ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تبیین رابطه عدالت با سیاست در اندیشه علامه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: السياسة والنظام السياسي هما الموقعان الأقدر على تحقيق العدالة كهدف سامٍ للإنسانية؛ لأن تنفيذ العدالة في أبعادها المتعددة لا يتم إلا في ظل سياسة عادلة وبواسطة الحكام. وفي هذا السياق، تكتسب دراسة العلاقة بين العدالة والسياسة في فكر العلامة الشهيد صدر أهمية مضاعفة. فهو، بنبوغه وإلمامه بالنظريات الحديثة، يؤمن بالصلة العميقة بين هذين المفهومين، لا سيما في مقام التحقيق. هذا البحث، معتمداً على منهج المنطق الداخلي وأسس التوحيد والفطرة، يجيب على السؤال: ما العلاقة التي رسمها الشهيد صدر بين العدالة والنظام السياسي؟ من وجهة نظر الشهيد صدر، السياسة أو المسؤولية عن المصير الجماعي هي البعد الأهم لخلافة الإنسان على الأرض، التي تتحقق فيها العدالة. في هذه النظرية، تتحقق العدالة عبر النظام السياسي الحقيقي ومن خلال مبادئ مثل القانون العادل، المشاركة العامة، التكافل، الضمان والتوازن الاجتماعي.
المؤلف: محمدحسین جمشیدی
المصدر: نظریههای اجتماعی متفکران مسلمان، ربيع وصيف 1392، العدد 1، ص 131 إلى 159.
المقدمة
العدالة هي أسمى هدف اهتم به الإنسان طوال حياته على كوكب الأرض، لا سيما في البعدين السياسي والاجتماعي. فقد اعتبر كبار المفكرين العدالة قضيتهم وهدفهم الأساسي، وبذلوا جهوداً فكرية عظيمة في سبيلها. ومن الأمثلة على ذلك في الآثار المدونة للبشرية، كتاب «الجمهورية» لأفلاطون (افلاطون، ١٣٦٨) أو «نظرية في العدالة» لجون رولز (1979,Rawlz) و«رسالة في عدل الملك» لابن سينا (شکوری، ١٣٨٤: ٢٨٠) أو «رسالة في العدالة» لجلال الدين الدواني (دوانی :٥١٨٠).
كما أولى الأنبياء اهتماماً جليلاً وجوهرياً لقضية العدالة وتحقيقها في المجتمعات البشرية. فقد كانوا بحق أعظم منادين بالعدالة، وتحملوا الكثير من المشاق في سبيل تنفيذها، حتى أن القرآن، الكتاب السماوي للدين الحنيف الإسلام، اعتبر الهدف الأساسي للأنبياء والكتب السماوية إقامة العدالة وإحقاق القسط (حدید: ٢٥) وجعلها أساس التوحيد ومرافقته. الإسلام أكد على العدالة والقسط كأساس لكل القيم الرفيعة الوجودية والإنسانية، وطلب من الناس إقامة القسط وبناء الحياة على أساس العدل؛ وكما يقول مرتضى مطهري: «الحساسية التي يظهرها الإسلام في مجال العدالة الاجتماعية ودمجها مع الروحانية الإسلامية لا نظير لها في أي مذهب آخر» (مطهری، ١٣٥٨: ٣).
كما جعل الأئمة المعصومون (ع) تحقيق العدل والحياة على أساسه شعار برامجهم وأفعالهم، وبذلوا في سبيل تنفيذه التضحيات الجسام (انظر مثلاً إلى الإمام علي (ع)، 1419هـ). فقد حدثت تقريباً كل الثورات والتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى بهدف تحقيق العدالة، لا سيما العدالة الاجتماعية، وقد ضحى العديد من أعظم البشر، مثل الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي كان مرآة العدل وتجسيد العدالة، بحياته من أجل العدالة: «وقُتل في محرابه لشدة عدله» (مطهری، ١٣٦٨: ١٥٣).
جاء العدو كطاووس يحلق به كم من قتيلٍ سقط من ريشه
قال أنا ذلك الظبي من نَفَسي صبّ ذلك الصياد دمي النقي
(مولوی، 1390: 13).
كان الإمام علي (ع) رمز العدل وشهيد العدالة والقسط، والعدل عنده كان أساس كل القيم الإنسانية التي يرتبط بها كل أمر بوضعه في موضعه: «العدل يضع الأمور في مواضعها» (الإمام علي (ع) 1419هـ: 437). ونظرة القرآن إلى العدالة ليست بخلاف ذلك: «في القرآن من التوحيد إلى المعاد، ومن النبوة إلى الإمامة، ومن الإمامة والأهداف الفردية إلى الأهداف الاجتماعية، كلها تدور حول محور العدل» (مطهری، ١٣٨٩ه:٤٢).
علاوة على ذلك، فإن الجزء الأكبر وربما كل المصائب والمشكلات في العالم الإسلامي ناتجة عن إنكار العدل أو عدم الفهم الصحيح له، وانتصار أعداء العدل ومنكريه عبر تاريخ الإسلام. لذلك، فإن الاهتمام بالعدالة هو قضية دائمة للإنسان.
طرح المشكلة
في مجال مناقشات العدالة، من أهم القضايا العلاقة بينها وبين السياسة. فالعلاقة بين العدالة والسياسة ذات أهمية كبيرة إلى درجة أن نصوصنا الدينية تصف العدالة بأنها زينة الحكام، أو أن أفضل عباد الله هم القادة العادلون. مثلاً، يقول أمير المؤمنين (ع): «العدل سبب استقرار حياة الناس وزينة الحكام. أفضل عباد الله عنده هو القائد العادل الذي هو نفسه مهتدٍ ويهدي الآخرين» (تمیمی آمدی، ١٣٦٦: ٦٤.١). وبناءً على ذلك، يرى بعضهم أن «في بداية ظهور الإسلام وحتى في صدر الإسلام، كانت السياسة بمعنى إدارة الدولة والمجتمع والعالم هي نفسها كلمة العدالة. فالعدالة تعني إدارة الأمة الإسلامية بالمساواة والمساواة بمعنى «إعطاء كل ذي حق حقه» (مطهری، ١٣٧٩: ١٦)، أي تحقيق الحق لأصحابه. لذلك، السياسة كإدارة نظام ما كانت دائماً متداخلة مع مفهوم العدالة» (عیوضی، ١٣٨٨: ١٠٤). إذن، أحد أهم أبعاد نقاش العدالة هو ارتباطها بالسياسة والنظام السياسي في المجتمع، لأنه بدون توضيح هذه العلاقة لا يمكن الحديث عن تنفيذ العدالة في مختلف مجالات حياة الإنسان.
أحد العلماء المشهورين الذين تناولوا في هذا المجال عرض آرائهم هو المرجع الشهيد الإمام السيد محمد باقر الصدر، الذي بفضل التدقيق والتمحيص والاطلاع على جميع أبعاد الإسلام والعلوم الشرعية، وكذلك إلمامه بالنظريات الحديثة في المجالات الفلسفية والسياسية والاقتصادية وغيرها، تناول مفهوم العدالة ومكانتها في إدارة الأمور وتقدم المجتمعات الإنسانية (صدر، ١٤٠٨ه). لقد درس العدالة بطريقة شاملة ومرتبطة بالفطرة الإنسانية وبنية الوجود، أي العدل الكلي، واعتبرها قيمة عالية جداً (صدر، ١٣٩٩ه: ١٩)، وأساس الدين والقانون والدولة والنظام السياسي، والتعليم والتربية، وأسمى هدف للحكم وأقوى عامل في إنشاء المدينة الفاضلة والإنسان السليم.
رغم أن الشهيد الصدر نظر إلى العدالة بنظرة إلهية – إنسانية شاملة، إلا أن ما يحظى بأهمية أكبر في فكره هو كيفية تحقيق العدالة في المجتمع وعلاقة النظام السياسي بها. ففي فكر الصدر، تكمن المهمة الأهم وربما الرسالة الأساسية للسياسة والنظام السياسي في تحقيق العدالة بشكل شامل، بحيث تتوفر في ظلها الحقوق والحريات والأمن والسلام والرفاه والاستقلال والتنمية. على سبيل المثال، اعتبر العدالة شرطاً أساسياً لنمو جميع القيم، والخلافة حركة لتحقيق الخير والعدالة في المجتمعات البشرية (صدر، د.ت. الف: ١٤٢). بعضهم، معتمدين على الدولة والنظام السياسي – وهم أنصار الدولة – يرون أن «امتداد العدالة لا يتجاوز حدود الدول المستقلة، وأن المجال الأساسي للحقوق والالتزامات الفردية هو الدول» (فابر، ١٣٩٠: ١٩٥). بناءً على الدور الحاسم للعدالة ووظيفة وفلسفة وجود النظام السياسي في فكر الشهيد الصدر، فإن هذه العلاقة نفسها تكتسب أهمية كبيرة في نظره.
بالنظر إلى ما سبق، السؤال الرئيسي في هذا البحث هو: كيف تم تصوير العلاقة بين العدالة والسياسة والنظام السياسي في فكر الشهيد الصدر؟ هذا السؤال يمكن أن يتفرع إلى أسئلة فرعية مثل: ما هو الأساس النظري لنظرية الصدر في تفسير العلاقة بين العدالة والسياسة؟ ما هي رؤيته للسياسة والعدالة؟ وأخيراً، ما هو دور السياسة في تحقيق العدالة؟
استناداً إلى هذه الأسئلة، وبالاعتماد على المنطق العملي للفكر وبطريقة وصفية – تفسيرية، ندرس هذا الموضوع في مدرسة الصدر، مع التركيز الأساسي على طرح العلاقة بين العدالة والسياسة ضمن منظوره الكوني والمنطق الأنثروبولوجي لديه. لذلك، بعد عرض الإطار النظري وطرح المشكلة في قالبين أساسيين هما الكونية والأنثروبولوجيا، نناقش بإيجاز مفاهيم السياسة والعدالة (النقاش المفاهيمي) في نظره، وفي النهاية نبحث العلاقة بين العدالة والسياسة والنظام السياسي.
سابقات البحث
لم يُجرَ بحث حول العلاقة بين العدالة والسياسة من وجهة نظر الشهيد الصدر. مع ذلك، توجد دراسات حول العلاقة الأصلية بين العدالة والسياسة أو الحكم بشكل عام، أو حول دراسة العدالة من وجهة نظر العلامة الصدر. فيما يلي باختصار بعض منها التي لها أهمية أكبر لموضوعنا:
– كتاب مجموعة مقالات «مقدمة في النظام السياسي للعدالة في الإسلام» الذي ألّفه مجموعة من الباحثين، ويتألف من فصلين رئيسيين: إطار النظام السياسي للعدالة وشبكة مفاهيم النظام السياسي للعدالة، ويشمل عشر مقالات. في هذا العمل، تم التركيز أكثر على العدالة السياسية بدلاً من العلاقة الأصلية بين العدالة والسياسة، لكنه يحتوي على نقاط متفرقة حول العلاقة بينهما (علیخانی و همکاران، ١٣٨٨).
