آلية توافق الفقه مع العصر من منظور الإمام الخميني والشهيد صدر مع التركيز على مفهومي العقل والعرف

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: سازوکار انطباق فقه با زمانه از منظر امام خمینی(ره) و شهید صدر(ره) با تکیه بر مفاهیم عقل و عرف ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: اختار أصوليو الشيعة، خلافًا للأخباريين وفقهاء أهل السنة، منهجًا معتدلاً في الاستخدام المتزامن للعقل والنقل والعرف، وبالاعتماد عليه يؤمنون بالإدارة الفقهية؛ رغم وجود اختلافات في مقدار ودليل اعتباره؛ فمثلًا في موضوع «سيرة العقلاء»، اعتبره بعضهم ذا حجية ذاتية ووجوب الالتزام به، بينما اعتبره آخرون فرعًا على تأييد الشارع. لقد خطا فقهاء الأصول المعاصرون خطوات كبيرة في نمو الفقه الإداري للمجتمع. الإمام الخميني(ره) بطرح موضوعات «تحول الموضوعات» و«الأحكام الحكومية»، والشهيد صدر(ره) بطرح موضوع «منطقة الفراغ» و«تمييز المعاملات عن العبادات»، أجيز استخدام العقل والعرف في الفقه. وفي النهاية، مع إثبات إمكانية ومرغوبية استخدام العقل والعرف، يتبين قدرة التوافق والإدارة للفقه والحقوق الشيعية في عملية «توافق الفقه مع العصر» للمجتمعات والظروف المختلفة.

المؤلف: علی غلامی، محمد پورکیانی

المصدر: آموزه‌های حقوقی گواه، خريف وشتاء 1394، العدد 1، ص 29 إلى 55.

المقدمة

تدعي الثورة الإسلامية في إيران، بالاعتماد والثقة على مبادئها الفقهية، قدرتها على إدارة المجتمع البشري حتى في العصر المعقد الحالي. كان كيفية تعامل الفقه مع مقتضيات العصر أو تعارضه معها من الأسئلة الجادة التي واجهتها التيارات التاريخية. فبعضهم، بتقسيم بسيط، يعتبر نفسه غربيًا واتباعًا للعقلانية التجريبية والعلم الحديث، بينما يعتبر آخرون أنفسهم نقليين واتباعًا للنصوص التقليدية. وعلى مر التاريخ، شهدنا صراع هذين التيارين بأسماء مختلفة. فقد بلغت حركة الأخباريين في فترة من الفترات قوة كبيرة حتى إنهم في الحوزة العلمية في النجف كانوا يمسكون كتب أصول الفقه بمناديل لتجنب تلوثها. وفي القرن الثاني عشر الهجري، بجهود آية الله وحيد بهبهاني، عاد الاهتمام بالعقل في النظام الفكري والفقهي الشيعي إلى الازدهار. واليوم، مع مراعاة مدى التزام المذاهب بالعقل والعرف، يتحدد موقفها من توافق الفقه مع العصر. ومن ثم، فإن السؤال الجاد في هذا المقال هو كيف يمكن إظهار إمكانية وقوة الفقه الشيعي في خلوده ومرافقته للزمان والمكان.

أفضل طريقة، التي يراها المؤلفون مفيدة للإجابة على السؤال السابق، هي أن نكون على وعي بمبادئنا الفقهية ونسأل آراء الفقهاء في هذه المسائل قبل فهم آلية الإدارة التفصيلية للفقه المجتمعي. في هذا المقال، يُحاول من خلال دراسة آراء الفقهاء المختلفة حول العقل والعرف وبيان آراء فقيهين معاصرين بارزين، الإمام الخميني(ره) والشهيد صدر(ره)، إعادة طرح إمكانية توافق الفقه مع العصر. الهدف النهائي من هذا البحث هو بيان إمكانية وقدرة الفقه الشيعي على إدارة المجتمع باستخدام مفهومي العقل والعرف.

1. الآراء حول اعتبار العقل

في هذا الصدد، يمكن تقسيم العلماء الإسلاميين إلى ثلاث فئات.

1-1. الأخباريون الشيعة وأهل الظاهر من السنة

الفئتان الأولى والثانية، أي الأخباريون الشيعة والظاهرية من أهل السنة، يرون أن العقل عاجز تمامًا عن الوصول إلى الأحكام الشرعية، وأن السبيل الوحيد هو التمسك الكامل بظاهر النصوص، ولا يفرقون في ذلك بين الدليل العقلي المستقل عن النصوص والدليل العقلي غير المستقل. فهم يعتبرون الأحكام الشرعية توقيفية، ولا يرون للعقل سوى دور المشاهد، ويعتقدون أنه لا سبيل لتدخل العقل في الاستكشاف الشرعي. ومن أمثالهم ابن تيمية، السيوطي، ابن حزم من أهل السنة. وقد تأثرت حركة الظاهرية والأخباريين الشيعة بأهل السنة. فالأخباريون الشيعة، كما أعلنوا تحريم الرجوع إلى العقل، اعتبروا الرجوع إلى القرآن أيضًا ممنوعًا، لأن فهمنا لا يستطيع إدراك حتى ظاهر القرآن. المصدر الوحيد للرجوع هو الأخبار والأحاديث. وهم رفضوا تقسيم الأحاديث إلى صحيحة وموثوقة وضعيفة، واعتبروا جميع الأحاديث، خصوصًا الموجودة في الكتب الأربعة، أي الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، وتهذيب الأحكام، والاستبصار، معتبرة. وبموازاة رفضهم للإجماع والعقل وفهم القرآن، أنكروا الاجتهاد أساسًا.

1-2. الأصوليون

على عكس الفئتين الأولى والثانية، يؤكد العلماء الأصوليون من الشيعة والسنة على دور العقل في الوصول إلى معايير الأحكام. يمكن تقسيم علماء الشيعة فيما يتعلق بحجية العقل إلى ثلاث مجموعات مختلفة. (رجحان، 1386، ج2: 54‌)

– المجموعة الأولى التي اعتبرت حجية العقل بشكل غير منتظم وغير مباشر وبصورة مسألة فرعية في حقوق الشيعة، ورغم أنهم لم ينفوه، إلا أنهم لم يعطوه مكانة كدليل مستقل أو دليل مؤيد، ولم يجروا بحثًا علميًا منظمًا حوله. هذه المجموعة اهتمت بحجية العقل فقط بذكر بعض الواجبات الشرعية التي وُضعت أو جُعلت إما مستقلة بواسطة العقل أو بمساعدته، لكنها لم تخصص فصلًا أو جزءًا من مؤلفاتها لمناقشة مستقلة لحجية العقل أو دليل العقل. ومن أبرز أمثلة هذه المجموعة صاحب «معالم الأصول»، الشيخ بهائي، الشيخ الأنصاري، آخوند خراساني، آيات العظام السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي، الذين ساهموا كثيرًا في نمو العقلانية في حقوق الشيعة وعلم الأصول وحجية العقل.

– المجموعة الثانية هم العلماء الذين يعرفون العقل كمساعد للدليل ودليل مؤيد يمكنه أن يعين الأدلة النقلية. كان هذا الرأي شائعًا قبل القرن السابع، واستمر لاحقًا على يد بعضهم مثل السيد البحراني وأمثاله.

– المجموعة الثالثة من علماء أصول الفقه هم الذين عرّفوا العقل تعريفًا صريحًا ودقيقًا وفسروا وشرحوا أصل حجية العقل بشكل كامل. أعضاء هذه المجموعة هم رسميًا من أنصار حجية العقل وكونه دليلًا. أغلب أعضاء هذه المجموعة من القرن الثالث عشر فصاعدًا وقفوا رسميًا في مواجهة الأخباريين وطرحوا حجية العقل. المرحوم وحيد بهبهاني لم يساهم فقط في النمو السريع والشامل لعلم الأصول، بل أنشطته العلمية الواسعة وتلاميذه وأتباعه أكملوا مسألة الحجية القانونية للعقل وقاعدة التلازم إلى غايتها الكاملة. أشهر أفراد هذه المجموعة هم وحيد بهبهاني وتلاميذه المباشرون وخاصة ميرزا أبو القاسم القمي.

