ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مطالعه مقایسهای ماهیتشناسی دولت شورایی و کارویژه آن در هندسه معرفت سیاسی شهید صدر و میرزای نائینی (رحمه الله علیهما) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: ماهية «الدولة الشورائية» ووظيفتها في هندسة المعرفة السياسية عند الشهيد صدر ومرزا نائيني، هو الموضوع المحوري لهذا المقال. تأسيس الحكم الإسلامي في عصر الغيبة من بين القضايا الأساسية والأساسية في الفقه السياسي، والتي سعى هذان المفكران الإسلاميّان إلى توضيح أسس شرعيتها من خلال رسم شكل خاص من الحكم في إطار الدولة الشورائية. تُظهر نتائج هذا البحث أنه خلافًا للاعتقاد الشائع بمساواة الدولة الشورائية في فكر نائيني والصدّر، فإن النظريتين مختلفتان؛ ففي فكر نائيني، السيادة حق إلهي، وللناس فقط حق التشاور مع الحاكم، أما في فكر الشهيد صدر، فالسيادة حق للشعب، والمجلس هو الأساس لتحقيق حق السيادة العامة للشعب. يوضح هذا المقال، باستخدام منهج البحث المقارن واستلهامًا من الفكرة النظرية للهيرمينوطيقا عند سكينر، أن هذا الاختلاف الجوهري يؤدي إلى تشكيل وظيفة مختلفة لمبدأ المجلس في فقه الإمامية.
المؤلف: عبدالمطلب عبدالله، مجید بیگی
المصدر: دولت پژوهی، ربيع 1399، العدد 21، ص 215 إلى 248.
عرض المشكلة
واجه تأسيس الحكم الإسلامي في فترة الغيبة تحديات نظرية وعلمية متعددة. إن ضرورة تأسيس الحكم الإسلامي، وإمكانية تكوينه، وشرعية وطبيعة الحكم الإسلامي، هي من القضايا الأساسية والأساسية في الفقه السياسي، والتي ناقشها فقهاء الإمامية، خاصة في العصر المعاصر، بشكل مكثف ومهم. لقد كان للتطورات السياسية والاجتماعية في القرن الأخير تأثير كبير وفعّال على تشكيل هذه الأفكار. من بين الفقهاء البارزين في هذا المجال، صاحب الرسالة الفقهية السياسية «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» مرزا نائيني، الذي لعبت تطورات حركة الدستور دورًا بارزًا في تشكيل ونضج فكره. المفكر الآخر الذي تأثر بحركة التحرر لدى المسلمين الإيرانيين خلال الثورة الإسلامية وقدم تحليلات فلسفية وفقهية سياسية هو محمد باقر صدر. كانت الثورة الدستورية في إيران، التي طالبت بتقييد سلطة الشاه القاجاري وتأسيس مجلس شورى وطني، مدعومة من قبل مجموعة من فقهاء الحوزة العلمية في النجف مثل آخوند خراساني. وكان ميرزا محمد حسين الغروي نائيني، أحد تلاميذ آخوند خراساني المقربين، قد سعى بعد دعم أستاذه لحركة الدستور في إيران إلى تأصيل الثورة الدستورية فقهياً. و«تنبيه الأمة وتنزيه الملة» هي ثمرة هذا الفقه السياسي لمرزا، حيث قدم من منظور الفقه السياسي، الحكم الإسلامي المرغوب فيه من قبل الشارع في إطار الدولة الشورائية. كذلك، محمد باقر صدر، الذي قبيل الثورة الإسلامية في إيران سعى إلى رسم النظام السياسي الإسلامي، ناقش نظريات فقهية مختلفة، وبعد تصميم نظرية الحكم الشورائي ونظرية ولاية المرجع الصالح والرشيد، توصل إلى نظرية الحكم المركب التي تجمع بين حكم أمة شورائية مع إشراف وشهادة المرجع الفقيه. إن تصميم الدولة الشورائية في فكر الشهيد صدر جاء في ظل تأثره بالثورة الإسلامية ونفيه للنظام الملكي، بينما كان مرزا نائيني متأثرًا بالثورة الدستورية في تقييد النظام الملكي. ومن البديهي أن هذين المنهجين يمكن أن يكون لهما آثار مختلفة. ومن هنا يطرح سؤال جوهري في ماهية الدولة الشورائية في فكر مرزا نائيني والشهيد صدر: هل تختلف الدولة الشورائية التي طرحها الشهيد صدر جوهريًا عن الدولة الشورائية التي طرحها مرزا نائيني؟ تكمن أهمية هذه المسألة في أن اختلاف النظريتين إذا كان جوهريًا وليس شكليًا يؤدي إلى تكوين منهج جديد في دراسة الشأن السياسي من منظور الفقه السياسي الإمامي. وبناءً على هذا المنهج، يمكن تحليل ودراسة القضايا السياسية في فقه الإمامية، مثل مبدأ المجلس، من منظور مختلف عن المنهج التقليدي.
يستخدم هذا المقال منهج البحث المقارن مع جمع المصادر المكتبية، حيث درس أفكار وبيانات مأخوذة من آثار مرزا نائيني والشهيد صدر، مستلهماً في فهم الفكر السياسي لهذين المفكرين الإسلاميّين من الفكرة النظرية للهيرمينوطيقا عند سكينر.
الإطار المنهجي
المفاهيم
الدولة
المعنى المقصود في هذا النص من الدولة ليس بمعنى مجلس الوزراء أو الهيئة الحكومية، بل بمعناه الأوسع، الدولة تعني مجموعة العاملين الحكوميين، والمؤسسات التنفيذية، والقانونية، والقضائية التي تتولى، بهدف ممارسة السلطة، مهمة الحكم على شعب معين ضمن إطار قانوني وأرض محددة (هیوود، ١٣٩٢: ١٢٩ – ١٣١؛ آشوری ١٣٩١: ١٦١؛ عالم، ١٣٩٠: ١٣٩).
يمكن تصنيف الدول من مناظير مختلفة مثل الأهداف، الوظائف، الدور، مصدر الشرعية، حق السيادة وطريقة ممارسة السيادة. تتناول هذه المقالة مسألة تبني إطار نظري من ثلاثة جوانب هي مصدر الشرعية، حق السيادة وممارسة السلطة.
طبيعة الدولة
بما أن في دراسة طبيعة أي شيء يتم التعرف على جوهر ذلك الظاهرة، لذلك في دراسة طبيعة الدولة مع الأخذ في الاعتبار أن جميع التعريفات الحديثة للدولة تشير إلى أربعة عناصر جوهرية وهي: الشعب، الأرض، الحكومة والسيادة (عبدالرحمان عالم،١٣٩٠: ١٣٩). بناءً على حق السيادة الذي يُعتبر من جوهر ومقومات كل حكومة، تُقسم الدول إلى فئتين رئيسيتين: أ) الدول التي تكون فيها السيادة حقًا عامًا للشعب؛ ب) الدول التي لا يتمتع فيها الشعب بحق السيادة.
مبدأ الشورى
لمبدأ الشورى مكانة خاصة في الفكر السياسي الإسلامي. فقد تناول القرآن هذه المسألة بشكل مستقل في آيتين. العبارتان «شاورهم في الأمر» (آل عمران: ١٥٩) و «وأمرهم شورى بينهم» (شوری: ٣٨) هما الدليلان القرآنيان لهذا المبدأ. وفقًا لهذا المبدأ، الشورى هي من الحقوق الأساسية لكل مسلم في تشكيل المجتمع والحكومة الإسلامية (طباطبائی ١٤٠٢، ١٨: ٦٤). لذلك أولى العديد من المفكرين الإسلاميين اهتمامًا خاصًا لمكانتها في تفسير النظام السياسي الإسلامي. وفقًا لهذا المبدأ، قام ميرزا النائيني والشهيد الصدر بوضع تصور للدولة الشورية وطرحوا أفكارهم السياسية للدولة الإسلامية الشرعية في عصر الغيبة.
