ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: کاوشی در نقش سیرۀ عقلا در تعیین دامنۀ مسئولیت قراردادی با تکیه بر نظر شهید صدر و امام خمینی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تُعد آراء فقهاء بارزين مبتكرين مثل الشهيد صدر والإمام الخميني في تحصيل المكونات المادية والمعنوية لـ«سيرة العقلاء» الأساس الذي يؤسس منهجاً له آثار بارزة في تحديد نطاق المسؤولية التعاقدية. ورغم أن دور سيرة العقلاء في استنباط الأحكام الشرعية كان موضع اهتمام الفقهاء بدرجات متفاوتة، إلا أن كيفية إثبات السيرة، وشروطها، ومدى اعتبارها، هي محل اختلاف في الآراء؛ ومع ذلك، فإن توقيع معظم أحكام المعاملات يشير إلى أهمية بناء العقلاء. وبناءً على نتائج هذه الدراسة الوصفية-التحليلية، يمكن القول إنه استناداً إلى سيرة العقلاء القطعية (إلى جانب أدلة الضمان القهري)، فإن مبدأ المسؤولية التعاقدية اليوم أمر مسلم به، وليس من الصحيح ربطها بشرط صريح أو ضمني؛ لذا تبدو صياغة المادة 221 من القانون المدني غير مناسبة. بالإضافة إلى ذلك، وبالاعتماد على الدور الأداتي لسيرة العقلاء في فهم قواعد الإتلاف، والعلي اليد، واللا ضرر، يشمل نطاق المسؤولية أيضاً الأضرار الناتجة عن عدم الانتفاع التي هي مسلّم بها. وعلى هذا الأساس، تم اقتراح مواد تعديلية بديلة للمادتين 221 من القانون المدني والفقرة 2 من المادة 515 من قانون أصول المحاكمات المدنية. المنهج العام للمقالة يؤيد «نظرية وحدة مبادئ المسؤولية» ويتوافق مع الفقه، لكنه يختلف مع الرأي الشائع للفقهاء من حيث شمول أدلة الضمان القهري للأضرار الناتجة عن عدم الانتفاع القطعي (سواء الناتجة عن الغصب، أو الحبس الحر، أو خرق العقد).
المؤلف: سید محمدحسن موسوی خراسانی
المصدر: آموزههای فقه مدنی، خريف وشتاء 1398، العدد 20، ص 287 إلى 332.
المقدمة
إن الاهتمام الكافي والمنهجي بسيرة العقلاء والعرف في المجالات التي أقرها الشرع المقدس، كأحد معالم هذه المقالة،[1] يمكن أن ينظم العديد من الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتجارية. وعلى النقيض من ذلك، فإن المبالغة غير المبررة وغير المنضبطة في العرف وسيرة العقلاء في الشريعة تؤدي إلى نظرية تعريب الدين، والعلمانية[2]، وبعبارة أخرى إلى البروتستانتية الإسلامية.[3] إن تحليل سيرة العقلاء في هذه المقالة لا يسعى بأي حال إلى تأييد النظرية المشار إليها، بل يهدف إلى إعادة قراءة مؤسسة سيرة العقلاء ومدى اعتبارها في الشرع المقدس، التي يرى الكاتب أنها قد تعرضت إلى نوع من الإهمال في عملية استنباط الأحكام، وذلك للوقوف على تأثيراتها العميقة في حل بعض الإشكالات الفقهية القانونية. ومن ذلك نعلم أن المسؤولية التعاقدية[4]، وأسسها وحدودها في الفقه والقانون تُعتبر من المسائل الخلافية. حيث إن الفقرة 2 من المادة 515 من قانون أصول المحاكمات المدنية لا تعترف بمطالبة تعويض الأضرار الناتجة عن عدم الانتفاع، في حين أن الفقرة 2 من المادة 14 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تعترف بمطالبة تعويض الأضرار الناتجة عن عدم الانتفاع المسلّم بها. وإن الحكم الأخير، رغم كونه متعلقاً بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن الجريمة، إلا أنه يؤكد مبدأ إمكانية مطالبة تعويض عدم الانتفاع. وهذا الأمر يسبب نوعاً من التشتت والاضطراب في النظام القانوني الإيراني وخاصة في الممارسة القضائية. فالقضاة في الغالب لا يصدرون أحكاماً بتعويض عدم الانتفاع استناداً إلى الفقرة 2 من المادة 515 من قانون أصول المحاكمات المدنية، لكن أحياناً يصدر بعض القضاة أحكاماً بهذا النوع من التعويض؛ مثل حكم رقم 8909975112401285 بتاريخ 27/9/89.[5]
في هذه المقالة، وبعد إعادة قراءة دليل سيرة العقلاء، بالاعتماد على آراء بعض الفقهاء الكبار[6] الذين لا يشترطون، خلافاً للرأي الشائع، معاصرة السيرة لعصر المعصوم، تم نقد وتحليل المادة 221 من القانون المدني والمادة 515 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وعلى هذا الأساس، تُقدم اقتراحات لتعديل المواد المذكورة وفقاً لنتائج هذه الدراسة.
1. المفهوم الدلالي لسيرة العقلاء
السلوك المستمر والمتجانس للبشر، وكذلك البُنى، والأمور المسلّم بها المتشابهة في الأذهان، والفهم والحكم المماثل عليها في موضوع ما من حيث كونهم عقلاء، يُسمى سيرة أو بناء العقلاء. وبعبارة بعض الفقهاء، فإن سيرة العقلاء هي موقف العقلاء وموضعهم في موضوع ما؛ سواء تحقق السلوك الخارجي وفق ذلك أو بقي في حد المسلّمات العقلائية بسبب عدم تحقق الموضوع في الخارج[7] (صدر، 1417: 4/234). وليس شرطاً في هذا المنهج اتباع طقس خاص أو الاشتراك فيه. فمجرد أن يكون هذا السلوك والبناء والمسلّمات مبنية على العقل،[8] تتشكل السيرة العقلائية (غروی نائینی، 1406: 3/192). ورغم وجود اختلاف في أصل ومنشأ سيرة العقلاء[9]، حيث يرى كثيرون أن منشأها هو حفظ النظام أو منع اضطرابه (المرجع نفسه: 3/193؛ موسوی خمینی، 1368: 1/161؛ مظفر، 1368: 2/81)، إلا أن آخرين يؤكدون على كونها كاشفة ومبنية على حكم العقل (طباطبایی بروجردی، 1415: 471؛ آشتیانی رازی، 1403: 1/171 و 3/53؛ غروی نائینی، 1411: 1/331؛ صدر، 1408: 97). وهناك من جمع بين الأمرين؛ بحيث اعتبر منشأ وهدف السيرة هو حفظ النظام البشري، وفي الوقت نفسه أشار إلى دورها الكاشف لحكم العقل والمسلّمات العقلائية (آملی، د.ت.: 228؛ غروی نائینی، 1406: 3/192).
على أي حال، وبناءً على الرأي غير الشائع الذي يرجع السيرة إلى حكم العقل، فإن حجية السيرة هي حجية ذاتية وعقلائية، وليست تعبدية صرف[10]. ومن الواضح أن سيرة العقلاء بسبب اعتمادها على العقل، تُطرح أساساً في المواضع التي يكون للعقل فيها القدرة على إدراك المصالح والمفاسد في الموضوع. فإذا لم يكن العقل قادراً على إدراك ذلك، فلا يمكن أن يكون له حكم في الموضوع، وبالتالي لا تتشكل سيرة عقلائية في ذلك الموضوع؛ مثلاً في ما يتعلق بأسباب التحريم في الشرع أو كيفية وشروط العبادات مثل الصلاة، يبدو أنه لا مجال لطرح نقاش سيرة العقلاء أساساً.
بعضهم اعتبر السيرة العقلائية على نحو الإطلاق، كميل وميول عام سواء كان المتدين أو غير المتدين في مسار معين وخطي خاص (صدر، 1379: 168). ولكن مع التركيز على وصف العقلانية الذي ورد في عنوان السيرة، يجب تمييز بناء العقلاء عن الأعراف غير المرغوبة. بعض الفقهاء قد اعتبروا العرف والسيرة العقلائية واحدًا، لأن العرف هو مرتبة من مراتب العقل وشكل من أشكاله، ولهذا السبب يعتقدون أن حكم العقل والعرف متوافقان وواحد (کلانتری، د.ت.: 150). هذا الفهم مصحوب بالتساهل. وبصياغة أدق كما أُشير سابقًا، فإن السيرة العقلائية هي نفسها العرف العام والعالمي؛ على سبيل المثال، من أهم مباني العقلاء الثقة في ظواهر الكلام في إيصال المقاصد للآخرين،[11] واعتبار من يملك سلعة في يده مالكًا لها، والوفاء بالعهد[12] وتعويض الضرر غير المشروع. في المقابل، توجد أعراف غير مرغوبة أيضًا.[13] والسؤال هنا: ما الفرق؟ عند التدقيق في السير الخاصة، هي في الواقع أعراف خاصة بمنطقة جغرافية أو عرقية أو أيديولوجية أو ثقافية معينة (دانشپژوه، 1391: 153). القاسم المشترك بين هذه الأعراف الخاصة هو أنها ليست بالضرورة مبنية على العقل. لذلك قد تكون محببة أو غير محببة. العرف غير المحبب بطبيعته ليس عامًا وشاملاً، لكن السلوك والسيرة المبنية على العقل هي بالضرورة عامة وشاملة بالقوة أو بالفعل. لذلك العرف العام مرادف للسيرة العقلائية (المرجع نفسه: 152).
11. تمييز السيرة عن المفاهيم المتقاربة
علاقة المفاهيم المتقاربة مثل العرف، والعادة، والسيرة، والسيرة المتشرعة بالنسبة للسيرة وبناء العقلاء تحتاج إلى بحث ودراسة. لا يتسع هذا المقال لمناقشة هذا الموضوع تفصيليًا. إجمالًا، العرف العام مرادف للسيرة العقلائية، والسيرة المتشرعة بوصفها عرفًا خاصًا أيديولوجيًا تختلف أساسًا عن السيرة العقلائية. وقد عرّف البعض العرف على النحو التالي:
«فهم أو بناء أو حكم مستمر وإرادي من الناس لم يتخذ صورة قانون مصطنع ومشروع لديهم» (علیدوست، 1384: 119).
بعبارة أخرى، العرف هو عادة من عامة الناس أو مجموعة خاصة منهم يتبعونها ويعيشون وفقها. هذه العادة قد تتجلى في شكل كلام أو فعل أو ترك فعل ذي معنى (صنقور علی، 1421: 752؛ العجم، 1998: 1/934). يبدو أنه في تعريف أشمل للعرف، من الأفضل أن يُؤخذ في الاعتبار الاعتقاد بوجوب ذلك السلوك والتصرف كعنصر نفسي وروحي للعرف، لتمييز العرف عن عادة بسيطة غير ملزمة (دانشپژوه، 1391: 38).
في تحديد دقيق لبناء العقلاء والعرق، قيل:
«هما متباينان في المفهوم، وعام وخاص في المصداق من جهة واحدة. يمكن ملاحظة التباين المفهومي لهذين في تقيد مفهوم العرف بأنه لا يتخذ صورة قانون مشروع لدى أصحاب العادة والعرف، بينما بناء العقلاء خالٍ من هذا التقيد؛ كما أن التوسع الذي يمتلكه مفهوم العرف من حيث الفهم والبناء والحكم لا يمكن رؤيته في بناء العقلاء. بناء العقلاء كما يدل اسمه يقتصر على البناء والسلوك» (علیدوست، 1384: 120).
يبدو أن هذا التعبير يمكن الاعتراض عليه، والفرق المذكور لا يبدو صحيحًا. إذا كان شرط العرف هو كونه غير مكتوب، فإن شرط السيرة هو نفسه. العرف من قبيل السلوك، والسيرة كذلك. إذا وُضع قانون وفقًا للعرف، يحل القانون محل العرف ويُستشهد به. أما في السيرة، إذا توفرت شروط الاعتبار والحجية، تتحول إلى حكم شرعي توقيعي وتُطرح بهذا العنوان. بالمقابل، إذا وُضع قانون مخالف للعرف لأسباب مصلحة، يكون القانون مقدمًا (دانشپژوه، 1391: 283). وبالمثل، إذا لم تكن السيرة العقلائية في موضوع معين معتمدة شرعًا وأُنشئ حكم مخالف لها، يكون الحكم التأسيسي الشرعي مقدمًا. على كل حال، لا يوجد فرق جوهري من هذه الجوانب، والسيرة العقلائية والعرق العام مرادفان (المرجع نفسه: 152). في الأدب الفقهي، يُستخدم مصطلح السيرة العقلائية أكثر، بينما في القانون يُستخدم مصطلح العرف الذي قسمه العام يتطابق مع تعريف السيرة العقلائية.[14] بعض من يعتبرون بناء العقلاء والعرق في معظم الحالات واحدًا (طباطبایی حکیم، 1979: 198) يقصدون هذا. في هذا المقال أيضًا، إذا استُخدم السيرة العقلائية والعرق مترادفين، المقصود هو العرف العام؛ العرف الذي ينبع من عقل أو فطرة الإنسان الطاهرة.