2. الآراء حول اعتبار العرف

جميع علماء الفقه وأصول الفقه الإسلامي يؤمنون بأن العرف اللفظي يُستخدم ضمن الكتاب والسنة كمصدر تفسيري، وأن السيرة المتشرعة في باب الأحكام هي مصدر غير مستقل وتندرج ضمن السنة، ولكن فيما يخص البناء العقلي يوجد اختلاف عميق بينهم، بحيث اعتبر فريق منهم عرف العقلاء مصدرًا مستقلاً إلى جانب المصادر الأخرى لاكتشاف الأحكام الشرعية، واعتبر فريق آخر أنه مصدر غير مستقل ويُعد ضمن السنة أو العقل. كلا الرأيين له أتباع بين علماء الفقه والأصول الشيعة والسنة، مع اختلاف أن الرأي الأول مقبول عند غالبية علماء السنة والرأي الثاني مقبول عند غالبية علماء الشيعة.

علماء أهل السنة في هذا الصدد يستندون إلى حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه: «ما راه المسلمون حسن فهو عند الله حسن» (مسند احمد، 1387: ح 3418). يبدو أن الفكر الفقهي والكلامي لأهل السنة يميز بين نوعين مختلفين من الأمور الدنيوية والأخروية، ففي الأمور الأخروية مثل العبادات يجب الالتزام بالنصوص الصريحة الواردة في الشرع، أما في الأمور المتعلقة بالحياة الدنيوية للناس مثل المعاملات فيجب العمل بالعرف والعادة والمنهج وسيرة العقلاء. ولإثبات هذا الادعاء يستندون إلى حديث «تلقيح النخل». إجمالًا هذا الحديث يروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم التقى بطائفة من الناس ورأى أنهم يلقحون أشجار النخيل. فقال لهم: إذا لم تفعلوا هذا، ستصبح تموركم سليمة. ترك الناس هذا العمل وبعد ذلك أصبحت تمورهم ضعيفة البذور وقليلة الثمر. في السنة التالية عندما التقى بهم سألهم: ماذا حدث لنخلكم؟ قالوا: أنت قلت كذا وكذا. فقال: إذا أمرتكم بشيء من دينكم فاقبلوا هذا الأمر، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فأنا مجرد إنسان وأنتم أدرى بشؤون دنياكم. (صحیح مسلم، ج4: 1835، ح2362) علماء الشيعة يعارضون هذا الحديث وبعضهم يعتبره من تأليف معارضيهم.

في الفقه الشيعي، رغم وجود بعض الاختلافات في هذا الموضوع، إلا أن هناك حرصًا أكبر مقارنة بفقه أهل السنة في استخدام وحجية العرف. النقاش المهم والمختلف فيه عند الشيعة هنا يتعلق بكيفية حجية السيرة العقلائية، ويُرى نزاع أقل في موضوع السيرة المتشرعة. لذلك، يتركز هذا القسم على دراسة اعتبار السيرة العقلائية.

2-1. اعتبار السيرة العقلائية

يُلاحظ أن ظل التعبد في أبواب الفقه الشيعي أثقل، وقد أثر بشكل كبير على مجال المعاملات أيضًا. حتى أن بعض الفقهاء تحدثوا عن الحيل الشرعية التي من خلالها تم التمسك بظاهر الأحكام لإلغاء قيد المصلحة والغاية. على سبيل المثال، يكتب الشيخ الطوسي في «المبسوط»: «الحيلة مبدئيًا جائزة، ولا معارضة في ذلك إلا من بعض المنشقين.» ثم يشير إلى آيات قصص النبي إبراهيم عليه السلام التي تقول «بل فعله كبيرهم» وقصة النبي أيوب عليه السلام التي أمره فيها «وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث» وكذلك قصة سويد بن حنظلة، ويستنتج من ذلك جواز الحيلة.[1] ومع ذلك، فإن العديد من علماء الشيعة، رغم أنهم لم يدخلوا في التفريق بين العبادات والمعاملات وبالاستناد إلى حديث تلقيح النخل، إلا أن وجود نوعين من الأحكام المولوية والإرشادية أو الحديث عن الأحكام الإمضائية في آثارهم يدل على أهمية دور تشخيص عرف العقلاء في هذا الموضوع.

2-1-1. السيرة العقلائية كمصدر مستقل

في هذا الرأي، لا حاجة لإحالة السيرة العقلائية إلى مصدر آخر لإضفاء الحجية عليها، فالسيرة نفسها لها حجية. بالطبع، تختلف أسباب هذه المجموعة في الحجية الاستقلالية. فبعضهم يعتبرون الجذر الفطري لهذه السيرة دليلاً، وبعضهم يستندون إلى أدلة أخرى.

2-1-1-1. الحجية الذاتية للسيرة العقلائية

ينسب هذا التوجه إلى المرحوم علامه طباطبائي والمرحوم محمد جواد مغنية. (طباطبایی، د.ت.، ج 2: 206) فهم يعبرون عن هذا الرأي بشكل أكبر في ما يتعلق بالسير العقلائية العامة التي لها جذور فطرية وارتكازية أولى. يرون أن حكم العرف وبناء العقلاء مستند إلى الفطريات وتلبية الاحتياجات الاجتماعية والعامة للمجتمع الإسلامي. من وجهة نظرهم، حجية العرف العملي للعقلاء ذاتية. طريقة العقلاء وبناء العرف ينبعان من الفطرة التي وضعها الله تعالى بحكمته للحفاظ على النظام الإنساني في الأذهان وطبع العقلاء، مثل الزواج الذي هو أمر غريزي بين جميع البشر، وفي الوقت نفسه أصبح عرفًا بشريًا.

2-1-1-2. الحجية غير الذاتية للسيرة العقلائية

يتخذ أتباع الحجية غير الذاتية للسيرة العقلائية الاستناد إلى الإجماع، والقرآن، والسنة، وحتى بعضهم إلى العقل. مثلاً، جاء في القرآن: «خذ العفو وامر بالعرف…»(اعراف/199) وفي نقد الاستناد إلى هذه الآية يمكن القول إن كلمة العرف في الآية الكريمة استُخدمت بمعناها اللغوي (الأمر المحبب والجميل)، والمراد منها هو الأعمال التي يقرها الشرع والعقل، كما أن الأدلة الأخرى تواجه بدورها أدلة ونقوضات. (تقدیری، 1383: 3)

2-1-2. السيرة العقلائية كمصدر غير مستقل

لهذا الرأي أيضًا توجهان: توجه العقل وتوجه السنة. (واسعی، 1384: 92)

2-1-2-1. توجه العقل

يسعى هذا الفريق، من خلال توسيع قاعدة ملازمة القانون، إلى إثبات شرعية العرف، ويعتبرون سبب اعتبار العرف هو كونه كاشفًا عن حكم العقل. بعبارة أخرى، عند هذا التوجه، السيرة العقلائية هي تطبيق لحكم العقل، وبالتالي فإن عرف العقلاء يُعتبر جزءًا من مصدر العقل وليس مصدرًا مستقلاً. والنتيجة أنه إذا تعارض عرف العقلاء في موضوع ما مع حكم العقلاء، فهو مردود، ويمكن للحكم العقلي أن يكون مستقلًا بينما العرف مرتبط به. (آشتیانی، 1403‌ق، ج 1: 171‌) ويمكن نقد دليلهم من هنا، حيث إن حكم العقل العملي ليس في كل الحالات منشأ وسبب نشوء العرف العملي، وهذان، أي العقل والعرف العقلائي، لهما اختلاف جوهري.