– كتاب مجموعة مقالات «العدالة والسياسة (دراسة الأبعاد النظرية والتطبيقية للعدالة في الخطاب السياسي الإسلامي والغربي)» تأليف فرشاد شريعتي، ويتألف من قسمين: مناقشات فقهية – كلامية ومناقشات تطبيقية – مقارنة. في هذا العمل، تم التطرق بشكل متفرق في الفصول الثالث (العدالة كاعتدال) والرابع (حنين العدالة ومدينة العدل في الفلسفة السياسية الغربية والخطاب المسيحي) والسابع (صعود وهبوط خطاب العدالة في حكومات الجمهورية الإسلامية الإيرانية) إلى علاقة الحكم والسياسة (وفقاً لآراء الإمام الخميني، الفلسفة السياسية الغربية، والجمهورية الإسلامية) (شریعت، ١٣٨٨).
– كتاب «العدالة السياسية» تأليف السيد كاظم السيد باقري، نشره مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلامي، حيث نوقشت مسائل مثل العدالة والشورى، ارتباط السياسة بالعدالة في سيرة فاطمة الزهراء (ع)، السعي للعدالة ومناهضة الاستبداد في الفكر السياسي لعلي (ع)، العدالة والحرية في منهج آية الله السيد محمد باقر الصدر وغيرها (سید باقری، ١٣٩٣).
– في كتاب «العدالة في عالم متغير»، تأليف سيسيل فابر [1] وترجمة رستم فلاح، تم دراسة العدالة في ارتباطها بالواقع، خاصة من وجهة نظر الليبرالية المساواتية، الجماعية، والليبرتارية، وفي الفصلين الرابع والخامس استناداً إلى حق تقرير المصير الوطني والعدالة التوزيعية العالمية (فابر، ١٣٩٠).
– في بعض النصوص الأصلية لعلماء كبار حول العدالة مثل «نظرية العدالة» و«قانون الأمم» واثنين من أعمال جون رولز، تم بحث دور الدولة الليبرالية في علاقة العدالة. في كتاب «مجالات العدالة» لمايكل والزر، في الفصلين 12 و13، نوقشت مسألة السلطة السياسية والدولة، وفي عمل روبرت نازيك بعنوان «العدالة والاستحقاق» تم دراسة دور الدولة الحد الأدنى في تحقيق العدالة. ماكينتاير في عمله «أي عدالة؟ أي عقلانية؟» تناول هذه المواضيع بشكل عابر. فون هايك أيضاً في أعماله اهتم بدور السلطة الحكومية في العدالة التوزيعية. في أعمال العدالة المهمة الأخرى، تم التطرق إلى الدولة أو السلطة وعلاقتهما بالعدالة بشكل محدود ومتفرق. بعض الباحثين درسوا العدالة باعتبارها ديمقراطية. (انظر على سبيل المثال 257-219 :2002 ,Campbell)
في بعض الرسائل العلمية مثل دراسة عبدالصمد موسوي بعنوان «العدالة السياسية في القرآن»، وكذلك رسالة بعنوان «العدالة والحكم الاجتماعي من وجهة نظر الإمام علي (ع)» تم تناول بعض النقاشات في هذا المجال. خاصة في العمل الثاني، تم التركيز على دور الأنظمة السياسية في تطبيق العدالة. وهناك العديد من المقالات حول هذا الموضوع، مثل عمل نجف لكزايي بعنوان «العدالة والسياسة» الذي يتناول الهيكل العادل، وعمل ناصيف نصار بعنوان «السلطة السياسية وأصل العدالة» الذي يتناول علاقة السلطة السياسية بالعدالة. عمل مولانا بعنوان «العدالة السياسية المهدوية» حيث اعتُبر «العدالة» و«السياسة» مترادفين، وتم دمج السياسة بمفهوم العدالة. مقال سيد صمصام الدين قوامي بعنوان «دور العدالة في الإدارة» الذي تناول فيه دور العدالة في الإدارة الصحيحة. مقال بعنوان «العدالة والاستبداد في فلسفة السياسة لدى الفارابي» من تأليف بهرام إخوان كاظمي، حيث وُضعت العدالة في مقابل الغش. عمل حسن سعيد بعنوان «العدالة والاستبداد، أسطورة والتعايش المستحيل» الذي أوضح فيه أن الاستبداد لا يتوافق مع العدالة، والعدالة لا تتوافق مع الاستبداد، وأن العدالة في الحكم لا تتحقق إلا بإرساء القانون. عمل الشهيد بهشتي بعنوان «تجلّي الهداية والعدالة في الإمامة» وعمل عبد الكريم سروش بعنوان «علاقة العدالة بالقانون» من الأعمال الأخرى البارزة في هذا المجال.
هناك العديد من الأعمال حول العدالة في فكر الشهيد الصدر، منها كتاب «نظرية العدالة من وجهة نظر أبو نصر الفارابي، الإمام الخميني، والشهيد الصدر» من تأليف جمشيدي (١٣٨٠)، رسالة ماجستير بعنوان «العدالة الاجتماعية في الفكر السياسي للشهيد الصدر» من تأليف فاطمة غفوري، مقال غلامرضا جمشيديها وسيد رضا كلوري بعنوان «العدالة الاجتماعية في فكر آية الله سيد محمد باقر الصدر»، عمل مسعود بورفرد بعنوان «الحرية والعدالة من المنظور الفقهي والفلسفي للشهيد الصدر»، «التوازن ومقاربات العدالة؛ دراسة في مقاربة الشهيد الصدر والشهيد المطهري»، عمل سيد رضا حسيني بعنوان «معايير العدالة الاقتصادية من منظور الإسلام (دراسة نقدية لنظرية الشهيد الصدر)»، عمل محمد تقي جيلك حكيم آبادي بعنوان «تطبيق نظرية الشهيد الصدر حول العدالة التوزيعية في إيران»، عمل زهرا قاسمي، محمد حسين بهزادي ومحمد كاظم كاوه پيشقدم بعنوان «دراسة مقارنة لمفهوم العدالة في الفلسفة السياسية للفارابي والشهيد الصدر» وعمل منيرة حق خواه بعنوان «العدالة من منظور الإمام الخميني والشهيد الصدر».
مراجعة هذه الأعمال تشير إلى أنه بالرغم من تناولها للعدالة وفي بعض الحالات بشكل متفرق علاقة العدالة بالسلطة أو النظام السياسي والدولة، إلا أنه لم يتم في أي منها تفسير علاقة العدالة أو السياسة من وجهة نظر السياسة ووظيفتها لتحقيق وتنفيذ العدالة في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم في أي من الأعمال الموجودة دراسة العلاقة الأصلية بين السياسة والنظام السياسي مع العدالة وتحقيقها من وجهة نظر الشهيد الصدر، الذي هو صاحب رأي في مجال الاقتصاد والسياسة. لذلك، فإن ابتكار البحث الحالي يتمثل في جانبين: أولاً، من حيث دراسة العلاقة الأصلية بين السياسة والعدالة، مع التركيز على دور ووظيفة السياسة في العلاقة مع العدالة، وثانياً، تركيز النقاش على الفكر السياسي للشهيد الصدر كونه صاحب رأي في هذا المجال.
الإطار النظري: المنطق الداخلي (المنطق في العمل)
الإطار النظري في هذا الكتاب هو «المنطق الداخلي أو المنطق في العمل»[2]. في هذا المنطق «لفهم أي بحث بشكل حقيقي، يجب التعرف على مساراته الفكرية»(اسپریگنز، ١٣٧٠: ٣٣). لذلك، يُحدد أولاً تصور عام للمسألة المعنية وبناءً عليه تُدرس المسألة مع مراعاة مساراتها؛ لأن المنطق الداخلي في الواقع لا يقتصر فقط على «تصنيف المواضيع المقدمة»(٨ :1946,Kaplan)، بل يقدم إطارًا نظريًا يساعد على فهم علاقة أجزاء المسألة بشكل أفضل. وبما أن الهدف هنا هو بيان علاقة العدالة بالسياسة والنظام السياسي في إطار رؤية مفكر يمتلك مدرسة وفلسفة عالمية، فإن دراستها ضمن المنطق الداخلي تعطي نتائج أفضل وتجعل «تدرك طبيعة وأصل منطقها»(١.٨٥ :1972,Tolmin).
لذا، فإن المنطق الداخلي أولاً يرى المسألة قيد الدراسة ككل شامل، وثانيًا يمكنه دراسة علاقتها بأجزاء الكل بدقة أكبر، لأن هناك علاقة وجودية أو منطقية بين الكل والجزء يُؤخذ في الاعتبار في هذا المنطق. بحيث يكون الجزء، مثل علاقة العدالة بالسياسة، مرتبطًا بالكل وهو رؤية العالم وأنثروبولوجيا المفكر، علاقة أساسية وحاسمة. بالإضافة إلى ذلك، في هذا المنطق لا يُفصل البعد الوصفي عن البعد القيمي على عكس منطق إعادة البناء(انظر اسپریگنز، ١٣٧٠: ٣٥). وقد استخدم هذا المنطق بعض الباحثين، مثل توماس إسبريغنز في كتابه «فهم النظريات السياسية» وماكس فيبر في «أخلاق البروتستانت وروح الرأسمالية»(وبر، ١٣٧١).
لذا، نأخذ أولاً الإطار الفكري العام الذي يشمل النقاش الأساسي وعناصره، ثم ندرس المسألة ضمن هذا الإطار. بناءً على ذلك، من وجهة نظر الشهيد الصدر، نظرتنا إلى السياسة والعدالة ليست منفصلة عن نظرتنا إلى العالم والإنسان، وكلما كان تفسيرنا الفلسفي للعالم والإنسان أوضح، كانت رؤيتنا السياسية والاجتماعية، وبالتالي تصورنا للعدالة وكيفية تحقيقها، أكثر وضوحًا، لأن: «كل حكم يُصدر بشأن الأنظمة السياسية والاجتماعية للبشر يعتمد على مدى نجاح التفسير الفلسفي لذلك النظام في تصور الحياة وفهمها»(صدر، ١٣٥٦:٤١).
استنادًا إلى المنطق الداخلي، في هذا البحث يُتناول أولاً في قالب نقاش أساسي (نظرة العالم ثم علم الإنسان (الفطرة) ثم السياسة والعدل في ارتباطهما) وبعد ذلك، يُعنى بأصل وكيفية علاقة العدل بالسياسة.