فيما يتعلق بالسيرة المتشرعة وفرقها عن السيرة العقلائية، يجب أن يُعلم أن السيرة المتشرعة هي سلوك عملي ومستمر لأهل الدين في موضوع معين بسبب تدينهم؛ بينما السيرة العقلائية هي سلوك العموم، سواء كانوا متدينين أو غير متدينين، مع الاعتماد على العقل والعقلانية (صدر، 1379: 168). في الواقع، السيرة المتشرعة هي عرف خاص بأهل الشرع منشؤه وصف تدينهم (دانشپژوه، 1391: 154).
2. مكونات تشكيل السيرة
العرق العام والسيرة العقلائية تتكونان من عنصرين مادي وروحي (المرجع نفسه: 35). العنصر المادي للسيرة هو السلوك، التصرف والارتكاز الذهني المستمر والثابت للعقلاء في المجتمع في موضوع معين، لكن ما إذا كان ارتباط هذا السلوك والارتكاز بزمن وجود الشارع يدخل في تشكيل العنصر المادي أم لا، وبسبب ارتباط هذا النقاش بحجية السيرة، سيُذكر تحت عنوان «حجية السيرة».
العنصر والمكوّن الآخر هو العنصر المعنوي الذي يتكون بدوره من جزأين؛ أحدهما أن يصل العنصر المادي من حيث الاستمرارية والتكرار إلى حد يظهر في نظر الناس كسلوك لازم التنفيذ (المرجع نفسه: 39)، وليس عادة بسيطة غير ملزمة قد تكون ناشئة عن المجاملة والأخلاق أو سبب آخر ولا عقاب على تركها. والجزء الآخر هو تأييد الشارع لذلك السلوك أو ارتكاز عرفي. تأييد الشارع من مكونات العنصر المعنوي للسيرة وشرط في اعتبارها.[15] تتكون سيرة العقلاء من مكونين مادي ومعنوي كما ذُكر بإيجاز أعلاه.
3. حجية واعتبار السيرة
في موضوع حجية سيرة العقلاء وأدلته، لدى العلماء الفقهاء والحقوقيون آراء مختلفة بناءً على الأدلة النقلية من الكتاب والسنة في إثبات مدى اعتبار سيرة العقلاء. وقد نظم بعض العلماء المرموقين في الحوزة العلمية بحثًا دقيقًا وشاملاً في بيان هذه الأقوال ونقدها (علیدوست، 1384: 167206). وما يستفاد من تحقيق هذا الباحث هو أنه لا شك ولا شبه في أصل حجية واعتبار سيرة العقلاء في المجالات غير العبادية من الفقه. وما يختلف فيه هو مقدار وشروط الاعتبار. فقد اعتبر بعضهم للعرف مكانة رفيعة جدًا تصل إلى مرتبة مصدر ووثيقة لاكتشاف إرادة الله إلى جانب الأدلة الأربعة[16] (جبار گلباغی ماسوله، 1378: 119). ويستندون في ذلك إلى عدد من آيات القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت(ع)[17]. ولكن مقابل هذه الأدلة توجد أدلة نقلية أخرى، وقد كان رأي جمهور الفقهاء في الجمع بين هذه الأدلة ورفع التعارض الظاهري بينها، مع التأكيد على اعتبار السيرة والعرف، ألا يعتبروا السيرة مصدرًا مستقلاً في مرتبة الأدلة الأربعة، بل أكدوا على الدور الأداتي والوسائلي للسيرة خصوصًا في فقه المعاملات (انصاری، د.ت.: 212؛ نجفی، 1392: 16/51 و 35/20). ومن بين وظائف السيرة في هذا الدور، الاعتماد على فهم العرف للكلمات القرآنية والروائية، تنقيح موضوع الأحكام الشرعية، تنقيح ظهور الأدلة (صدر، 1417: 4/243)، دور السيرة في الجمع العرفي، تنقيح مناط الحكم، إلغاء الخصوصية، وغيرها من فنون الفهم الصحيح للأدلة التي يحتاج كل منها إلى شرح وتوضيح مفصل في موضعه.
وفي الوقت نفسه، اعتبر بعض الفقهاء سيرة العقلاء دليلاً لاكتشاف حكم العقل (طباطبایی بروجردی، 1415: 471؛ آشتیانی رازی، 1403: 1/171 و 3/53؛ آملی، د.ت.: 228). وعلى هذا الأساس، دون أن يُضاف مصدر إلى الأدلة الأربعة، تكون السيرة مصدرًا مستقلاً لاكتشاف الأحكام الإلهية، وحجيتها ذاتية. وتوقيع الشارع في هذا المقام هو الإرشاد إلى حكم العقل (موسوی خمینی، 1372: 1/105106).
بعد بيان إجمالي أصل الحجية ومقدارها، الكلام في شروط وكيفية الاعتبار للسيرة. في السيرة، يجب إثبات المكونين المادي والمعنوي. العنصر المادي هو السلوك المستمر، والسلوك الموحد، والارتكاز الذهني الثابت في موضوع معين، لكن هل يجب إثبات هذا العنصر في عصر الإمام المعصوم أم أن الاتصال ليس شرطًا؟ يرى جمهور الفقهاء أن اتصال السيرة بزمن المعصوم وكذلك تأييد الشارع ضروريان (علیدوست، 1384: 210). وبعضهم عند الحديث عن فاعلية السيرة في فهم الخطابات الشرعية، يعتبر عرف زمن صدور الخطاب معتبرًا، ما لم توجد قرينة على خلاف ذلك (کاشفالغطاء، 1422: 20).
أما في الرأي المخالف، فيعتبر بعضهم عرف كل زمان ومكان معتبرًا، مع أنهم لا يستبعدون احتمال اعتبار عرف زمن المعصوم (تح. اردبیلی، 1403: 1/265). وقد أبدى الشهيد الصدر في نظر أدق، بناءً على وظيفة سيرة العقلاء، تفصيلًا في مسألة وجوب أو عدم وجوب اتصال العنصر المادي بزمن المعصوم. فهو يبين أنه إذا كانت وظيفة السيرة تنقيح موضوع الحكم الشرعي، مثل السيرة والعرف التي توضح موضوع “النفقة”، فلا حاجة لإثبات أن السيرة المتداولة في زمن الشارع كانت على هذا النحو في فهم النفقة؛ لأن هذا الأمر لا يدخل في الحكم الكلي المشروع، بل بالعكس يجب القول إنه إذا تغيرت سيرة زمن التشريع في الأزمنة اللاحقة، فإن سيرة زمن التشريع في استنباط الحكم الشرعي في الأزمنة اللاحقة ليست معتبرة أو مؤثرة (صدر، 1417: 4/235). أما إذا كانت وظيفة السيرة توضيح ظهور الدليل، نظرًا لتدخل المناسبات العرفية والاجتماعية المرتبطة بفهم النص، ففي هذا الافتراض، يجب تزامن السيرة مع زمن صدور النص (المرجع نفسه: 4/236).
بعضهم يبدو أنهم اشترطوا تزامن السيرة مع عصر المعصوم في اعتبارها، وفي الوقت نفسه سعوا إلى إيجاد حلول أخرى لتعزيز اعتبار السير المتأخرة عن عصر المعصومين. فهم يرون أنه يجب الانتباه إلى العرف وسيرة الزمان التشريعي، ولكن تقييد ألفاظ الأدلة والوثائق فقط على المصاديق المعروفة في عرف ذلك العصر لا مبرر علمي له. معاني الألفاظ هي حقائق متسعة وقابلة للتطوير. ومن ثم فهي قابلة للتماثل مع المصاديق الجديدة، دون الخروج عن موضوعها؛ وهذا يدل على وجود ارتكاز واسع لدى أهل اللغة تجاه تلك المعاني الجديدة. صحيح أن المصاديق الجديدة لم تكن محل تفصيل من قبل أهل اللغة في تلك الأزمنة، لكن كان هناك حضور عام ومجمل لدى أهل اللغة، وهذا القدر من الحضور يكفي لصدق المعنى الحقيقي على المصاديق الجديدة (علیدوست، 1384: 404406). نعم، أحيانًا تحدث تحولات زمنية ومكانية بحيث لا يمكن بعد ذلك اعتبار بعض المصاديق الجديدة لسيرة ما من مصاديقها الواقعية. فقد تغير العنصر المادي أو تزعزع العنصر المعنوي؛ «مثلاً في الماضي، كانت سيرة الناس أن من يملك شيئًا هو من يحتفظ ويجمع أمثال الحطب أو يستغل منجمًا. هذا الأسلوب تغير اليوم، فالأشخاص باستخدام التكنولوجيا الحديثة يمكنهم على نطاق واسع جمع المباحات واستخراج المناجم، فإذا كانت سيرة العقلاء على هذا الأمر، فهل يمكن الادعاء بأن الشريعة المقدسة قد أقرته والتمسك بسيرة عصر التشريع[18]؟» ما يمكن قوله هنا هو أنه إذا كانت هذه السيرة في شكلها الحالي لها حضور ارتكازي في عصر المعصوم بحيث لو سُئل أحد من ذلك الزمان عن مثل هذا الشخص لكان يقر به، فيمكن التمسك بهذه السيرة، وإذا لم نثبت حتى الحضور المجمل للسيرة كما الحضور التفصيلي والواقعي، فلا يمكن شرعًا قبول السيرة» (حسینی حائری، 1423: 1/90).
فيما يتعلق بالعنصر المعنوي لسيرة العقلاء، وبناءً على القول المشهور الذي يرى حجية السيرة تعبدية وليست ذاتية وعقلائية، فإن العنصر المهم والأساسي في اعتبار السيرة هو تأييد الشارع. وما اختلف فيه العلماء هو كيفية وجود هذا التأييد وإثباته. فقد رأى معظم الفقهاء أن الموافقة أو على الأقل عدم وجود ردع من الشارع دليل على تأييد السيرة (آخوند خراسانی، 1423: 348؛ مظفر، د.ت.: 2/173). لكن بعضهم لم يرِ عدم وجود الردع كافياً، بل استند إلى قيد الانتباه والاعتبار، مؤكدين على قصد الشارع بعدم المنع، وتحدثوا عن إثبات عدم الردع بدلاً من عدم إثبات الردع (صدر، 1417: 4/245؛ هاشمی شاهرودی، 1426: 2/138). مع التنويه إلى وجود اختلافات بين سيرة العقلاء والسيرة المتشرعة في موضوع الحجية والاعتبار، والتي يجب الانتباه إليها.
في السيرة المتشرعة، بما أنها مدعاة أنها مستندة إلى النقل الشرعي، فيجب أن تكون مأخوذة من صاحب الشريعة في نقطة معينة من الزمان والمكان. ومن ثم، في نشوء العنصر المادي للسيرة المتشرعة، يشترط التزامن مع المعصوم حتى يمكن اعتبار أهل الشرع أن الشارع هو مصدر هذا السلوك (صدر، 1417: 4/238)؛ بينما في سيرة العقلاء، حسب رأي بعض الفقهاء، وبما أن هذا الادعاء غير مطروح، فإن التزامن مع زمن الشارع في بعض الحالات ليس شرطًا (المرجع نفسه: 4/247). والفرق الآخر في كيفية الاعتبار؛ فاعتبار السيرة بعد تأييد الشارع هو أمر مشترك، لكن اتصال السيرة المتشرعة بعصر المعصوم يسهل إثبات هذا التأييد؛ بحيث أن سكوت الشارع عن سيرة موجودة في مرأى منه يعد بمثابة موافقة ضمنية (نفس المرجع). أما في سيرة العقلاء، التي لا يشترط فيها اتصالها بزمن الشارع حسب الرأي المذكور، فيجب إثبات موافقة الشارع بطريقة أخرى. والسؤال كيف يمكن اعتبار سكوت الشارع وعدم ردعه للسير العقلائية المتأخرة عن زمانه تأييدًا، وكيف يمكن إثبات تأييد الشارع للسلوكيات العقلائية المستمرة الجديدة؟ هذه مسألة معقدة سيتم تناولها تحت عنوان «وجهات نظر خاصة».
31. وجهات نظر خاصة في علاقة بالسيرة
على أساس أن تأييد الشارع ضروري في اعتبار السيرة، قدمت مجموعة من الفقهاء[19] آراء متقاربة ومتجانسة في تفسير مكونات السيرة، مع وجود اختلافات عن الرأي المشهور للفقهاء. والفرق الأساسي بين آرائهم والرأي المشهور يتعلق بوجوب أو عدم وجوب ارتباط السيرة بزمن المعصوم، وكيفية إثبات الموافقة والتأييد من الشارع، بعد أن اتفق الرأي الخاص والمشهور على الأصل في وجوب تأييد الشارع للسيرة العقلائية[20].
كما ذُكر في المبحث السابق حول حجية السيرة، فقد اعتبر بعض الفقهاء تزامن السيرة مع عصر المعصوم شرطًا في تكوينها (کاشفالغطاء، 1422: 20؛ علیدوست، 1384: 404).