2-1-2-2. توجه السنة

انقسم هذا الفريق في تفسير إثبات رضا الشارع إلى قسمين؛ فبعضهم يعتقد أن عدم ثبوت المعارضة كافٍ لإثبات إمضاء الشارع. بمعنى أنه بما أن الشارع نفسه من العقلاء بل هو رئيسهم ويتفق مسلكه مع العرف، فإن ذلك كافٍ لحجية العرف وكشف رضاه، ولا حاجة لإثبات إمضاء صريح أو حتى إثبات عدم ردعه. كما أن العقل في باب الطاعة والمعصية يحكم بأن كل ما هو معتبر عند العقلاء فهو معتبر شرعًا ومتبوع، ما لم يُقدم دليل يمنع اتباعه، فرفض الشارع في مرتبة المانع، وعدم ثبوت الردع وحده كافٍ لإثبات اتحاد مسلك الشارع مع العرف وكشف رضاه، كما أنه لو لم يكن كذلك لكان من اللازم عليه، باعتباره شارعًا، أن يبين خلافه مع العرف بالردع. فإذا لم يُحْرَز ردع، فبالتأكيد يُحْرَز اتحاد المسلك والطريقة بين الشارع والعقلاء. (مظفر، د.ت.: 385 و 406 و غروی اصفهانی، 1415هـ، ج 5: 30) هذا النوع من اتحاد الطريقة موجود في الخبر الواحد الثقة والظواهر. لكن العيب في هذا الرأي هو أن عدم ثبوت الردع لا يعطي أكثر من ظن برضا الشارع، والظن والظنون لا تغني عن الحق والحقيقة. مع ذلك، تخفف أقوال بعضهم مثل المرحوم مظفر من عمومية القول. في نظره، إذا كان من المتوقع أن يرافق الموضوع رضا الشارع، مثل حجية الخبر الواحد الثقة والظواهر، فإذا لم يكن هناك ردع، فبالتأكيد هناك حجية في السيرة، أما إذا لم يكن هناك توقع، وإذا كنا نعلم بسيرورة السيرة المعنية في الأمور الشرعية، مثل الاستصحاب، فإن مجرد عدم الردع كاشف عن الرضا، لأنه لو لم يكن السيرة التي تجري أمامهم مقبولة، لكانوا قد منعوا ذلك، ولكن إذا لم نكن نعلم بسيرورة السيرة المعنية في الأمور الشرعية، مثل الرجوع إلى أهل الخبرة بالمعنى اللغوي، فإن مجرد عدم الردع لا يكشف عن الرضا.

في مقابل هذا التيار، لا يعتبر الفريق الثاني عدم ثبوت ردع الشارع كافياً لإمضاء الشارع، لأن بين حجية واعتبار السيرة عند العقلاء وحجيتها عند الشارع لا وجود لضرورة ملازمة. (صدر، 1412هـ، ج 1: 265- 263) والنقطة المكملة أن السير العقلائية ليست محصورة في السير الموجودة في زمن المعصوم، بل إن تحولات المجتمعات البشرية في مختلف الأبعاد أدت إلى تكوّن سير عقلائية جديدة. وبحسب محور قبول السيرة العقلائية عند العلماء، يختلف موضوعها. فإذا اعتبر أحد أن بناء العقلاء هو مقتضى طبيعة العقلاء وأن حجيتها تعود إلى العقل، ومن جهة أخرى اعتبر أقوال المعصوم حاكمة في كل زمان، فلا فرق لديه بين زمن المعصوم أو بعده. وهنا نكتفي بجمل الشهيد الصدر في هذا الشأن: «إذا كان شيء مطابقاً لمقتضى طبيعة عقلاء الناس بحيث إذا لم يُردع ويُمنع، فإن العقلاء بمقتضى طبيعتهم العقلائية يقومون بذلك العمل الخاص ويتصرفون وفق طبيعتهم، فمثل هذه السيرة تكون حجة ومعتبرة، ولو أن هذه الطبيعة العقلائية في الخارج في زمن المعصوم لم تتحقق بالفعل ولم يكن لها مشي عملي خاص. لذلك في مثل هذه الحالات، نفس ثبوت القضية الطبعية العقلائية، مع عدم وصول ردع من جانب الشارع تجاهها، كافٍ في الكشف عن رضاه، ولا حاجة إلى تحقق السيرة فعلياً في زمن الشارع». (هاشمی، 1417هـ، ج 4: 247)

2-2. السيرة العملية المتشرعة

السيرة المتشرعة من حيث تحققها الزمني نوعان:

– سيرة تعود مراحلها الأولى إلى زمن المعصوم. هذه السيرة بحسب رأي جميع العلماء لها حجية واعتبار؛ لأن من المستبعد جداً بل المستحيل أن تكون سيرة بين المتشرعة دون جعل شرعي أو رضا شارع، ومن دون ذلك تكون مبنية على أهواء أفراد المتشرعة فقط كأساس للعمل. لأنه في حال عدم رضا الشارع، كان من اللازم عليه أن يعبر عن معارضته.

– سيرة نشأت بعد زمن المعصوم. في هذه الحالة، التي لا تتوفر فيها معلومات عن زمن نشوء السيرة، إذا لم ترجع إلى بناء العقلاء، فهي خالية من الحجية والاعتبار. لأن مثلها مثل العديد من السير الأخرى قد تكون نشأت بسبب العواطف والجهل.

3. آراء حضرة الإمام الخميني (قده)

في هذا القسم نشير إلى ثلاثة من أهم الركائز الفقهية لديه التي تتيح توافق فقهه واستجابته لعصره الحالي. ومن الواضح أن الالتزام بهذه المسائل الثلاثة يسهل ضرورة تدخل العقل والعرف في الاجتهاد.

3-1. تغيير الموضوع

من المواضيع المهمة جداً التي طرحت في آثار الإمام حول تطبيق الأحكام مع الزمن، موضوع تغيير الموضوع. بمعنى أن كل حكم سواء كان حلالاً أو حراماً أو مستحباً أو مكروهاً أو مباحاً يصدر على موضوع معين. فإذا تغير ذلك الموضوع، لم يعد الحكم هو نفسه؛ لأنه لم يعد هناك موضوع يصدر عليه الحكم. يستخدم تغيير الموضوع في حالات متعددة. مثل الاستحالة والتغيير الجوهري للموضوع، حيث يتغير موضوع الحكم السابق كلياً؛ كانتقال المائع النجس إلى النبات وتحوله إلى رطوبة النبات من هذا النوع. وتغيير مصاديق الموضوع هو نوع آخر من تغيير الموضوع. جواز الرهان في مسابقات السبق والرماية (ركوب الخيل والرماية) أيضاً بحسب رأي الإمام هو بسبب عدم موضوعية العناوين الواردة في الروايات، وكان سبب اختيار السبق والرماية هو الاستعداد العسكري، فمع تغير وسائل الدفاع والهجوم الحديثة، تتغير المصاديق أيضاً. تغيير مقدار النفقة وفق عرف الزمن هو تغيير في المصاديق، وكذلك مصاديق مصارف الزكاة، وشراء وبيع الدم، وفتوى جواز شراء وبيع آلات الموسيقى بقصد المنافع المحللة التي كانت سابقاً محرمة، تمت بهذا التبرير. (صحیفه امام، د.ت.، ج ‌21: 129) وتغيير مصداق الشطرنج كأداة قمار في العصر الحالي هو من الفتاوى الخاصة الأخرى له في هذا الشأن.

يطرح الإمام طرقًا للتعرف على الموضوع؛ ومن ذلك إلغاء الخصوصية. ففي إلغاء الخصوصية، على عكس القياس، يصل الفقيه إلى اليقين ولا يعتمد على الظن. ويحدث هذا القطع للفقيه عندما يكون الفهم العرفي للأدلة كذلك.[2] الكشف عن المِنطَق من الطرق الأخرى للتعرف على الموضوع. فإذا أمكن فهم نقطة التشريع من الأدلة، يمكن تعميم الحكم من العنوان المنصوص عليه إلى غيره من الحالات.

