فكرة التنوير وموقف حوزة النجف

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ایده روشنفکری و موضع حوزه نجف ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص

من بين الأفكار التي تسللت إلى عالم الإسلام خلال المئة عام الأخيرة، الفكر أو فكرة التنوير التي تدعي أن العقل الذاتي للبشر قادر على حل المشكلات في ميادين النظر والعمل، وأن الإنسان يمكنه الاستغناء عن التعاليم الماورائية والوحيّة. وقد تسللت هذه الفكرة إلى بعض المتعلمين المسلمين وبعضهم من الحوزويين، الذين حاولوا بالاعتماد على العقل التجريبي والمشاهدات العلمية تفسير وتبيين التعاليم الدينية وحتى الآيات والروايات، وبحسب رأيهم، جسروا بين العقل والنقل. تسعى هذه الدراسة المعنونة «فكرة التنوير وموقف حوزة النجف» إلى دراسة موقف النجف تجاه هذا المنهج، وفي هذا السياق، سنشير أولاً إلى نموذج من النشاطات السلبية لحوزة النجف في مواجهة نتاج عصر التنوير، ثم إلى نشاط الشهيد الصدر كمثال من علماء الحوزة، كنموذج من النشاطات الإيجابية التي نظمت الحوزة مستفيدة من الإرث العلوي، وجلبت ابتكارات للعالم الإسلامي، ليُظهر كيف يختلف نتاج التنوير الحوزوي عن نتائج التنوير الغربي.

المؤلف: شمس‌الله مریجی

المصدر: علوم سیاسی، السنة الحادية عشرة، العدد ٤٤، شتاء ٨٧، ص ١٠٣-١٢٢

المقدمة

التنوير، الذي هو في الأصل نتاج غربي ونتيجة المنهج الإنساني في النظر إلى العالم، هو في الحقيقة رؤية في المجالات الاجتماعية والسياسية والقانونية والأخلاقية والدينية، تسعى إلى تقديم تفسير جديد للإنسان وشؤونه الإنسانية. هذه الرؤية هي ثمرة عصر التنوير وتفوق الفلاسفة على الكنيسة في العصور الوسطى. عصر كان الافتراض الأساسي لفلاسفته هو قدرة العقل الذاتي للبشر على حل القضايا والاحتياجات الإنسانية دون الاستعانة بالوحي، وبعبارة أخرى، يمكن للإنسان باستخدام عقله الذاتي تمهيد طريق السعادة والتقدم لنفسه وللآخرين، ولا يحتاج في هذا الطريق إلى الهداية السماوية والتعاليم الوحيّة؛ لأن العقل البشري يمكنه، بالاعتماد على التجربة والعلوم التجريبية، توفير حياة سعيدة للبشر، وكشف أسرار العالم والكون، وتمهيد طريق الهداية.

وفقاً لكانت وأتباعه: يجب على كل إنسان أن يكون حراً دائماً في تطبيق نفسه بشكل عام، وما هو ممنوع أساساً هو الاتفاق على دستور ديني دائم لا يمكن لأحد أن يشكك فيه علناً، وأعتبر أن جوهر التنوير، أي خروج الإنسان من طفولته، يظهر أكثر ما يظهر في الأمور الدينية.[1]

في الحقيقة، التنوير نظرياً ليس إلا تعبيراً متماسكاً ومصاغاً عن الآراء الإنسانية التي ضمن إطار النظرة العالمية لعصر التنوير، سيطرت فكرياً على جميع مجالات العلوم الطبيعية والأخلاقية وغيرها، وخصائص وفروع الفكر في النظرة العالمية للتنوير هي:

  1. أصالة العقل والفهم البشري مقابل الوحي الإلهي؛
  2. مبدأ التقدم [وخاصة التقدم المادي]؛
  3. المنهجية التجريبية؛
  4. ظهور مفهوم جديد للطبيعة (التفسير الرياضي والكمي للطبيعة).[2]