المنهجية
هرمنيوطيقا سكينر
سكينر، أستاذ تاريخ الأفكار السياسية الحديثة في جامعة كامبريدج، وقد حظيت أبحاثه في السنوات الأخيرة في مجال منهجية الأفكار السياسية باهتمام الباحثين. من وجهة نظر سكينر، فهم الجمل والعبارات في نص ما دون الوصول إلى نوايا ودوافع المؤلف ومنفصلًا عن السياقات الاجتماعية والظروف التاريخية لتكوينه، وكذلك منفصلًا عن الإطار اللغوي والفكري العام السائد في زمن كتابة النص، لا يمكن أن يكون فهمًا صحيحًا وكاملاً. لذا فإن فهم معنى النص يتطلب معرفة السياق الذي كان فيه المؤلف يكتب النص، بالإضافة إلى وجوب الكشف عن قصد المؤلف أثناء كتابته للنص. يؤمن سكينر بأنه بوضع النص في السياقات الاجتماعية والظروف التاريخية لتكوينه، وبإقامة علاقة بين الأفكار السياسية والسياقات الأيديولوجية والعملية لتلك الحقبة، وكذلك السياقات اللغوية السائدة في عصر كتابة النص، يمكن الوصول إلى فهم الفكرة (اسکینر، ١٣٧٥: ٣٨؛ جیمز تولی – غلامرضا بهروزی لک، ١٣٨٣). في هذا البحث، تم السعي إلى الاقتداء بمنهج سكينر لإقامة علاقة بين النص ودوافع المؤلفين (الشهيد الصدر وميرزا النائيني) والسياقات الاجتماعية والظروف التاريخية لتكوينه، بالإضافة إلى السياقات الأيديولوجية واللغوية السائدة في عصر كتابة النص. لذلك، في فهم هندسة معرفتهم السياسية، تم السعي لإقامة علاقة بالترتيب بين السياقات الأيديولوجية واللغوية السائدة في عصر وأفكار ميرزا النائيني والشهيد الصدر، وكذلك السياقات الاجتماعية والتاريخية لتكوين أفكارهم السياسية، ثم تحليل النصوص الأصلية التي تعبر عن الفكر السياسي.
المنهج المقارن
للمقارنة بين بعض وحدات التحليل مكانة خاصة في جميع العلوم وخاصة العلوم الاجتماعية. تُستخدم لفهم الثقافات والهياكل الاجتماعية والقضايا التاريخية المختلفة. بشكل عام، يُسمى البحث الذي يجري مقارنة بين وحدات التحليل المعنية بالبحث المقارن (ریگین، ١٣٨٨: ٣١). في البحث المقارن، يتركز البحث على التشابهات والاختلافات بين الوحدات، حيث تُعد المقارنة لفهم وإدراك الموضوع الأساسي أمرًا جوهريًا (رجب زاده، ١٣٧٦: ١٢٣؛ ریگین، ١٣٨٨: ٣١). في هذه المقالة، سُعي مع الأخذ في الاعتبار المتغيرات المستقلة إلى دراسة المتغير التابع، ومن خلال الفحص المقارن للمتغيرات المستقلة في عملية البحث، تم تحليل ودراسة أوجه الاختلاف والتشابه ونقاط القوة والضعف للمتغير التابع. من أقدم نماذج هذا المنهج يمكن ملاحظته في كتاب نظام المنطق[1] لجون ستيوارت ميل، حيث يتحدث فيه عن طريقتين مختلفتين: التوافق والاختلاف. في طريقة الاختلاف، يوضح الباحث كيف أنه بالرغم من وجود اختلافات في وحدات التحليل المختلفة، توجد عوامل سببية متشابهة تؤدي إلى نتائج متقاربة في حالات مختلفة، وفي طريقة التوافق، يوضح ميل كيف أن حالتين متشابهتين قد تُقادان إلى مسارين مختلفين بسبب وجود متغير سببي في واحدة وغيابه في الأخرى (دورکیم، ١٣٧٣: ١٣٩؛ طالبان، ١٣٨٨: ٦٥).
تحليل ودراسة هندسة المعرفة السياسية لميرزا النائيني والشهيد الصدر
لمراجعة طبيعة الدولة الشورية، يُرسم أولاً هندسة المعرفة السياسية لهذين المفكرين.
تحليل ودراسة هندسة المعرفة السياسية لميرزا النائيني
في سبيل تحليل الفكر السياسي لميرزا النائيني مع الأخذ في الاعتبار النص الأصلي الراوي (رسالة تنبيه الأمة وتنزيه الملة) لفكره السياسي، من الضروري تحليل ودراسة السياقات الاجتماعية والظروف التاريخية لتكوينه، وكذلك السياقات الأيديولوجية واللغوية السائدة في عصر كتابة النص. لذلك يُعالج هذا الأمر في محورين رئيسيين، كل منهما يتضمن عدة عناصر ومحاور فرعية.
السياقات الأيديولوجية واللغوية السائدة في عصر وفكر النائيني
قبل تأليف رسالة تنبيه الأمة وتنزيه الملة، تناول ميرزا النائيني في أحد أهم مؤلفاته الفقهية تحليلًا ودراسة كيفية إمكانية تأسيس الحكومة الإسلامية وأسس شرعيتها في عصر الغيبة (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٣). بناءً على ذلك، يصنف مناصب الحاكم المعصوم الإسلامي إلى ثلاثة أقسام: منصب الدعوة، منصب الولاية (رئاسة المجتمع) ومنصب القضاء (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٣). ويستمر النائيني قائلاً إن لكل من هذه المناصب مهام تختلف عن مهام المناصب الأخرى. مهام منصب «الوالي» تشمل: الأمور المتعلقة بإدارة الدولة، السياسة، جمع الضرائب والزكاة وإنفاقها في مصالح المسلمين، تجهيز الجيش، دفع حقوق وأجور العاملين والموظفين في المجتمع، وكل ما يُعتبر من مهام السلطان في المجتمع، ومن ضمن مهام الوالي أيضًا تعيين القاضي.
أما مهام «القاضي» فهي إنهاء الخصومات، النزاعات، وحبس واعتقال من يمتنع عن أداء الحق، وكذلك تقسيم وبيع أموال المدين الذي يمتنع عن أداء دينه، وأمور مشابهة لهذه الحالات (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٤).
بعد توضيح هذه الأمور، يذكر نائيني أن هناك أمورًا يختلف المتخصصون في انتمائها إلى مناصب القضاء أو الولاية، مثل التصرف في أموال اليتيم أو المجانين أو حفظ أموال الغائبين وغيرها من الأمور التي تُعتبر من شؤون الحسبة. وهذه أمور يختلف في كونها من اختصاص منصب الولاية أو منصب القضاء (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٤).
يبيّن نائيني أنه إذا ثبت أن الفقيه له ولاية عامة، فإن جميع الأمور الثلاثة، بما فيها المهام الخاصة بالوالي، والمهام الخاصة بالقاضي، والمهام المشكوك فيها، تعود إلى الفقيه، ويجوز له التصرف في جميع هذه الأمور ويكون تصرفه نافذًا ومشروعًا (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٥). أما إذا ثبت أن الفقيه له ولاية في نطاق القضاء فقط إلى جانب منصب التبليغ، فإن تصرفه يكون جائزًا فقط في الأمور القضائية، ولا يملك الإذن أو السماح بالتصرف في بقية الأمور (نائيني، ١٤١٣، ج ٢: 335).
مع أن نائيني يرى من الناحية العقلية إمكانية انتقال الولاية العامة من الحاكم المعصوم إلى نائبه (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٤)، إلا أنه بسبب الخلفيات اللغوية والكتابية للحاكم في حوزة النجف، التي تُعتبر من تراث الشيخ الأنصاري، يعتبر دلالة عموم أدلة إثبات ولاية الفقيه التي استند إليها طيف من الفقهاء أدلة مشوشة وغير واضحة (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٣). فهو يرى أن الأحاديث مثل «العلماء ورثة الأنبياء» و«العلماء أمناء الرسل» و«علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» و«أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به» و«اللهم ارحم خلفائي» (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٥) و«مجاري الأمور بيد العلماء الأمناء لله في حلاله وحرامه» و«وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» [2] (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٧) وصحيحة أبي خديجة[3]، كلها غير كافية لإثبات ولاية الفقيه العامة (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٤ -٣٣٥)، ويعتقد أن هذه الأحاديث لا تثبت منصبًا يتجاوز تبليغ الأحكام للفقيه. لذلك، بناءً على هذا المنصب، يُلزم الناس باتباع أقوال وأحكام الفقهاء كفتوى (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٦).
يعتبر ميرزاي نائيني من بين جميع الأخبار والأحاديث الدالة على ولاية الفقيه العامة، أن حديث عمر بن حنظلة[4] هو الوحيد الذي لا يمكن الطعن في دلالته (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٦). ومع أن هذا الحديث ليس صحيحًا من الناحية السندية، إلا أنه يقبله باعتباره مقبولًا لأن أغلب فقهاء عصره اعتبروه صحيحًا (نائینی، ١٤١٣، ٢: ٣٣٦). في الواقع، فإن الخلفيات اللغوية والكتابية السائدة في عصر ميرزا تعزز فكره في قبول حديث عمر بن حنظلة.
لذلك، تناول نائيني النقاش في إطار احتمالين، وفي كل منهما يوضح مهام الفقيه (نائینی١٤١٣، ٢: ٣٣٧ – ٣٣٨). يقول ميرزا إنه إذا ثبتت ولاية الفقيه العامة، فإن جميع المهام تقع على عاتقه، أما إذا لم تثبت ولاية الفقيه العامة، فإن الفقيه يقتصر على مناصب القضاء والتبليغ فقط (نائینی، ١٤١٣، ٢: ٣٣٨).