3-2. العرف في نظر الإمام (ره)

العرف والسيرة العقلائية، اللذان غالبًا ما يُستخدمان معًا وبمعنى واحد في كتب الأصول، لهما وظائف في نظر الإمام يُشار إليها هنا. أول وظيفة للعُرف هي معرفة المفاهيم ودلالات الألفاظ، وهو أمر متفق عليه بين العلماء المختلفين. في إلغاء الخصوصية، كما ذُكر، كان الإمام يعتبر العرف مقياسًا للثقة والقطع. في حالات متعددة أخرى مثل فهم مناسبة الحكم والموضوع، وفهم الموضوع وتغيره، وتطبيق الموضوعات العرفية مثل كثرة الشك والنفقة، يكون العرف هو المعيار الأساسي. كما تُثبت حجية الدليل مثل حجية الظواهر والخبر الواحد بالاعتماد على العرف. أحيانًا في تطبيقات الإمام، تُعتبر السيرة العقلائية أصلًا ومصدرًا لاستخلاص الحكم، بينما في الحالات السابقة كانت السيرة العقلائية والعرف يُستخدمان كوسيط في فهم المفاهيم ودلالات الأدلة أو في التعرف على الموضوعات العرفية أو حجية الأصل والقواعد. وهذه الحالة أكثر حساسية وأهمية من الحالات السابقة، حيث تُستخدم السيرة العقلائية كمصدر لاستخلاص الحكم. ومن ذلك التمسك ببناء العقلاء لصحة أو عدم صحة البيع الفوضوي أو جواز التوكيل في الوكالة. الإمام في وسط مواقف علماء الشيعة حول العرف، التي ذُكرت سابقًا، يرى أن تأييد الشارع ضروري لاعتبار العرف، لكنه يعتبر عدم ردع الشارع للسيرة كافياً لإثبات رضاه عنها.(امام خمینی، 1418هـ: 64) وبالطبع في هذه الحالات، بما أنها ليست من الأمور اللفظية التي يمكن التمسك بعمومها وإطلاقها، يجب التمسك بقدر ما هو متيقن فقط وليس أكثر.

3-3. الحكم الحكومي في نظر الإمام (ره)

جزء مهم آخر من آراء الإمام الخميني (ره) الفقهية يتعلق بالحكم الحكومي. هناك اختلاف في تعريف الحكم الحكومي. من وجهة نظر معظم علماء الأصول، الأحكام الحكومية تقف مقابل الأحكام الشرعية الثابتة، ويكون التغيير بناءً على مصالح الزمان هو المعيار. أما في نظر الإمام، فالفرق الأساسي بين الأحكام الحكومية والشرعية هو في الحاكم والسبب. فتنفيذ الأحكام الثابتة التي يقوم بها الحاكم، وكذلك سن القوانين الجزئية بناءً على مصالح الزمان، يُطلق عليهما الحكم الحكومي لأنهما صادران عن الحاكم. وما يجب دراسته هنا هو القسم الثاني من الأحكام الحكومية، أي سن الأحكام المتغيرة المتناسبة مع الزمان من قبل الحاكم. الأوامر الصادرة للحرب والسلام، وطرق تنفيذ جمع الزكاة والخمس، وسن القوانين العامة الأخرى المتعلقة بتنظيم وتوازن المجتمع يمكن أن تكون ضمن هذا المجال. الإمام (ره) كان يعتقد أن هناك حكمًا حكوميًا أبديًا، وهو ما ينطبق على معظم الأحكام السلطانية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.(امام‌ خمینی، د.ت.: 603)

وفي وسط الفقهاء، تنبع بعض الخلافات في الفتاوى الصادرة منهم من اعتبار بعض الروايات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام حكومية أو دعائية. الإمام (ره) في رسالته عام 1366 هـ ش إلى رئيس الجمهورية آنذاك اعتبر هذه الأحكام الحكومية أحق، وشرح حدودها قائلاً: «إذا كانت صلاحيات الحكومة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية، فيجب أن يكون عرض الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم ظاهرة بلا معنى ومحتوى، وأشير إلى نتائج ذلك التي لا يمكن لأحد أن يلتزم بها… يجب أن أقول إن الحكومة، التي هي فرع من الولاية المطلقة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هي من الأحكام الأولية للإسلام؛ ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصوم والحج…»(صحیفه امام، د.ت.، ج ‌20: 452)

أعرب الإمام (قده) خلال فترة قيادته عن نماذج من هذه الفتاوى. مثل مسألة المناجم تحت الأرض وحكم تعلقها بالدولة، حتى وإن كانت موجودة في ملكية خاصة للأفراد؛ ومسألة الصلاحيات الحكومية في إلغاء العقود الأحادية الجانب مع الناس أو المنع المؤقت من الحج… من الأحكام الحكومية الصادرة عن جانبه. (صابری‌، 1384: 154)

4. آراء الشهيد الصدر (قده)

يمكن تفسير آرائه في خمسة محاور أدناه.

4-1. التفريق بين مجال المعاملات والعبادات

ربما تكون النقطة الأساسية الأولى في فكر الشهيد الصدر (قده) هي التفريق بين مجال المعاملات والعبادات. فهو يعتبر مجال العبادات مجالًا ثابتًا في الشريعة الإسلامية، أما مجال المعاملات، فرغم أنه يُعتبر من الثوابت في العموميات، إلا أنه في كثير من التفاصيل والظواهر مجال متغير. وبالطبع، فإن نقاش الشهيد الصدر (قده) ليس مطلقًا، ولا ينبغي أن يكون هناك خط فاصل دقيق لهذا التفريق. فمثلاً في مجال العلاقات الاجتماعية وتحديد النظام الحاكم عليها، يعرّف المصالح من نوعين؛ مصالح يمنحها الإنسان بطبيعته، ومصالح يوفرها المجتمع البشري لأن الإنسان كائن اجتماعي. ويسمي المصالح من النوع الأول مصالح طبيعية، التي تشمل توفير الاحتياجات الغذائية والدوائية منها، والمصالح من النوع الثاني مصالح اجتماعية. في النوع الأول يقبل التغيير مع الزمن بسهولة، أما في النوع الثاني، وبما أنه مرتبط تمامًا بمصالح الآخرين وبالعلاقات بين البشر وليس بالأدوات والطبيعة، فلا يمنح المرونة كالنوع الأول. الأُطُر القانونية التي تنظم علاقات الأفراد وفق العدالة التي يراها يمكن أن تكون ثابتة ودائمة. (مبلغی، 1376: 28)

4-2. تشخيص الموضوع والمصادقة

نقطة مهمة أخرى عند الشهيد الصدر (قده) هي مطابقة الموضوع مع المصادقة الخارجية. يطرح في هذا السياق الحديث الوارد عن إحياء الأراضي الموات، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «من أحيا أرضًا مواتًا فهي له». هذا الحديث، بالنظر إلى الإمكانيات في ذلك الوقت وإمكانية تملك جزء محدود من الأرض عن طريق الإحياء، لم يكن فيه مشكلة، لكن في العصر الحالي حيث توفر المعدات والتنظيمات والتقنيات الحديثة القدرة على إحياء هكتارات من الأرض بسهولة، فإن هذه القاعدة تسبب مشكلات. الموضوع المقصود من الشارع في هذا الحديث، وهو إحياء جزء محدود من الأرض، قد زال اليوم، وبالتالي يزول الحكم أيضًا. مثال آخر هو قاعدة «المؤمنون عند شروطهم» التي، مع تغير الظروف ضمن العقد بتغير عرف المجتمع، فإن تطبيق هذا الأصل يختلف باختلاف الزمان والمكان. (صدر، 1402هـ: 749‌-744‌)

4-3. الاستقراء في الفقه

تعتبر مسألة استقراء الشهيد الصدر (قده) موضوعًا آخر مهمًا في أفكاره، في اتجاه الاستفادة من العقل والعرف في الاستنباط. يوضح في هذا الرأي أنه بدراسة عدد من الأحكام الشرعية في موضوع معين يمكننا أن ندرك أن جميعها تتجه في اتجاه واحد، ومن هذا التوجه الواحد يمكننا اكتشاف قاعدة عامة في الشريعة؛ فمثلاً من معذورية الجاهل في بعض الأحكام كالنكاح والحدود والصلاة يمكن إثبات القاعدة العامة لمعذورية الجاهل. ويعتبر الإجماع، والفتوى المشهورة، والخبر المتواتر، والسيرة المتشرعة، وسيرة العقلاء من أمثلة الاستقراء غير المباشر. ويعتقد الشهيد الصدر بوجود موضوعات حقيقية للأحكام، التي يجب كشفها بالعقل والعرف من خلال دراسة المصاديق الخارجية. (صدر، 1395هـ: 161)