لا شك أن تشكل الأفكار الفكرية، سواء كانت ثقافية واجتماعية أو سياسية وقانونية، كظاهرة ناشئة، يتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بالظروف الاجتماعية وتطورات المجتمع، وهذا الأمر ينطبق حتى على الأفكار المستوردة. رغم أن التنوير فكرة غربية، إلا أن دخولها إلى المجتمعات الإسلامية مثل إيران التي كانت تحت النفوذ الفكري لحوزة النجف، يحتاج إلى بيئة اجتماعية مناسبة وظروف خاصة. يمكن أن يكون تخلف المجتمعات أحد العوامل المهمة جداً التي تهيئ الأرضية لدخول الأفكار المدعية للقدرة. على سبيل المثال، بعد عصر الصفويين والتقدم الملحوظ في ذلك الوقت، تعرضت إيران لتراجع واضح وتخلف ظاهر بسبب عوامل عدة. الهزيمة أمام روسيا ودخول عناصر ضعيفة ومترفة وفي الوقت نفسه متملقة في جهاز الحكم، حولت إيران إلى دولة متخلفة إلى حد أنها لم تستطع الحفاظ على وحدة أراضيها. وكان هذا بدوره بيئة مناسبة لدخول أول تيار تنويري في إيران، الذي كانت بداياته وغاياته نتاج تصادم المجتمع التقليدي والمتخلف في إيران مع حضارة الغرب، ولم يكن فيلسوفاً ولا ناقداً، بل كان يسعى كنموذج للتبعية، كرسول للعصر الحديث، لإيقاظ إيران من سباتها التاريخي وركودها. هذا الجيل في مواجهته مع الحضارة الجديدة، بين الأخذ والنفي الكامل أو الانتقائي، اختار الحضارة الغربية كاملة دون تعديل أو تدخل إيراني.[3]

كانت هذه المجموعة، التي أُرعبت من الحضارة الغربية الجديدة واعتبرتها نتاج وعي الغربيين وتخليهم عن تعاليم الكنيسة، قد وضعت وصفة إدارة الأمور بالعقل والعلم البشري والاعتماد على العقل الذاتي للمجتمع، ورأت الحل في تقليد تلك الحضارة، وبدأت في الترويج والدعاية لها.

لم تكن حوزة النجف تجاه هذه الفكرة والشكوك المنبثقة عنها غير مبالية فحسب، بل تناولتها بطرق مختلفة، لا سيما من خلال منشورات مثل مجلة وادي النجف (التي كانت، بنظرة عامة، تمثل الحوزة وتكون ناطقة باسمها، لأنها كانت مجموعة من عدة رسائل مهمة تُعتبر من أهم المصادر والنصوص في فهم الأفكار والفلسفة السياسية والاجتماعية والثقافية لحوزة النجف، ومن الجدير بالذكر أن المجلات التي كان يديرها رجال دين وعلماء مثل آغا محمد محلاتي، والحاج الشيخ حسين الأصفهاني، كانت تُزَين بطباعة آرائهم في زمن كان ذروة سلطة ونفوذ المرحوم آخوند خراساني.)[4]، وقد تناولت هذه المجلات النقد والرد على تلك الأفكار، وبالفعل جاءت لمواجهة الفكر الغربي التنويري.

تلازم الحضارة والتدين

كتب مؤلفو حوزة النجف ردودًا متعددة على المثقفين الذين اعتبروا أن الوصول إلى الحضارة يتطلب الانفصال عن الدين والتخلي عن التعاليم الوحيّة، على الأقل في المجال الاجتماعي، وضمن اهتمامهم بسياق نشوء هذه الشكوك والريبة التي تمثلها الحضارة الغربية الحديثة، وبعض الذين تعلّقوا بها بسبب دراستهم في الفضاء الأرضي، أصبحوا مروّجين ومبشرين بها، شعروا بأنهم ملزمون بالرد، وشرعوا في الكتابة لتوعية الناس وتعريفهم. ومن بين هذه المقالات، نعرض باختصار نموذجًا لمقال بعنوان “تلازم الحضارة والتدين” الذي نُشر في مجلة الغري:

يعتقد مؤلفو حوزة النجف أن الحضارة والتدين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، ويرون أن كل حضارة لا يمكن أن تكون مفيدة إلا إذا كانت قائمة على التدين. والسر في ذلك أن الحضارة من باب التفاعل ومضمونها الطاعة، أي قبول العيش في المدينة والالتزام بمتطلبات التحضر، ويُطلق على الإنسان المتحضر هذا الاسم بناءً على هذا المعنى. فالإنسان لا يستطيع بمفرده تلبية جميع حاجاته، حتى الشخصية منها، فيختار الحياة الجماعية ليتمكن بمساعدة الآخرين من تلبية احتياجاته.