١- النقاش الأساسي
١-١- نظرة صدر للعالم وعلاقتها بالعدل والسياسة
تشكل «مدرسة الإسلام» أساس أفكار صدر، وعلى هذا الأساس، استُمد تفكيره السياسي من القرآن، وسنة المعصومين، والحكمة السياسية الإسلامية. وبمقارنة مدرسة ونظرة الإسلام للعالم مع غيرها من النظريات والمدارس المعاصرة، قدم صورة ديناميكية للإسلام في إطار الحكمة الإسلامية مع تحديثها، وكان له دور أساسي في ذلك. لذلك، فإن إسلامه إسلام مشرف على الزمان والمكان ومتزامن معهما ودائم الحيوية والحركة؛ رغم أن جوهره وحقيقته ثابتة ولا تبلى مع مرور الزمن، ولهذا فهو يلعب دورًا هاديًا في حياتنا. يقول في تفسير موضوعي للقرآن: «… القرآن وليّنا، وراعينا، وملاذنا الذي يجب أن تُقاد به حقائق الحياة في ضوء إرشاداته…» (صدر، د.ت.، م.: ٢٢)
لذا، يرى أنه اليوم فقط مدرسة الإسلام تمتلك القوة والقدرة الكامنة والفطرية لتحقيق العدل في جميع أبعاده من خلال إقامة نظام سياسي مثالي. وهو يستنتج ذلك على أساس مبدأ السيادة المطلقة الإلهية على الكون: «إنما السيادة لله وحده» (صدر، المرجع نفسه: ٢٢)، ومبدأ خليفة الإنسان في الأرض كخليفة لله، ومبدأ مساواة جميع البشر من حيث «الاستخلاف من الله تعالى استخلاف للجماعة» (صدر، د.ت. الف، ٩). كما أن الإسلام ليس شريعة مكتوبة فحسب، بل هو أحد «سنن طبيعية لتاريخ البشرية» و«قانون» ينبع من جوهر بناء الإنسان وفطرته، و«جزء من وجود الإنسان»: «الدين سرشت الناس. الفطرة الإلهية التي خُلِق الناس عليها، ولا يمكن أبدًا تغيير الخلق. هذا الكلام يعبر عن حقيقة، وهو جملة إخبارية» (صدر، د.ت. م. ١١٦-١١٧ وصدر، د.ت. ن. ٥٥).
وبالتالي، فإن الخيرات مثل «الثروة» و«السلطة» هي من الله، لأنه المالك المطلق والحقيقي، وملكية الآخرين اعتباريّة ومؤقتة وتقع ضمن الملكية الإلهية: «العباد عباد الله والمال مال الله» (صدر، د.ت. الف: ٢٦)، والإنسان هو خليفته في الاستخدام الصحيح لهذه الخيرات. وعلى هذا الأساس، الإنسان مسؤول أمام الله عن تحقيق العدل. يذكر صدر في تفسيره للآية ٢٤ من سورة إبراهيم «الله الذي خلق السماوات والأرض…» أن هذه الآية تشير إلى مسؤولية الإنسان وإلى الانحراف عن هذه المسؤولية، وهو الظلم وإنكار النعمة (المرجع نفسه، ٣٢). إذًا في هذه المدرسة «الحياة الدنيا حقيقة أصيلة، وهي في آن واحد بناءة ومُعِدة لحياة أوسع في المستقبل، وهدفها عمران الجسد والروح معًا» (باهنر، ١٣٦١: ٦). ومن أهم آثار هذا المنظور التوحيدي في المجتمع، حرية الإنسان ونفي الربوبية والسيادة لغير الله: «وتعني هذه الحقيقة أن الإنسان حر ولا سيادة لإنسان آخر…» (صدر، د.ت. الف، ٩). كما أن السياسة الحقة تُفهم في هذا المنظور وبمثل هذا الفهم. ويصبح الاهتمام بمبدأ العدل كأساس للمجتمع والسياسة «العدل الذي قامت على أساسه مسؤوليات الخلافة العامة» (المرجع نفسه :٣٢) ممكنًا على هذا الأساس. خاصة أن هذه المدرسة تؤمن بشخصية الإنسان وتتوافق مع مواهبه واحتياجاته ورغباته، ومن ثم تشمل المبادئ المشتركة بين جميع البشر (صدر، ١٩٨٧: ٧٢-٧٣ و د.ت. ر، ٨٠-٨٢). لذلك يُفهم العدل داخل كُلّية هذه المدرسة والنظام السياسي الناشئ عنها ويتحقق.
١-٢- الفطرة الإنسانية وعلاقة العدل بالسياسة
في إطار المنطق العملي، ندرك أن أحد أهم المحاور الأساسية لتربية الإنسان وتطوير المجتمعات وتوجيه البشر نحو السعادة والخير الأسمى من وجهة نظر صدر، هو الاهتمام العميق والشامل بالبنية الفطرية والجوهرية للإنسان. من وجهة نظره، الإنسان يمتلك فطرة شاملة تعبّر عن طبيعته الواعية أو البنية الجوهرية لنوع الإنسان؛ بمعنى أن الإنسان مخلوق بصبغة ولون خاصين يشملان الوعي الفطري، والمواهب، والعواطف، والمشاعر. الفطرة الإنسانية هي أهم عامل في نمو وتفتح مواهبه على الصعيدين الفردي والاجتماعي، وفي تكوين المجتمعات البشرية وظهور العلوم، والحضارة، والثقافة، والفنون، وأهم بُعد وجودي فيها هو «العقل» و«الاختيار»، وحاصل هذين هو «الإرادة». هذا المنظور للإنسان يحظى باهتمام جميع المفكرين المسلمين، فمثلاً، الإمام الخميني يعتبر الأمور الفطرية بديهية: «… بحيث لا يخالفها أحد ولم يخفِها أحد…» (امام خمینی، ١٣٧٦: ١٨١).
وعلى هذا الأساس، من أهم خصائص الفطرة الإنسانية «حس المحبة للعدل والطلب للعدل» و«حس النفور من الظلم والعدوان»؛ فالإنسان كائن بطبيعته عاطفيًا وإدراكيًا يهرب ويكره الظلم والعدوان ويتجه نحو العدل والإنصاف. هذه الرغبة في العدل الإدراكي (العقل الفطري) والعاطفي (العاطفة) مع صفة أخرى له وهي التسوية، تدفعه نحو العدل والاعتدال في الحياة، وعلى هذا الأساس، يمكن لهما أن يخلقا حياة طيبة ومدينة فاضلة. لذلك، يمتلك الإنسان القدرة على التدبير ويفهم الخير والشر، وكونه خليفة الله يمكنه من خلال السياسة أن يسير في الطريق الصحيح. جاء في القرآن: «ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها» (الشمس 7-8).
وبذلك، يولي الشهيد صدر في تفسيره للإنسان، مع الأخذ بعين الاعتبار «المحتوى الباطني» له الذي يتكوّن من ركنين أساسيين هما «العقل» و«العاطفة»، اهتمامًا بالعدل وكذلك السياسة. ونتيجة لذلك، فإن العلاقة بين العقل والعاطفة والإرادة الإنسانية من جهة، والعدل والسياسة من جهة أخرى، هي علاقة تابع ومتبوع أو قاعدة وواجهة. وبناءً على هذا المنظور، فإن علاقة السياسة بالعدل تستند إلى الفطرة والبنية الوجودية للإنسان، وهذا المبدأ يمكن أن يكون أساسًا متينًا لتحقيق العدل من خلال السياسة وتنفيذ السياسة على أساس العدل.
١-٣- مفهوم ومكانة السياسة
استنادًا إلى ما ذُكر، فإن السياسة هي جانب من رؤى صدر العالمية وكذلك شأن من شؤون الإنسان يعبر عن طبيعته المدبرة؛ كما أن العدل هو أيضًا جانب من رؤيته العالمية وجذوره في فطرة الإنسان (صدر، ١٩٨١م..١٤٠١ه: ٥٤). في نظر صدر، أهم جانب من جوانب خلافة الإنسان هو السياسة (صدر، د.ت. الف :١٣٤). السياسة شأن إنساني ونتاج إرادته وطريق الوصول إلى الخير والسعادة. وبناءً على نظرية الخلافة العامة التي يؤمن بها صدر (جمشیدی، 1378: 179-223)، فإن الإنسان بسبب امتلاكه للعقل والقوة والحرية مسؤول عن أن يكون حاكمًا على مصيره ومصير مجتمعه، وتحت ظل هذه المسؤولية يبني النظام السياسي ويحقق العدل في المجتمع على أساس العدل الإلهي والعدل الفطري (العقلي – العاطفي) الخاص به، وجميع الأفراد متساوون في امتلاك هذا الحق وهذه المسؤولية (المرجع نفسه ،١٩٢و صدر، د.ت.، الف ،١٤). لأنهم متساوون في الفطرة والأبعاد العقلية – العاطفية. لذلك، من واجب الجميع أن يسعوا إلى إقامة الدولة والنظام السياسي لإدارة وتنظيم حياتهم وتحقيق العدل. وبناءً على ذلك، فإن السياسة الحقيقية هي السير في طريق العدل. وقد عبّر عن السياسة الصحيحة بقوله:
«إن السياسة بمعناها الصحيح – وليس بالمعنى الذي نراه من المستعمرين – هي مراعاة شؤون الأمة و(إدارة) علاقاتها الداخلية والخارجية بطريقة تحقق مصالح الأمة وتحافظ على وجودها الاجتماعي في جميع أبعاد وجوانب الحياة…» (العاملی ،٢٠٠٧م.: ٣٢٦.١). وبناءً على ذلك، السياسة من شؤون الإنسان، كما أن العدل من شؤونه.
ويعتبر أيضًا من الناحية التاريخية أن جذور كل الظلم الاجتماعي الموجود في العصر الحديث هي «غياب نظام سياسي اجتماعي صالح وكفء» (صدر، د.ت.، ق،٨٣-٨٤). أي من وجهة نظره، الإنسان المعاصر لتحقيق العدل والروحانية يحتاج قبل كل شيء إلى فهم صحيح لمفهوم السياسة وتحقيق نظام سياسي واجتماعي كامل يقوم على العدل ليتمكن من تحقيق العدل الاجتماعي (صدر، ١٩٨١: ١٣ و١٣٦٢: ١١). لذلك، في هذا المنظور، ما يشكل أساس السياسة والنظام السياسي هو مسألة العدل والاعتدال في النظام أو بلغة صدر «التوازن المبني على العدل» الذي يحافظ على هذا النظام ككائن حي وديناميكي.
«يجب أن يُعلم أن القضية الأساسية والمحورية في أي نظام اجتماعي ليست تلبية جميع احتياجات هذا الفرد أو ذاك، بل هي إيجاد توازن عادل بين احتياجات جميع أفراد المجتمع (العدل)…» (صدر، ١٩٨١: ٣٥ و١٣٦٢: ٣٨-٣٩).