4-4. الشهيد الصدر (قده) وسيرة العقلاء

رأي الشهيد الصدر (قده) في سيرة العقلاء هو أنه يعتبرها حجة فقط إذا لم تكن من السُّير المستحدثة، وكانت موجودة في زمن حضور النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة الأطهار عليهم السلام، وثانيًا إذا كان لدينا علم بعدم النهي عنها. وللتمسك بهذه السيرة يجب مراعاة الظروف والأحوال الموضوعية لتلك السيرة. ومن الطرق التي يذكرها لإثبات وجود سيرة في زمن الشارع هو أن يصل الإنسان من خلال الاستقراء في حالة العقلاء في جميع المجتمعات العقلائية إلى يقين بأن هذا السلوك هو طريقة جميع العقلاء في كل المجتمعات، وأن خصوصيات الأفراد لم تدخل في وجود هذه السيرة. وهذا الأمر يختلف عن حجية السيرة العقلائية المطلقة «بما هو عقلًا»، وهو أحد طرق كشف وجود سيرة في زمن الشارع وإثبات حجيتها في حال عدم وجود نهي. (مبلغی، 1379: 77)

4-5. نظرية منطقة الفراغ

بالنظر إلى الآراء المذكورة للشهيد الصدر (قده) بشأن التفريق بين مجال المعاملات والعبادات، وضرورة النظر المنهجي إلى الشريعة، واستخدام الاستقراء في التعميم،… يصرح بأن هذه القدرة في كشف كليات الدين بدلاً من التفاصيل الجزئية، تجعلنا في بعض المواضيع نمارس التشريع في التفاصيل، وهذه هي النظرية المعروفة بـ «منطقة الفراغ» للشهيد الصدر (قده)، والتي ربما تكون أهم نظرياته الأصولية. المقصود بـ «منطقة الفراغ» هي المنطقة الخالية من حكم إلزامي بالوجوب أو التحريم، ويمكن أن تشمل الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب. من وجهة نظره، وجود هذه المنطقة ليس نقصًا في الشريعة، بل وجودها يجعل نظام التشريع مرنًا ليكون فعالًا في كل زمان ومكان. ويعتقد الشهيد الصدر (قده) أن الدولة الإسلامية تتحمل مسؤوليتين رئيسيتين؛ الأولى تطبيق العناصر الثابتة مثل منع المعاملات الربوية والتصرفات غير القانونية في الأراضي، والثانية ملء «منطقة الفراغ» بقوانين متغيرة تتناسب مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية على أساس المبادئ العامة الإسلامية. وبالطبع، مع صراحة الآية المباركة «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»(مائده‌/87). ويعتقد أيضًا أنه من جهة أنه لا توجد واقعة لا حكم لها ولو بشكل عام، فلا وجود لـ «منطقة الفراغ»، ولكن من جهة أخرى، لأن القوانين الجزئية لتحقيق تلك المبادئ العامة لم تُشرع بسبب تغير الظروف والأحوال، فمثل هذه المنطقة موجودة في الشريعة. (صدر، 1402هـ: 400 و 725-722‌)

كمثالٍ لجميع المواضيع المطروحة يمكن الإشارة إلى مبدأ العدل. أليس من الممكن باستنباط هذا المبدأ العام أن نتحدث عن العديد من المؤسسات الحديثة المنشأة مثل البنك؟ بفهم هذا المبدأ وفق الطرق التي ذكرها حضرة الإمام (قده) والشهيد صدر (قده)، إذا اعتبرنا النظام المصرفي سببًا في التوزيع غير العادل للثروة في المجتمع، فمهما قمنا بتفكيك العمليات المصرفية وتعريفها ضمن إطار العقود، فلن يكون مشروعًا على هذا الأساس.

على أي حال، حاول الشهيد صدر (قده) بالاعتماد على «تمييز مجال المعاملات والعبادات» وموضوع «منطقة الفراغ» وغيرها من الأمور التي ذُكرت، خلق منهج اجتماعي وأكثر فاعلية للفقه، وفي هذا الطريق، كما هو واضح، كان الاستفادة من المعطيات العقلية والعرفية أمرًا جليًا.

النتيجة

نظرًا لأن إبداء الرأي في هذا الموضوع يتطلب إتقان النصوص الدينية والاجتهاد فيها، فإن إبداء رأي قاطع من جانب الكتّاب غير ممكن، لذا يُشار فقط إلى بعض النقاط لمساعدة تأملات القراء؛

النقطة الأولى: لكي يكون الفقه فعالًا في إدارة المجتمع، نحتاج إلى منهج أكثر اجتماعية. كما قال الشهيد صدر (قده) في «مع التحول في الاجتهاد»: «المجتهد أثناء نشاطه في استنباط الأحكام، يصور في ذهنه صورة الفرد المسلم الذي يريد أن يطابق منهجه وسلوكه مع نظرية الإسلام حول الحياة، وليس أن يصور صورة المجتمع الإسلامي الذي يريد أن يربي حياته وعلاقاته على أساس الإسلام. التفسير المجرد والمنفصل للآيات الدينية والروايات هو نتاج هذا النظر الفردي وغير الاجتماعي.»(صدر، 1359‌ق: 8) لفهم كل حكم أو أمر ورد في صدر الإسلام، يجب الانتباه إلى الظروف الاجتماعية والزمانية والمكانية، فربما العديد من الأحكام الواردة كانت من باب الأحكام الحكومية والمؤقتة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك المجتمع؛ لأن نظره كان في سبيل الارتقاء الاجتماعي وأخذ مقتضيات ظروف ذلك العصر والعرف السائد بعين الاعتبار. بعض العلماء مثل محمد جواد مغنية (قده) والشهيد صدر (قده) اقترحوا تمييز مجال المعاملات والعبادات للحد من الفهم الاجتماعي للنصوص وعدم التساهل فيها، وقد تم شرح ذلك في القسم السابق. كان الشهيد صدر (قده) يرى أن العديد من الأحكام وردت في سياق الرد على أسئلة الرواة وليس بشكل منفصل وبأسلوب تشريعي. الاجتهاد يعني معرفة موضوعات العصر الحالي وفهم حكمها مع مراعاة الكليات المذكورة في المصادر الإسلامية، ومن يملك هذه القدرة هو من يفهم موضوعات اليوم أولًا وإلا فلا يمكن الادعاء بالاجتهاد. يجب أن يكون المرء عارفًا بالعصر وعالمًا بالمجتمع ليصدر الحكم في موضعه الصحيح. إذا أُخذت موضوعات اليوم وهويتها المستقلة والبعد الاجتماعي المبني على مقتضيات الحكم بعين الاعتبار، واستُعين بالعقل والعرف في هذا المسار، فقد لا يكون من السهل تصور البنك كشخص تاجر تكون معاملاته ربا، أو اعتبار عدم النفع غير قابل للمطالبة، أو مرور الزمن غير مشروع، أو اعتبار تعويض التأخير ربا.