من البديهي أنه وفقًا للأيديولوجيا السائدة في عصره وفكر نائيني الذي يرى وجود الحكم الإسلامي في عصر الغيبة ضرورة، فإنه يوضح فورًا هنا أنه في حال عدم ثبوت ولاية الفقيه العامة، فإن الأمور والشؤون والمهام المتعلقة بالوالي تُقسم إلى فئتين: الأولى؛ تلك الأمور التي يُراد بها فقط أنها تصدر من جهة شأن الوالي، ولذلك لا يجوز لأي شخص آخر أن يتصرف فيها، والثانية؛ تلك الأمور التي ذاتها مرغوبة، وإن كانت من مهام الوالي، فمن المؤكد أن الشارع المقدس لا يرضى بالإهمال أو ترك هذه الأمور، مثل وجوب الوقاية من اضطراب النظام أو ظهور العسر والحرج في النظام الاجتماعي، وحفظ أموال الغائبين والقاصرين، وغيرها من الأمور التي تُسمى شؤون الحسبة (نائینی، ١٤١٣، ٢: ٣٣٨).
يرى نائيني أنه إذا لم تثبت ولاية الفقيه العامة، فإنه نظرًا لأن الشارع المقدس لا يرضى بالإهمال أو ترك هذه الفئة من الأمور، فمن الضروري والواجب على الفقيه أن يتولى هذه الأمور (نائینی، ١٤١٣، ٢: ٣٣٨).
التركيز الأساسي لنائيني في المناقشات المتعلقة بالدستور على ولاية الفقيه في شؤون الحسبة، وكذلك اعتبار حاكمية الفقيه على القضاء فرعًا، قد يكون دليلاً على أن نائيني لا يؤسس الحكم الإسلامي بشكل قاطع على ولاية الفقيه العامة، بل يركز فكره في فرض عدم ثبوت الولاية العامة على محور شؤون الحسبة، ويعتبر الفقيه ملزمًا بتأسيس الحكم الإسلامي من خلال توضيح ضرورة تولي شؤون الحسبة.
الخلفيات الاجتماعية والتاريخية لتشكيل الفكر السياسي لنائيني
ميرزاي نائيني هو أحد فقهاء عصر الدستور، وكان يعمل ككاتب في بيت آخوند مقرّر لمباحث آخوند خراساني، وكان على اطلاع مباشر بحركة الدستور. بدأت حركة الدستور بعد شعار المطالبة بالعدالة ومناهضة الاستبداد من قبل العلماء وشعب طهران، وبعد الهجرة الكبرى، أصبح لقب «الدستور» بديلاً عن «بيت العدالة».
مصطلح نظام مشروطه الذي تُرجم من كلمة ”Constutional Government“ على شكل حكومة مشروطة إلى الفارسية وانتشر بين مختلف طبقات المجتمع، كان قراءة من الحكومة المشروطة البريطانية التي بسبب صياغة قانون، أدت إلى تقييد سلطة السلطان. في الفكر السياسي الشيعي، وبسبب ظهور حكومة الصفويين، تم تصميم وتطبيق خطاب الملكية المأذونة لإضفاء الشرعية على الحكومة الشيعية الوحيدة من قبل فقهاء الإمامية (جعفریان، ١٣٧٩، ج ١: ١١٨). في هذا الخطاب، لإضفاء الشرعية على حكم سلاطين الصفويين، يُمنح السلطان التفويض من المجتهد الجامع للشرائط، فيكتسب حكمه الشرعية (جعفریان، ١٣٧٩، ج ١: ١١٨). مع الأخذ في الاعتبار أنه بعد فترة من تصميم هذا الخطاب من قبل المحقق الكركي والملك طهماسب الصفوي، في كثير من الحالات أصبح هذا النوع من التقييد شكليًا عمليًا، وبالتالي تعزز الاستبداد الملكي يومًا بعد يوم. في سبيل البحث عن حل لكبح سلطة السلطان المطلقة، في حركة المشروطية، ظهر خطاب جديد بأسس تقييد الملكية، ليحل محل خطاب الملكية المأذونة. كان آخوند خراساني مصمم هذا النظرية، ودافع عن حركة المشروطية (کفایی، ٣٠:١٣٥٩).
برز ميرزا النائيني ككاتب آخوند، وسعى إلى تأصيل نظرية الحكومة المشروطة، وكتب رسالة «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» لتوضيح أسس نظام المشروطية في المجتمع الإسلامي. في هذا الخطاب، مع التشريع من قبل مجلس الشورى، تصبح حكومة السلطان مشروطة بالقانون، وبالتالي تُقيَّد حكومته. بناءً على ذلك، في ظل حكم القاجاريين المستبد السائد في المجتمع وعدم إمكانية إلغائه أو إسقاطه (نائینی، ١٤٢٤: ٧٧)، يسعى النائيني إلى تقييد الملكية القائمة من خلال تصميم أسس متعددة. في الواقع، كان الافتراض الذهني للنائيني، الذي نشأ بسبب ظروف زمانه، يدفعه إلى أن يكون لمجلس الشورى مكانة خاصة في هندسة معرفته السياسية. يصف النائيني سلطان القاجار من ثلاثة جوانب كغاصب؛ غاصب الحق الإلهي الأعظم وظلم للذات المقدسة للوحدانية، غاصب مقام ولاية المعصوم (ع) وظلم للذات المقدسة للإمامة، وغاصب حق الحرية والاختيار للعباد وظلم لهم. لذلك يعتقد أن تشكيل مجلس الشورى يقيد الملكية المطلقة للسلطان، ويزيل الغصب الأول والثالث ويبقى فقط غصب مقام الإمامة الذي يتولى السلطان تنفيذه في مقام تطبيق القانون (نائینی، ١٤٢٤: ٧٧). في فكر النائيني، هذه الحالة أفضل وأرغب من الملكية الجائرة والمستبدة التي تحدث فيها الثلاثة أغتصابات (نائینی، ١٤٢٤: ٧٧). بناءً على ذلك، يؤسس النائيني حجة مفادها أن رفع وإزالة الغصب والظلم واجب بأي قدر. مجلس الشورى يقلل الغصب الثلاثي إلى غصب في اتجاه واحد، لذلك فإن تشكيل مجلس الشورى ليس فقط جائزًا بل واجبًا كمقدمة (نائینی، ١٤٢٤: ١٠٨).
ماهية الدولة الشورائية في هندسة المعرفة السياسية لميرزا النائيني
بعد إثبات ضرورة تشكيل الحكومة للفقهاء، لا يرى النائيني، بناءً على عدة أسباب، أن تولي الحكم مباشرة من قبل المجتهد ضروريًا. يبدو أن النائيني، بسبب الخطاب السياسي-الاجتماعي للمشروطية في حوزة النجف وعوامل مثل عدم حضور الفقيه في واقع المجتمع، يخشى من عدم كفاءة الحكومة المباشرة للفقهاء (نائینی، ١٤٢٤: ١١٣). لذلك لا يرى النائيني أن إدارة الحكومة بواسطة الفقيه أمر مرغوب فيه (نائینی، ١٤٢٤: ١١٣).
كما أن نظرية الرقابة على أداء الفقيه لا تقنع النائيني بتولي الفقيه مباشرة للحكم. فهو يرى أن الرقابة والتحكم في أداء الفقيه أمر مستحيل. ويكتب في هذا الصدد: «لا يمكن أصلًا تعيين رقابة على الفقهاء في عصر الغيبة، ولو فرض تعيينها فلن يكون إلا إهانة بلا نتيجة أو أثر آخر محتمل» (نائینی، ١٤٢٤: ١١٣ و ١٣٤). من ناحية أخرى، ظروف زمان النائيني تزيد من استحالة تشكيل وتأسيس حكومة إسلامية للفقهاء. بناءً على ذلك، يرى النائيني أن الحل الوحيد الممكن هو إصلاح النظام السياسي القائم، ويسعى إلى تقييد الملكية وتقليل الغصب والظلم. لهذا السبب يقترح النائيني تشكيل مجلس الشورى لحل هذه المشكلة. في الواقع، يثبت النائيني إسلامية مبدأ الشورى (الشورى والمشورة في الإسلام) ويعتبر الشكل الأمثل للحكم في عصر الغيبة هو البرلمان الشرعي (نائینی، ١٤٢٤: ١١٣). بحيث يتم انتخاب ممثلين أو وكلاء عن الشعب إلى مجلس الشورى، وهؤلاء الممثلون بوضع القوانين يقيدون حكم السلطان.