أما الشهيد الصدر فلا يشترط هذا التزامن في بعض الحالات، ويقول:
«وأما السيرة العقلائية فيكفي فيها أن نثبت أنّ الطباع العقلانيّة لو خلّيّت ونفسها ولم تردع، لكان مقتضاها عمل ما وإن كان بالفعل لم يجر أصحاب الأئمّة والعقلاء في زمانهم علي ذلك» (صدر، 1417: 4/247)؛ في السيرة العقلائية يكفي أن نثبت أنه إذا تُركت الطبيعة العقلائية للإنسان لنفسها ولم تُمنع، فإنها تقتضي عملاً معينًا، حتى وإن لم يكن أصحاب الأئمة والعقلاء في زمانهم قد أظهروا هذا السلوك عمليًا.
في المقابل، فيما يخص السيرة المتشرعة، بسبب نسب العمل إلى النقل الشرعي، يُزعم أن تلك السيرة تتوافق مع الحكم التأسيسي الشرعي. لذلك، في نظره، من الطبيعي أن يكون اتصال السيرة المتشرعة بعصر المعصوم ضرورياً؛ وهو معاصرة تتيح إمكانية تصور واستنباط حكم الشرع من الشارع. والآن يطرح السؤال: كيف يمكن إثبات هذا الاتصال والمعاصرة؟ لقد نظم الشهيد الصدر شرحاً مفصلاً حول طرق إثبات معاصرة السيرة المتشرعة مع زمن المعصوم [21]. التزامن بين السيرة المتشرعة وعصر المعصوم، والتصديق أو السكوت من الشارع، عنصران ضروريان في اعتبار السيرة المتشرعة، أما في ما يتعلق بالسير العقلائية التي تدخل في تشخيص وتنقيح موضوع الأحكام، فيرى أنه ليس شرطاً أن تكون معاصرة للمعصوم، ولكن تأييد الشارع ضروري. ويتم الحصول على هذا التأييد من خلال إثبات التصديق أو عدم الردع من الشارع. وكلما كانت السيرة العقلائية أكثر عمومية وكان الشارع معارضاً لها، كان من المتوقع أكثر أن يكون هناك ردع متكرر من الشارع. وأنه لم يصلنا ردع أو منع، يدل على تأييد الشارع (المرجع نفسه: 4/244).
الإمام الخميني أيضاً لا يعتبر معاصرة السيرة مع عصر المعصوم شرطاً لاعتبارها. فهو يرى أن سيرة العقلاء والعرف، حتى وإن تحققت في أزمنة متأخرة عن زمن المعصوم، فهي حجّة بشرط عدم الردع والمنع (موسوی خمینی، 1385: 125). وهناك نقطتان مبتكرتان في نظره:
الأولى أن تأييد الشارع للسيرة المعاصرة لا يفيد في السير المستقبلية التي قد تكون لها خصائص مختلفة؛ مثلاً سيرة العقلاء في رجوع الجاهل إلى العالم في عصر الغيبة تختلف عن رجوع الجاهل إلى العالم في زمن حضور المعصوم. ففي زمن الحضور، كان الجاهل يرجع إلى عالم يمتلك علماً وجدانيّاً بالأحكام الشرعية، وهو علم حصل عليه في ظل المشافهة مع الإمام المعصوم. أما هذه السيرة نفسها في عصر الغيبة، فهي رجوع الجاهل إلى عالم اكتسب علمه من الظنون الاجتهادية والإمارات الظنية. لذلك، فإن تصديق الإمام على السيرة المعاصرة لا ينفع للسيرة المتأخرة التي تبدو مشابهة. وعلى هذا الأساس، يجب تحصيل تأييد وتصديق الشارع بطريقة أخرى.
النقطة الثانية الجديرة بالاهتمام هي أنه ربما استند إلى بعض الأدلة النقلية التي تبين اتساع وشمول علم الأئمة، ليؤسس إثبات تأييد وتصديق الشارع على هذا الأساس. فالإمام كان على علم بحال وأحوال الأزمنة المستقبلية، وكان يعلم ما هي الطرق التي ستنتشر في المجتمع في زمن الغيبة الكبرى. وإذا لم يكن راضياً عن تلك السير، لكان منعها بلا شك، ولا فرق بين السيرة العقلائية المتصلة بزمن المعصوم والسير اللاحقة (المرجع نفسه). فالمعاملات (الأمور غير العبادية) هي أساساً أمور عقلائية، وطالما أن الشرع المقدس لم يردع أو يخطئ سيرة العقلاء، فهي معتبرة (آخوند خراسانی، 1423: 348؛ موسوی خمینی، 1373: 2/163).
بعضهم أيضاً مع تأكيدهم على الدور الأساسي للسيرة العقلائية في غير العبادات، يرون أن دوران الخطابات الشرعية وفهمها يتم في ظل السيرة والعرف. وهم يرون أن لزوم التصديق الجزئي على السيرة، بل وحتى البحث عن عدم الردع لسيرة معينة، أمر غير ضروري ومستحيل، ويعتبرون التأييد العام للسيرة مثبتاً [22]. وبالطبع، كلما رأى الشارع ضرورة، قام بقلم السيرة وجرحها وعدلها، وإذا لم يفعل ذلك، فالأساس هو تأييد الشارع [23].
وهناك إشكال على هذا القول؛ لأنه في النهاية، لا بد من البحث والتنقيب عن وجود أو عدم وجود ردع الشارع لاكتشاف تدخل الشارع المحتمل في الإصلاح. فقط بعد البحث والتنقيب عن الردع والمنع وعدم وجودهما، يمكن الاعتماد على أصالة تأييد الشارع في السير المتداولة في أبواب غير العبادات.
32. الخلاصة والرأي المختار
بالنظر إلى ما سبق من شرح دليل السيرة في نظر جمهور الفقهاء والآراء الخاصة، يرى الكاتب أنه بغض النظر عن أن بعض المفكرين قد رجعوا بمضمون السيرة إلى حكم العقل، وبناءً عليه يمكن اعتبار للسيرة حساب خاص على أساس حجية العقل الذاتي، إلا أنه حتى إذا اتبعنا المشهور واعتبرنا رجوع السيرة إلى تقرير المعصوم واحتياجها إلى تأييد الشارع، ومع ذلك، استناداً إلى رأي الإمام والشهيد الصدر اللذين، مع توافقهما مع المشهور في لزوم إثبات تأييد الشارع، لم يعتبروا اتصال السيرة بزمن المعصوم مطلقاً أو في بعض الوظائف ضرورياً، يبدو أن دور السيرة العقلائية في كثير من المسائل الاجتماعية والفقهية والقانونية، ومنها في المعاملات والمسؤولية التعاقدية، أكثر وضوحاً وأوسع مما قدمه الفقهاء والقانونيون حتى الآن. وتحليل بعض الأقوال والقوانين في الجزء التالي من المقال يثبت هذا الأمر.
4. السيرة العقلائية والمسؤولية التعاقدية[24]
المقصود بالمسؤولية التعاقدية هو مسؤولية تعويض الأضرار الناجمة عن خرق العقد. وتقسم الأضرار في تقسيم تقليدي مأخوذ من القانون الروماني، والذي دخل في العديد من الأنظمة القانونية الوطنية والدولية، إلى أضرار فعلية[25] وأضرار عدم انتفاع[26] (یزدانی، محبی و امامی، 1395: 204).
الأضرار الفعلية تشير إلى تلف المال سواء كان عيناً أو منفعة موجودة. والمنفعة الموجودة مثل ثمرة الشجرة، أو سكن المنزل المؤجر، وما إلى ذلك. في المسؤولية التعاقدية، إذا خالف أحد طرفي العقد التزامه، فإن التكاليف التي تحملها الطرف المتضرر لتنفيذ التزاماته، مثل شراء المواد الأولية، استشارة الخبراء، المستشارين، وما إلى ذلك، تعتبر أضراراً فعلية.
القسم الثاني هو الضرر الناتج عن فقدان المنفعة، والذي قد ينشأ مثلاً عن اغتصاب مال، حبس إنسان أو خرق عقد. الضرر الناتج عن فقدان المنفعة بسبب خرق العقد، كأن تكون شركة إنشاءات ملتزمة بموجب العقد ببناء وتسليم مبنى في موعد محدد، فإذا سلمته متأخراً بسنة أو لم تسلمه أصلاً، فإنها تكون قد فوتت المنفعة التي كان من المعتاد حصولها من تنفيذ العقد كاملاً. هذا النوع من الضرر هو فقدان المنفعة. وبالطبع، فقدان المنفعة أحياناً يكون منافع قطعية ومسلّمة وأحياناً منافع محتملة (حظوظ). القطعية والمسلّمة ليست بالمعنى الفلسفي، بل بمجرد أن يعترف العرف بتحقق تلك المنفعة وفقاً للسير المتعارف عليه للأمور، تُعتبر مسلّمة. المادة 14 من قانون أصول المحاكمات الجزائية لعام 1392 التي تصفها بالمنافع الممكن الحصول عليها، تشير إلى هذا النوع بالذات[27]. أما المنافع المحتملة فهي المنافع التي يحتمل حصولها في حال تنفيذ الالتزامات العقدية؛ كأن يدعي شخص أنه لو دفع له مبلغ العقد في موعده، لكان قد أودعه في البنك وربح في السحب البنكي. الفوز في السحب هو منفعة محتملة (حظ). الفقرة 2 من المادة 515 من قانون أصول المحاكمات المدنية لعام 1379 لا تعتبر تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة مطلقاً قابلاً للمطالبة، لكن غالبية الكتّاب القانونيين يرون وجوب تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة المسلّمة(کاتوزیان، 1361: 142؛ امامی، 1390: 407 و 244). التحليل السائد لدى القانونيين في هذا الشأن هو أن العرف وسيرة العقلاء يعتبران إلغاء المنافع المسلّمة وفقاً للعرف ضرراً، وتعويض الضرر الواقع على الآخرين من الناحية القانونية والفقهية واجب(وحدتی شبیری، 1385: 254). هؤلاء الكتّاب لا يوضحون أن العرف العام وسيرة العقلاء بحسب الرأي المشهور للفقهاء تكون حجيتها عندما تثبت معاصرتها لعصر المعصوم، وكذلك عندما يتم تأييدها أو عدم ردعها.
في الجزء الأول من هذا المقال، تم معالجة هذه المسألة بالاعتماد على رأي بعض الفقهاء، وإن كان مخالفاً للمشهور، لإيجاد حل لهذه المشكلة، وتمهيد الطريق للاعتماد على السيرة والعرف العام سواء في وظيفته المستقلة في إثبات المسؤولية العقدية وخاصة في تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة، أو في وظيفته الأداتية والوسائلية في فهم قواعد الضمان؛ بحيث يصبح من الممكن الاعتماد على قواعد الإتلاف، واليد، واللا ضرر. وقبل عرض الدور التفصيلي للسيرة في أصل ونطاق المسؤولية العقدية، ولتجنب النزاع الفرعي في باب إثبات السيرة، سيتم عرض أدلة وتفسير من قوانين بعض الدول، والوثائق الدولية للبيع، والأحكام القضائية في إثبات السيرة القطعية العقلائية المتعلقة بأصل المسؤولية العقدية وشمولها للضرر الناتج عن فقدان المنفعة القطعية.
الدول الرائدة في الأنظمة القانونية الرومانية الجرمانية والكومن لا، وبالنتيجة باقي الدول التي تستمد حقوقها وتستلهمها من حقوقها، جميعها متفقة على وجوب تعويض الضرر الناجم عن خرق العقد. الاختلاف فقط في مقدار ونطاق التعويض. النظام القانوني الفرنسي والسويسري يسعيان لتعويض الضرر إلى حد وضع المتضرر في الوضع الذي كان عليه قبل إبرام العقد(تح. داماد وآخرون، 1381: 27). وفي الوقت نفسه، مع توسع التبادلات التجارية والاقتصادية وأهمية تحقيق الأرباح والمنافع المالية المتزايدة في حياة الأفراد، تبنّى النظام القانوني الفرنسي نظرية التعويض الكامل للضرر الذي يشمل الضرر الناتج عن فقدان المال الموجود والمنفعة(Bell et al., 1998: 349)، إلى حد أن الفقرة 2 من المادة 1231 من القانون الفرنسي الجديد الصادر عام 2016، اعتبرت المستفيد من العقد مستحقاً لاستلام المنافع المفقودة بسبب خرق العقد(بزرگمهر و مهرابی، 1395: 61). أما القانونان الإنجليزي والأمريكي، فهما يسيران في إطار نظرية التعويض “الكامل”[28]، بهدف وضع المتضرر في الوضع الذي يكون عليه بعد تنفيذ العقد(تح. داماد وآخرون، 1381: 27؛ رهپیک، 1379: 27؛ Duxbary, 1994: 95).