النقطة الثانية: إن الاستعانة بالعقل والعرف في نصوصنا وموروثنا الديني دليل على قيمة هذين في النظرة الدينية. وردت مشتقات العقل في القرآن 49 مرة، وذُكر أولوا الألباب (أصحاب العقل) 16 مرة، ووردت تعبيرات مثل القلب والفؤاد والفكر مرارًا مع مدح وتمجيد. العديد من أساليب القرآن في بيان المعارف الإلهية كانت بالاستدلال. لم يطلب الله في القرآن مرة واحدة من عباده أن يؤمنوا بلا فهم. إذا جمعنا الكلمات القريبة من هذا المعنى مثل النظر، التفكر، التدبر… فستصل إلى نحو 300 مرة. الإمام الكاظم عليه السلام خاطب هشام بن حكم قائلاً:

«يا هشام! إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول.»(کلینی، 1401ه، ج 1: 16) وكذلك قال الباقر عليه السلام: «لما خلق الله العقل، استنطقه؛ ثم قال له: اقبل! فقبل، ثم قال له: ادبر! فادبر، ثم قال: «وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب. أما إني أياك آمر وأياك أنهى وأياك أعاقب وأياك أثيب.»(کلینی، 1401ه، ج 1: 15) بالطبع هناك روايات في ذم العقل أيضًا. مثلاً في رواية عن أبو حمزة الثمالي عن الإمام السجاد عليه السلام جاء: «إن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم فمن سلّم لنا سلم ومن اهتدى بنا هدى ومن دان بالقياس والرأي هلك…»(مجلسی، 1366ه، ج 2: 303‌، ح 41‌) ولكن مع وجود الروايات المتنوعة والمتواترة المعنوية، لا يمكن استخدام الروايات القليلة التي ذمّت العقل والتي كثير من سندها مشكوك فيه، للرد على العقل، وبالطبع فإن النظر في مقام صدور هذه الفئة من الروايات يدل على عدم الرفض المطلق والكلي للعقل من قبل المعصوم. ومع ذلك، هناك عوامل مختلفة جعلت بعض الناس يميلون إلى الاتجاه الأخباري بدرجات متفاوتة، من بينها أن ثقافة أهل البيت عليهم السلام تؤكد على أن كليات الكتاب والسنة تفي بكل احتياجات الدين إلى الأبد. هذه الفكرة جعلت بعض الناس يظنون أنه لا مجال للاستكشافات العقلانية، في حين أن القول بكليات الدين لا يعني قطعًا معرفة مصير بعض المسائل.

فيما يتعلق بالعُرف يجب أن نعلم أنه بالرغم من أن العديد من الأعراف في زمن الجاهلية قد رُفِضت ونُهِي عنها كليًا، إلا أننا في كثير من الحالات شهدنا إقرارًا بالعُرف. قبل الإسلام كان يُستخدم دائمًا الإبل والبقر والغنم في دفع الدية. يقول الإمام الباقر عليه السلام: «إنما كان في البوادي قبل الإسلام». في زمن أمير المؤمنين عليه السلام، عندما حلّ المال محلّ ذلك بين الناس، استخدم هو المال. أو في مسألة اللباس ورد حديث يقول: «فخير لباس كلّ زمان لباس أهله» (کلینی‌، 1401‌ه، ج 6: 444).

كان الفتوى الفقهية لمسألة الشهرة في اللباس ردًا على هذه المخالفات؛ «وكان علي في زمان يستقيم له ما لبس فيه»(عاملی، 1403ه، باب 7، ح 10)، «علي عليه السلام في الزمن الذي عاش فيه كان يلبس ما يُعرف به باعتداله». على أي حال، كان تعامل الشارع مع الأعراف المختلفة متباينًا. مثال آخر على تعامل صدر الإسلام مع العرف هو أنه في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان اليهود يطلقون اللحى الطويلة والبيضاء، أمر النبي أصحابه بصبغ اللحى، أو أن الإمام الصادق عليه السلام نهى أحد أصحابه عن لبس لباس خاص كان لباس اليهود أثناء الطواف بالكعبة (مهدوی، 1387: 80). ومن جهة أخرى نرى بوضوح دور العرف في بعض المسائل التي أقرها الشارع. كمية الماء التي تُطهّر ماء البئر في حالة النجاسة تُترك للعرف. صدق الحيض وكيفيته، صدق الموالاة في الأفعال العبادية، صدق الإقامة في مسائل السفر، صدق كثرة الشك في الصلاة، أو تغيير مستوى المعيشة العامة للناس في مقدار نفقة الزوجة التي يجب أن تكون وفق العرف والمتعارف بين الناس، وهكذا في بعض الحالات يكون تغيير الأحكام مع تغير العرف واضحًا.

أما فيما يتعلق بالعُرف اللفظي فلا مجال للنقاش فيه وهو أمر ثابت. فقد أكدت النصوص الدينية أن الأنبياء يتحدثون بلغة الناس. هناك حوالي 460 حادثة صغيرة وكبيرة كانت سببًا في النزول، وتسمى أسباب النزول. لذلك من الضروري، كما يقبل علماء السنة والشيعة، أن يُولَى اهتمام كبير بظروف النزول وأن يُحلل كل رواية وآية في ظرفها الزمني، ويجب أن يكون هذا التحليل أكثر من مجرد فهم اللفظ. وبالنسبة للعُرف غير اللفظي يجب أن يكون الأمر كذلك أيضًا، لأن وفقًا لأقوال العلامة الطباطبائي (ره) يمكن الاستدلال من الاستدلال الأول على رجوعه إلى أوامر العقل لتحقيق مصالح المجتمع الإسلامي. وإذا لم يقبل أحد بهذا الاستدلال، فيمكن إثبات حجية العرف من خلال تقارير وإمضاء المعصوم، وفي مرحلة أدنى من ذلك، من عدم ردع الشارع لحجية العرف في ظرف التحولات. قد يُقال إن العرف الذي يُقبل من قبل الشارع هو فقط ذلك الذي يتوافق مع إرادة الشارع، إذًا العرف بحد ذاته ليس موضوعًا. أي عُرف لم يظهر بعد لا يمكن أن يكون مقبولًا من الشارع. هذا الاعتراض ليس صحيحًا تمامًا لأننا نسعى لاكتشاف سيرة الشارع السلوكية في التشريع، وبذلك نبني منهج اجتهادنا ونواجه الحوادث الواقعة والمستحدثة. الإسلام يبيّن كل شيء ولا يترك شيئًا. لذلك يجب استخراج معايير الاستنباط منه. وفي السنة الشرعية نادرًا ما يحدث أن يُمنع من عُرف. إذا انتبهنا إلى معايير الأحكام يتضح جيدًا في أي المجالات ترك الشارع يد العرف حرة. على سبيل المثال، يصرح آية الله مشكيني بأن: «لو لم نقل إن جميع الأدلة، فعلى الأقل الجزء الأكبر منها، إمضاء، والشارع فيها أذن بأن يُعمل بها بنفس الطريقة التي يعمل بها العقلاء» (مشكینی، 1345: 70). لا يمكن أن نعتقد أن الدين الإسلامي قد ألغى طريقة حكماء كل عصر لتلبية حاجات الحياة والشؤون القانونية. أما بالنسبة لمسألة إمضاء الشارع لسيرة العقلاء في زمن صدر الإسلام، فإن التفسير الأدنى هو القول بأنه فقط في ذلك الزمن ومن باب الضرورات الاجتماعية والحياتية أقر الشارع مجموعة من الموضوعات والأحكام العرفية، وأن المسلمين إلى يوم القيامة لا يمكنهم سوى الاستفادة من تلك فقط؛ هذا التفسير السطحي وغير الناضج يغلق باب اعتبار العقل وسيرة العقلاء ويعتبر كل شيء أو معظم الأشياء توقيفيًا ومحدودًا.

النقطة الثالثة: القول أيضًا بقبول العرف بشكل عام واعتبار قبوليته ذاتية، إذا قيل بهذا المجمل، يؤدي إلى إقرار نطاق واسع من الأعراف التي بالتأكيد يتضمن العديد من الأعراف المحظورة، لأن عوامل كثيرة تؤثر في إنتاج العرف: الفطرة والطبيعة الإلهية للإنسان، العقل والإدراك العقلي، التجارب، القوانين الدينية والشرعية، القوانين التي فرضها الحكماء (المرحوم النائيني يدافع عن هذا الرأي في فوائد الأصول)، حاجة المجتمع واحتياجاته، التعصبات والمعتقدات العرقية والوطنية والدينية، التقليد للسابقيين والمعاصرين، التبادل الثقافي، الغزو الثقافي، الجهل والجهالة، وغيرها. لذلك نهى الشارع عن العديد من الأعراف والعادات التي لم تتوافق مع أحكام الإسلام، مثل المعاملات الربوية والغررية، وسنة التبني، وغيرها، وأقر العديد من الأعراف مثل جعل الدية على العاقلة، واشتراط الكفاءة في الزواج، واشتراط العصبة (الانتماء من جهة الأب) في الولاية والإرث، وغيرها.

