشيعة. أما الشهيد صدر، فيركز على مكانة وأهمية القادة الشيعة في حفظ الثورة ويبرز دورهم، ليصل إلى ضرورة وجود هذا المسار والفكر الشيعي. بمعنى آخر، يرى العلامة أن الفكر الشيعي هو نتيجة لأداء الأغلبية، بينما يعرف الشهيد صدر الفكر الشيعي كحاجة للمجتمع والثورة. أي أنه حتى لو لم ترتكب الأغلبية أي انحراف، فإن الفكر الشيعي وقيادة الإمام( كانا ضروريين لاستمرار الثورة وتربية المجتمع.
المصادر:
1. أميني، عبدالحسين، 1366ش، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، قم، دار الكتب الإسلامية، الطبعة 2.
2. جوادي، قاسم، 1389ش، الشهيد صدر والتحليل العقلي للإمامة، فصلية (سبع سماوات) العدد 47، السنة الثانية عشرة، ص 151.
3. صدر، محمد باقر، 1410ق، المجموعة الكاملة، ج 11 (بحث حول الولاية) بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
4. صدر، محمد باقر، 1421ق، الإسلام يقود الحياة، المدرسة الإسلامية، رسالتنا، تحقيق: لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر، د.م، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر.
5. صدر، محمد باقر، 1429ق، أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية، بيروت، مؤسسة العارف للمطبوعات.
6. صدر، محمد باقر، 1360ش، التشيع مولود طبيعي للإسلام، ترجمة علي حجتي كرماني، الطبعة 10.
7. طباطبائي، محمد حسين، 1373ش، الشيعة في الإسلام، قم، مكتب النشر الإسلامي وامتداد إلى جمعية المدرسين في الحوزة العلمية، الطبعة 17.
8. طباطبائي، محمد حسين، 1370ش، رسالة التشيع في عالم اليوم (حوار آخر مع هنري كربن) شروحات علي أحمدي – سيد هادي خسروشاهي، قم، نشر الثقافة الإسلامية، الطبعة 1.
9. طباطبائي، محمد حسين، 1371ش، مجموعة مقالات أسئلة وأجوبة، بإشراف ومقدمة سيد هادي خسروشاهي، قم، مكتب نشر الثقافة الإسلامية.
10. طباطبائي، محمد حسين، د.ت، الشيعة (مجموعة حوارات مع هنري كربن) شروحات علي أحمدي وسيط سيد هادي خسروشاهي، قم، منشورات الرسالة.
11. الطبري، محمد بن جرير، 1357ش، تاريخ الأمم والملوك، القاهرة، دار الاستقامة.
12. طيفور، أحمد بن أبي طاهر، 1426ق، بلاغات النساء، تعليق بركات يوسف هبور، بيروت، مكة العريّة صيدا، بيروت، دار التعارف للمطبوعات.