أهم من ذلك، الاتفاقيات والوثائق الدولية للبيع التي تمثل تجسيداً للعقل الجمعي. في وثيقة مبادئ العقود التجارية الدولية[29]، في المادة 247 تحت عنوان “التعويض الكامل”، تم التأكيد على وجوب تعويض الأضرار الناجمة عن عدم التنفيذ، بما في ذلك كل منفعة حُرم منها المتضرر. كما أن المادة 74 من اتفاقية بيع البضائع الدولية[30] تتضمن دفع تعويضات عن فقدان المنفعة(Fountoulakis, 2011: Vol. 12, Issue 1). وفي المبادئ الأوروبية لقانون العقود الدولية (PECL) تم قبول نفس الرأي(Radley-Gardner, 2003: 391). كما يُلاحظ، هناك اتفاق نوعي على وجوب تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة القطعية. أما ما ليس عليه اتفاق فهو تعويض الأضرار المحتملة (الحظوظ) التي نادراً ما تتحدث بعض القوانين مثل الفقرة 2 من المادة 347 من مبادئ العقود التجارية الدولية عن وجوبها[31].
كما أن الاجتهاد القضائي والتحكيم الدولي قد تشكلا إلى حد ما وفقاً لهذا الاتفاق؛ مثلاً، حكمت محكمة العدل الدولية في قضية “شركة خشب ليبيريا الشرقية ضد ليبيريا” بتعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة(Robert H. May v. Guatemala, 1900: 47-75). كما أصدرت محكمة تحكيم إكسيد[32] حكماً في قضية “لتكو ضد ليبيا” بتعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة(Liberian Eastern Timber Corporation v. Republic of Liberia, 1986: para. 374). في المقابل، لا تصدر الاجتهادات القضائية والتحكيم الدولي أحكاماً بتعويض الأضرار المحتملة الناتجة عن فقدان المنفعة[33]، كما في حكم محكمة التحكيم الإيرانية الأمريكية في قضية “لوفيت ضد إيران”(William J. Levitt v. Iran, 1987: para. 56).
إن دراسة هذه المسائل تدل بوضوح على وجود عرف عام وسيرة عقلائية شاملة في أصل المسؤولية المدنية التعاقدية، وكذلك على وجوب تعويض الأضرار الناتجة عن عدم الانتفاع بشكل مسلّم به.[34] بالإضافة إلى ذلك، ووفقًا لما ثبت في الأقسام السابقة، فإن هذه السيرة القطعية معتمدة شرعًا، على الأقل في قالب عدم الردع، وهذا القدر يكفينا. أما قوانين إيران فتتمتع بحالة من الاضطراب النسبي. ففي خضم القوانين، تم التأكيد على دور العرف والسيرة في معاملات العقود والالتزامات، مثل المواد 220، 221، 225 و344 من القانون المدني. وفي الوقت نفسه، جعلت أساس المسؤولية التعاقدية مشروطًا بشرط صريح أو ضمني (المادة 221 من القانون المدني). وهذا الأمر يحمل بعض الإشكالات التي سيتم الإشارة إليها لاحقًا. أما بالنسبة لأضرار عدم الانتفاع، فالوضع أكثر تعقيدًا. فقد أدت الاختلافات القانونية في هذا المجال إلى صدور أحكام متناقضة في المحاكم.[35] وسيتم تناول هذا الموضوع أيضًا. ويبدو أنه مع الاهتمام الخاص بسيرة العقلاء وإعادة قراءة أسس المسؤولية التعاقدية في ضوئها، يمكن اقتراح إصلاحات للقوانين.
4-1. تحليل المواد 221 من القانون المدني والفقرة 2 من المادة 515 من قانون أصول المحاكمات المدنية لعام 1379
تنص المادة 221 من القانون المدني على ما يلي:
«إذا تعهد شخص بالقيام بعمل ما أو تعهد بالامتناع عن القيام بعمل، فإنه في حالة الإخلال يكون مسؤولاً عن تعويض الضرر للطرف الآخر؛ بشرط أن يكون التعويض منصوصًا عليه، أو أن يكون التعهد عرفًا بمثابة النص، أو أن يكون القانون موجبًا للضمان».
أما الفقرة 2 من المادة 515 من قانون أصول المحاكمات المدنية:
«الأضرار الناجمة عن عدم الانتفاع لا يمكن المطالبة بها و…».
المسؤولية المدنية التعاقدية وفقًا للمادة 221 من القانون المدني مشروطة بشرط صريح أو ضمني عرفي. وهذا الأمر في الواقع يقع ضمن قاعدة «المؤمنون عند شروطهم»[36]. ومن الواضح أن إلحاق الضرر بالغير إذا كان مشمولًا في نطاق الإتلاف والتسبب، حتى وإن كان ناشئًا عن خرق الالتزام والعقد، يجب تعويضه، والمادة 221 من القانون المدني لا تتناول ذلك. فقد أشار المشرع إلى هذا الأمر في صدر المادة 515 من قانون أصول المحاكمات،[37] ولكن بعيدًا عن أسباب الضمان القهري، يبقى السؤال: لماذا جعل المشرع المسؤولية التعاقدية مرتبطة بشرط صريح أو ضمني؟ بالنظر إلى المبحث السابق، لا يشك اليوم أحد في سيرة وعرف وجوب تعويض الأضرار الناجمة عن خرق العقد. فهل كان المشرع يشكك في العنصر المادي أو المعنوي للسيرة؟ أم أنه لا يعترف بسيرة العقلاء كدليل معتبر؟ الاحتمال الثاني مردود؛ لأن المواد القانونية المدنية تعترف بالدور البارز للسيرة والعرف في موضوع المعاملات (مواد 220، 225، 344 و…). ويبدو أن المشرع في زمن وضع القانون لم يكن متيقنًا من وجود العنصر المادي أو المعنوي للسيرة في موضوع المسؤولية التعاقدية المبني على وجوب تعويض الأضرار الناجمة عن خرق العقد عرفًا. والآن، السؤال هو: مع إثبات العنصر المادي للسيرة في هذا الخصوص كما ذُكر في المبحث السابق، وإثبات اعتبار السيرة كعنصر معنوي كما بُين بالتفصيل في القسم الأول من هذه المقالة، هل من مبرر لاستمرار المادة 221 من القانون المدني بهذا الشكل والمضمون؟ يبدو أن الجواب سلبي؛ لأن السيرة القطعية العقلائية على وجوب تعويض الأضرار الناجمة عن خرق العقد واضحة. كما أن اعتبار هذه السيرة مقبول وفقًا للمبنى المختار في هذه المقالة. إذًا، نحن في باب السيرة، بناءً على مبنى واحد، أمام حكم شرعي عقلي، أو بناءً على المشهور أمام حكم شرعي إمضائي، يُترتب على فعله ثواب، وعلى تركه عقاب. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن اشتراط وجوب تعويض الأضرار الناجمة عن خرق العقد بشرط عرفي ارتكازي في هذا الخصوص هو أمر محقق. وأكثر من ذلك، فإن اشتراط وجوب تعويض الأضرار الناجمة عن خرق العقد بشرط صريح من طرفي العقد ليس وجهًا صحيحًا؛ لأن هذا الأمر في الواقع يجعل الحكم الإمضائي للوجوب الشرعي مرتبطًا بشرط طرفي العقد، وهو شرط مخالف للشرع وباطل وفق المادة 232 من القانون المدني. وهو مخالف للشرع لأن اختيار الحكم الشرعي ليس بيد المكلفين بحيث يمكن مثلاً أن يُفرض أو يُرفع بوجود شرط طرفي العقد أو عدمه.
أما إذا قيل إن المادة 221 نفسها قد أقرّت أنه في حال وجود عرف وسيرة في باب المسؤولية التعاقدية، فإن ذلك العرف يكون ملزماً، وهذا يكفي، فنقول: في فرض وجود سيرة قطعية في خصوص أصل المسؤولية التعاقدية، التي تترتب عليها حكم شرعي إمضائي بوجوبها، أولاً يبقى الإشكال المتعلق بالتشريع الباطل نتيجة اشتراط الوجوب على شرط طرفي. ثانياً، التشريع بشكل تعليقي، بحيث إذا وُجد عرف يكون ملزماً، وإذا لم يوجد فلا يكون، يتعارض مع وضوح وصراحة القانون، بالإضافة إلى أنه يؤدي إلى إطالة مراحل الإثبات القانونية والقضائية في إثبات عناصر المادية والمعنوية للسيرة والعرف، وكذلك الغموض في تحديد الجهة المكلفة بإثبات الأمر المذكور. وبالمجمل، بناءً على وجود السيرة، لا بد من تعديل هذه المادة وتقديم مادة 221 معدلة مثلاً على النحو التالي: «إن خرق الالتزام والعقد يوجب المسؤولية». كما يمكن تحديد مقدار وحد المسؤولية بناءً على السيرة بنفس الطريقة. لكن قوانين إيران تعاني من حالة ارتباك في هذا الصدد أيضاً. فالمادة 14 من قانون الإجراءات الجزائية لعام 1392 تعتبر تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة الممكنة أمراً ضرورياً. أما الفقرة 2 من المادة 515 من قانون الإجراءات المدنية فتعتبر تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة غير قابل للمطالبة. ويعتقد المؤلف أن الفقرة 2 من المادة 515 غير صحيحة. ومن خلال طرق مختلفة يمكن إثبات هذا الادعاء والمطالبة بتعديلها. حاول بعض القضاة بالاستعانة بمبادئ المسؤولية المدنية وبعض القوانين مثل المواد 1 و2 من قانون المسؤولية المدنية إيجاد حل.[38] ويبدو أنه رغم أن المادة 14 من قانون الإجراءات الجزائية تتناول موضوع الضرر الناتج عن فقدان المنفعة الناشئ عن الجريمة، إلا أنه لا فرق من حيث المبدأ مع الضرر الناتج عن فقدان المنفعة الناشئ عن خرق العقد. ونتيجة لذلك، هناك تعارض بين المادتين المذكورتين. فإذا اعتبرنا المادة 14 من قانون الإجراءات الجزائية ناظرة إلى المنافع المؤكدة الحصول[39]، واعتبرنا في المقابل الفقرة 2 من المادة 515 من قانون الإجراءات المدنية منصرفة إلى المنافع المحتملة وغير القابلة للمطالبة، فإن ذلك من حيث الجوهر كلام صحيح، لكنه لا يتوافق مع عمومية الفقرة 2 من المادة 515. لذلك، ما يحل المشكلة جذرياً هو الانتباه إلى المبادئ والأدلة التي دفعت المشرع إلى نظرية عدم إمكانية مطالبة تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة. إن إعادة قراءة هذه المبادئ مع التركيز على سيرة العقلاء تعزز نظرية وجوب مطالبة تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة القطعي والمؤكد في إطار قراءة جديدة لنفس المبادئ، وتستلزم إعادة النظر في المواد المذكورة.
4-2. سيرة العقلاء والضرر الناتج عن فقدان المنفعة
يجب الانتباه إلى أن كل ما ذُكر في إثبات أصل المسؤولية التعاقدية بمساعدة سيرة العقلاء في المناقشتين السابقتين، ينطبق أيضاً على الضرر الناتج عن فقدان المنفعة القطعي. فقد ثبت بوضوح العنصر المادي في سيرة العقلاء القائم على اعتبار الضرر الناتج عن فقدان المنفعة المؤكد ضرراً، ووجوب تعويض الضرر الناشئ عنه. كما أن العنصر المعنوي اللازم لاعتبار السيرة موجود وفقاً للاختيار الذي أشار إليه المؤلف في الأقسام السابقة.[40] ونتيجة لذلك، يجب تعويض الأضرار الناتجة عن فقدان المنفعة القطعي التي تكون حسب العرف قابلة للتحقق. وجود السيرة في هذا الخصوص، وفقاً للتوضيحات السابقة التي نكتفي بعدم تكرارها، يكفي لإثبات هذا الادعاء. وفي الوقت نفسه، حتى إذا أخذنا بعين الاعتبار إشارات بعض الفقهاء التي تقول إن أسباب الضمان في الفقه محصورة في «قاعدة الإتلاف» و«قاعدة على اليد» (موسوی خویی، 1365: 173)، فلا يزال بالإمكان متابعة وتعزيز نظرية وجوب تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة القطعي في إطار هذه القواعد (الإتلاف، على اليد) وكذلك قواعد أخرى مثل قاعدة لا ضرر واحترام مال المسلم بالاعتماد على الدور الأداتي للسيرة. المنهج العام للمقالة الحالية هو إثبات نظرية وحدة مباني المسؤولية وشمول أدلة الضمان في الحقوق الإسلامية بالنسبة لأنواع المسؤوليات المدنية المعروفة.