لذلك، في نظر صدر، ما يحدد السياسة والنظام السياسي والاجتماعي للمجتمع هما قضيتان:
١- وجود العدل أو بعبارة أخرى عدالة وتوازن النظام السياسي؛
٢- أن يكون النظام السياسي إراديًا، اختياريًا وواعياً، ناتجًا عن إرادة جماعية واعية من الناس أصحاب الاختيار والمساواة.
وهذا النظام يتميز بخصائص أساسية مثل التوافق مع خصائص الفطرة الإنسانية، الاعتماد على تفسير صحيح لحياة نوع الإنسان، التوافق مع الاحتياجات والميول والقدرات الإنسانية، منح الإنسان رؤية صحيحة في جميع جوانب الحياة، والقدرة على إقامة توازن عادل بين الدوافع الفطرية والقيم أو المصالح الاجتماعية.
١-٤- مفهوم ومكانة العدل
هنا، لمناقشة مفهوم العدل، نبدأ بذكر بعض من مقولات صدر الأساسية حول العدل ثم ننتقل إلى دراسة مفهوم العدل.
المقولة الأولى: «العدل هو الحق والخير، والظلم هو الباطل والشر». هذه المقولة، أولاً، تستند إلى فلسفة ورؤية صدر العالمية التي ترى أن الخير هو الأصل في العالم والشر حادث وغير أصلي. ثانيًا، أن الحق يعني الحقيقة والامتثال للواقع أو النفس الأمر: «حقيقة الشيء: ما تكون عليه ذات الشيء…»(جرجانی، ١٣٧٧: ٦٣) وبعبارة أخرى «… نقول هذا القول حق؛ بمعنى أن هذا القول مطابق للواقع الموضوعي، أو أن الواقع الموضوعي مطابق لهذا القول…» (بهشتي، ١٣٧٨: ١٩).
وبناءً على ذلك، فإن العدل يمتلك الموضوعية والنفس الأمر، وهذا الأمر مؤكد بالعقل والفطرة: «كلنا – بعقلنا الفطري البديهي – نؤمن بمعيار عام للسلوك وهو المعيار الذي يؤكد أن العدل هو الحق والخير، والظلم هو الباطل والشر، وكل من يمارس العدل في حياته نعتبره مستحقًا للاحترام والمكافأة، ومن يرتكب الظلم والتعدي نعتبره مستحقًا للعقاب والمجازاة» (صدر، ١٩٨١م.١٤٠١ه: ٥٣). إذًا العدل حقيقي، والظلم يعني غياب العدل. وهو يوضح ذلك بذكر آيتي ٨٥ من سورة النساء و١٨١ من سورة الأعراف: «الحق والعدل في النفس الأمر والواقع» (صدر، د.ت. ف: ١٩٢).
المقولة الثانية: «العقل السليم يدرك أن العادل مستحق للاحترام والمكافأة» (المرجع نفسه: ٥٤). بناءً على هذه المقولة التي تنبع من أصل الفطرة والإنسانية عند صدر (صدر، ١٩٨١: م/١٤٠١ه :٥٣)، ندرك أن عقل الإنسان يدرك حقانية وخيرية أو حسن العدل، ومن حيث إدراكه لحسن العدل (الحسن العقلي)، يدرك أيضًا سوء أو شر الظلم والجور. ونتيجة هذا الإدراك أن الإنسان العادل والباحث عن العدل يستحق الاحترام والمكافأة، والإنسان الجائر والظالم يستحق العذاب والعقاب.
المقولة الثالثة: «الله سبحانه وتعالى عادل في سلوكه» (المرجع نفسه، ٥٤). عدل الله في السلوك يعبر عن تحقق العدل في الصدور والخلق والتدبير والتشريع والعقاب والمكافأة في العالم، وبهذا تكون هذه المقولة نابعة من رؤية صدر التوحيدية. وهذا العدل هو نتيجة نظام قائم على الحكمة والمعرفة المطلقة.
البيان الرابع: «العدل في السلوك شرط أساسي لتقدم جميع القيم السامية الأخرى» (صدر، د.ت. الف، ١٤٢و صدر، ١٣٩٩ه: ١٩). هذا البيان مبني على النظرة التوحيدية لصدر ومنبثق من نظرته القرآنية إلى حركة الإنسان ونتائجها في الوجود (صدر، د.ت. م: ١١٠). هنا العدل شرط أساسي لوصول الإنسان إلى جميع الخيرات والقيم الإنسانية السامية، بمعنى أن الخير كله يتوفر في ظل العدل، وتتحقق سعادة الإنسان في ظل تحقيق العدل وحركة الإنسان – كفرد – والمجتمع البشري في ظل العدل وعلى طريق العدل.
البيان الخامس: «العدل هو الثبات على الشريعة وطريقتها». هذا البيان مبني على النظرة الفقهية-الأخلاقية لصدر إلى الإنسان، والتي هي نتاج النظرة التوحيدية والأصل الفطري. صدر، معتبراً الشريعة متوافقة مع الفطرة والبنية الداخلية للإنسان، يعرف العدل بأنه الثبات على قوانين الشريعة (صدر، ١٩٨١ م.١٤٠١ه :١٢٠). في هذا المنظور، العدل بمثابة «ملكة» أخلاقية. ويعتبر شرط ظهور هذه الملكة هو العمل بالشريعة والثبات عليها، بحيث تتحول إلى عادة أو طبيعة ثابتة.
البيان السابع: «العدل هو الاعتدال في منهج الحياة» (صدر، د.ت. الف، ١٤٨). صدر، معتقداً بنظرته التوحيدية، وبذكر الآية «كذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس» (بقره، ١٤٣)، يرى العدل باعتباره الاعتدال والتوازن في مسار الحياة. في هذا البيان، العدل أولاً هو الحد الصالح والمناسب في كل أمر. ثانياً، العدل يعبر عن وجود توازن واعتدال ومحور يحفظ الأمور. وأخيراً، العدل يُعتبر حركة وطريقة في المسار المستقيم.
استناداً إلى هذه البيانات التي ذُكرت هنا، يمكننا التوصل إلى ثلاثة تعريفات أو ثلاثة أنواع من الفهم لمفهوم العدل – بالمعنى العام والشامل – في فكر الشهيد صدر، وهي:
١. العدل باعتباره هوية الواقع ونفس الأمر وقابل للإدراك عقلياً
في هذا التعبير، العدل مرادف للحق أو التمتع بالحقانية والواقع ونفس الأمر، وهو قابل للفهم والإدراك من خلال العقل وقوة الإدراك الإنسانية؛ لذلك في عالم الوجود، العدل هو تجلٍ وجزء من الوجود – بالمفهوم الفلسفي – بل هو أهم جزء ومحوره، والإنسان يدرك هذه الحقيقة، أي حقانيتها وكذلك كونها خيراً أو حسنًا، بإدراكه الفطري. «فإذا ثبت للقاضي ملكية شخص لمال معين، يمكنه الحكم به، لأنه يجده حقاً مسلماً في عالم الواقع (واقع الأمر) وحقيقة عادلة، فحكمه بملكية ذلك الشخص لذلك المال في اعتقاده، هو نموذج ومثال على الحكم بالحق والعدل الذي أمر الله تعالى به» (صدر، د.ت. ف: ١٩٠).
٢. العدل بمعنى الاعتدال في الأمور والسلوك
في جميع أمور الوجود، وخاصة في الأمور الإنسانية والاجتماعية، مراعاة الاعتدال في الأمور هو العدل. هذا الرأي الذي حظي باهتمام معظم الحكماء المسلمين، مبني على فرضية أن لكل أمر ثلاثة حدود: حد الصفر الذي يمثل جانب التفريط، وحد الغلبة أو الكثرة الذي يمثل جانب الإفراط، والحد الأوسط الذي هو الوسط أو الاعتدال.
لكن في نظر صدر، الاعتدال أو الوسطية في كل أمر ليست فضيلة مقابل رذيلة، ولا يُنظر إليها دائماً كأمر يقع بين أمرين آخرين، بل الوسطية في سلوك ومنهج الإنسان في الحياة تعني الطريقة الوسطى والحركة الاعتدالية، وليس نقطة وسط بين أمرين محددين. الاستنتاج الذي يستخلصه الشهيد صدر من الآية «كذلك جعلناكم أمة وسطاً…» هو أن كون الأمة وسطاً هنا لا يعني أنها تقع في الحد الثالث بين حدين، بل هي أمة تسير على مدار الاعتدال، أي على الصراط المستقيم، بحيث لا تقبل أي انحراف. لذلك، في هذا المنظور، العدل ليس مفهوماً أحادي البعد أو أحادي الخطاب أو أحادي الموضوع يقتصر على خصلة الأفراد كأشخاص، بل هو خصلة للمجتمعات البشرية، والجماعات، والمعايير، والقوانين، وغيرها، وهذا الاعتدال ليس ثابتاً وساكنًا، بل هو متحرك وديناميكي، وبالتالي مسؤول. «الأمة الإسلامية تتحمل مسؤولية خارجية تجاه كل الوجود، لأنها أمة وسط (عادلة) وبالتالي شاهدة على العالم…» (صدر، ١٣٩٩ه: ٣٠).
٣. العدل بمعنى الثبات على الإسلام
الشهيد صدر، مستنداً إلى الآية «فاستقم كما أمرت ومن تاب معك» (هود، ١١٢) و«إن استقاموا على الطريقة…» (جن: ١٦)، يعرف العدل بأنه «الثبات» على «الدين». الثبات في اللغة يعني السير في الطريق المستقيم، والخط المستقيم هو الصراط المستقيم في لغة الشرع، والذي يشير إليه صدر، بناءً على فهمه لمفهوم الدين والإسلام، بالشريعة والطريقة الإسلامية أو خط الإسلام: «العدل هو الثبات على شرع الإسلام وطريقته» (صدر، ١٩٨١م.١٤٠١ه :١٢٠و صدر، ١٤١٠. ١٩٩٠ م. مج. ١: ١٢). أي أن العدل هو الثبات على الشريعة الإسلامية وطريقتها (منهجها). وفي موضع آخر يقول: «العدل هو الثبات على خط الإسلام» (نفس المرجع).