مسألة أخرى تدخل في تشكيل هندسة النظام السياسي في نظر النائيني هي تعارض مكانة التشريع ومقام الفتوى والمرجعية. في الواقع، السؤال الرئيسي كان: «مع وجود الأحكام الشرعية، ما مكانة القانون في المجتمع الإسلامي؟» هذه المسألة تعود إلى الأساس الفقهي: «مع الأخذ في الاعتبار أنه في الشريعة الإسلامية لا توجد مسألة خالية تمامًا من الحكم الشرعي، فهل التشريع مخالف للشريعة؟». لحل هذه المشكلة، قسم ميرزا النائيني موضوعات أحكام المجتمع الإسلامي إلى قسمين: منصوص وغير منصوص. وكتب في كيفية وسبب هذا التقسيم: «اعلم أن مجموع المهام المتعلقة بالنظام وحفظ الدولة وسياسة شؤون الأمة… لا تخرج عن قسمين؛ إما أن تكون منصوصات التي لها وظيفة عملية خاصة وحكمها مضبوط في الشريعة المطهرة، أو غير منصوصة التي وظيفتها العملية غير محددة بسبب عدم إدراجها تحت ضابط خاص وميزان معين، وهي موكولة إلى رأي وتفضيل الولي نوعًا ما» (نائینی، ١٤٢٤: ١٣٤). بناءً على هذا، الأحكام المنصوصة شرعها الشارع المقدس وحدد بشكل معين وظيفة العبادة، أما الحكم غير المنصوص فوظيفة العبادة فيه غير محددة وموكولة إلى رأي وولي الأمر.
يعتقد نائيني أن القسم الأول من الأحكام التي يسميها الأحكام الأولية ثابتة ولا تتغير بتغير الزمان والمكان؛ «القسم الأول لا يمكن أن يتغير أو يختلف بتغير العصور والأمكنة، ولا يمكن تصور أي واجب أو سلوك فيه إلا بالتعبد بالمنصوص الشرعي إلى قيام الساعة» (نائینی، ١٤٢٤: ١٣٢). ويُطلق نائيني على الأحكام غير المنصوص عليها اسم الأحكام الثانوية التي يضعها الحاكم الإسلامي وتكون خاضعة للمصالح التي يحددها الحاكم الإسلامي بناءً على مقتضيات الزمان والمكان. ويُعبّر عن هذا الرأي بقوله: «القسم الثاني تابع للمصالح ومقتضيات العصور والأمكنة، وقابل للاختلاف والتغيير بتغيرها» (نائینی، ١٤٢٤: ١٣٣).
بعد تقسيم الأحكام إلى منصوص وغير منصوص أو ما يسمى بالأولية والثانوية، يبيّن نائيني أن التشريع يتم فقط في نطاق الأحكام الثانوية أو غير المنصوص عليها، ولا يشمل التشريع بأي حال من الأحوال نطاق الأحكام المنصوص عليها (نائینی، ١٤٢٤: ١٣٥)، لأن ذلك سيكون بدعة وفتح باب للابتداع في مواجهة الشرع المقدس (نائینی، ١٤٢٤: ١٣٥). وبناءً على هذا الأساس، يحل نائيني التناقض بين تشريع مجلس الشورى وجهاز النبوة والشرع المقدس. أما في مواجهة هذا الأمر مع المرجعية، فإنه يرى أن التشريع من قبل غير المجتهدين في الشرع وتنفيذه من قبل غير المجتهدين «نافذالحكومة» أمر غير مشروع، ويجد الحل في أن يكون المجلس الاستشاري مأذونًا من قبل عمن له ولاية الإذن. لذلك، في فكر نائيني، يمكن لمجلس النواب الذي يُنتخب بشروط خاصة من الشعب لمراقبة وتنفيذ القوانين أن يقوم بالتشريع تحت إشراف المجتهد نافذالحكومة (نائینی، ١٤٢٤: ١٣٤).
وعليه، يتضح جليًا أن الدولة الشورائية في هندسة المعرفة السياسية لميرزا نائيني ذات طبيعة عرضية. بمعنى أن أساس النظام السياسي في فكر ميرزا هو تأسيس الحكم الإسلامي بيد الفقيه. ونظرًا لأنه يرى ذلك مستحيلًا لأسباب مثل السلطنة المستبدة القاجارية الحاكمة في البلاد وعدم إمكانية انتزاعها (نائینی، ١٤٢٤: ٦٨)، وعدم عصمة الفقيه (نائینی، ١٤٢٤: ٤٦)، وعدم إمكانية تعيين مراقب على الحاكم الفقيه؛ فإنه بناءً على مبدأ «ما لا يدرك كله لا يترك كله» (نائینی، ١٤٢٤: ٦٣)، يرى الحل في تقييد السلطنة الغاصبة بتشكيل مجلس شورى يتمتع بوظيفتين رئيسيتين: التشريع في نطاق غير المنصوص عليه، ووضع النظام الداخلي وتقييد الحكم السلطاني المشروط ضمن إطار النظام والقوانين المعتمدة من مجلس الشورى (نائینی، ١٤٢٤: ٤٨)، ووضع الحاكم تحت رقابة مجلس الشورى (نائینی، ١٤٢٤: ٤٨ – ٤٩).
كما يقسم نائيني الرقابة إلى قسمين: أ – الرقابة الشرعية التي يقوم بها المجتهدون، و ب – الرقابة على التنفيذ من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي يقوم بها مجلس الشورى (نائینی، ١٤٢٤: ١٦٧و ٤٩).
وينبغي أن تتم المناقشات والمسائل المتعلقة بالأمور النوعية في فكر ميرزا نائيني بمشاورة الحاكم مع الشعب والمجلس العام أو عقلاء الأمة، حيث يكون للمجلس طبيعة استشارية ويقدم الرأي والاقتراحات سواء كانت ملزمة أو غير ملزمة (نائینی، ١٤٢٤: ٨٤). فالدولة الشورائية التي يقصدها ميرزا نائيني، بالإضافة إلى وظيفة التشريع ووضع النظام الداخلي، تقدم المشورة والاقتراحات في الأمور النوعية للحاكم، وتقوم بالرقابة على الأمور التنفيذية نيابة عن أفراد الأمة استنادًا إلى مبدأ الأمر بالمعروف.
تحليل ودراسة هندسة المعرفة السياسية للشهيد الصدر
١-٢-٢ الخلفيات الأيديولوجية والتشكيل التاريخي للفكر السياسي للشهيد الصدر
يرى الشهيد الصدر (رحمه الله) مثل جميع فقهاء الشيعة أن الأصل في نوع الحكم هو النوع الإلهي الذي يعتبر في فكره مبدأً عامًا وثابتًا وغير متغير (صدر، ١٤٢١ (ب): ٢٤). ويُشار إلى نوع الحكم الإلهي الذي يتحقق في الفكر السياسي الشيعي بتعيين الأئمة المعصومين بتعبير أصل الإمامة المنصوص أو الإمامة بالاصالة (صدر، ١٤٢١(ب): ١٥٤ ونفس المرجع، ١٤٢٣ (ب): ٢٥٨). ومع اعتقاده بأصل الإمامة المنصوص، يرى الشهيد الصدر أن جوهر الحكم يتغير في عصر الغيبة، لأن عصر الغيبة هو عصر فقدان تحقق الإمامة المنصوص عليها (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٥٩).
ويجب الانتباه إلى أنه في سياق مناقشات وكلمات الشهيد الصدر حول الحكم في عصر الغيبة، تظهر ثلاث نظريات:
أ – نظرية الحكم الشورائي التي طرحها في مناقشات «الحكم الشوري أو حكم الأمة» (صدر، ١٤٢٣ (ب)، مبحث الحكم الشوري أو حكم الأمة ص. ٢٥٧).
ب – نظرية ولاية المرجع (الصالح والرشيد) التي عرضها في مناقشات فقهية في «الفتاوى الواضحة» (صدر، ١٤٢٣ (أ): ١٢٦).
ج – نظرية الحكم المركب (حكم شورى الأمة مع إشراف وشهادة المرجع الفقيه) التي قدمها في مجموعة «الإسلام يقود الحياة». وقد طرح الشهيد الصدر هذه النظرية في سنواته الأخيرة (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٥٩).
ونظرًا لوجود هذه النظريات الثلاث، ذهب بعضهم إلى أن نظرية الشهيد الصدر بشأن جوهر الحكم المرغوب فيه في فكره قد تغيرت مع مرور الزمن (حکیم، ١٤٠٨: ٢ -١)، ولذلك يعرضون نظرية الحكم الشورائي (صدر، ١٤٢١(ب): ١٦٠ – ١٦٢، جمشيدي، ١٣٧٧: ٢٣١).
من الواضح أنه بناءً على هذا الأساس لم يُنصب الفقيه في مقام الولاية على المجتمع، لذا فإن ولايته مقيدة بالقضاء والإفتاء والإشراف على تنفيذ الأحكام الشرعية. الشهيد الصدر في “الفتاوى الواضحة” التي تتناول مباحثه الفقهية يتحدث عن صلاحيات المرجع أو ولاية المرجع بصورة عامة وشاملة. وقد ذهب بعضهم إلى أن هناك تحولاً في فكر الشهيد الصدر، وأنه وصل إلى ولاية الفقيه المطلقة (نعمانی، ١٤٢١، ٢: ١٨). وهذه المجموعة تعتبر وثاقة التوقيع الشريف عنده دليلاً على ذلك (نعمانی، ١٤٢١، ٢: ١٨). يجب التنبه إلى أن الشهيد الصدر هنا أيضاً، رغم طرحه مسألة ولاية المرجع، لم يتحدث عن حدود ومقاييس الصلاحيات الحكومية والخصائص الأخرى لها، بل اكتفى بالقول: «المرجع العام له ولاية» دون أن يبين هذه الحدود والمقاييس في أي أبعاد وكيف تكون. ويمكن إزالة هذا الغموض بسهولة بالرجوع إلى مؤلفاته الأخرى. الشهيد (قده) الذي يوضح في «الإسلام يقود الحياة» بجلاء نوع الحكومة التي يقصدها، يولي اهتماماً للجوانب التركيبية للحكومة الشورية للأمة مع إشراف ومراقبة شرعية من المرجع العام (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٦١).