ومن الواضح أن تلبية الحاجات يجب أن تكون وفق نظام وضوابط تحدد حقوق الأفراد، حتى لا يتعدى أحد حدوده؛ لأن خلاف ذلك، فإن الأفراد، بدافع حب الذات واتباع القوة الشهوانية، سيتصرفون بشكل عشوائي، ولن تكون النتيجة سوى الفوضى في التنظيم وتحول المجتمع إلى تفرق وتفكك. ومن هنا، يُشعر الجميع بضرورة وجود نظام صحيح وقانون كامل، وكل صاحب عقل يدرك هذه الضرورة بوضوح.

من جهة أخرى، الدين هو ذلك القانون الذي وُضع لتنظيم هيئة المجتمع البشري، بحيث يمكنهم في ظل تنفيذه أن يسلكوا طريق الخير والسعادة. والتدين يعني قبول الدين والعمل بمقتضياته؛ كما يُطلق على الفرد الذي يقبل الحياة الحضرية اسم “متحضر”، يُطلق على الفرد الذي يقبل القانون الحاكم على المدينة اسم “متدين”.

وبهذا، فإن الحضارة تابعة للتدين؛ لأن قبول المواطنة يعني الالتزام بنظام الجماعة وقواعدها وقوانينها. وبعبارة أخرى، الحضارة حالة تُستخلص من تطبيق القانون، ويُسمى الشخص الذي يطبق القانون “متحضرًا”. بهذا المعنى، الفرق بين الحضارة والتدين هو فرق مفهومي فقط، أما من حيث الواقع فهما واحد. لذلك، الحضارة تقابل الوحشية. والمتوحش هو من لا يخضع للقانون والمعايير الحضرية والجماعية، ويتصرف بشكل فردي لتحقيق مصالحه الشخصية دون أن يشعر بأي رادع أو مانع.

والآن بعد أن تبين أن الإنسان لا يمكنه الاستغناء عن القانون، وأن كل حضارة هي قانون، يأتي دور المشرّع: من يجب أن يكون هو المشرّع؟ هل يجب أن يكون هناك من يقبل الجميع عبادته ولا خيار لهم سوى الخضوع له، أم أن أفراد المجتمع وفق تصوراتهم وعقولهم يؤسسون قانونًا ويجعلونه معيارًا للسلوك؟ فالله خلق الإنسان وترك له حرية اختيار الحياة الجماعية، وترك له السيادة على نفسه، وزوده بالعقل، والإنسان يعلم أن غياب القانون يؤدي إلى الفوضى وانفصال المجتمع البشري، لذلك يشرع في وضع القانون ويجعل الحياة الاجتماعية ممكنة بناءً عليه.

يعتقد مؤلف مقال “تلازم التدين والحضارة” أن الخالق المتعال هو الذي يتحمل هذه المسؤولية بمقتضى علمه الذاتي وحكمته البالغة، لأن خالق العالم وموجد الممكنات، وفق علمه الذاتي وحكمته البالغة، قد نظر إلى كل شيء قبل وجوده في مخزن العلم والحكمة، وحدد جميع احتياجاته، وعندما يلبس الوجود عليه، يهيئ له متطلبات وجوده ويضعها تحت تصرفه. وإلا، إذا لبس الوجود ولم يرفق متطلبات الوجود، فإما أن يكون هناك نقص في مصنع فيض الإله، أو أنه لا يعتبر ضرورة ذلك، وكلاهما لا يليق بذات الحق. ولهذا نقول إن الموجودات الكائنة قبل الخلق قد أعدت مواد قانون معيشتها، وأعلمها علمًا بقانون وجودها، وعندما خلق آدم، علمه مبادئ العلم وما يحتاجه أولاده، وعلم آدم بالأسماء هو شهادة على ادعائنا بأن هناك تلازمًا بين الحضارة والتدين في الثقافة الدينية، وأن الانفصال بينهما موجود في الذهن فقط وليس في الواقع والوجود، لأنهما في الواقع متحدان وغير منفصلين.[5]

علماء النجف، بعد أن أثبتوا الترابط بين التدين والحضارة، بيّنوا في مقالات أخرى أننا، ونحن نتمتع بدين كامل وقويم، لماذا يجب أن نخاف من التقدم الظاهري وحضارة الغرب؟ إذا كان قانونهم العلماني قد استطاع بناء حضارة وجمع الناس ووضع نظام للمعيشة المادية، فنحن الذين نمتلك المصدر الإلهي اللامتناهي وتعاليم أهل البيت، يمكننا بالتأكيد بناء حضارة ونظام حياة مادي قوي.