لذا، أولاً، الثبات يخلق حالة ثابتة في النفس تُسمى بالطبيعة الثانوية أو «الملكة المانعة»، وبالتالي العدل صفة للفرد أو المجتمع الذي يمتلك هذه الملكة. ثانياً، الحفاظ على هذه الملكة والحالة ليس بالأمر السهل، بل هو مسؤولية عظيمة وخطيرة (صدر، ١٩٨١م. ١٤٠١ه: ١٢٠). ثالثاً، يُعرف العدل في هذا المعنى من خلال مؤشرات مثل حسن الممارسة، شهادة العدلين بها، شهادة الثقة… حسن الظاهر والسيرة الحسنة بين الناس… (المرجع نفسه، ١٢١). رابعاً، حتى ارتكاب ذنب صغير واحد يضر بالعدل بهذا المعنى ويشوهه (صدر، ١٤١٠، ١٩٩٠ م.: ١٦). خامساً، الموضوع هنا ليس الفرد فقط، بل المجتمع والأمة أيضاً (المرجع نفسه: ١٢). وأخيراً، تحمل المسؤولية الاجتماعية والسياسية مرتبط ارتباطاً مباشراً بالعدل بهذا المعنى. لذلك، العدل صفة على مستوى عالٍ جداً وقريب من العصمة (صدر، د.ت. الف، ١٤٧).
فمن حيث المحتوى والماهية، العدل هو الاعتدال الحقيقي؛ الصراط المستقيم والمسار الصحيح الحقيقي، والحركة في مثل هذا الصراط؛ صراط لا وجود فيه لأي انحراف (ظلم وجحود). بالإضافة إلى ذلك، العدل ليس موضوعًا واحدًا، ولا خطابًا واحدًا، ولا بعدًا واحدًا، بل يشمل المجتمع والاقتصاد والقانون والدين أيضًا، وعلى هذا الأساس، ما هو صحيح هو الدين العادل، والقانون العادل، والحقوق العادلة، والمجتمع العادل أو الأمة العادلة وما شابه ذلك، أما العدل الديني أو العدل القانوني أو العدل الحقوقي أو العدل القضائي وما شابهها، فهي مفاهيم ناقصة تعبر كل منها عن بعد صغير من أبعاد العدل.
٢- دراسة علاقة العدل بالسياسة
٢-١- البعد الاجتماعي والسياسي للعدل الإلهي
في رؤية صدر، العدل الإنساني مبني على العدل الوجودي أو العدل الإلهي، وبالإضافة إلى القوى والمواهب الفطرية الإدراكية والعاطفية، له جانب فعلي وفعّال أيضًا. لذلك له أبعاد متعددة، ومن هذه الأبعاد العدل الاجتماعي. بمعنى آخر، يمكن اعتبار العدل الاجتماعي تجسيدًا ملموسًا وواقعيًا للعدل الكلي والعام داخل المجتمع، حيث تتجلى مصاديقه في إطار التفاعلات الاجتماعية والجماعية، والقوانين، والأنظمة، واللوائح، والمعاملات، والإنتاج، والتوزيع، والخدمات، وغيرها. ومن ثم، يمكن اعتباره البعد الاجتماعي-السياسي للعدل. لذا، يجب هنا الانتباه إلى عدة نقاط أساسية:
أولًا) العدل الاجتماعي هو أحد أبعاد العدل الوجودي، لأنه مبني على فطرة الإنسان (العقل والشعور). لذا، فإن فهم واستنباط العدل الاجتماعي دون فهم العدل الإلهي أمر مستحيل.
ثانيًا) العناصر التالية تشكل العدل الاجتماعي:
١- المساواة والاعتدال في السياسة وتحديد المصير السياسي للمجتمع
٢- المساواة في المعيشة ومستوى الحياة
٣- مراعاة الاعتدال في السلوك والمعاشرة الاجتماعية
٤- المساواة والاعتدال في التعليم والتربية
٥- المساواة والاعتدال في توزيع جميع خيرات المجتمع (سواء كانت قوة، أو ثروة، أو إمكانات، أو غيرها)
٦- المساواة أمام القانون، والحقوق، والقضاء
ثالثًا) أهم بعد للعدل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياسة هو بعده الاجتماعي.
٢-٢- مقولات تعبر عن علاقة العدل بالسياسة
فيما يتعلق بالعلاقة بين العدل والسياسة، بعض المقولات التي تناولها صدر هي: المقول الأولى: العدل الإلهي يحمل أعظم مدلول بالنسبة لقيادة البشر.
يؤكد الشهيد صدر، استنادًا إلى مذهبه التوحيدي الذي تستنبط منه هذه المقولة (صدر، ١٩٨١ م.١٤٠١ه :٥٤)، وعلى ارتباطها بالإنسان وحركته الاجتماعية، في نقاشه حول العدل الإلهي كأحد أصول الدين، على تميز العدل السياسي في قيادة المجتمعات البشرية نحو مجتمع فاضل وعادل أو سياسة فاضلة. بينما ما يكتسب أهمية في طرح العدل كأحد أصول الدين في النظرة الشيعية هو الدور السياسي للعدل الإلهي في قيادة البشر والمجتمعات البشرية. فمع أن “العدل صفة من صفات ذات الله تعالى المقدسة” (صدر، د.ت. م: ١٩٧)، إلا أنه من بين الصفات الإلهية برز وأصبح من الناحية الكلامية أحد أصول الدين. ويعتقد الشهيد صدر أن ذلك يعود إلى ارتباطه الوثيق بالسياسة؛ بمعنى أنه يمكن أن يكون نموذجًا لقيادة وإدارة المجتمعات البشرية. في حين أن الصفات الإلهية الأخرى مثل العلم أو القدرة ليست كذلك: “إن العدل صفة لها مردود ودور اجتماعي، تجعل المجتمع والحركة الاجتماعية غير محتاجين، والمجتمع البشري والحركة الاجتماعية بحاجة ماسة للعدل أكثر من أي صفة أخرى” (المرجع نفسه، ١٩٧).
المقول الثانية: “رسالة الدين هي إيجاد التناغم بين المقياس الفطري والمقياس الفعلي لتحقيق العدل الاجتماعي.”
وفقًا لمذهب ورؤية صدر (صدر، د.ت. م:١٧٩-١٩٢)، فإن أهم رسالة للدين – الذي هو قائم على العدل – هي تحقيق وضمان العدل الاجتماعي. إذًا، رسالة الدين ليست فقط معرفة أبعاد فطرة الإنسان (احتياجاته، إمكاناته، ومواهبه) والمعايير العملية للحياة (الرغبات، الدوافع الاجتماعية، وغيرها)، بل الأهم من ذلك إيجاد نوع من التوازن بين هذين البعدين من أبعاد حياة الإنسان لتحقيق العدل في المجتمع. ومن الجدير بالذكر أن المعايير من النوع الثاني تهتم بالسياسة ومصالح المجتمع والمدينة. لذا، يتشكل العدل الاجتماعي من تناغم هذين المقياسين (الفطرة والسياسة)، والسعادة البشرية هي نتيجة إيجاد التناغم بين هذين المقياسين وهذين البعدين الظاهريين المتضادين، فمثلًا “حب الذات البشرية” هو مصلحتها العامة والاجتماعية التي تربط بين السياسة والفطرة في هذا النظر الديني: “إن الدين يوحد بين المقياس الفطري للعمل والحياة وكل حب الذات والمقياس الذي ينبغي أن يُقام للعمل والحياة (المدني)، لا يضمن السعادة والرفاه والعدل” (المرجع نفسه، ٩٠ و صدر، ١٣٥٦: ٧٢).
المقول الثالثة: “العدل (الاجتماعي) ليس ظاهرة طبيعية أو فيزيائية يمكن دراستها بالمنهج العلمي[3].”
بحسب رؤية صدر الدينية والتوحيدية التي تستنبط منها هذه المقولة، في دراسته لنظرية الإسلام حول العدل ومقارنتها بالنظريات الليبرالية والاشتراكية، أشار إلى أنه لا يمكن دراسة العدل وتحقيقه باستخدام المنهج العلمي المتبع في العلوم الطبيعية، لأن “العدل” و”الحق” ليست من الأمور المحسوسة الفيزيائية التي يمكن قياسها أو ملاحظتها:
“لأن العدل ليس كحرارة أو نقطة غليان الماء ظاهرة طبيعية يمكن الإحساس بها… العدل ليس من الظواهر المحسوسة التي يمكن إدراكها بالحس والملاحظة” (صدر، د.ت. م، ١٧٤-١٧٥).
في الواقع، من وجهة نظر صدر، الظواهر الطبيعية هي موضوع العلوم الطبيعية، بينما العدل ومتطلباته هي موضوع الفلسفة، والفلسفة السياسية، والسياسة (صدر، د.ت. ق، ١٦٣-١٦٤).
وبالتالي، العدل الاجتماعي في رؤية صدر له عدة خصائص أساسية:
١- الواقعية: بمعنى أنه مبني على واقع الوجود ويعتبر جزءًا منه؛
٢- الأخلاقية أو الروحية وقيمية.
٣- موضوع السياسة والفلسفة السياسية وليس العلوم الطبيعية.
المقول الرابعة: “العلاقة بين مستوى العدل في المجتمع والازدهار في علاقات الإنسان والطبيعة علاقة مباشرة.”
في هذا القول الذي هو ثمرة النظرة التوحيدية لصدر نحو الإنسان وحركته، يولي صدر اهتمامًا للعدل باعتباره صفة سياسية وعامة، أي صفة من صفات المجتمع التي لها ارتباط مباشر بنموه وتطوره. من وجهة نظره، كل مجتمع، بحسب مقدار الظلم والطغيان الموجود فيه، يتعرض للفشل والضعف في علاقاته مع الطبيعة أو البيئة بشكل عام، وفي التطور في جميع أبعاد الحياة؛ لأن الظلم والكفران هما أكبر عائق أمام ازدهار المواهب وقوة الابتكار والإبداع لدى أفراد المجتمع. بناءً على ذلك، يقسم صدر في نظرته إلى المدن والمجتمعات إلى نوعين: «المجتمع الفرعوني» و«المجتمع العادل»، ويطرح من خلال دراسة هذين النوعين من المجتمع: «المجتمع الفرعوني أو المدينة المنحرفة، هو مجتمع تفكك وتشتت بسبب الظلم، فاستعداداته ضاعت وقواه وإمكاناته هدرت. لذلك، يحبس السماء قطراتها في قلب مثل هذا المجتمع، وتحرم الأرض بركاتها عنه» (صدر، د.ت. م:٢٣٨). وعلى النقيض من ذلك، في المدينة العادلة يكون العكس صحيحًا، إذ يسود فيها الاتحاد والوحدة، والتفكير الجماعي والتوافق، ويتمتع جميع الناس فيها بقيمة ومكانة عالية وحقوق متساوية. لذلك تزدهر المواهب وتتحد الفرص والإمكانات، وتأتي الخيرات من كل جانب، ولا يحدث مثل هذا الوضع إلا في ظل العدالة الاجتماعية: «وأما مجتمع العدل فعلى العكس تمامًا، هو مجتمع تتوحد به كل الباقيات وتتساوى فيه كل الفروض والإمكانات….» (المرجع نفسه).