يجب ملاحظة أن هذه النظرية قابلة للتوافق مع نظرية الحكومة الشورية، وكذلك مع نظرية ولاية المرجع. في هذا العمل، يستند الشهيد الصدر لإثبات إشراف المرجع على الحكومة إلى توقيع الشريف، معتمداً على ولاية الفقيه في القضاء والتبليغ وحفظ الدين، وليس على صلاحيات وسلطات حكومية أخرى. لذلك يمكن القول إن توقيع الشريف عند الشهيد الصدر، حتى وإن كان صحيح السند، لا يدل على ولاية الفقيه المطلقة (جمشیدی، ١٣٨٧: ١٧).
ومن هنا فإن الشهيد الصدر (قده) يأخذ ولاية المرجع ونيابة الإمام المهدي (عج) العامة بمعنى الإشراف على تطبيق أحكام الإسلام ومراقبة تنفيذ الشريعة (صدر، ١٤٢١ (ب): ٢٤ و ١٦٢ – ١٦٠).
نظرية الدولة المثلى في فكر الشهيد الصدر هي الحكومة الشورية التي تقوم على الخلافة العامة للإنسان وشهادة الشهود للاستنباط، والتي تكتمل في عصر الغيبة بإشراف المرجع الفقيه، وبعبارة أخرى، تتحول الحكومة في زمن الغيبة إلى حكومة شعبية أو نظام ديمقراطي بإشراف المرجع الصالح والرشيد من الشعب (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٦٢).
في نظر الشهيد الصدر، إذا استُخدم مصطلح الولاية في شأن المرجع العام، فهو بمعنى الإشراف (الشهادة والإقرار)، وليس بمعنى الحكومة بالمفهوم السائد أي ممارسة السلطة. وقد صرح بهذا الأمر بوضوح في مؤلفاته (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٦٢). لذا، إذا استخدم الشهيد الصدر في بعض مؤلفاته مصطلح الولاية بمعنى القيادة والحكم في شأن المرجع الفقيه، فهو يشير إلى الولاية في أمور مثل القضاء والإفتاء (صدر، ١٤٢٣ (أ): ١٢٦). بالإضافة إلى ذلك، في فكره، إقامة الحكومة من واجبات الأمة ومسؤولياتها، ولهذا السبب يختار الناس المرجع الناظر من بين الفقهاء المؤهلين، ويجب التنبه إلى أن المرجع العام لا يحكم نيابة عن الناس أو بوكالتهم (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٦٢).
الظروف الاجتماعية واللغوية التي سادت عصر كتابة الفكر السياسي للشهيد الصدر
بعد رحيل آية الله السيد محسن الحكيم، تولى الشهيد الصدر مرجعية المسلمين في العراق بناءً على طلب علماء المدن والشخصيات الثقافية والسياسية، وأسس لهذا الغرض مكتباً. كانت مرجعية الشهيد الصدر متزامنة مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران. وكان من أوائل العلماء الذين دعموا الثورة الإسلامية الإيرانية بكل جد واجتهاد. وكان يساعد الثورة الإسلامية الإيرانية بكل قوة، ولهذا السبب أوصى وأكد على هذه المسألة بصراحة في رسالة كتبها إلى تلاميذه في إيران.
في الواقع، كان التفقه السياسي للشهيد صدر مرتبطًا بانهيار خطاب الدستور في إيران، حيث بدأ في هذا السياق بتأليف مجموعة تستند إلى الفكر الإسلامي، ومن أبرز نماذجها مسودة الدستور للجمهورية الإسلامية في إيران التي جذبت انتباه فقهاء مجلس خبراء الدستور، ومع ذلك لم يكن الشهيد صدر يرى الفقيه صاحب ولاية مطلقة (صدر، (ب) ١٤٢٣: ٢٥٧؛ ١٤٢١ (ب): ١٥٩؛ ١٤٢١(ب): ١٦٠ – ١٦٢). يجب الانتباه إلى أن الشهيد صدر كان في حوزة النجف إلى جانب أساتذة مثل آية الله الخوئي، وكان لفترة من الزمن من تلاميذ الحلقة الأولى وعضوًا في مجلس الإفتاء لآية الله الخوئي (عنایتی راد، ١٣٧٦: ١٧٠). في المدرسة الفقهية لآية الله الخوئي، يقوم الفقيه بعملية تفقه رياضية في تحليل الأحاديث الدالة على موضوع معين بشكل منفرد ومستقل، حيث يتم تحليلها ودراستها وتقييمها (شب زنده دار، ١٣٩٠: ٢٠٧؛ تح. داماد، ١٣٨٨: ١٠). في هذه المدرسة، يُقسم الحديث إلى قسمين رئيسيين: صحيح وضعيف؛ فالحديث الصحيح ذو قيمة، والحديث الضعيف يُعتبر عديم القيمة. بناءً على ذلك، يقوم فقهاء مدرسة آية الله الخوئي بدراسة الأحاديث الدالة على ولاية الفقيه بشكل منفرد، وبما أن كل حديث يُشكك في سنديته أو دلالته، فإنه يُضعف ويُعتبر عديم القيمة، ولا يُستخلص من مجموعها سوى الصفر (نوری همدانی، ١٣٧٣: ٢٢٥). في نقاش فقهي، يشكك آية الله الخوئي في عموم سند ودلالة الروايات المتعلقة بولاية الفقيه (خویی، ١٤١٨: ٤١٩). وقد أعلن أن الروايات الدالة على ولاية الفقيه تثبت مرادًا قاصرًا (خویی، ١٤١٨: ٤١٩)، وعادةً ما يُضعف أسانيدها (خویی، ١٤١٨: ٤١٩). كما نقد بعض الروايات من الناحية السندية، وناقش بعضها من الناحية الدلالية. بناءً على ذلك، عند جمع النتائج والاستنتاجات من موضوع ولاية الفقيه، يكتب: «الأخبار والروايات التي استُشهد بها لإثبات ولاية الفقيه المطلقة من حيث السند والدلالة تثبت مرادًا قاصرًا»[5] (خویی، ١٤١٨: ٤١٩). يجب الانتباه إلى أن هذه المسألة بشكل سلبي أدت إلى أن الشهيد صدر في فضاء غير روائي، يتناول هندسة معرفته السياسية بمبادئ عقلية.
ماهية الدولة الشورية في هندسة المعرفة السياسية للشهيد صدر
يجب الانتباه إلى أن الشهيد صدر (رحمه الله) يرى السيادة على الأرض أصلاً من حق الإنسان باعتباره خليفة الله. ولهذا السبب يرسم مبدأً بعنوان الخلافة العامة للبشر، ويرافقه مبدأ آخر بعنوان شهادة الأنبياء. من وجهة نظر الشهيد صدر، السيادة قبل كل شيء حق طبيعي ينبع من العلاقة والاهتمام الفطري للمالك تجاه المملوك. وبما أن الله تعالى مالك كل الوجود بما في ذلك الإنسان والمجتمع، فإن السيادة الحقيقية تعود إلى الله. ولهذا السبب، فإن سيادة الإنسان حق مُمنوح من الله للأفراد ليحددوا بموجبه مصيرهم الجمعي والاجتماعي؛ ويعتقد الشهيد صدر أن هذا الحق مُنح للإنسان بناءً على مبدأ الاستخلاف والاستئمام (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٣٠ و ١٢٨).
وفي شرح مبدأ الاستخلاف، يوضح أنه في المرحلة الأولى من حياة الإنسان، كانت السيادة الإنسانية على الأرض تتمثل في خلافة الإنسان واستخلافه، وهو ما يسميه بعصر الوحدة الأولية (صدر، ١٤٢١(ب): ١٤٥). ويبين الشهيد صدر أنه بعد مرور وقت من حياة الإنسان، ظهر عصر التفرقة والاختلاف بين الناس، مما أدى إلى إرسال الرسل والأنبياء من قبل الله. في هذه المرحلة، وبسبب عصمة الأنبياء، يتطابق خطا خلافة الإنسان والرقابة معًا (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٤٨). ونظرًا لأن الشهيد صدر لا يقبل ولاية الزعامة للفقيه، فإنه يرى أنه في عصر الغيبة تتحقق مجددًا «خلافة الإنسان» ويتولى الناس إدارة مصيرهم ومجتمعهم، وتُطرح شهادة الأنبياء وخط الرقابة من قبل «الفقيه الصالح والرشيد» إلى جانب سيادة الإنسان (صدر، ١٤٢١ (ب): ١٥٩). ويصف الخلافة العامة للإنسان، التي هي ولاية مُنحت من الله للبشر، بأنها جعل تكويني، حيث إن جعل وعرض الخلافة العامة على البشر له جانب تكويني وليس اكتسابيًا أو تشريعيًا. إن التكوينية في خلافة الإنسان في النظام المعرفي للشهيد صدر (رحمه الله) تؤدي إلى تشكيل هندسة خاصة في معرفته السياسية. في النظام السياسي الذي تشكل في هندسة معرفته، يمتلك الإنسان بالذات الشروط اللازمة للاستخلاف، ولهذا السبب يُمنح حق السيادة له بطبيعته وذاته كأمانة عامة (صدر، ١٤٢١ (أ): ١١١).