نقد تطبيق العلوم التجريبية على التعاليم الدينية

منذ أن اتخذ الغرب طريق نشر وترويج الأفكار العلمانية في الشرق، وخاصة في المجتمعات الإسلامية، لجعل برامجه قابلة للتنفيذ، استخدم العديد من الحيل والأساليب. المتجددون والمثقفون المتأثرون بالفكر الغربي في إيران والعراق، مستلهمين من مفكري الغرب ومثقفيه، كانوا أحيانًا يسخرون علنًا من الدين وتعاليمه، ويعتبرون القيم الروحية قديمة، والإيمان بها رجعية، وسعوا إلى محو هذه الأفكار من أذهان المسلمين، لتسهيل طريق التقدم والازدهار على النمط الغربي في المجتمع الإسلامي، وكانوا يتمنون: ليت ثالثًا يظهر ويحرر أمتنا من أغلب العادات السيئة المضافة من العرب الذين دمروا وطننا الذي هو جنة على الأرض، وجعلونا في هذا الذل والعار والعبودية والحقارة[6].

وأحيانًا كانوا يروّجون للفكرة الغربية في ثوب ديني وباستخدام الأدب الديني؛ كما كتب أحد هؤلاء المروجين للأفكار الغربية في رسالته إلى بلنت الإنجليزي: عندما كنت في أوروبا، درست الأنظمة الاجتماعية والسياسية والدينية في المغرب، وتعرفت على مبادئ الأديان المختلفة وكذلك التنظيمات السرية والماسونية. وضعت خطة تدمج عقل السياسة الغربية مع حكمة الدين. رأيت أن محاولة تحويل إيران إلى صورة أوروبا هي جهد بلا جدوى؛ لذلك قدمت فكرة التقدم المادي في ثوب ديني لكي يفهمها مواطنونا جيدًا[7].

من الحيل التي استُخدمت، تطبيق آيات القرآن على العلم التجريبي الغربي. بهذه الطريقة، كانوا يحاولون ضمنيًا وبشكل غير مباشر أن يوهموا بأن ما في القرآن قد تمكن الغربيون من الوصول إليه اعتمادًا على العقل التجريبي المستقل، بل وزعموا أنهم توصلوا إلى أمور غير موجودة في الآيات!

لكن هذه المكيدة لم تغب عن نظر علماء النجف الحصيفين، فدفعهم ذلك إلى الرد عليها، واستخدموا جريدة درة النجف للرد.

نستعرض باختصار مقالًا لأحد علماء النجف في نقد وتفنيد التفسير التجريبي للقرآن: في بعض المجلات الحديثة، نُشرت تأويلات لبعض الآيات المباركة مثل خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ وآية وَ أَرْسَلَ عَلَيهِ طَيراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهمِ بِحِجَارَه مِّن سِجِيلٍ، مما دفع درة النجف إلى أداء واجبها الضروري في حفظ ثغور الدين الإسلامي.

بدأ كاتب المقال، ليضع القراء في جو النقاش، بتلخيص ما ورد في الصحف من تفسيرات وتأويلات لآيات القرآن، وطلب منهم بعد قراءة هذه التأويلات والانتباه إلى الرد الذي سيقدمه، أن يحكموا بأنفسهم. لذا كتب: في بعض الصحف، فُسّر العلق في الآية المباركة خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ بأنه الميكروبات المنوية التي يعتقد حكماء الغرب أنها نطفة مركبة منها، وقالوا إن المقصود بالعلق هو هذه الميكروبات الصغيرة، وسُميت علقًا لأنها تلتصق بكل ما تصادفه وتتمسك به. أما في الآية المباركة وَ أَرْسَلَ عَلَيهِ طَيراً أَبَابِيلَ، ففسروا طَيراً أَبَابِيلَ بأنها هذه الميكروبات الصغيرة التي تتقلب في الهواء بحجم صغير جدًا، ووفقًا للغربيين، فإن جيش أبرهة الذي جاء إلى وادي بطحاء لهدم بيت الله (الكعبة) أصيب بمرض الجدري ومات. ومن هذا المنظور، فإن تَرْمِيهمِ بِحِجَارَه مِّن سِجِيلٍ ليست حجارة حقيقية، بل هي تشبيه واستعارة.