43. وجهة نظر الفقهاء في الضرر الناتج عن فقدان المنفعة
تم تناول هذا الموضوع في الكتب الفقهية تحت باب «الإيجار» في موضوع إيجار الأشخاص وتفويت منافع الشخص المؤجر.[41] في تفويت المنافع المؤكدة الحصول عرفاً في المستقبل، لا يوجد فرق بين منافع العمل البشري الذي فرضاً حُبس وبين المنافع الناشئة عن خرق العقد. المعيار في الحالتين واحد. أي حكم يوجب المسؤولية المدنية والضمان عن تفويت المنافع المتوقعة من عمل الإنسان، يوجب كذلك تفويت المنافع المتوقعة من العقد المخالف؛ لأن الموضوع هو تفويت المنافع المؤكدة الحصول حسب العرف. لذلك، بعد ذكر أقوال الفقهاء في علاقة بتفويت منافع الإنسان ودراسة استدلالات المؤيدين والمعارضين للمسؤولية، يتضح وضع الضرر الناتج عن فقدان المنفعة الناشئ عن خرق العقد أيضاً.
بعض من الفقهاء حكموا بعدم الضمان في خسارة عدم الانتفاع أو المنافع المؤكدة المستقبلية التي فات الحصول عليها وادعوا الإجماع على ذلك (المرجع نفسه؛ حسینی مراغی، 1417: 1/310). وفي الوقت نفسه، أفتى آخرون بالضمان والمسؤولية (وحید بهبهانی، 1417: 617 ؛ همو، 1415: 250). كما فصّل بعضهم بين تفويت منافع الإنسان العامل صاحب الدخل وغيره[42] (طباطبایی یزدی، 1420: 5/38؛ موسوی خمینی، د.ت.: 1/498؛ موسوی خویی، 1368: 2/36). الفقهاء الذين حكموا بعدم المسؤولية يرون إجمالاً أن أسباب الضمان محددة، وأن خسارة عدم الانتفاع حتى في النوع الممكن القطع به لا يمكن إثباتها بأي من تلك الأسباب. ويبدو أنه إذا أمكن الرد على استدلال هؤلاء العلماء، فإن خسارة عدم الانتفاع القطعي تدخل في أدلة الضمان. وفي هذا السياق، تُعاد قراءة قواعد وأدلة الضمان بالاعتماد على سيرة العقلاء. وإذا ثبت حكم الوضع بالضمان، فإن ذلك يستلزم حكمًا تكليفيًا بوجوب تعويض الخسارة، مما يؤدي إلى إثبات المسؤولية المدنية التعاقدية.
4-4. السيرة وقاعدة الإتلاف في إثبات خسارة عدم الانتفاع
أحد أُسس المسؤولية المدنية هو قاعدة الإتلاف. بعض الفقهاء يعتبرون قاعدة الإتلاف قاعدة اصطيادية تستمد من عدد من الروايات التي تتضمن مفهوم هذه القاعدة (موسوی خویی، 1368: 3/131). بينما يرى آخرون أن أساس قاعدة الإتلاف هو سيرة العقلاء، ومن ثم يعتقدون أن نطاق المسؤولية الناشئة عن القاعدة أوسع بكثير مما لو اعتبرنا أساس القاعدة أدلة لفظية؛ لأن نطاق شمول القاعدة يحدده عرف العقلاء بطبيعته (موسوی خمینی، 1379: 3/85). وفي الوقت نفسه، يبدو أنه حتى لو اعتبرنا أساس القاعدة فقط الأدلة اللفظية، فإنه وبما أن دائرة الخطابات الشرعية وتفهيمها وتفهمها تدور في ضوء السيرة والعرف (مغنیه، 1975: 222)، يمكن بالاعتماد على الدور الأساسي والأدواتي لسيرة العقلاء في فهم الكلمات القرآنية والروائية التي يؤكد عليها بعض الفقهاء (صدر، 1417: 4/243)، تحديد نطاق شمول قاعدة الإتلاف. ومفهوم القاعدة هو أنه إذا أفسد شخص مال غيره، فإنه مسؤول عن تعويض الخسارة[43]. يجب إثبات الملكية، ونعلم أن الملكية عنوان تجريدي، مثل التفوق الذي يُستخلص من منشأ خارجي (مروی، 1382: 69). والسؤال الآن: كيف يمكن للمنافع المستقبلية التي لم تتحقق بعد والتي هي أمر معدوم أن تكون منشأ لاستخلاص الملكية؟ الجواب هو أن الأمور التجريدية لا تُستخلص بالضرورة من أمر وجودي خارجي، بل قد تُستخلص من أمر وجودي اعتباري بناءً على اعتبار العقلاء. بلا شك، العقلاء يقيّمون المنافع المؤكدة عرفيًا ويعتبرون لها ملكية. والدليل على هذا الاعتبار العقلي هو أنهم يدفعون مالًا مقابلها (المرجع نفسه). بعض الفقهاء يعتبرون المنافع المفوتة مالًا، ومع ذلك لا يطبقون قاعدة الإتلاف عليها (طباطبایی یزدی، 1420: 5/40، حاشیه آقاضیاء عراقی؛ اصفهانی، 1409: 170). هذا القول يُناقش بعد عدة أسطر.
آية الله الخوئي، مع قبوله ملكية المنافع، لا يطبق قاعدة الإتلاف على المنافع المفوتة المتوقعة. ويرى أن قاعدة الإتلاف تتعلق بإتلاف المال الفعلي الموجود؛ لأن كل كلمة تظهر في فعلها؛ مثلاً إذا قال المولى: «أكرم العلماء»، فإن الحكم يشمل العالم الفعلي وليس العالم بالقوة. المنافع قبل تحققها الخارجي ليست مالًا فعليًا موجودًا. قاعدة إتلاف المال تعتبر إتلاف المال الفعلي ضمانًا. والإتلاف من قبيل الرفع، كما لو أحرقت سيارة موجودة ودمرتها، يمكن القول إنه أُتلفت، أما تفويت منفعة ممكنة الحدوث فهو من قبيل المنع. في الواقع، هو منع من تحقيق المنافع. وهذا لا يمكن اعتباره إتلافًا (موسوی خویی، 1365: 173).
يمكن الرد على هذا الاستدلال بالقول: نقبل أن القاعدة تتعلق بإتلاف المال الفعلي، لكن فعالية كل شيء حسب ذاته، وبالتالي إتلاف كل شيء حسب ذاته. للمنافع وجود متصل؛ بمعنى أنها تُخلق لحظة بلحظة عبر الزمن، وكلما وجدت منفعة استعدادًا تامًا للوجود، فإن المنع من هذه المنفعة حسب عرف وسيرة العقلاء هو عين إتلاف المال الفعلي (مروی، 1382: 69). ومن المثير أن ذلك الفقيه الكبير الذي لا يعتبر منافع عمل الإنسان المحبوس مالًا فعليًا ولا يشملها قاعدة الإتلاف، يطبق القاعدة على المنفعة إذا كانت عينًا (موسوی خویی، 1365: 173). تعليله في نظره مهم؛ فإذا اغتصب شخص مثلاً مفتاح سيارة زيد ولم يعطه للمالك، فإنه ضامن منافع مدة الغصب؛ لأن هناك استعدادًا وطلبًا تامًا للاستفادة من السيارة، والغازي منع تلك المنفعة، وبناءً على قاعدة الإتلاف يكون ضامنًا. السؤال والاعتراض هو: ما الفرق بين منفعة العين وعمل الإنسان ومنفعة العقد عندما يكون هناك استعداد وطلب تام للحصول على المنفعة؟[44] الفرض أن الشخص لديه القدرة والإرادة للقيام بالعمل، أو أن الفرد المتعهد بأداء الالتزامات التعاقدية لديه القدرة والإرادة بل والالتزام بأداء التعهد، وبالتالي هناك استعداد تام وكامل لوجود العمل والمنافع. وهذا القدر كافٍ ليعتبره العرف ذلك العمل والمنافع مالًا موجودًا. في الواقع، إذا كان هناك استعداد تام، يمكن عرفًا اعتبار ذلك العمل والمنافع ملكية فعلية للمتعهد له.
آقاضياء العراقي والمحقق الأصفهاني لا يختلفان في ملكية المنافع؛ لكنهما يعتبران قاعدة الإتلاف أساسًا متعلقة بإتلاف الملك، بينما المنافع ليست ملكًا. لذا، فإن تفويت المنافع لا يشمل قاعدة الإتلاف ولا يكون ضمانًا (طباطبایی یزدی، 1420: 5/40؛ اصفهانی، 1409: 170). وفي توضيح هذا الرأي، يُستدل بأن الملكية إما تكوينية أو اعتباري عقلائي. الملكية والسيطرة التكوينية على الشيء نتيجة خلقه، أما الملكية الاعتبارية فهي ليست نتيجة خلق الشيء، بل هي سيطرة وملكية يقرها العقلاء والعرف لشخص ما بسبب بعض النشاطات والجهود وإقامة علاقة معقولة مع الشيء، مثل حيازة المباحات والشراء والبيع وغيرها.
فيما يتعلق بالمنافع التي تُفوَّت عن عمل الإنسان يُستدل بما يلي: سيطرة الإنسان على أعضاء جسده ليست علاقة ملكية تكوينية، لأنه ليس خالقها. كما أنها ليست علاقة ملكية اعتباريّة، لأن الإنسان لم يبذل جهدًا أو سعيًا يستحق بموجبه الملكية الاعتبارية العقلائية لتلك الأعضاء. وحيث إن الإنسان ليس مالكًا للأعضاء، فهو أولى بعدم كونه مالكًا لمنافع تلك الأعضاء. ونتيجة لذلك، فإن تفويت تلك المنافع لا يعد تبديدًا لملك الغير ولا يوجب الضمان (المرجع نفسه). هذا الاستدلال لا يمكن تطبيقه على تفويت منافع العقد بالطريقة المذكورة، لكن يمكن على الأقل التشكيك في ملكية طرفي العقد للمنافع المفوّتة. وإذا اعتبرنا قاعدة التبديد ناظرة إلى تبديد الملك، فهناك إشكال في إطلاق صفة الملك على التزامات طرفي العقد، إذ إن ذلك موضع شك. وهذا القدر كافٍ لإحداث خلل في سير قاعدة التبديد بناءً على الرأي السابق، ونتيجة لذلك لا يمكن إثبات الضمان بالنسبة لمنافع العقد المفوّتة.
الرد على هذا الرأي بالاعتماد على سيرة العقلاء هو أن الملكية بكل نوعيها (التكوينية والاعتبارية) موجودة بالنسبة لمنافع الإنسان، رغم عدم وجودها بالنسبة لأعضاء الجسم. الدليل هو سيرة العقلاء والعرف. الإنسان يملك تكوينيًا واعتباريًا أفعاله التي تنشأ عن أعضائه، وكذلك طرفا العقد يملكان تكوينيًا واعتباريًا المنافع الناشئة عن العقد. في الواقع، لا نقبل الأولوية التي تقول إنه إذا لم يكن الشخص مالكًا لأعضائه، فهو أولى بعدم ملكيته للأفعال الناشئة عن جوارحه وأعضائه. ليس الأمر كذلك، فلا يلزم أن يكون من لا يملك الأصل غير مالك للفرع. كما يمكن ملاحظة أن المستأجر ليس مالكًا للعين، لكنه مالك للمنافع. بلا شك، أفعال الإنسان تنشأ بواسطة أعضائه وجوارحه، وكذلك منافع العقد تنشأ بواسطة طرفيه ومن خلال تنفيذ الالتزامات الواردة فيه. إذًا، الإنسان هو مبدع تلك الأفعال وخالق تلك المنافع، وبالتالي مالكها ملكيةً تكوينية، كما أن الشخص الذي يبدع لوحة فنية، رغم عدم ملكيته لأعضائه، هو مالك ذلك العمل الفني.
من جهة أخرى، توجد الملكية الاعتبارية أيضًا. فالشخص الذي يستولي على أرض بواسطة جرافة ليست ملكه، يعتبره عرف العقلاء مالكًا للأرض، رغم أنه ليس مالكًا لأداة الاستيلاء. وبالمثل، وبناءً على سيرة العقلاء، يمكن تصور الملكية بالنسبة لمنافع العقد، وتفويتها، حتى وإن اعتبرنا القاعدة منصبة على الملك، فإنها تخضع لقاعدة التبديد وتوجب الضمان؛ لأن طرفي العقد ملزمان قانونًا بأداء التزاماتهم العقدية، وبحسب العرف العقلائي تتحقق هذه الالتزامات، وعليه يعترف عرف العقلاء بطريقة ملكية للطرفين بالنسبة للمنافع الممكن الحصول عليها بشكل قطعي. لذلك، بقبول قول هذه الفئة من الفقهاء، يمكن إثبات المسؤولية عن المنافع المقررة عرفًا بواسطة قاعدة التبديد.
4-5. السيرة وقاعدة على اليد في إثبات ضرر عدم الانتفاع
يعتبر آية الله الخوئي أسباب الضمان في الفقه محصورة في قاعدتي التبديد وعلى اليد (موسوی خویی، 1365: 173). وهو لا يعتبر تفويت المنافع الممكن الحصول عليها مشمولًا بهاتين القاعدتين ولا ضامنًا؛ لأن قاعدة التبديد تتعلق بتبديد مال موجود، وأضرار عدم الانتفاع ليست من هذا النوع[45]. وقد تم الرد على هذا الاستدلال. وفي سياق قاعدة على اليد[46] أيضًا، يُعتبر مضمون القاعدة “الضمان بسبب وضع اليد على الشيء الموجود”. أما في ضرر عدم الانتفاع، فالمسألة تتعلق بمنافع لم توجد بعد لتُؤخذ. لذلك، لا يمكن مناقشة المسؤولية تجاه شيء ليس في اليد أو تحت السيطرة (المرجع نفسه).