القول الخامس: «العدالة الاجتماعية أحد أسس النظام الاقتصادي في الإسلام» (صدر، ١٣٩٩ه.١٩٧٩م :٣٠٣-٣٠٧)
في فكر الشهيد صدر، النظام الاقتصادي الإسلامي، الذي هو جزء من كل النظرة التوحيدية التي يؤمن بها صدر (المرجع نفسه، ٣٠٨)، هو نظام وُضع لإدارة اقتصاد المجتمع، ويتمتع بركن إداري أو سياسة عليا (السياسة العليا). لأن تحقيق العدالة في الاقتصاد لا يمكن أن يتم بدون سياسة، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية في مجال الاقتصاد يتم من خلال السياسة والنظام السياسي. هذا المبدأ يعبر عن دور السياسة في تحقيق العدالة في الإنتاج، وتوزيع السلع والخدمات، وخاصة في الاستهلاك. ويعتقد أنه في المذهب الإسلامي، خلافًا للأنظمة الليبرالية والاشتراكية، للعدالة الاجتماعية مكانة أولية وتعتبر أساسًا لوضع وتنفيذ القوانين؛ لذلك تُوضع جميع القوانين الاقتصادية على أساس العدالة، ويُختار المنفذون بناءً على العدالة، والسياسة هي الضامن الأكبر لتنفيذها.
٢-٣- دور السياسة في تحقيق العدالة الاجتماعية
وفقًا لرؤية صدر، العدالة الاجتماعية هي أيضًا الصراط المستقيم داخل المجتمع، وهو صراط تتميز خاصته بـ«الاعتدال» و«غياب الانحراف» أي غياب «الظلم والكفران». فالصدق والابتعاد عن الانحراف في طريق الحق والثبات عليه، بحيث يسود التناسب والاعتدال الحقيقي على الجميع، هو العدالة الاجتماعية؛ وبعبارة أخرى، العدالة الاجتماعية هي «المساواة المتزنة والمنطقية داخل المجتمع والمبنية على العدل الوجودي». المقصود بالمساواة المتزنة هو المساواة القائمة على مقتضيات، وإمكانات، وقدرات، ومواهب، وخصائص الأفراد، لأن الأفراد في الفرض الأولي متساوون، لكن في الفروض الثانوية وتحت ظروف خاصة توجد فروق من حيث الملكية، والقدرات، والمواهب الخاصة التي تستوجب مراعاة هذه الفروق. لذلك، العدالة الاجتماعية ليست مساواة مطلقة ولا عدم مساواة، بل هي مساواة متزنة ومتوازنة، كما قيل: «لازم العدل والإنصاف ليس المساواة في كل الأمور؛ مثلاً في السعر العادل، لا يعني المساواة… لكنه مصداق للعدل…» (لنگرودی، ١٣٧٨، ج٤، ٢٥٠٤).
وبناءً على ذلك، أطلقنا على هذه المساواة، أي المساواة على أساس الاستحقاقات، والإمكانات، والقدرات، والمقتضيات، اسم المساواة الاعتدالية أو المتوازنة، وفي نظر صدر، عندما يُناقش موضوع المساواة في الأمور الاجتماعية والسياسية، فهذا هو المقصود وليس المساواة المطلقة. أما اعتبار العدالة الاجتماعية مساواة حقيقية أو متوازنة في السلوك السياسي والاجتماعي، فهو في الواقع مجرد تعريف لها. بينما تحقيقها يتطلب وضع قانون على أساس العدالة، وهذا هو الأساس والركيزة للعدالة الاجتماعية وتحقيقها، وهذا يبين العلاقة العميقة بين العدالة والسياسة في المجال التنفيذي أيضًا. وبناءً عليه، نولي هنا اهتمامًا للأدوار الحاسمة للسياسة في تحقيق العدالة الاجتماعية.
١- وضع القانون في مجال الفراغ: من أهم وظائف وأدوار السياسة في تحقيق وتنفيذ العدالة في المجتمع هو التشريع على أساس العدل وكذلك تنفيذ هذه القوانين على أساس العدالة واحترام الحقوق. صياغة القانون في مجال الفراغ القانوني، أي حيث ترك النص خاليًا وبالتالي يوجد فراغ قانوني (صدر، ١٣٩٩ ه. ١٩٧٩م :٧٢١-٧٢٢). هذا القانون، سواء كان مستمدًا من الدين السماوي (الشريعة) أو العقل البشري (القانون أو القانون الموضوعي)، يجب أولًا أن يستند إلى العدالة العامة. ثانيًا، يجب أن يكون توجهه نحو تحقيق العدالة الاجتماعية. ثالثًا، يجب أن يُصاغ بناءً على مقتضيات، وإمكانات، وبنية الإنسان الوجودية. بهذه الشروط، يمكن أن يكون القانون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع البشري. ولهذا السبب نقول إن القانون العادل والمناسب هو الوسيلة والأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية: «بهذا المقياس، يمكن إنشاء مجتمع آمن ومتوازن، وإذا ساد فيه روح التنافس والمنافسة، فلن يكون ذلك على محور طلب رضا الله تعالى، ولا على أساس المصالح الخاصة والمنافع المادية….» (صدر، د.ت. الف ،١٠٥).
٢ – تنفيذ القانون على أساس العدالة: بالإضافة إلى التشريع، يجب تنفيذ القانون، وهذه المهمة تقع قبل أي فرد أو مؤسسة أخرى على عاتق السياسة. لذا، فإن تنفيذ القانون في النظام السياسي للمجتمع وإدارته يحظى بأهمية كبيرة. وبناءً عليه، فإن كل فرد من أفراد المجتمع متساوٍ أمام القانون وفي سبيل تنفيذه؛ لأن الجميع لهم حق متساوٍ تجاهه. لذلك، لا يوجد تمييز بين أفراد المجتمع فيما يتعلق بالتنفيذ وضمان القانون: «الامة… والأفراد جميعاً متساوون في هذا الحق أمام القانون….»(المرجع نفسه، ١٤).
٣- الرقابة على تنفيذ القانون والتحكيم: الدور الأساسي الثالث للسياسة في تحقيق العدالة هو من خلال الرقابة على تنفيذ القوانين العادلة والتحكيم بشأن كيفية التنفيذ والقضاء العادل والحيادي في شأن تنفيذها. في الواقع، تلعب السياسة هنا دورين: الرقابة والتحكيم، والنتيجة هي تحقيق العدالة الرقابية والضبطية والعدالة القضائية. وبالفعل، فإن الرقابة على تنفيذ القانون لها أهمية كبيرة مثل التشريع والتنفيذ.
٤- تحقيق مبدأ التكافل العام أو مبدأ التعاون العام: اعتبر صدر المبدأ المذكور ومبدأ التوازن الاجتماعي أساسين مهمين لتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع: «والصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية تحتوي على جانبين عامين لكل منهما خطوط وتفصيلاً خطوط أحدهما مبدأ تكافل العام والآخر مبدأ التوازن الاجتماعي»(صدر، ١٩٧٩.١٣٩٩م.: ٣٠٣و ١٣٦٠: ٢٢١-٢٢٢). “التكافل” مصدر عربي يعني أن يكون الناس كفيلين وضامنين لبعضهم البعض. في الواقع، معناه الأساسي هو التخلي عن المصالح الخاصة للفرد والاتجاه نحو المصالح العامة والعامة والانتباه إليها. بناءً على ذلك، العدالة الاجتماعية هي الخروج من الذات والتفكير الجماعي، والتعاون والتضامن الاجتماعي، بمعنى أن الإنسان بدلاً من التفكير في مصالحه الشخصية فقط، يفكر في مصالح الجماعة والعامة. وأهم مثال تاريخي ذكره الشهيد صدر لهذا المبدأ هو «عقد الأخوة والمساواة الذي أقامه رسول الله (ص) في المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار»(صدر، ١٩٧٩.١٣٩٩م.: ٣٠٤و ١٣٦٠: ٢٢٢).
في هذا المنظور، يعتبر عقد الأخوة الخطوة الأولى لتنفيذ التكافل العام من أجل الوصول إلى العدالة الاجتماعية، ويتم ذلك بواسطة السياسة والنظام السياسي بالتعاون مع الناس. لذلك، التكافل العام ليس أمراً يقع فقط على عاتق السياسة، بل هو أحد أبعاد المسؤولية السياسية للإنسان بوصفه خليفة الله في الأرض.
٥- تحقيق مبدأ التأمين العام والضمان الاجتماعي: من وجهة نظر صدر، جزء مهم من مبدأ التكافل العام هو «الضمان الاجتماعي» أو التأمين العام؛ والضمان الاجتماعي أو التأمين العام هو توفير نوع من التأمين العام في المجتمع من خلال أنواع التأمين، وتوفير السكن، والتغذية، والصحة، والتعليم والتربية، والعمل والوظائف اللازمة، وبشكل عام، المعيشة بمعناها الكامل للأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول عليها بأنفسهم. ويعتقد صدر أن هذه المسؤولية تقع على عاتق الدولة والنظام السياسي، أي سياسة المجتمع، وهي واجبة وفرض: «فرض الإسلام على الدولة ضمان معيشة أفراد المجتمع الإسلامي ضماناً كاملاً»(صدر، ١٤٠٣ه: ١٢٢). هذا التأمين العام الذي هو واجب على الدولة هو ضمان معيشة أفراد المجتمع بشكل كامل.
٦- تنفيذ مبدأ التوازن الاجتماعي: المقصود هو أن تكون الخيرات العامة للمجتمع، أي القوة، والثروة، والإمكانات، ووسائل الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجتمع بطريقة تمكن جميع أفراد المجتمع من الاستفادة من جميع المزايا والإمكانات والخيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والصحية وغيرها، بما يتناسب مع مقتضيات العصر، وأن يكونوا متساوين في مستوياتهم المعيشية والحياتية. وبالطبع، في نقاشه حول الاقتصاد، عرف التوازن الاجتماعي بأنه المساواة في مستويات المعيشة: «إن التوازن الاجتماعي بين أفراد المجتمع في مستوى المعيشة لا في مستوى الدخل»(صدر، ١٩٧٩.١٣٩٩م.: ٧٠٨و ١٣٦٠: ٥٠١). في المجال الاقتصادي المعيشي، التوازن الاجتماعي بين الأفراد هو المساواة في مستويات المعيشة وليس المساواة في الدخل. لذلك، في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لا يمكن تحقيق المساواة المطلقة، لأن القدرات والكفاءات والمهارات تختلف. بناءً عليه، يمكن تحقيق المساواة في مجال المعيشة والمشاركة العامة في السياسة، أي مع وجود تعدد في الدخل والمناصب واختلافها، يمكن توحيد مستوى حياة الأفراد ومشاركتهم في السياسة، وهذا هو معنى التوازن الاجتماعي في مجال الاقتصاد والسياسة. بحيث تكون المناصب السياسية، والسلطات، والثروات، وإمكانات المجتمع متاحة للجميع بطريقة تمكن كل فرد من العيش مع الآخرين على قدم المساواة: «الثروة بين الناس تكون موجودة ومتداولة بحيث يستطيع كل فرد أن يعيش في أي مرتبة عامة وبمساواة مع الآخرين، أي أن يُخلق مستوى متساوٍ من المعيشة لجميع الأفراد»(صدر، ١٤٠٣: ١٢٤و ١٩٧٩.١٣٩٩م.: ٧٠٨و ١٣٦٠: ٥٠١).