من وجهة نظر الشهيد صدر، هذه الأمانة التي تُؤسس العلاقة بينه وبين المجتمع هي ذاتها الأمانة التي امتنع عنها السماء والأرض (صدر، ١٤٢١(ب): ١٢٨؛ صدر، ١٤٢١ (أ): ١١١). وبناءً على هذه الأمانة العامة التي هي خلق وتقديم حق السيادة الذي يُمنح للإنسان في قالب الخلافة، فهي سنة اجتماعية سياسية وليست تشريعًا وقانونًا (صدر، ١٤٢١ (أ): ١١١ و ١١٣). وبما أن الخلافة أمر تكويني، يستنتج الشهيد صدر أن الإنسان بشكل عام، أي جنس الإنسان، قد تقبل أمانة الخلافة الإلهية (صدر، ١٤٢١(ب): ١٢٧). لذلك، فإن الخلافة أمر عام وشامل يمارس فيه أفراد المجتمع البشري بشكل شورى حقهم في الخلافة والسلطة، ومن ثم تُمنح شرعية الحكم في عصر الغيبة من قبل الناس إلى الحكومة (صدر، ١٤٢١(ب): ١٦١). وقد اعتبر الشهيد صدر مبدأ الشورى تعبيرًا عن هذا الحق (صدر، ١٤٢١(ب): ١٥٤)، وشرح هذه المسألة قائلاً إن سبب تكليف الله تعالى للنبي الكريم، رغم مقام العصمة، بمشورة الناس في الأمور السياسية والاجتماعية وفقًا للآية «وشاورهم في الأمر» (آل عمران:١٥٩) هو إظهار هذا الحق (صدر، ١٤٢١(ب): ١٥٤). ووفقًا لمبدأ الخلافة العامة للبشر، يرى الشهيد صدر أن الآيات المتعلقة بالشورى تدل على أن حق السيادة يعود إلى الناس، الذين يمارسون هذا الحق من خلال تشكيل دولة شورى (صدر، ١٤٢١(ب): ١٥٤).
وبالتأمل في فكر الشهيد صدر يتضح أن الدولة الشورية في فكره ذات طبيعة أصيلة في النظام السياسي الذي يتشكل في هندسة معرفته. فالشورى من جوهر هذا النظام وليس من عرضياته، والوظيفة الأساسية للدولة الشورية في فكر الشهيد صدر هي تحقيق الحق العام للبشر في إطار الخلافة العامة لممارسة حق السيادة الذي يتمتع به كل فرد من البشر.
في الواقع، يقدم الشهيد صدر الشورى كأحد أركان وأسس خلافة الإنسان، وهذه النظرة إلى طبيعة الشورى لها نتائج اجتماعية وسياسية خاصة في تأسيس النظام الإسلامي ومكون المشاركة العامة في إدارة النظام السياسي.
تحليل ومقارنة
من خلال تحليل ودراسة الفكر السياسي لميرزا النائيني والشهيد صدر ورسم هندسة المعرفة السياسية لكل من هذين المفكرين، يتبين خلاف ما هو شائع من مساواة الدولة الشورية في آرائهما؛ فالدولة الشورية لها طبيعة ووظيفة مختلفة في هندسة المعرفة السياسية لكل من هذين المفكرين.
وفقًا لمنهج سكينر في فهم الظروف الاجتماعية والتاريخية السائدة في عصر وفكر النائيني، في هندسة معرفة ميرزا النائيني، السيادة تعود للإمام المعصوم (ع) الذي يتولى هذا الأمر في عصر الغيبة الفقيه الجامع للشرائط. ولعدة أسباب يرى النائيني في عصره أن ممارسة هذا الحق من قبل الفقيه أمر مستحيل. أولاً، يعتبر هذا الحق مغتصبًا من قبل السلطان، ويعتقد أن إزالة هذا الغصب أمر مستحيل، ومن ثم يطرح مبدأ الشورى في إطار تحدي هذا الغصب. فالشورى هي مجلس ممثلي الشعب، والناس يستفيدون من حق الشورى. لذلك، فالفكرة السائدة هي أن السيادة ليست حقًا للشعب، بل الشعب يمتلك فقط حق تقديم المشورة للحاكم. أما في نظر الشهيد صدر، فالدولة الشورية تتأسس على الحق العام للناس على أساس الخلافة العامة للبشر، والشورى هي تحقيق لمبدأ الخلافة العامة للبشر. على عكس النائيني الذي لا يعتبر السيادة حقًا للشعب – بل يعتبر المشورة حقًا لهم – يرى الشهيد صدر أن السيادة حق للشعب. هذان النقطتان تمثلان اختلافًا جوهريًا بينهما. ومن ثم يؤدي ذلك إلى طبيعة مختلفة للدولة الشورية في فكر النائيني والشهيد صدر. فالشورى في فكر النائيني ذات طبيعة استشارية، تسعى من خلال تطبيق القانون ومراقبة تنفيذه إلى تحدي مؤسسة السيادة. أما الدولة الشورية في فكر الشهيد صدر فهي تحقيق لحق السيادة العامة للبشر، حيث يمارس الناس حق السيادة من خلال تشكيل نظام شورى. في الواقع، الدولة الشورية عند الشهيد صدر لا تقتصر على مجلس تشريعي فقط، بل تشمل أيضًا حق تعيين الحاكم. وهذا في حين أن طبيعة الدولة الشورية في فكر ميرزا النائيني تجاه منفذ القانون أو مؤسسة السيادة هي صامتة، بالإضافة إلى أنها تعاني من فرضية وجود سيادة مغتصبة للملك القاجاري. ممارسة حق السيادة في نظر الشهيد صدر تشمل جميع أركان الدولة، والدولة الشورية تحقق حق السيادة للإنسان سواء في مجال التشريع أو في مجال تطبيق القانون.
من البديهي أن الشهيد صدر قد تناول وأبدى رأيه في فضاء جمهوريات الثورات الشعبية ضد النظام الملكي وتيار الثورة الإسلامية، وشرع في التفكير والتأمل. أما ميرزا النائيني، فقد تأثر بالثورة الدستورية وتحدث في سياق خطاب تحدي الملكية، ولهذا إذا قمنا بتحليل نظرية النائيني بمعزل عن ظروف زمانه، يتضح أن هذا الرأي كان ذا طابع عرضي أكثر، ويرى استحالة الرقابة على الفقيه، في حين أن تشكيل مجلس خبراء القيادة في النظام الجمهوري الإسلامي يُعد دليلاً على بطلان فرضية استحالة الرقابة على الفقيه (مجیدی، ١٣٨٩: ١٣٥). وإذا نظرنا إلى المنهج الفقهي لميرزا النائيني، يمكننا أن نستنتج أن سبب امتناع ميرزا النائيني عن طرح حكم إسلامي مباشر من قبل الفقيه الجامع للشرائط، بالإضافة إلى ظروف زمانه، هو عدم إيمانه اليقيني بإثبات الولاية العامة للفقهاء. كما بيّن في شرح هندسة المعرفة السياسية للنائيني، فإنه من بين طيف واسع من الأحاديث الدالة على إثبات الولاية العامة للفقهاء، يعتبر دلالة معظم الأدلة الإيجابية للولاية الفقهية مشكوكاً فيها وغير واضحة (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٣)، ويكتفي فقط برواية عمر بن حنظلة، والتي من وجهة نظر ميرزا هي أيضاً مشكوك في سندها، وهذه القرائن والدلائل تشير إلى أن ميرزا لا يؤمن يقيناً بتأسيس الحكم على يد الفقيه. ولهذا، يؤسس ميرزا أسس ومباني الدولة الإسلامية التي يراها في كتابه “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” على أساس ولاية الحسبة، ويقصر دور الفقيه على الرقابة على القوانين الموضوعية للمجلس (نائینی، ١٤١٣، ج ٢: ٣٣٨ – ٣٣٧). وبعبارة النائيني نفسه، في الأمور النوعية التي تتعلق بالشؤون الإدارية والسياسية للمجتمع الإسلامي، يحق للشعب التشاور مع الحاكم، ويمارس هذا الحق في إطار التشريع، وبما أن هذا الأمر لا يتعارض مع الأحكام الشرعية، فإن هذا التشريع يتم في نطاق غير المنصوصات، ونظراً لاحتمال تعارضه مع فتوى المجتهد الجامع للشرائط في نطاق الحوادث الواقعة، فإن هذا التشريع يتم تحت رقابة المجتهد.