يُجاب عن هذا الاستدلال أيضاً بالطريقة السابقة والتمسّك بسيرة العقلاء في تمييز الموضوع. المقصود من «يد» بالتأكيد ليس هذا العضو من الجسم. اليد مجاز عن السيطرة، لا عن وضع اليد ظاهرياً. لذلك، إذا اغتصب شخص منزلاً، يكون محل تطبيق قاعدة علي اليد. عرف العقلاء يعتبر أخذ كل شيء بحسب ذاته. من جهة أخرى، إذا قيل إن منافع الشخص أو العقد وجودٌ بالقوة، ولا يمكن السيطرة عليها إلا إذا تحققت بالفعل، نقول: كما أن الفقيه الجليل في مسألة الحبس وتفويت منافع العين قد اعتبر السيطرة بحسب العرف ممكنة وحكم بالضمان بناءً على قاعدة علي اليد (المرجع نفسه: 54)، فإن هذا القول ينطبق على كل منفعة مفوتة، سواء كانت ناشئة عن الحبس غير القانوني للشخص أو ناشئة عن خرق العقد. السيطرة من الأمور المجردة التي تستخلص من قدرة الشخص على التصرف في المستولى عليه. هذه السيطرة على العين، الشخص والعقد أصلاً، وفيما يتعلق بالمنافع الناتجة عنها تبعاً (مروی، 1382: 71). الشخص الذي اغتصب عيناً أو حبَس شخصاً أو تعهد بعقد، له سيطرة وسلطة على تلك العين، الشخص والعقد. وبالتبعية، له سيطرة على منافعها. ونتيجة لذلك، كما أن الضامن للعين، الشخص والعقد، فهو ضامن أيضاً لتفويت منافعها؛ تلك المنافع التي كانت تحت سيطرته وسلطته التبعية وقد فَوَّتَها. كما أن خلع اليد، رفع الحبس، وتنفيذ التعهد يؤدي إلى حصول منافع العين، الشخص والعقد، فإن الغصب، الحبس، وخرق العقد الذي يكون في يد قدرته، بسبب قاعدة علي اليد، يوجب المسؤولية.
4-6. السيرة وقاعدة احترام مال المسلم في إثبات ضرر عدم الانتفاع
يرى بعض الفقهاء باستخدام الأدلة النقلية أن أحد أسباب المسؤولية والضمان هو قاعدة احترام مال المسلم (نجفی، 1392: 27/246). وبناءً على ما ذُكر في المبحثين السابقين (قاعدة الإتلاف وعلي اليد) فيما يتعلق بملكية المنافع المفوتة التي هي مسلَّم حصولها حسب سيرة العقلاء، والتي نمتنع عن تكرارها، فإن قاعدة احترام مال المسلم تثبت، بالإضافة إلى ضمان العين، ضمان تفويت المنافع القطعية الناشئة عنها حسب العرف، كما أن تفويت المنافع المتوقعة القطعية الناشئة عن العقد يشملها هذه القاعدة بوحدة المقياس. ويجب أيضاً أن يؤخذ في الاعتبار أن تطبيق هذه القاعدة يقتصر على الشخص المسلم، وبالتالي فهي ليست مطلقة في مقام إثبات الضمان.
4-7. السيرة وقاعدة لا ضرر[47] في إثبات ضرر عدم الانتفاع
يرى بعض الفقهاء أن تفويت المنافع المسلَّم بها هو إضرار بالغير ويوجب الضمان (وحید بهبهانی، 1417: 617 ؛ همو، 1415: 250). دليل هذا القول هو قاعدة لا ضرر مع ضمّ اعتبار الضرر للمنافع المسلَّم تفويتها عند العرف وسيرة العقلاء (المرجع نفسه). معيار صدق الضرر هو تفاهم عرف العقلاء، وهو موجود في حالات أضرار عدم الانتفاع عندما يكون حصولها مسلماً عرفاً[48] (نجفی خوانساری، 1373: 2/199). ويمكن استنباط تأييد وتثبيت الشارع لهذه السيرة من بعض العمومات والإطلاقات[49]. هذا الرأي قائم على أساس اعتبار قاعدة لا ضرر مفيدة لإثبات حكم لزوم تعويض الضرر، وبالاعتماد على الرأي المختار في باب سيرة العقلاء في رفع الشبهة الجدية بشأن السير المتأخرة عن عصر المعصومين، التي ذُكرت في بداية المقال، نصل إلى إثبات السيرة في اعتبار الضرر للمنافع المسلَّم حصولها عرفياً؛ وهو أمر قد قُدِّمت له أدلة متعددة تحت عنوان السيرة والمسؤولية العقدية.
يرى جمهور الفقهاء أن قاعدة لاضرر غير كافية في إثبات حكم الضمان، ويعتبرون مدلول القاعدة نفياً لحكم الضرر (انصاری، 1419: 2/460؛ موسوی خویی، 1417: 530؛ موسوی بجنوردی، 1419: 218). كما يرى بعض الفقهاء أن الرواية الدالة على قاعدة لاضرر هي في الأصل حكم حكومي يُعتد به في موضعه فقط (موسوی خمینی، 1385: 1/59). وبناءً على هذا الرأي، لا يمكن لقاعدة لاضرر أن تدل على وجوب تعويض الضرر، لأنها تقتصر على رفع حكم الضرر فقط. في المقابل، حكم بعض العلماء بوجوب تعويض الضرر استناداً إلى قاعدة لاضرر بطرق مختلفة؛ منهم من أخذ بـ «لا» كناهي ومفيد للنهي الشرعي. فالحكم التكليفي بالنهي عن الإضرار بالآخرين يستلزم حكماً وضعياً بالضمان. فإذا وقع ضرر على الغير، يكون قد حدث حرام، وعدم تعويض الضرر يعد حراماً آخر، لأن استمرار واستدامة الضرر الناتج عن عدم التعويض يعتبر ضرراً آخر (حسینی مراغی، 1417: 1/319؛ تح. داماد وآخرون، 1381: 32). ومن المثير للاهتمام أن كثيراً من الفقهاء الذين يرون قاعدة لاضرر غير كافية لإثبات حكم الضمان، استندوا إليها في إثبات أحكام شرعية أخرى، مثل إثبات الخيارات (الأنصاري، 1419: 5/165؛ العلامة الحلّي، 1414: 11/68؛ العاملي، 1417: 3/275؛ الطباطبائي الحائري، 1418: 8/304؛ النراقي، 1415: 14/390؛ المحقق الأصفهاني، 1403: 8/403؛ الوحيد البهبهاني، 1417: 57). ويرى بعض المحققين أن استعمال عبارة «لا ضرر ولا ضرار» من قبل النبي الأكرم (ص) في حديث الشفاعة، رغم أنه كان في مقام إثبات حكم (وليس رفع حكم)، دليل على استعداد القاعدة لإثبات الحكم (تح. داماد، 1406: 1/160). ونحن نمتنع عن شرح وتفصيل هذه المسائل المتعلقة بقاعدة لاضرر، كونها من المسائل الفقهية المثيرة للجدل، حفاظاً على الإيجاز. على أي حال، فإن الاستناد إلى قاعدة لاضرر في إثبات حكم الضمان بالنسبة للمنافع المفقودة المتوقعة، يقوم على قبول اقتضاء هذه القاعدة في إثبات الحكم واعتبار فقدان المنافع ضرراً في عرف الناس وسيرتهم. فإذا كان مقتضى الانتفاع من كل جهة موجوداً، فإن عدم الانتفاع يُعتبر إضراراً من وجهة نظر العقلاء والناس (حسینی روحانی، 1413: 392). والعقل الجمعي في عالم اليوم يعتبر الضرر الناتج عن عدم الانتفاع أمراً مسلماً به. وقد ذُكرت نماذج لإثبات هذا الادعاء تحت عنوان السيرة والمسؤولية التعاقدية، مثل المادة 74 من اتفاقية البيع الدولية لعام 1980، والمادة 247 من مبادئ العقود التجارية الدولية، والمادة 9:502 من المبادئ الأوروبية لقانون العقود، ونماذج من قوانين النظامين العام والخاص في القانونين العامي والروماني الجرماني. وبشكل عام، يبدو أن قاعدة لاضرر يمكن أن تكون دالة على وجوب تعويض الضرر الناتج عن عدم الانتفاع المسلّم به عرفياً، بناءً على هذه المقدمات والأسس. مع ذلك، يجب الانتباه إلى أنه إذا تمسكنا برأي جمهور الفقهاء في عدم إثبات الحكم بواسطة قاعدة لاضرر، فإننا مع ذلك لا نكون خاليين من الأدلة لإثبات هذا الادعاء، بالنظر إلى ما تم شرحه في توسيع شمول قاعدة الإتلاف والعلي اليد في المباحث السابقة.
النتيجة
بناءً على التحليلات المقدمة في هذا البحث، فإن النتائج هي:
- السيرة العقلائية لها دور أداتي ووسيط في إدراك وفهم الأدلة النقلية، وبناءً على أحد الأسس، فإن السيرة العقلائية تكشف عن حكم العقل؛ ولذلك فهي بشكل غير مباشر تُعتبر من مصادر وأدلة كشف إرادة الله.
- السيرة العقلائية تُطرح أساساً في المواضع التي لا يوجد فيها حكم شرعي تأسيسي كلي أو جزئي (منطقة الفراغ).
- السيرة تتكون من عنصرين مادي وروحي.
- وفقاً لرأي الإمام الخميني والشهيد الصدر، فإن للسيرة العقلائية الخصائص التالية:
أ) العنصر المادي للسيرة هو السلوك المتكرر والمتجانس، والبناءات والارتكازات العرفية المستمرة في موضوع معين، دون اشتراط اتصال وتزامن هذا السلوك المستمر مع عصر الإمام المعصوم في كل الحالات.
ب) العنصر الروحي للسيرة يتكون من جزأين: الأول اعتقاد العاملين بهذا السلوك المستمر بوجوب الالتزام به، والثاني اعتباره شرعياً، والذي يتحقق من خلال إقرار الشارع أو عدم منعه.
ج) الأصل في السيرة هو الإقرار الشرعي، ما لم يثبت خلاف ذلك.
د) ليس من الضروري إقرار السيرة حالة بحالة، بل يمكن الحصول على تأييد الشرع بعد البحث وعدم وجود مانع شرعي، مضافاً إلى عدم تعارض السيرة مع العمومات والإطلاقات النقلية.
- الدور المحوري للبناء العقلي في غير العبادات، بما في ذلك العقود والالتزامات الناشئة عنها، والشؤون الاجتماعية والسياسية، لا يمكن إنكاره، وأحكام الشريعة في هذه الأمور غالباً ما تكون إقرارية.
- أصل المسؤولية التعاقدية (وجوب تعويض الضرر الناشئ عن خرق العقد) يمكن إثباته جيداً بالنظر إلى الرؤية الخاصة للسيرة العقلائية وكيفية اعتمادها. وبناءً عليه، فإن المادة 221 من القانون المدني غير منظمة بشكل جيد وتحتاج إلى تعديل. وبناءً على السيرة القطعية للعقلاء في هذا الصدد، لا وجه لربط المسؤولية التعاقدية بشرط صريح أو ضمني. والمادة المقترحة في هذا الخصوص هي: «خرق العقد يترتب عليه مسؤولية المخالف. ويمكن المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن خرق العقد، بما في ذلك الأضرار المسلّم بها عرفياً».
- نطاق المسؤولية التعاقدية يشمل إلى حد ما تعويض الضرر الناتج عن عدم الانتفاع. قواعد الإتلاف، والعلي اليد، واحترام مال الغير، وقاعدة لاضرر، مع الاعتماد على الدور الأداتي للبناء العقلي في إثبات ذلك، كافية. ولذلك، من المتوقع مراجعة المشرع للفقرة 2 من المادة 515 من قانون الإجراءات المدنية بشأن وجوب تعويض الضرر الناتج عن عدم الانتفاع المسلّم به. لذا يُقترح تعديل الفقرة 2 من المادة 515 من قانون الإجراءات المدنية كما يلي: «يمكن المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم الانتفاع المسلّم بها عرفياً. ويكون رأي الخبير في تحديد الأمثلة ووصفها كمسلّم بها معيار حكم المحكمة».
المراجع
1. نهج البلاغة، ترجمة وشرح فيض الإسلام، د.ت.
2. آخوند خراساني، محمد كاظم بن حسين، كفاية الأصول، قم، دار النشر الإسلامي، 1423 هـ ق.
3. آرون، ريمون، الديمقراطية والاستبداد، ترجمة محمد مشايخي، طهران، شركة سهامي النشر، 1377 ش.