مثل هذا الأمر، أي خلق التوازن الاجتماعي في جميع مجالات الحياة المدنية للإنسان، واجب وضروري: «ومن مثله ذلك الوجوب إنشاء التوازن الاجتماعي»(صدر، د.ت. الف، ٦٢). لماذا يعتبر هذا الأمر مسؤولية واجبة – لا سيما على السياسة والحكومة الإسلامية – لأنه من جهة قابل للتحقيق ومن جهة أخرى شرط لبقاء واستمرار الحياة الاجتماعية.
٢-4- متطلبات العدالة السياسية
بالنظر إلى ما ذُكر، فإن بعض أهم متطلبات العدالة السياسية من وجهة نظر صدر هي:
١- تأسيس القانون والنظام السياسي للمجتمع على العدالة: في فكر صدر، العدالة، وكذلك بعدُها الاجتماعي، تعتبر مبدأً أساسياً يعود إليه تشريع القوانين وتنفيذها وكذلك التحكيم والقضاء بشأنها.
٢- تربية النفوس البشرية في مسار المصالح العامة: يعتقد صدر أن الإنسان يمكن أن يبلغ الكمال داخل المجتمع ويصبح إنساناً عادلاً أو مستقيمًا. فالعدالة هي الخط المستقيم والطريق الصحيح الذي يسير فيه الإنسان داخل المجتمع وبين الناس ومعهم ليصبح إنساناً معتدلاً وعادلاً(صدر، د.ت. الف، ٦٢).
٣- إقامة حكومة ونظام سياسي صالح ومناسب: من المتطلبات السياسية الأخرى للعدالة الاجتماعية وجود تنظيم ونظام سياسي وحكومي صالح وشعبي في المجتمع. لأن الحكومة والنظام السياسي هما أعلى مؤسسة تتحمل مسؤولية تحقيق العدالة في المجتمع قبل أي مؤسسة أخرى، وهذا هو ذات الواجب والمسؤولية التي تقع على عاتق الإنسان خليفة الله في المسؤوليات الاجتماعية(صدر، ١٩٨٧: ٢٦ و د.ت. ر، ٢٩). وعلى هذا الأساس، تُحدد شرعية ونزاهة وجاذبية وقيمة النظام الحاكم في المجتمع بناءً على توافقه مع معايير العدل الكلي وهدفه نحو العدالة الاجتماعية(صدر، د.ت. الف ،١٤٣).
٤- مكافحة الظلم والطغيان وأعداء العدالة: الموقف الحازم والقاطع تجاه كل أشكال الظلم والعدوان ومواجهة أعداء العدالة هو من متطلبات تحقيق العدالة السياسية، وهو ما تقع مسؤوليته بشكل أكبر على السياسة والنظام السياسي العادل(المرجع نفسه، ١٧-١٨).
٥- التوزيع العادل للثروات والخيرات العامة: تحقيق العدالة في البُعد الاقتصادي والسياسي، أو العدالة في توزيع الثروة والسلطة والفرص والإمكانات والمناصب والقيم في المجتمع، هو من أهم متطلبات العدالة السياسية وأساس المجتمع الصالح والمناسب. وقد تناول هذا الموضوع في عدة مؤلفات مثل اقتصادنا، «الإسلام يقود الحياة»، «المدرسة الإسلامية»، «النبك اللاربوی في الإسلام». وبشكل عام، يرى أن الهدف النهائي هو إشباع ورفع حاجة جميع أفراد المجتمع الإسلامي(صدر، ١٩٧٩.١٣٩٩م.: ٧٠٩و ١٣٦٠: ٥١٤).
٢-5- السياسة وسبل تحقيق العدالة
لدى صدر نقاشات واسعة حول سبل تحقيق العدالة في المجتمع. هنا يُذكر فقط بعض أهم السبل لتحقيق العدالة الاجتماعية، والتي تقع بشكل خاص على عاتق السياسة والنظام السياسي في المجتمع:
١- تحقيق مسؤولية وخلافة الإنسان من جهة الله: الإنسان في جميع الأبعاد، وخاصة في السلطة وإدارة المجتمع والمصير العام من خلال السياسة أو الخلافة السياسية، وكذلك في الثروة والإمكانات العامة (الاقتصاد أو الخلافة الاقتصادية) يكون خليفة الله على الأرض بناءً على مبادئ مثل «إن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات جميعاً»(صدر، د.ت.، الف: ٩) و«الإنسان حر» (نفس المرجع) و«السيادة للإنسان لا لآخر أو لطبقة أو لأي مجموعة بشرية عليه» (نفس المرجع) و«الكرامة وحقه في الحرية والمساواة والتسامح في بناء المجتمع» (نفس المرجع) و«العباد عباد الله والمال مال الله»(المرجع نفسه، ٢٦) و«إن الخلافة من الله تعالى خلافة للجماعة…»(المرجع نفسه، ٣١) وغيرها.
٢- وضع وتنفيذ قانون وشريعة صالحة ومناسبة: القانون والشريعة ضروريان لتحقيق العدالة الاجتماعية. بدون قانون، لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية، لأن العدالة الاجتماعية هي عدالة في شؤون الإنسان، ولهذا السبب، يرى بعض المفكرين أن العدالة الاجتماعية هي «السلوك وفق القانون»: «لأن العدالة هي السلوك وفق القانون، لفهم وإقامة العدالة تجاه فرد أو في نطاق اجتماعي من البشر، يجب أن نقبل القوانين الطبيعية والنفسية والبيئية لذلك الفرد والمجتمع التي تعكس حقائق معينة فيهما» (جعفري، 1358: 264).
٣- تزكية وتربية الإنسان: بما أن تحقيق العدالة في المجتمع لا يتم إلا بيد الإنسان العادل والمعتدل، فإن تربية النفوس البشرية بحيث لا تقع أسيرة للسلطة أو الثروة أو المنصب، هو أحد طرق تحقيق العدالة الاجتماعية. من وجهة نظر صدر، الثروة أو السلطة، خلافاً لما يظنه كثير من المفكرين الغربيين، لا تفسد بذاتها، بل تفسد في يد الإنسان صاحب الإرادة، وطغيان الإنسان هو الذي يؤدي إلى فساد السلطة والثروة وليس طغيان الثروة والسلطة: «الإنسان ليطغى…»(علق: ٦). فإذا سار الإنسان في طريق الحق المباشر، ووفق تعبير صدر، كان مقياس ومعيار حياته «رضوان الله»، فإن السلطة والثروة في يده لا تفسد(صدر، ١٩٨٧م.: ٤٦و د.ت.، ر: ٣٩).
من وجهة نظر صدر، يتحقق التحول في حياة الإنسان الذي يتجه نحو الكمال والعدالة في ثلاثة أبعاد:
أ) التحول الفكري والعقيدي والنظري الذي يحدد نوع توجه الفرد؛ ب) التحول في العواطف والمشاعر التي تُخضع للعقل وتربط الشعور بالإدراك؛ ج) التحول في الأفعال والطباع والتشبه بأخلاق الله.
٤- إقامة واستمرار نظام سياسي وحكومة شرعية وصالحة: وفق تصور الشهيد صدر، السياسة والتنظيم السياسي هما الوسيلة والأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وأعلى هدف لأي نظام سياسي لا يكون إلا ذلك. لذا فإن السياسة كمؤسسة تتحمل مسؤولية تحقيق العدالة في المجتمع. ولهذا السبب، عرّف صدر الحكومة بأنها: «هي رعاية شؤون الأمة طبقاً للشريعة الإسلامية»(صدر، الاسس، رقم ٦). وأهم شأن من شؤون الأمة هو تحقيق العدالة الاجتماعية، وهي الوجه الاجتماعي للعدل الإلهي الذي كان الأنبياء يعتبرونه أعظم هدف لهم:
«العدالة التي تقوم عليها المسؤوليات الاجتماعية في الخلافة العامة للإنسان، هي ذات الوجه الاجتماعي للعدل الذي كان الأنبياء ينادون به، وكانت الرسالة السماوية تؤكد عليه…»(صدر، ١٣٩٩: ٢٠ و ١٣٥٨: ٤٨)
٥- تنفيذ مبدأ التكافل العام: يتحقق هذا المبدأ من جهة الحكومة والنظام السياسي في المجتمع بهدف «كفالة الجميع» و«إيجاد الثراء العام»، بحيث لا يوجد محتاج في المجتمع.
٦- مبدأ المسؤولية المتبادلة العامة: يمكن رؤية أمثلة ملموسة له في وجوب الزكاة، والوجوب الخمس، ودفع الضرائب، وتوزيعها العادل، وغيرها.
٧- تنفيذ مبدأ التوازن الاجتماعي: من خلال توحيد مستوى معيشة أفراد المجتمع عبر تحصيل الأموال الشرعية والضرائب والثروات العامة للمجتمع وتخصيصها للفئات الأضعف في المجتمع، بحيث تتمكن هذه الفئات من خلال الدعم المبدئي والشامل الذي تتلقاه من الارتقاء إلى طبقات أعلى والاستفادة من جميع مستلزمات الحياة.
٨- تنفيذ مبدأ التأمين العام والضمان الاجتماعي: من جانب الحكومة الإسلامية في جانبين: أ) الجانب العام أو الشامل الذي يُطبق على الجميع وبشروط متساوية (صدر، ١٣٩٩ ه/1979م: 698-699). ب) المرحلة الخاصة أو المرحلة المتعلقة بضعفاء المجتمع للأشخاص الذين لا يستطيعون تأمين معيشتهم ضمن الإطار العام: «من طريق توفير المال الكافي لسد حاجات ألفرد وتوفير حد خاص من المعيشة له…»(المرجع نفسه، ٧٠٠- ٧١٦).
٩- الرقابة على تحقيق العدالة الاجتماعية وتدخل الدولة في الحياة الاجتماعية من خلال سد الثغرات القانونية الموجودة «منطقة الفراغ في التشريع…» (المرجع نفسه، ٧٢١-٧٢٨) وتنفيذها.
١٠- إنشاء وإدارة وتوزيع الصدقات والثروات العامة بشكل صحيح على أساس العدالة؛
١١- الاعتماد على القدرات والكفاءات ودور العمل، ونفي الربا، وإنشاء بنك بدون فائدة، وتحديد الأسعار، ومنع الاحتكار والتكديس الفردي (انظر.: المرجع نفسه، ٧٣٠-٧٣٣)؛
١٥- خلق فرص متساوية لمشاركة المواطنين العامة في إدارة شؤون المجتمع.