النقطة الرابعة: يبدو منطقياً تأثير التمييز بين المعاملات والعبادات في مقدار تدخل العقل والعرف. في العبادات، الأصل هو التبعية. الاستقراء في هذه الأحكام مثل أحكام الصلاة والصيام والطهارات يكشف عن تبعيتها. من جهة أخرى، إذا كان المقصود من الشارع هو توسيع أوجه العبادة والتعبد بحيث تُنفذ بطريقة تختلف عما ورد في النقل، لكان قد دلّ على ذلك بعلامة أو قول أو إشارة. ومن جهة أخرى، أظهرت التجربة أنه في فترة الفتره وإرسال الرسل، لم يتمكن عقلاء الناس من الوصول إلى المعاني والأسباب في الأمور الدنيوية والمعاملات كما فعلوا، ولم يجدوا طريقاً لذلك في الأمور المتعلقة بالعبادات. بالمقابل، في شأن المعاملات، يظهر استقراء أحكامها أن الشارع المقدس يسعى لتحقيق مصالح للعباد، وأن أحكامها تدور حول تلك المصالح المحددة. مثلاً، عندما يقول: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» أو «قاعدة لا ضرر ولا ضرار» أو «القاتل لا يرث من المقتول»، فهذا يدل بوضوح على التعليل. لقد أفاض الشارع في بيان أسباب الأحكام في تشريع المعاملات. (صابری، 1384: 179) كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الأصل العقلي لأحكام الإسلام، وحيثما يرى العقلاء أن القيام بعمل ما هو في المصلحة، فإن الشارع يوافقهم. بالطبع، لا نقصد رسم خط فاصل دقيق ومطلق بين مجال العبادات والمعاملات، لأن في كثير من الحالات التي تقع ضمن مجال المعاملات، حتى من وجهة نظر أهل القياس والاستصلاح والتعليل، يسود الجانب التبعي.

النقطة الخامسة: يبدو أن التمييز بين بعض الأعراف والعقل ليس تمييزاً صحيحاً. يُعرف العرف بأنه السلوك المتكرر للناس الذي يتشكل بعيداً عن التوجهات العقلانية والمنطقية، بينما الحكم والكشف العقلي يكون مع مراعاة المصالح والمفاسد. ربما يمكن اعتبار “بناء العقلاء” مفهوماً جامعاً للعقل والعرف، فهو من جهة مرتبط بالعُرف بسبب شيوعه، ومن جهة أخرى مرتبط بالعقل لأنه يخص أصحاب العقل. في هذا الصدد، يرى العلامة الطباطبائي (ره) أنه حيثما يوجد بناء العقلاء حقيقةً، لا حاجة للكشف عن رضا المعصوم ووسيط في إثبات الحجة، فهو كقطع الحجة الذاتية. القول بأن العرف لا يراعي المصالح والمفاسد على خلاف العقل، ليس صحيحاً. عقل العقلاء ينبع من فطرتهم الاجتماعية، فكيف يمكننا القول إن هذا الأسلوب الذي تشكل تدريجياً وبدون اتفاق خاص أو حتى نتيجة اجتماع أو تواطؤ أو بدون إكراه أو ضغط، أو نتيجة دعايات خاطئة وخلط في الحقائق، قد اتخذ العرف العام فيه مساراً مخالفاً للمصالح والمفاسد؟ العقلاء، بسبب كونهم عاقلين، وبالرغم من اختلافاتهم، يشتركون في هذه المسائل.

النقطة السادسة: إجمالاً يمكن عدّ خمس وظائف للعُرف والعقل بتعبير قريب منهما:
أ: تحديد مصداق الأحكام العامة، مثل تحديد ما إذا كانت الشطرنج في هذا العصر مصداق القمار المحظور في الروايات أم لا، فهذا من اختصاص العرف والعقل، أو ما إذا كان مؤسسة أو كيان جديد أو غيرها من الحوادث المستحدثة التي لم تكن في الماضي، تُعتبر مشمولة بأحد الأحكام العامة أم لا. في الأصل، وفقاً لنظرية الشهيد الصدر(ره)، يجب علينا تحديد منطقة الفراغ وتحليل ما إذا كان كيان جديد يقع ضمن تلك المنطقة أو يندرج تحت عنوان شرعي. نضيف أنه وفقاً لرأي بعض العلماء منهم الشهيد الصدر(ره)، في بعض المجالات تكون أقوال الشرع عامة جداً، ويكون للعقل دور واسع في التحديد والتشخيص (وهو ما يُراقب عليه من قبل الحاكم الشرعي). كما ذُكر، أطلق الشهيد الصدر على هذه المنطقة اسم منطقة الفراغ، حيث بفضل اتساع وشمولية الأصول الإسلامية، تزداد كمية ومقدار المصاديق، ويكون لدينا مجال واسع للموافقة.
ب: في حالة التعارض بين الأحكام، يكون العقل هو الذي يحدد أيها يُنفذ وأيها يُترك لما فيه المصلحة. سواء في المواجهات الفردية، مثل التعارض بين الإضرار بشخص ما أو الكذب، حيث يُجبر العقل على الاختيار ويكون فعالاً؛ أو في المجال الاجتماعي حيث بعض القرارات من هذا النوع؛ مثلاً أن النظام الاقتصادي للدولة الإسلامية قد ينهار إذا أُغلق البنك ويصبح عدد كبير من الناس في ضيق مالي، أو أن يستمر في عمله مع فرض الربوية.
ج: في القياس، إذا كان القياس منصوص العلة وكان الدليل على حكم في الرواية، فيتم بواسطة العقل تحديد مصاديق أخرى. لكن في كثير من الحالات يكون تحديد الدليل بواسطة قوة اليقين العقلية وأيضاً التحديد العرفي، مما يؤدي إلى تعميم حكم على حالات مشابهة، وهذا يختلف عن القياس الممنوع في الروايات الذي هو ظني فقط. إذا ورد في رواية ما حديث عن كيفية تنظيف نوع معين من الملابس بالماء الجاري في منطقة معينة في زمن معين، فإننا نستنتج بسهولة عمومية هذا الحكم ولا نعتبر الأحكام شخصية.
د: بعض الأحكام قيلت بشكل عام، وتحديد جزئياتها يكون بالعقل والعرف. مثلاً الوسواس والموالات… تحديد مقدار الموالات الزمنية أو حد الوسواس الذي يُقال عنه دقة، يندرج ضمن هذا الاستخدام للعقل والعرف. هذا التحديد يختلف عن تحديد المصاديق. ففي الحالة الأخيرة لا نواجه غموضاً أو عمومية، بل نتأمل في مصداق الحكم، أما هنا فنحن نواجه غموض الحكم الأولي.
هـ: في بعض الأحيان، دون حدوث تعارض، ولتسريع حركة التقدم في الحكم الإسلامي، يمكن أن يُصدر الحاكم الشرعي بعض الأحكام الحاكمة بناءً على حكم عقل معتبر؛ وهذا هو معنى ولاية الفقيه المطلقة التي يعارضها بعض الناس. وبعبارة الأستاذ مصباح في كتاب ولاية الفقيه، مثلاً إذا قرر ولي الفقيه أن المجتمع بحاجة إلى أماكن ترفيهية تقع على أراضي الناس، يمكنه مخالفة القاعدة «الناس مسيطرون على أموالهم» وإنشاء منتزهات؛ مع أن ذلك لا يقع في إطار فعلين محرّمين جزئياً، بل هو نوع من الفهم السامي لولاية الفقيه وجمع العقلانية والنظرة الاجتماعية فيها. (مصباح، 1386: 110)

المصادر والمراجع

الف: فارسی

1. ایازی، سیدمحمدعلی.(1389) ملاکات احکام‌ و شیوه‌های‌ استکشاف‌ آن، قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی، الطبعة الثانية.

2. تقدیری، علی.(تابستان و پاییز 1383) مرجعیت‌ «عرف‌» از دیدگاه مذاهب اسلامی، طلوع، العدد 10 و 11.