وهكذا تم التلاعب بعدة آيات أخرى، مستفيدين من التجارب الغربية، وأخذوها إلى التأويل، مثل آيات شق القمر وليلة الإسراء وغيرها[8].

بعد تلخيص ما قاله المؤولون، عرف الكاتب حقيقة التدين وروحه بأنها أمر قلبي، وخضوع واستسلام لا يمكن تحقيقه إلا بالرياضات والمجاهدة، وليس بالغرق في الشهوات. ومن هذا المنطلق، فإن النهي في العديد من الروايات عن تأويل الآيات هو لأن الشهوات النفسية تتسلل إلى التأويل، مما يضر بحقيقة التدين[9].

كتب مؤلف المقال عن نتائج التفسير بالرأي وتأويل الآيات: إذا تأملنا قليلاً، سنجد أن معظم الخراب الديني والدنيوي، وتشتت كلمة أهل الإسلام، وظهور المذاهب الباطلة، ووقوع الحروب الأهلية بين المسلمين منذ العصر الأول وحتى الآن، كلها تعود إلى هذا المصدر الفاسد. لو لم يُفسر الآية المباركة وَ مَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَاناً في العصر الأول وفقًا لهوى النفس، لما أشعل الشاميون حرب صفين، ولو لم يُؤول الحديث النبوي القطعي الصدور والمقبول عند الجميع، حيث قال النبي لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» بعد استشهاد عمار وفقًا لهوى النفس، وكان الشاميون واعين، لكان لهيب الحرب قد خمد، ولم يظهر الخوارج، ولم تحدث مشكلاته اللاحقة.

مع الأسف، لم يتعلموا من هذه العواقب الوخيمة واستمر الأمر في العصر اللاحق، حيث أبقى ملاحدة الإسماعيلية هذا الباب مفتوحًا، ونقلوه إلى البلاد الإسلامية مثل بومباي في الهند وبلوشستان وغيرها، وخلقوا فرقًا مثل خطابية، شلمغانية، شريعة، نميرية، هلالية، بلالية وغيرها، وأجبروا جماعات من المسلمين على إنكار ضروريات الدين.

بعد بيان عواقب التأويل، يسعى المقال إلى توضيح سبب ودافع هذه التأويلات في العصر الحالي، ويكتب:

من الحب المفرط وشدة العشق والتصديق بلا تصور، وتقليد المستغربين للفلسفة الأوروبية في الميكروبات الطبيعية، تشكل نوع آخر من الميكروبات، وهو التقليد الأعمى والغزو الغربي والانبهار بالمظاهر البراقة للكوكب الأرضي، وقد وصل هذا التقليد الأعمى إلى حد تطبيق كل الأمور الروحية بمعانٍ وهمية مأخوذة من مظاهر الغرب، ولم يستثن حتى العرش الإلهي من هذا الأمر. وكل هذا، هو محاولة لترسيخ معتقدات المستغربين وتصديق القيم الدنيوية والعلمانية الغربية، وبالأساس إبعاد الدين والقيم الماورائية عن ساحة الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان.

النقطة الجديرة بالاهتمام هي بصيرة علماء النجف الذين فهموا جيدًا جذور هذه التأويلات، وعلموا أن الغربيين ومروجي فكرهم في الأمم الإسلامية لديهم أهداف وسطى ونهائية مثل إبعاد الدين عن ساحة الحياة الجماعية، وفي النهاية محو الفكر الديني من أذهان المسلمين، وأن لديهم هدفًا نهائيًا من تأويلاتهم وهو إنكار نبوة خاتم المرسلين؛ حيث يكتب: شاهد حجتنا على أن إنكار نبوة رسول الله هو هدفهم النهائي، هو أنهم يؤولون المعجزات الخاصة بخاتم الأنبياء، ويسعون إلى تفسيرها تجريبيًا وماديًا، مستهدفين آيات مثل شق القمر وليلة الإسراء والمباهلة وما شابهها.[10]

على أي حال، كانت حوزة النجف وعلماؤها الواعون، برؤيتهم العالية، بعد التعرف على الانحراف، يقومون بجذره والسير في طريق تنوير الأفكار، وكان هذا السلوك موجودًا على جميع مستويات الحوزة من طلاب وفضلاء إلى علماء ومراجع.