أما الشهيد صدر، فرغم أنه يعتبر السيادة من حق الإمام المعصوم (ع)، إلا أنه في عصر الغيبة، بسبب غياب الإمام المعصوم (ع)، يحلل ويبحث في كيفية تشكيل الدولة الإسلامية على أساس حق الناس العام وفقاً لمبدأ الخلافة العامة للبشر. وبناءً على ذلك، يعرّف الشهيد صدر، خلافاً لكثير من الفقهاء أصحاب الرأي في ميدان الفكر السياسي، دور الناس في عصر الغيبة في إضفاء الشرعية على الدولة الإسلامية.
بعيداً عن الظروف التاريخية والاجتماعية السائدة في عصر هذين المفكرين الإسلاميين، وبالاعتماد على منهج سكينر في فهم السياقات اللغوية والكتابية، يقع ميرزا النائيني والشهيد صدر كلاهما في حوزة النجف، ووفقاً للسياقات اللغوية والكتابية السائدة في حوزة النجف، قاما بتحليل ودراسة الروايات المتعلقة بولاية الفقيه، والشهيد صدر لا يؤسس طبيعة الدولة في الفكر والعمل على أساس الولاية العامة للفقهاء، وكذلك النائيني في العمل، ولكن كلا المفكرين يدرجان رقابة المرجع الجامع للشرائط كجزء من أركان الدولة في تصميم الدولة الشورائية التي يطرحانها.
نقطة انطلاق نظرية الشهيد صدر في الدولة الشورائية مقارنةً برأي النائيني تكمن في هذه المسألة؛ فمع أن كلا الفقيهين يصممان الدولة الإسلامية على فرض عدم وجود ولاية عامة للفقهاء، إلا أن الدولة الشورائية التي يطرحها الشهيد صدر تختلف جوهرياً عن الدولة الشورائية للنائيني.
يعتبر الشهيد صدر، استناداً إلى سيادة البشر على مصيرهم الاجتماعي، في نقاش تأويلي قائم على مبدأ الخلافة العامة للبشر، السيادة حقاً للإنسان، وهذا الحق لا يتعارض مع حق السيادة الإلهية، لأن الله قد منحه للإنسان تكوينياً، والإنسان باعتباره الأمين قبله، ومن أجل حفظ هذه الأمانة وحمايتها، يراقبها مراقب إلهي دائماً، وفي عصر الغيبة يتولى الفقيه الصالح والرشيد هذا الأمر.
نقطة قوة نظرية الشهيد صدر في ماهية الدولة الشورائية مقارنةً بفكر ميرزا النائيني تكمن في هذه النقطة؛ فمع أن ميرزا يعتبر السيادة الشرعية من جانب السلطان المغتصب، إلا أنه لا يصمم الدولة الشورائية التي يطرحها على أساس مبدأ الشورى بحيث تتجاوز الشكل الحكومي، ولهذا لا يتمتع الناس بحق السيادة. في الواقع، الدولة الشورائية التي يطرحها هي شكلية فقط ولا تختلف عن نظرية الحاكم، ولها طبيعة عرضية وشكلية فقط، وتستخدم لإصلاح أعمال الحاكم المغتصب. أما الدولة الشورائية التي يطرحها الشهيد صدر، فهي مبنية على تصميم مبدأ الخلافة العامة للبشر في سبيل الإصلاح الجوهري للسيادة، ومع أنه لا يشمل الولاية العامة للفقهاء، إلا أنه في سبيل الإصلاح الجوهري للدولة، وبقبول رقابة المرجع الصالح والرشيد، يعتبر مبدأ الشورى تحقيقاً للحق العام للناس وأساساً لإضفاء الشرعية على الدولة.
النتيجة
هذا المقال، باستخدام منهج البحث المقارن وبطريقة جمع البيانات المكتبية، قام بتحليل ودراسة الفكر والوثائق المجمعة من آثار ميرزا النائيني والشهيد صدر، وفي فهم الفكر السياسي لهذين المفكرين الإسلاميين تم الاقتداء بفكرة النظرية التأويلية لسكينر. وتؤكد نتائج البحث، بناءً على السؤال «هل تختلف الدولة الشورائية المطروحة في فكر الشهيد صدر اختلافاً جوهرياً عن الدولة الشورائية المطروحة في فكر ميرزا النائيني؟»، على عدة نقاط سيتم شرحها في النص أدناه وتقديمها بشكل مقارن في جدول.
*حق السيادة: في فكر نائيني؛ السيادة تعود للإمام المعصوم (ع) الذي يتولى هذا الأمر في عصر الغيبة الفقيه الجامع للشرائط، أما في فكر الشهيد صدر فإن حق السيادة في عصر حضور الإمام المعصوم، وبما أن المعصوم يتمتع بالكفاءة والأولوية، فإن الحكم والولاية تتجلى فيه، وفي عصر الغيبة الذي هو عصر فقدان تحقق الإمامة المنصوص عليها، يكون حق السيادة للشعب الذي يمارسه بشكل شورى؛
*طبيعة الشورى: الشورى في فكر نائيني تخلق فقط اختلافًا شكليًا في الدولة، وهي من عرضيات الحكم وليست من جوهره، ولهذا لا تُعتبر من مقومات جوهر الدولة، أما الشورى في رؤية الشهيد صدر فهي جوهرية للدولة، ومحققة لحق السيادة وأصلًا للشرعية؛
*وظيفة الشورى: الشورى في فكر نائيني بناءً على حق شوروية الشعب، تختص بالتشريع والرقابة في الأمور النوعية، لذا فهي محدودة ومقيدة للنظام الملكي، أما في فكر الشهيد صدر فهي تحقق حق الشعب العام، وتتمثل في المشاركة العامة في شكل جمهوري لتشكيل الدولة؛
*دور الشعب: في فكر ميرزا دور الشعب هو تقديم الشورى للحاكم بناءً على مبدأ الشورى ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمراقبة سلوك الحاكم، أما في فكر الشهيد صدر فإن دور الشعب هو إضفاء الشرعية على الدولة، والمشاركة في إدارة الدولة، وتحقيق الأمر بالمعروف والرقابة العامة، واختيار مرجع صالح ورشيد لمراقبة أصل الخلافة العامة للبشر؛
*دور الفقيه: ميرزا نائيني والشهيد صدر كلاهما يطرحان رقابة الفقيه كأحد أركان الدولة الشورية التي يقصدونها. رقابة الفقيه في فكر نائيني تكون على تشريع المجلس في نطاق غير المنصوصات، وإذن التشريع بناءً على الولاية العامة في نطاق المنصوصات، أما رقابة الفقيه في فكر صدر فهي رقابة للحفاظ على أمانة الخلافة العامة للبشر، ورقابة على التشريع بسبب ولاية الفتوى والدعوة الإسلامية في نطاق منطقة الفراغ؛
*طبيعة ونوع الدولة الشورية: الدولة الشورية التي يقصدها الشهيد صدر تختلف جوهريًا عن الدولة الشورية التي يقصدها ميرزا نائيني. الدولة الشورية التي يقصدها الشهيد صدر هي من النوع الإلهي مع حق سيادة للشعب، لذا تُعتبر من الدول التشاركية، ومحققة لحق سيادة الشعب في جانب التشريع وفي جانب تطبيق وتنفيذ القانون، أما الدولة الشورية التي يقصدها نائيني فهي من النوع الإلهي، وفي كلا النوعين الإلهي وغير الإلهي لا تعترف بحق للشعب في السيادة والشرعية، بل هي فقط مقيدة للنظام في مجال التشريع.


المصادر والمراجع
الف) فارسی
آشوری، داریوش، (١٣٩١)، دانشنامه سیاسی، الطبعة بیست و یکم، تهران: منشورات مروارید.
اسکینر، کونتینی، (١٣٧٥)، ماکیاولی،ترجمه عزت الله فولادوند، تهران: طرح نو.
جعفریان، رسول، (١٣٧٩)، صفویه در عرصه دین فرهنگ و سیاست، المجلد ٣، الطبعة الأولى، تهران: پژوهشکده حوزه و دانشگاه.
جمشیدی، محمد حسین، (١٣٧٧)،اندیشه سیاسی شهید رابع امام سید محمد باقر صدر، الطبعة الأولى، تهران: دفتر مطالعات سیاسی و بین المللی.
دورکیم، امیل، (١٣٧٣)، قواعد روش جامعه شناسی، المترجم علیمحمد کاردان، الطبعة الخامسة، تهران: دانشگاه تهران.
رجب زاده، احمد، (١٣٧٦)، جامعه شناسی توسعه بررسی مقایسهای –تاریخی ایران و ژاپن، معاونت پژوهشی و آموزشی وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی.