4. أشتياني رازي، محمد حسن بن جعفر، بحر الفوائد في شرح الفرائد، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1403 ق.
5. آملي، محمد تقي، منتهى الأصول إلى غوامض كفاية الأصول، طهران، د.ت.
6. أصفهاني، محمد حسين، بحوث في الفقه (كتاب الإجارة)، قم، دار النشر الإسلامي، 1409 ق.
7. إمامي، سيد حسن، الحقوق المدنية، طهران، إسلامية، 1390 ش.
8. أنصاري، مرتضى بن محمد أمين، المتاجر (المكاسب)، طباعة حجرية، د.ت.
9. نفسه، فروع الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1419 ق.
10. بزرگمهر، أمير عباس وغزال مهرابي، الإصلاحات في قانون الالتزامات الفرنسي، طهران، عدالة، 1395 ش.
11. جبار گلباغي ماسوله، سيد علي، مدخل إلى العرف، قم، دار الإعلانات الإسلامية، 1378 ش.
12. جعفري، محمد تقي، رسائل فقهية، طهران، كرامة، 1419 ق.
13. حجازي، قدسية، ملحق رسالة دراسة جرائم النساء في إيران، طهران، 1341 ش.
14. حر عاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم، آل البيت، 1409 ق.
15. حسيني حائري، سيد كاظم، فقه العقود، الطبعة الثانية، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1423 ق.
16. حسيني روحاني، سيد محمد صادق، منقي الأصول، تقرير سيد عبد الصاحب حكيم، قم، مطبعة أمير، 1413 ق.
17. حسيني مراغي، سيد مير عبد الفتاح بن علي، العناوين الفقهية، قم، دار النشر الإسلامي، 1417 ق.
18. دانشپژوه، مصطفى، مصادر الحقوق، قم، جنگل، 1391 ش.
19. رشتي، ميرزا حبيب الله، كتاب الغصب، طهران، طباعة حجرية، 1322 ش.
20. رهپيك، سيامك، «خسارة عدم المنفعة؛ الآراء والأنظمة»، وجهات نظر قانونية، الأعداد 1920، خريف وشتاء 1379 ش.
21. صدر، سيد محمد باقر، المعالم الجديدة، قم، كتاب خرد، 1379 ش.
22. نفسه، بحوث في علم الأصول، قم، مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي، 1417 ق.
23. نفسه، مباحث الأصول، تقرير سيد محمد كاظم حائري، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1408 ق.
24. صدوق، محمد بن علي بن حسين بن موسى بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، الطبعة الثانية، قم، دار النشر الإسلامي، 1413 ق.
25. صنقور علي، محمد، المعجم الأصولي، د.م.، مطبعة عترة، 1421 ق.
26. طباطبائي بروجردي، سيد حسين، نهاية الأصول، تقرير حسين علي منتظري، طهران، تفكر، 1415 ق.
27. طباطبائي حائري، سيد علي بن محمد علي، رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1418 ق.
28. طباطبائي حكيم، سيد محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن، بيروت، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1979 م.
29. طباطبائي يزدي، سيد محمد كاظم بن عبد العظيم، العروة الوثقى، قم، دار النشر الإسلامي، 1420 ق.
30. الطوسي، أبو جعفر محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407 ق.
31. عاملي، محمد بن جمال الدين مكي، الدروس الشرعية في فقه الإمامية، قم، إسلامية، 1417 ق.
32. العجم، رفيق، موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين، بيروت، مكتبة لبنان الناشرون، 1998 م.
33. علامه حلي، أبو منصور جمال الدين حسن بن يوسف بن مطهر أسدي، تذكرة الفقهاء، قم، آل البيت، 1414 ق.
34. عليدوست، أبو القاسم، الفقه والعرف، طهران، معهد الثقافة والفكر الإسلامي، 1384 ش.
35. غروي نائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، قم، دار النشر الإسلامي، 1406 ق.
36. نفسه، كتاب الصلاة، قم، دار النشر الإسلامي، 1411 ق.
37. كاتوزيان، ناصر، الحقوق المدنية (الضمان القهري المسؤولية المدنية)، طهران، جامعة طهران، 1369 ش.
38. نفسه، فلسفة الحقوق، طهران، شركة سهامي النشر، 1381 ش.
39. نفسه، القواعد العامة للعقود، طهران، شركة سهامي النشر، 1390 ش.
40. كاشف الغطاء، جعفر بن خضر مالكي، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، قم، دار الإعلانات الإسلامية، 1422 ق.
41. كلانتري، أبو القاسم، مطارح الأنظار، تقارير درس شيخ أنصاري، قم، آل البيت، د.ت.
42. كليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407 ق.
43. گرجي، أبو القاسم، مقالات حقوقية، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1365 ش.
44. محقق أردبيلي، أحمد بن محمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، قم، دار النشر الإسلامي، 1403 ق.
45. محقق داماد، سيد مصطفى، قواعد فقه، الطبعة الثانية عشرة، طهران، مركز النشر الإسلامي، 1406 ق.
46. محقق داماد، سيد مصطفى، محمد عيسائي تفرشي وسيد حسن وحدتي شبيري، «نطاق المسؤولية المدنية الناشئة عن مخالفة تنفيذ الالتزام»، رسالة مفيد، العدد 33، 1381 ش.
47. مروي، جواد، مذكرة درس خارج الفقه، مشهد، جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، 1392 ش.
48. مظفر، محمد رضا، أصول الفقه، طهران، المعارف الإسلامية، د.ت.
49. نفسه، أصول الفقه، دار الإعلانات الإسلامية، 1368 ش.
50. مغنية، محمد جواد، علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، بيروت، دار العلم، 1975 م.
51. موسوي بجنوردي، سيد حسن، القواعد الفقهية، قم، الهادي، 1419 ق.
52. موسوي خميني، سيد روح الله، الرسائل (الفوائد الفقهية والاجتهاد والتقليد)، قم، إسماعيليان، 1385 ش.
53. نفسه، أنوار الهداية (تعليق على كفاية الأصول)، الطبعة الثانية، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني، 1415 ق.
54. نفسه، تحرير الوسيلة، طهران، مكتبة الاعتماد، د.ت.
55. نفسه، كتاب البيع، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني، 1379 ش.
56. نفسه، مناهج الوصول إلى علم الأصول، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني، 1373 ش.
57. موسوي، سيد صمد علي، القواعد الفقهية في كتاب تفصيل الشريعة، قم، المركز الفقهي لأئمة الأطهار، 1392 ش.
58. موسوي خويي، سيد أبو القاسم، مستند العروة الوثقى (كتاب الإجارة)، تقرير مرتضى بروجردي، قم، مطبعة علمية، 1365 ش.
59. نفسه، مصباح الأصول، تقرير سيد محمد سرور واعظ حسيني بهسودي، قم، مكتبة الداوري، 1417 ق.
60. نفسه، مصباح الفقهاء، تقرير محمد علي توحيدي تبريزي، قم، وجداني، 1368 ش.
61. نجفي، محمد حسن بن باقر، جواهر الكلام، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1392 ش.
62. النجفي الخوانساري، موسى بن محمد، منية الطالب في حاشية المكاسب، تقارير بحث محمد حسين غروي النائيني، طهران، المكتبة المحمدية، 1373 هـ ق.
63. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة في أحكام الشريعة، قم، آل البيت، 1415 هـ ق.
64. وحدتي شبيري، سيد حسن، مبادئ المسؤولية المدنية التعاقدية، قم، معهد علوم وثقافة الإسلام، 1385 ش.
65. وحيد بهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل، الفوائد الحائرية، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1415 هـ ق.
66. نفسه، حاشية مجمع الفائدة والبرهان، قم، مؤسسة العلامة البهبهاني، 1417 هـ ق.
67. هاشمي شاهرودي، سيد محمود وجمع من الباحثين، قاموس الفقه مطابق لمذهب أهل البيت، قم، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية، 1426 هـ ق.
68. يزداني، غلامرضا، محسن محبي ومحمد إمامي، «معيار حساب التعويض الناجم عن خرق عقد الاستثمار»، تعاليم الفقه المدني، العدد 13، ربيع وصيف 1395 ش.
69. Bell، John &؛ Sophie Boyron &؛ Simon Whittaker، Principles of French Law، Oxford، 1998.
70. Duxbury، Robert، Contract in nutshell، 3rd Ed.، London، Sweet &؛ Maxwell، 1994.
71. Fountoulakis، Christiana، “Remedies for breach of contract under the United Nations Convention on the International Sale of Goods”، ERA Forum، Vol. 12، Issue 1، April 2011، Available at: .
72. Liberian Eastern Timber Corporation v. Republic of Liberia، ICSID Case No. ARB/83/21، Award of March 31، 1986، Available at: .
73. Radley-Gardner، Oliver &؛ Reinhard Zimmermann &؛ Hugh Beale، Fundamental Texts on European Private Law، Oregon، Hart Publishing، Oxford and Portland، 2003، Available at: .
74. Robert H. May v. Guatemala، 16 November 1900، Cited في: .
75. William J. Levitt v. Iran، 14 Iran – US CTR، 1987، Available at:
[1] من حيث إن الاستشهاد المرجعي بسيرة العقلاء في إثبات أصل المسؤولية ومدى المسؤولية (الضرر الناتج عن فقدان المنفعة) يقوم على حل مشكلة سيرة العقلاء، وهي عدم اعتبار السير المتأخرة عن زمن المعصومينؑ والسير المتغيرة (القابلة للتغيير) أولاً، ثم الاستناد إلى عمل السيرة بشكل مستقل أو كأداة في فهم الأدلة اللفظية. ومن خصائص هذه المقالة دراسة هذا الموضوع وإيجاد أساس فقهي بناءً على رأي خاص للإمام الخميني والشهيد الصدر والمرحوم المنتظري والاعتماد عليه، وفي النهاية جني ثماره في باب المسؤولية التعاقدية؛ وهو أمر لم يُعطَ له اهتمام كبير في مقالات أخرى.
[2] Secularization
[3] «في هذا الفكر، الشريعة الإلهية والأنظمة المستمدة من الإرادة الإلهية محدودة وضعيفة، وبدلاً منها تحل إرادة وتأسيسات البشر، والأعراف والعادات» (علیدوست، ۱۳۸۴: ۴۲۰).
[4] تعويض الأضرار الناجمة عن خرق العقد.
[5] انظر: موقع رسالة الحقوق على العنوان: ‹http://rhoghough›. 17/12/1391.
[6] الإمام الخميني، الشهيد الصدر ومحمد جواد مغنية.
[7] «المواقف العقلائية سواء تجسدت في سلوك خارجي أم لا» (صدر، ۱۴۱۷هـ: ۳۳۴).
[8] قد يكون أصل سيرة العقلاء شيئًا غير المدركات العقلية، مثل الفطرة، الوحي، التقليد عن السابقين… «مع أن من المناسب ألا يُطلق بناء العقلاء (بما هم عقلاء) إلا على تأسيس منظّم من إدراك العقل… بناء العقلاء في الواقع هو تجلٍ وعيان للمدركات العقلية القابلة للتعيين» (علیدوست، 1384: 122).
[9] بما هم عقلاء.
[10] مقابل القول الشائع الذي يرى حجية واعتبار السيرة مرتبطة بتأييد الشارع. في هذا القول، تعود سيرة العقلاء إلى تقرير المعصوم.
[11] أهم دليل على حجية الأمارات (حجية ظواهر الكتاب والسنة وحجية الخبر الثقة) هو سيرة العقلاء (صدر، 1417: 4/233).
[12] أمير المؤمنين(ع) يشير في كلامه إلى هذه السيرة العامة قائلاً: «لا شيء من الواجبات الإلهية عند الناس مع كل اختلاف الأذواق والأفكار، أكثر قبولاً وأوسع انتشاراً من تعظيم الوفاء بالعهد» (نهج البلاغة، د.ت.: 1027).
[13] عرف سياسي بمعنى الاستبداد. طريقة حكم احتكارية وغالبًا حزب واحد. «في تعريف الاستبداد (totalitarisme) يمكن اعتبار احتكار الحزب، مع تأميم الحياة الاقتصادية، مع العنف الأيديولوجي أساسياً» (آرون، 1377: 235)، وكذلك أعراف خاصة أخرى مثل المثلية الجنسية، العلاقات الجنسية الحرة والزواج الأبيض في الغرب.
[14] بعضهم اعتبر العرف في كل حال مقدسًا وعقليًا (کاتوزیان، 1381: 2/280). وبالنظر إلى ما قيل، لا يبدو هذا القول صحيحًا؛ إلا إذا كان المقصود العرف العام والمرادف لسيرة العقلاء.
[15] مزيد من الشرح تحت عنوان «حجية السيرة» في المقالة الحالية.