الخاتمة
هدف البحث الحالي هو دراسة وتبيين علاقة العدالة بالسياسة من وجهة نظر الشهيد صدر.
وفقًا لمنطق العمل، فإن الصورة العامة لفكر الشهيد صدر تقوم على مبدأ «التوحيد» كأساس جوهري للوجود؛ ولكن بشكل عام، العدالة هي محور التوحيد وأهم تجلٍّ للوجود المطلق. لذلك، في نظره، الوجود مؤسس على العدالة، والفطرة الإنسانية تميل إلى العدالة والإنصاف، وفي بنية وجوده من الناحية الإدراكية والعقلية (العقل الفطري) وكذلك العاطفية، العدالة متجذرة. لذا، فهو يميل إلى العدالة ويكره الظلم والجور، والطريق المستقيم، أي السير في مسار متوافق مع الفطرة والوجود، لا يكون إلا طريق العدالة، وكمال الإنسان وبلوغه السعادة الحقيقية يكون في ظل هذا السلوك، والعدالة بمعنى الطريق المستقيم تحمل هذا المعنى.
وبناءً على هذا المنطق، فإن علاقة العدالة بالسياسة حاسمة. لذلك، تُبنى السياسة والنظام السياسي على أساس العدالة، وبدونها يكونان بلا معنى أو حقيقة، كما أنهما منفذان ومحققان للعدالة في المجتمع والنفوس البشرية. فالعدالة في ميدان المجتمع، التي هي عامل سعادة الإنسان والهدف الأساسي من خلافة الإنسان في الأرض، لا تتحقق إلا بالسياسة العادلة، أي السياسة المتوافقة مع العدل. إذن، المسؤولية والنظام السياسي من جهة يحفظان العدالة ومن جهة أخرى ينفذانها؛ أي نفس المهمة التي فرضتها الفطرة البشرية عليه، وثلاثة عوامل: الظلم، والكفران، والجهل، تتعارض وتتنافى مع هذه المسؤولية الاجتماعية العظيمة. يتحقق العدل في المجتمع بنفي هذه العوامل الثلاثة وتحقيق متطلبات العدالة الاجتماعية واتباع طرقها، ويلعب النظام السياسي للمجتمع دورًا أساسيًا في هذا المجال.
المصادر والمراجع
– القرآن الكريم (بترجمة حرة للآيات)
– سبريغنز، توماس (١٣٧٠)، فهم النظريات السياسية، ترجمة فرهنگ رجائي، طهران: آگاه.
– أفلاطون (١٣٦٨)، الجمهورية، ترجمة فؤاد روحاني، طهران: شركة النشر العلمي والثقافي.
– الإمام علي (ع) (١٤١٩)، نهج البلاغة، تأليف سيد رضي، تحقيق وضبط نصه سيد جعفر حسيني، قم: دار الثقلين.
– باهنر، محمد جواد (١٣٦١)، النظرة الإسلامية للعالم، طهران: مكتب نشر الثقافة الإسلامية.
– جرحاني، مير سيد شريف (١٣٧٧)، التعريفات، ترجمة سيد عرب وسيما نوربخش، طهران: فرزان.
– جعفري، محمد تقي (١٣٥٨)، ترجمة وشرح نهج البلاغة، طهران: مكتب نشر الثقافة الإسلامية.
– جمشيدي، محمد حسين (١٣٧٧)، الفكر السياسي للشهيد رابع الإمام سيد محمد باقر صدر، طهران: مكتب الدراسات السياسية والدولية.
– جمشيدي، محمد حسين (١٣٨٠)، نظرية العدالة من وجهة نظر أبو نصر الفارابي، الإمام الخميني والشهيد صدر، طهران: معهد الإمام الخميني والثورة الإسلامية.
– حسيني بهشتي، سيد محد حسين (١٣٧٨)، الحق والباطل من وجهة نظر القرآن، إعداد وتنظيم مؤسسة نشر آثار وأفكار الشهيد آية الله بهشتي، طهران: بقعة.
– خميني (الإمام)، سيد روح الله (١٣٧٦)، شرح الأربعين حديثًا، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني، الطبعة ١٦.
– دواي، جلال الدين محمد، رسالة العدالة، نسخة خطية رقم ٥١٨٠، مكتبة البرلمان.
– سيد باقري، سيد كاظم (بجهود) (١٣٩٣)، العدالة السياسية، طهران: منظمة بحوث الثقافة والفكر الإسلامي.
– شريعة، فرشاد (بإشراف) (١٣٨٧)، العدالة والسياسة، طهران: جامعة الإمام الصادق (ع).
– شكوري، أبو الفضل (١٣٨٤)، الفلسفة السياسية لابن سينا، قم: عقل سرخ.
– صدر، سيد محمد باقر (د.ت.)، الإسلام يقود الحياة، طهران: وزارة الإرشاد الإسلامي، أ.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٩٩ هـ. ١٩٧٩ م.)، اقتصادنا، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الحادية عشرة.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٦٠)، اقتصادنا، ترجمة محمد مهدي فولادوند، طهران: مؤسسة العلوم الإسلامية.
– صدر، سيد محمد باقر (د.ت.)، الاقتصاد المتفوق، ترجمة علي أكبر سيبويه، طهران: مكتب نشر ميثم، ق.
– صدر، سيد محمد باقر (د.ت.)، الإنسان المسؤول وصانع التاريخ من وجهة نظر القرآن، ترجمة محمد مهدي، طهران: مؤسسة القرآن.
– صدر، سيد محمد باقر (١٤٠٣)، بحوث إسلامية ومواقف أخرى، بيروت: دار الزهراء، الطبعة الثالثة.
– صدر، سيد محمد باقر (د.ت.)، تفسير موضوعي لسُنن التاريخ في القرآن، ترجمة جمال موسوي، قم: منشورات إسلامية تابعة لجمعية المدرسين في قم، ت.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٩٩)، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، طهران: جهاد البناء.
– صدر، سيد محمد باقر (١٩٨٧م)، رسالتنا، طهران: نشر التوحيد، الطبعة الثالثة.
– صدر، سيد محمد باقر (د.ت.)، رسالتنا، ترجمة محمد تقي رهبر، طهران: منشورات روزبه.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٩٩)، صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي، طهران: جهاد البناء.
– صدر، سيد محمد باقر (١٩٨١ م. ١٤٠١ هـ)، الفتاوى الواضحة، الجزء الأول، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، الطبعة السابعة.
– صدر، سيد محمد باقر (د.ت.)، فدك في التاريخ، تحقيق عبد الجبار شرارة، بيروت: مركز الغدير للدراسات الإسلامية.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٦٠)، فدك في التاريخ، ترجمة محمود عابدي، طهران: روزبه.
– صدر، سيد محمد باقر (١٤٠٨هـ)، فلسفتنا، قم: مجمع الشهيد الصدر العلمي والثقافي، الطبعة الثانية.
– صدر، سيد محمد باقر (١٤١٠هـ)، المجموعة الكاملة مؤلفات سيد محمد باقر صدر، المجلد الحادي عشر، (يحتوي على فدك، أهل البيت….) بيروت: دار الكتب للمطبوعات.
– صدر، سيد محمد باقر (١٩٨١م. ١٤٠١هـ)، المدرسة الإسلامية، طهران: دار الكتاب الإيراني للطباعة والنشر والتوزيع.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٦٢)، المدرسة الإسلامية، ترجمة كاظمي خلخاني، طهران: مؤسسة مطبوعات عطائي.
– صدر، سيد محمد باقر (د.ت.)، المدرسة القرآنية، بيروت: دار المتعارف للمطبوعات.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٥٦)، مقدمة في البنية الاجتماعية للإسلام، ترجمة كريم جعفري، طهران: حكمة.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٩٩هـ)، مصادر القدرة في الدولة الإسلامية، طهران: جهاد البناء.
– صدر، سيد محمد باقر (١٩٩٠م. ١٤١٠هـ)، منهاج الصالحين، (شرح وتعليق)، بيروت، دار التعارف للمطبوعات.
– صدر، سيد محمد باقر (د.ت.)، المؤسسات الاقتصادية في الإسلام، ترجمة غلامرضا بيات وفخر الدين شوشتري، طهران: بدر.
– صدر، سيد محمد باقر (١٣٥٩)، مع تحول الاجتهاد، ترجمة أكبر نبوت، طهران: روزبه.
– العاملي، أبو زيد (٢٠٠٧م)، محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق، بيروت، مؤسسة دار المعارف للمطبوعات، ٥ مجلدات.
– عليخاني، علي أكبر وزملاؤه (١٣٨٨)، النظام السياسي للعدالة في الإسلام، طهران: مركز بحوث الدراسات الثقافية والاجتماعية.
– عيوضي، محمد رحيم (١٣٨٨)، العدالة، الحكم والشعب في الفكر السياسي الإسلامي في النظام السياسي للعدالة في الإسلام، طهران: مركز بحوث الدراسات الثقافية والاجتماعية.
– فابر، سيسيل (١٣٩٠)، العدالة في عالم متحول، ترجمة رستم فلاح، طهران: جامعة الإمام الصادق (ع).
– لنگرودي، محمد جعفر (١٣٧٨)، مبسوط في مصطلحات الحقوق، طهران، مكتبة كنز دانش، ٥ مجلدات.
– مطهري، مرتضى (١٣٥٨)، حول الثورة الإسلامية، طهران: صدرا.
– مطهري، مرتضى (١٣٦٨)، عشرون كلمة، طهران: صدرا.
– مطهري، مرتضى (١٣٧٩)، دراسة أسس الاقتصاد الإسلامي، طهران: صدرا.
– مطهري، مرتضى (١٣٩٨)، عدل اللهي، طهران: المنشورات الإسلامية.
– مولوي، جلال الدين محمد (١٣٩٠)، المثنوي المعنوي، بتحقيق رينولد نيكلسون، طهران: منشورات هرمس، الطبعة الخامسة.
– وبر، ماكس (١٣٧١)، أخلاق البروتستانت وروح الرأسمالية، ترجمة عبد المعبود أنصاري، طهران: سمت.
– Campbell, Tom. (2001), Justice، London: Macmillan press Ltd, Second ed.
– Kaplan, Abraham. (1964), The Conduct of Inquiry, San Francisco: Chandler.
– Rawls, John. (1979), A Theory of Justice, oxford: Oxford university press.
– Tolmin, Stephen. (1972), Human Understanding, N.J.: Princeton.
[1] Cecil Fabre
[2] Logic-in-use
[3] المقصود هو المنهج السائد في العلوم التجريبية والطبيعية الذي يقوم على الاستقراء والملاحظة والاختبار.