ریگین، چارلز، (١٣٨٨)، روش تطبیقی فراسوی راهبردهای کمی و کیفی،ترجمه محمد فاضلی، تهران: نشر اگه.
طالبان محمدرضا، (١٣٨٨)، روش شناسی مطالعات انقلاب با تاکید بر انقلاب اسلامی ایران، تهران: پژوهشکده امام خمینی و انقلاب اسلامی.
فیرحی، داود، (١٣٩٥)، نظام سیاسی و دولت در اسلام، الطبعة سیزدهم، تهران:منشورات سمت.
کفایی خراسانی، عبدالرضا، (١٣٩٠)، زندگینامه، کنگره آخوند خراسانی، المجلد ١، الطبعة الأولى قم: دبیرخانه علمی کنگره.
لمبتون، آن. کی. اس، (١٣٨٥)، دولت و حکومت در اسلام،ترجمه محمد مهدی فقیهی، تهران: شفیعی.
مجیدی، محمدرضا، (١٣٨٩)، آشنایی با قانون اساسی جمهوری اسلامی ایران، قم: نشر معار.
هیوود،اندرو، (١٣٩٢)، سیاست، الطبعة الثالثة، تهران: نشر نی.
ب) عربی
ابن ابی جمهور احسایی، محمد بن علی، (١٤١٠)، الأقطاب الفقهیۀ علی مذهب الإمامیۀ، در یک المجلد، قم: منشورات کتابخانه آیۀ الله مرعشی نجفی (ره).
ابن ادریس حلی، محمد بن منصور بن احمد، (١٤١٠)، السرائر الحاوی لتحریر الفتاوی، المجلد ٣، قم: دفتر منشورات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علمیه قم.
ابن بابویه، محمد بن علی، (١٣٩٥ق)، کمال الدین و تمام النعمۀ، الطبعة الثانية، قم: دارالکتب الاسلامیه.
ابن منظور، محمد بن مکرم، (١٤١٤ق)، لسان العرب، الطبعة الثالثة، قم: موسسه آل البیت.
اربلی علی بن عیسی، (١٣٨١ق)، کشف الغمۀ فی معرفۀ الأئمۀ (ط – القدیمۀ)، الطبعة الأولى، تبریز: مکتبه بنیهاشمی.
بروجردی، آقا حسین طباطبایی، (١٤١٦ ه ق الف)، البدر الزاهر فی صلاة الجمعۀ و المسافر، مقرر آیه الله شیخ حسین منتظری، قم: دفتر حضرت آیۀ الله.
حر عاملی، محمد بن حسن، (١٤٠٩ ق)، وسائل الشیعۀ، الطبعة الأولى، قم: موسسه آل البیت.
حکیم، سید محمد باقر، (١٤٠٨)، النظریۀ السیاسیۀ عند الشهید صدر، تهران: دفتر آیت ا… محمد باقر حکیم.
راغب اصفهانی، حسین بن محمد، (١٤١٢ق)، مفردات ألفاظ القرآن، الطبعة الأولى، بیروت – دمشق، الدار الشامیه.
شیخ طوسی، محمد بن الحسن، (١٤١١ق)، الغیبۀ (للطوسی)، کتاب الغیبۀ للحجۀ، الطبعة الأولى، قم: موسسه معارف اسلامی.
شیخ طوسی، محمد بن الحسن، (١٤٠٧ ق)، تهذیب الأحکام (تحقيق خرسان)، الطبعة الرابعة، تهران: دارالکتب الاسلامیه.
صدر سید محمد باقر، (١٤٢٣ه. الف)، الفتاوی الواضحۀ (موسوعۀ الشهید الصدر ج ١٦)، ١جلد، الطبعة الأولی، قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
صدر، سید محمد باقر، (١٤٢٣ه.ب) ومضات (موسوعۀ الشهید الصدر ج ١٧)، ١جلد، الطبعة الأولی، قم: مرکز الأبحاث و الدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
صدر، سید محمدباقر، (١٤٢١ه. الف)، المدرسۀ القرآنیۀ (موسوعۀ الشهید الصدر ج ١٩)، الطبعة الأولی، قم: ١جلد، مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
صدر، سید محمد باقر، (١٤٢١ه. ب)، الإسلام یقود الحیاة (موسوعۀ الشهید الصدر ج ٥)، الطبعة الأولی، قم: ١جلد، مرکز الأبحاث و الدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
طبرسی امین الإسلام، فضل بن حسن، (١٤١٧ ق)، إعلام الوری بأعلام الهدی (ط – الحدیثۀ)، الطبعة الأولى، قم: الدارالکتب الاسلامیه.
طبرسی، احمد بن علی، (١٤٠٣ ق)، الإحتجاج علی أهل اللجاج (للطبرسی)، الطبعة الأولى، مشهد: نشر مرتضی.
طریحی، فخر الدین بن محمد، (١٣٧٥)، مجمع البحرین، الطبعة الثالثة، تهران: کتاب فروشی مرتضوی.
قطب الدین راوندی، سعید بن هبۀ الله، (١٤٠٩ ق)، الخرائج و الجرائح، الطبعة الأولى، قم: موسسه امام مهدی.
کلینی، محمد بن یعقوب، (١٤٠٧ ق)، الکافی، الطبعة الرابعة، تهران: الدارالکتب الاسلامیه.
مجلسی، محمد باقر بن محمد تقی، (١٤٠٣ ق)، بحار الأنوار (ط – بیروت)، الطبعة الثانية، بیروت: موسسه الطبع و النشر.
نائینی، میرزا محمد حسین غروی، (١٤١٣ ه ق)، المکاسب و البیع (للمیرزا النائینی)، ٢ المجلد، قم: دفتر منشورات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. اول،
نائینی، میرزا محمد حسین غروی، (١٤٢٤ ه ق)، تنبیه الأمۀ و تنزیه الملۀ، قم: منشورات دفتر تبلیغات اسلامی حوزه علمیه قم. اول،
نعمانی، الشیخ محمدرضا، (١٤٢٤ ه ق)، شهید الأمۀ و شاهدها، ج ١، الطبعة الأولی، قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
مقالهها
جمشیدی، محمدحسین، (١٣٨٧)، «مفهوم و چیستی حکومت دراندیشه سیاسی شهید صدر (ره)»، مجله سیاست، العدد ٧.
جیمز، تولی و غلامرضا بهروزلک، (١٣٨٣)، «روش شناسی اسکینر در تحلیلاندیشه سیاسی»، فصلنامه علوم سیاسی، العدد ٢٨.
شب زنده دار، (١٣٩٠)، «گفتگوی با موضوع نگاهی به مکاتب اجتهادی نجف و قم »، مجله فقه، العدد ٦٧.
المحقق داماد، سید مصطفی، (١٣٨٨)، «تحولات اجتهاد شیعی، سیر تاریخی، حوزهها و شیوهها»، تحقیقات حقوقی، بهار و تابستان، العدد ٤٩.
نوری همدانی، (١٣٧٣)، «روش اجتهادی فقهاء»، مجله نقد و نظر، زمستان، العدد ١.
[1] A system of Logic
[2] للاطلاع على المصادر والمراجع والروايات لهذا الحديث انظر: حر عاملي، ١٤٠٩، ٢٧: ١٤٠؛ قطب راوندي، ١٤٠٩، ٣: ١١١٤؛ طبرسي، أحمد بن علي ١٤٠٣، ٢: ٤٧٠؛ أربلي، ١٣٨١، ٢: ٥٣١؛ ابن بابويه، ١٣٩٥، ٢: ٤٨٤؛ الطوسي، محمد بن الحسن، ١٤١١: ٢٩١؛ طبرسي، فضل بن حسن، ١٤١٧، ٢: ٢٧١؛ المجلسي، ١٤٠٣، ٢: ٩٠).
[3] انظر: عن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله عليه السلام إلى أصحابنا فقال لهم: قولوا لهم احذروا إذا وقعت بينكم خصومة أو تداريتم في شيء من الأخذ والعطاء أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته قاضياً، واحذروا أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر (حر عاملی، ١٤٠٩، ٢٧: ١٣٩؛ طوسی، محمد بن الحسن، ١٤٠٧، ٦: ٣٠٣).
[4] عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، هل يحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له لأنه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به. قال الله تعالى: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرض به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والرد علينا الرد على الله وهو على حد الشرك بالله. الحديث (انظر: كليني، ١٤٠٧، ١: ٦٧؛ الطوسي، محمد بن الحسن ١٤٠٧، ٢: ٣٥٦؛ طبرسي، أحمد بن علي، ١٤٠٣، ٢: ٣٥٦؛ ابن إدريس، ١٤١٠، ٣: ٥٤٠؛ ابن أبي جمهور، ١٤٠٥، ٣: ١٩٢؛ حر عاملي، ١٤٠٩، ٢٧: ١٣٧).
[5] أن الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة سندها أو دلالتها ناقصة.