[16] في حالة واحدة، يمكن تبرير وقبول هذا القول، وهي أن ابتناء السيرة والعرف على العقل والخبرة المحضة -كما هو مفترض-. في هذه الحالة، السيرة في الواقع من المدركات العقلية التي تلبس لباس السلوك. الحديث عن «السندية» هنا مناسب، لكن ما هو سند ومصدر كشف إرادة الله هو العقل. مع خرق العرف يظهر ذلك جليًا «والعقل من الأسانيد التي لا يشك أحد في مرجعيتها -حتى الأشاعرة والأخباريين والظاهرية الذين يُعرفون بمعارضتهم لسندية العقل-. مؤيدو مرجعية العرف ربما كانوا يقصدون عرف العقلاء من حيث كونهم عقلاء، وهو بلا شك سند، لكنهم تحدثوا بشكل مشوش وكتبوا بشكل متشتت» (علیدوست، ۱۳۸۴: ۲۰۸).
[17] مثل آيات «وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (بقره/233) و «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» (ابراهیم/4) وكذلك فقرات من نهج البلاغة مثل «ألزموا السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة وإياكم والفرقة» (نهج البلاغة، د.ت.: 392) و «ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة» (نفس المصدر 1001).
[18] يبدو أن وجود عناصر مادية للسيرة المذكورة قد تغير أو على الأقل شكك فيها. من غير المرجح أن يعتبر العقلاء اليوم مثل هذا الشخص مالكًا حتى يحين دور تأييد الشارع.
[19] الإمام الخميني، الشهيد الصدر ومحمد جواد مغنية.
[20] ص12 كما أُشير سابقًا، يبدو أنه إذا ثبت عقلانية السيرة والسلوك، فإن حقيقة ذلك السلوك ليست سوى المدركات العقلية التي تلبس لباس السلوك. إذن هي كاشفة عن دليل العقل، والعقل هو الحجة الإلهية الباطنية. لذا فإن تأييد الشارع في هذا المقام هو في الواقع إرشاد إلى حكم العقل (موسوی خمینی، 1/105-106).
[21] على سبيل المثال، نشير إلى طريقتين من الطرق التي قدمها الشهيد الصدر: 1- إثبات الاتصال والمعاصرة عن طريق نقل الأشخاص الثقات 2- إثبات المعاصرة بسبب طابع السيرة الزمني والعالمي الذي يُستخلص بطريقة استقرائية وبفحص شامل لمجتمعات مختلفة؛ بحيث يصبح عدم وجود تلك السيرة في عصر المعصومين بعيد الاحتمال (صدر، 1417: 4/ 238-241).
[22] «لا حاجة إلى القول بأن الشارع قرر هذا العرف أو هذا البناء ولم يردع منه ما دام الردع غير ممكن والتقرير تحصيل للحاصل» (مغنیه، 1975: 222).
[23] «إن الشارع يقرر ويقلّم ويطعّم من المعروف عرفًا ما في ذلك ريبة ولكن حيث تدعو الحاجة إلى التقرير والتقليم والتطعيم» (نفس المصدر).
[24] المسؤولية التعاقدية تعني واجب تعويض الضرر الناتج عن خرق العقد. هذا المؤسسة القانونية تختلف عن «الضمان العقدي» موضوع المادة 648 من القانون المدني. الضمان العقدي بمعناه الخاص يشير إلى «عقد الضمان» وبمعناه العام يشمل عقد الضمان والكفالة والتحويل. المسؤولية التعاقدية تختلف أيضًا عن «الضمان المعارض» الذي هو مسؤولية طرفي العقد في تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد؛ لأن المسؤولية التعاقدية هي مسؤولية ناشئة عن خرق العقد. أحيانًا يُستخدم المسؤولية التعاقدية والضمان مترادفين، لكن في الواقع «المسؤولية من لوازم الضمان، وليست الضمان نفسه» (گرجی، 1365: 53). الضمان حكم وضعي والمسؤولية حكم تكليفي.
[25] Damnum emergens
[26] Lucrum cessanse
[27] استدلالًا بالفقرة 2 من نفس المادة التي تعتبر تلك المنافع الممكن الحصول عليها قابلة للمطالبة إذا شملها قاعدة الإتلاف. مع فرض أن قاعدة الإتلاف تتعلق بإتلاف مال موجود، ولا يمكن اعتبار إلا المنافع الممكن الحصول عليها القطعية حسب العرف مالًا موجودًا.
[28] Full compensation
[29] Unidroit Principles of International Commercial Contracts. (UPICC)
[30] United Nations Convention on Contracts for the International Sale of Goods (CISG)
[31] Unidroit Principles of International Commercial Contracts. (UPICC)
[32] محكمة التحكيم الدولية للاستثمار.
[33] المنافع المستقبلية المفقودة.
[34] رغم أن هذه السيرة أصبحت اليوم خلال عملية التشريع قانونًا داخليًا ودوليًا، إلا أنها دليل قوي على وجود عرف عام في هذا المجال. «حكم العرف بشأن وجوب تعويض الضرر قطعي وعام بحيث يصعب إيجاد مثال على خرق عهد لا يعتبر فيه العرف المدين بالعهد المخالف مسؤولًا عن تعويض الضرر» (کاتوزیان، 1390: 4/269).
[35] سيتم ذكر مثال من الآراء في المبحث التالي.
[36] قاعدة «المؤمنون عند شروطهم» مبنية على روايات بهذا المعنى وبعض العمومات القرآنية التي تؤكد على وجوب الالتزام بشروط والتزامات طرفي العقد (موسوی، 1392: 465).
[37] المادة 515 من قانون الإجراءات المدنية: «يحق للمدعي ضمن تقديم الدعوى أو أثناء سير الدعوى أو بشكل مستقل، مطالبة تعويض الضرر الناتج عن التقاضي أو تأخير تنفيذ الالتزام أو عدم تنفيذه… من باب الإتلاف والتسبب من المدعى عليه».
[38] قاضي الدائرة 19 في المحكمة العامة بمشهد قضى بتعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة، وحاول في استدلاله باستخدام مبادئ المسؤولية المدنية التشكيك في إطلاق الفقرة 2 من المادة 515 من قانون الإجراءات المدنية، وخلق توازن بين المادة 9 من قانون الإجراءات الجنائية والفقرة المذكورة (دادنامه 8909975112401285- 27/9/89 مقاله عدم النفع و یک دادنامه در وبگاه رساله حقوق به نشانی: http://rhoghough، 27/12/1391).
[39] الفقرة 2 من المادة 14 تعتبر تلك المنافع الممكن الحصول عليها قابلة للمطالبة إذا شملها قاعدة الإتلاف. وهذا دليل جيد على التفسير المذكور؛ لأن موضوع قاعدة الإتلاف هو المال الموجود سواء عينًا أو منفعة، والعرف والسيرة يعتبران المنافع الممكن الحصول عليها القطعية مالًا موجودًا (مروی، 1392: 69).
[40] من مجموع الروايات المختلفة بشأن الوقت ونفي الضرر عمومًا، يمكن فهم تأييد الشارع لسيرة العقلاء في وجوب تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة. هناك عدد من الآيات (انظر مثلاً: البقرة/ 231-233 و282) وروايات مختلفة (انظر: کلینی، 1407: 7/350؛ صدوق، 1413: 4/155؛ طوسی، 1407: 7/147؛ حر عاملی، 1409: 25/428) تثبت نفي الضرر ووجوب وجود الوقت. بلا شك يمكن باشتقاق قاعدة عامة بحذف الخصوصية، الحصول على قاعدة عامة تحرم كل ضرر يلحق بالغير (تح. داماد، 1406: 1/131؛ جعفری، 1419: 93). توافق الشرع مع بناء العقلاء على نفي الضرر ووجوب تعويض الضرر الناتج عنه أمر لا يمكن إنكاره. المرجع في تشخيص الضرر والخسارة هو العرف.
[41] اليوم يمكن ذكر أمثلة على ذلك مثل الاحتجازات المؤقتة والتوقيفات الاحتياطية من قبل الشرطة أو حتى السجون التي قد تكون طويلة الأمد والتي بعد التحقيق في التهم تؤدي إلى قرار عدم متابعة القضية وحكم بالبراءة. هؤلاء الأشخاص تحملوا أضرارًا كثيرة خلال فترة احتجازهم غير المبرر التي تجاوزت أحيانًا عشرين شهرًا (للاطلاع على إحصاءات مثيرة للاهتمام، انظر: حجازي، 1341).
[42] في تقسيم فقهي، الإنسان يقسم إلى عبد وحر، والإنسان الحر يقسم إلى كسوب وغير كسوب. لكن اليوم، بما أن موضوع العبد والأمة منتفي، فإن الموضوع يقتصر على الإنسان الكسوب وغير الكسوب بمعنى الفرد العامل صاحب الدخل وغير ذلك. القول بالتفصيل لا يعتبر تقوية مصالح الكسوب وغير الكسوب متساوية.
[43] «من أتلف مال الغير فهو له ضامن».
[44] بالطبع، فقدان المنافع عندما يكون المال بالفعل وضياعه يوجب الضمان فقط إذا كان هناك اقتضاء واستعداد لتلك المنافع ووفقًا لسيرة العقلاء يكون الحصول عليها مسلمًا به. العرف لا يعتبر أبدًا المنافع التي لا تكتمل اقتضاؤها مالًا بالفعل. لذلك، وفقًا لقاعدة الإتلاف، لا يثبت الضمان. لذا قال بعض الفقهاء: عدم حصول المنافع بسبب قصور المقتضي (وليس منع المانع) لا يوجب الضمان، وإذا كان هناك شك فالاصل عدم الضمان (مروی، ۱۳۸۲: ۶۹)؛ مثلاً إذا حُبس عامل بناء، لا يمكنه الادعاء بأنه لو كان حرًا لخيط بدلة. فقدان مثل هذه المنفعة لا يوجب الضمان؛ لأن المقتضي غير موجود في عامل البناء. كما أن المنافع المحتملة والبعيدة لعقد مخلّ به والتي لا يوجد اقتضاء لها حسب السيرة والعرف تُعتبر حظًا. المسؤولية التعاقدية في هذه الحالة غير موجودة.
[45] رغم أنه في موضع آخر اختار القول بالتفصيل؛ التفصيل بين الإنسان الحر العامل وصاحب الدخل وغير ذلك. في القسم الأول يجب استنادًا إلى سيرة العقلاء التي تعتبر فقدان العمل في هذا القسم فقدان منفعة ممكن الحصول قطعية ووجب تطبيق قاعدة الإتلاف (موسوی خویی، ۱۳۶۸: ۳۶/۲).
[46] قاعدة مضمونها «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» تعني إجمالًا مسؤولية الشخص ووقته بالنسبة لما في يده من مال الغير بالقهر والغلبة وتحت سلطته (انظر: موسوی، ۱۳۹۲: ۱۷۷).
[47] مضمون هذه القاعدة يدل على أن الإسلام لا يتسامح مع إلحاق الضرر بالآخرين ونهى عنه. أساس هذه القاعدة أدلة نقليّة وعقلية. العقل يحكم قطعًا بتحريم الأفعال الضارة للآخرين بأي شكل من الأشكال ووجوب تعويض الضرر (جعفری، 1419: 96؛ تح. داماد، 1406: 1/131؛ وحید بهبهانی، 1415: 250؛ رشتی، 1324: 54). سيرة العقلاء التي تقوم على العقل وكاشفة عنه تدعو أيضًا إلى ترك إلحاق الضرر بالآخر ووجوب تعويض الضرر الظالم بشكل عام وشامل، وقد أُشير إلى أمثلة في هذه المقالة تحت عنوان «سيرة العقلاء والمسؤولية التعاقدية». وهناك آيات قرآنية في هذا المجال (انظر مثلاً: البقرة/ 231، 233 و282). رغم أن هذه الآيات وردت في مواضيع خاصة، إلا أنه بلا شك يمكن من مجموعها وبحذف الخصوصية استنتاج قاعدة عامة تحرم كل إلحاق ضرر بالغير (تح. داماد، 1406: 1/131؛ جعفری، 1419: 93). والروايات في هذا الباب كثيرة. أشهر هذه الروايات التي تتضمن عبارة «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» هي رواية سمرة بن جندب التي حظيت باهتمام الفقهاء الكبار (انصاری، ۱۴۱۹: ۴۵۷/۲).
[48] في هذه المقالة نفسها تحت عنوان «سيرة العقلاء والمسؤولية التعاقدية»، أُشير إلى العديد من الشواهد التي تساعد في إثبات عناصر سيرة العقلاء في وجوب تعويض الضرر الناتج عن فقدان المنفعة.
[49] مثل آيات مختلفة (انظر مثلاً: البقرة/ 231، 233 و282) وروايات متعددة في هذا الخصوص مثل رواية سمرة بن جندب الشهيرة (کیلنی، 1407: 5/280؛ حر عاملی، 1409: 25/400؛ طوسی، 1407: 7/147؛ صدوق، 1413: 3/233) وروايات ذات مضمون نفي الضرر ووجوب تعويض الضرر (کلینی، 1407: 7/350؛ صدوق، 1413: 4/155؛ طوسی، 1407: 7/147؛ حر عاملی، 1409: 25/428).