3. جوادی آملی، عبدالله.(1386) منزلت‌ عقل‌ در‌ هندسه معرفت دینی، قم: اسراء، الطبعة الثانية.

4. خمینی، امام روح الله.(1418 ق) اجتهاد وتقلید‌، تهران‌: موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینیرحمه الله علیه.

5. خمینی، امام روح الله.(دون تاريخ‌) صحیفه امام‌، تهران: موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینیرحمه الله علیه.

6. خمینی، امام روح الله.(1385) ولایت‌ فقیه‌، تهران: موسسه تنظیم و نشر امام خمینیرحمه الله علیه، الطبعة سیزدهم.

7. ذاکری، علی‌ اکبر‌.(بهار‌ و تابستان 1376) دیدگاه‌های فقهی شهید آیه الله صدر، حوزه، العدد 79 و 80.

8. رجحان، سعید.(1386‌) مبانی‌ استنباط‌ در حقوق اسلامی و حقوق موضوعه، تهران: دانشگاه امام صادق علیه‌السلام.

9. شفیعی، محمود‌.(1387‌) اقتضاها و امتناع‌های عقل‌گرایی در فقه سیاسی شیعه، فصلنامه شیعه‌شناسی، العدد 23.

10. صابری، حسین.(پاییز1381‌) فقه‌ و چالش میان تعلیل و تعبد، فصلنامه مطالعات اسلامی، العدد 57.

11. صابری، حسین‌.(1384‌) فقه و مصالح عرفی، قم: دفتر تبلیغات اسلامی‌ حوزه علمیه قم، الطبعة الثانية.

12. صدر، سید محمدباقر‌.(1359‌ ش) همراه با تحول اجتهاد، ترجمة اکبر ثبوت، تهران: روزبه.

13. علیزاده، عبدالرضا.(1389‌) مبانی‌ رویکرد اجتماعی به حقوق، قم‌: پژوهشگاه‌ حوزه و دانشگاه‌، الطبعة الثانية‌.

14. قماشی، سعید.(1384) جایگاه عقل‌ در‌ استنباط احکام، قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی.

15. گرجی، حسین.(1375) تاریخ‌ فقه‌ و فقها، تهران: سمت.

16. مبلغی، احمد‌.(فروردین و اردیبهشت 1376) ثابت‌ و متغیر‌ در نگاه امام خمینی، علامه‌ طباطبایی‌ و شهید صدر، کیهان اندیشه، العدد 71.

17. مبلغی، احمد.(زمستان 1379) نقش زمان‌ در‌ تحول سیره‌ها و واژگان از نگاه‌ شهید‌ صدر‌، فصلنامه فقه اهل‌ بیت‌ فارسی، العدد 24.

18‌. محمصانی‌.(1358) فلسفه‌های قانون‌گذاری در اسلام، ترجمة گلستانی، تهران: منشورات امیرکبیر، الطبعة الثانية.

19. محمدی‌، علی‌.(1376) شرح اصول استنباط علامه حیدری‌، قم‌: دارالفکر، الطبعة الثانية‌.

20‌. محمود یزدی مطلق، إعداد جمعی از نویسندگان.(1381) امامت پژوهی، مشهد: دانشگاه علوم اسلامی رضوی.

21. مصباح یزدی‌، محمدتقی‌.(1386) نگاهی گذرا به نظریه ولایت‌ فقیه‌، قم‌: موسسه امام‌ خمینی رحمه الله‌ علیه‌، الطبعة دوازدهم.

22. مطهری، مرتضی.(1370) اسلام و مقتضیات زمان، تهران: صدرا.

23. مطهری، مرتضی.(1389) کلیات‌ علوم‌ اسلامی‌، تهران: صدرا، الطبعة سی و چهارم.

24. مهدوی‌، اصغرآقا‌.(1387‌) مبانی‌ نقش‌ زمان‌ و مکان در استنباط احکام از دیدگاه امام خمینی و شهید صدر، تهران: منشورات دانشگاه امام صادق علیه السلام.

25. نوری، محمد اسماعیل.(1384) آشنایی اجمالی با فقه، قم‌: دفتر منشورات اسلامی.

26. واسعی، محمد.(1385) جایگاه عرف در فقه، تهران: کانون اندیشه جوان.

ب: عربی

27. احمد بن حنبل.(1387) مسند احمد، قم: موسسه فرهنگی و اطلاع‌رسانی تبیان.

28. خمینی‌، امام‌ روح الله.(دون تاريخ) کتاب البیع، تهران: موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی رحمه الله علیه.

29. خمینی، امام روح الله.(1368) المکاسب المحرمه، قم: مؤسسه اسماعیلیان.

30. صدر، سید‌ محمدباقر‌.(1402ق) اقتصادنا، بیروت: دارالتعاریف للمطبوعات.

31. صدر، سید محمدباقر.(1412ق) دروس فی علم الاصول، قم: موسسه نشر اسلامی.

32. صدر، سید محمدباقر.(1395‌ق) المعالم‌ الجدیده للاصول، نجف: مکتبه النجاح‌.

33‌. طباطبایی، سیدمحمدحسین.(دون تاريخ) حاشیه الکفایه، قم: بنیاد علمی فرهنگی علامه طباطبایی رحمه الله علیه.

34. عاملی، محمد بن حسن حر.(1403 ه.ق) وسائل الشیعه، بیروت‌: دار‌ احیاء التراث العربی.

35‌. غروی‌ اصفهانی، محمدحسین.(1415ق) نهایه الدرایه، قم: موسسه آل‌البیت.

36. کلینی، محمد بن یعقوب.(1401ه) الاصول من الکافی، بیروت، نشر علی اکبر الغفاری.

37. مشکینی، علی.(1345) اصطلاحات الاصول، قم: مرکز‌ اطلاعات‌ و مدارک اسلامی.

38. مجلسی، محمدباقر.(1366ه) بحارالانوار، تهران، دارالکتب الاسلامیه

39. مظفر، محمدرضا.(دون تاريخ) اصول مظفر، قم: منشورات فیروزآبادی.

40. میرزای آشتیانی، محمدحسن.(1403ق) بحرالفوائد، قم: نشر کتابخانه آیت الله‌ العظمى‌ مرعشىرحمه الله‌ علیه.

41. نیشابوری، مسلم بن حجاج.(261 ه) صحیح مسلم، بیروت: دارالفکر.

42. هاشمی شاهرودی، سید محمود.(1417‌ق) بحوث فی علم الاصول، قم: مؤسسه دائرة المعارف فقه اهل بیت‌ علیهم‌ السلام‌.

[1] يقول سويد: بينما كنت مع وائل بن حجر نير ونحن ذاهبون من مكة إلى المدينة، جاء أعداء وائل يلاحقونه، ولم يكن هناك من يشهد على نسب هذا الرجل بالقسم، لكنني حلفت أنه أخي، فتركه العدو. وأخبر سويد النبي بذلك، فقال: صدقت، المسلم أخو المسلم.

[2] إلغاء الخصوصية يكون فقط في الحالات التي يفهم فيها العرف أن الموضوع الملقى ليس موضوعًا للحكم، وإنما أُتي به للمثالية، أو لجري العادة، أو نحو ذلك. مثل قوله: «رجل شك بين الثلاث والأربع»، وقوله: «أصاب ثوبي دم رعاف»، أو «رجل أفطر يومًا من شهر رمضان»، ونظائرها مما يرى العرف أن الحكم للشك والدم والإفطار، لا للرجل والثوب. وأما إذا كان الحكم متعلقًا بموضوع وأريد إسراؤه منه إلى موضوع آخر بوجوه ظنية كما نحن فيه، حيث تعلق الحكم على الكذب ولا يفهم العرف منه غيره، لكن أريد إسراؤه منه إلى ما يفيد فائدته بالوجوه الظنية والاعتبارية، فهو قياس، لا إلغاء خصوصية عرفًا: (امام خمینی، المکاسب المحرمه، 1368‌، ج 2: 69‌-70‌ نقلًا عن مهدوی، 1387: 149)