رد فعل حاد من آخوند خراساني تجاه المثقفين

كما أُشير، لم يكن فضلاء النجف وحدهم من يتخذ موقفًا ضد نشر أفكار التنوير والعلمانية. في بعض الحالات، لم يلتزم المراجع الصمت بل أبدوا ردود فعلهم. على سبيل المثال، عندما استولى المتجددون غير المحليين على السيطرة على الصحافة والجرائد في البلدان الإسلامية مثل إيران، وأصبحوا مروجي الانحلال، وتحولت الصحف إلى منابر للجمعيات السرية العلمانية والأحزاب غير الدينية، وفي جريدة «إيران نو» في العدد 121، نشر مقال يقلل من حكم القصاص ويصفه بأنه غير عقلاني وتنفيذ الحكم بأنه غير حكيم، وكتب: إذا حرم شخص آخر من الحياة بدافع الخوف، فلا يحق لجماعة عاقلة من البشر أن تتبع نفس السلوك تجاهه.[11] أثار هذا المقال رد فعل حاد من المرحوم آخوند خراساني، حيث أرسل برقية إلى رئيس الوزراء أعلن فيها لماذا لا يُنفذ الفصل 264 من قانون وزارة الداخلية الذي يمنع المنكرات الإسلامية، وأن المنكرات ظهرت منذ البداية. ألم يخشى الله، هل أولياء الأمور تحت سيطرة بعض الملحدين والمرتزقة الأجانب قد استسلموا أو تخطوا حفظ الدين وتغاضوا عن الدولة الإسلامية، بحيث لا يعيرون اهتمامًا للتساهل والفساد المتوقع في مثل هذه القضايا المهمة؟ على كل حال، في قلع هذه المواد الفاسدة العظيمة قبل ثورة البلاد، يجب بذل عناية مجددة، دينية ووطنية، وبشرى النجاح العاجل مأمولة، إن شاء الله.[12]

الحل الحوزوي في النجف

كما ذُكر، دخول الأفكار الجديدة يحتاج إلى بيئة مناسبة، خاصة الأفكار المستوردة التي تسبب توترات أكثر من الأفكار الجديدة المحلية. دخلت فكرة التنوير إلى المجتمعات الإسلامية في وقت كانت فيه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه البلدان ضعيفة ومتدهورة. كما أن الحوزة، بسبب مواجهتها للاستعمار والاستبداد من جهة، والمشاكل الاقتصادية والداخلية من جهة أخرى، لم تستطع أن تخطو خطوات كبيرة نحو التقدم والازدهار؛ لذلك، كانت في مواجهة الأفكار الجديدة أكثر دفاعية وسعت إلى الرد عليها، لكن أن تأخذ هي زمام المبادرة وتروي العطاشى، لم يكن واضحًا كثيرًا. لكن هذا الوضع تغير في عصر العبقري الكبير في العالم الإسلامي، العلامة الشهيد سيد محمد باقر الصدر؛ رغم أن جهود كبار مثل الحكيم لا ينبغي تجاهلها، إلا أن الحركة الإيجابية للشهيد الصدر لها بريق يجعل كل محقق يتأمل ويدرس أفكاره وآثاره.

هاجر سيد محمد باقر الصدر في عام 1365 هـ ق مع أخيه وعائلته إلى النجف الأشرف، ولم يمضِ عقدان من عمره حتى بلغ درجة الاجتهاد وأصبح من الشخصيات البارزة والمتميزة في حوزة النجف[13]. وبعد رحيل آية الله سيد محسن الصدر في عام 1970، عُرف كأحد ثمانية مراجع تقليد أحياء في النجف[14].

لقد سعى الشهيد الصدر على مدى عقدين من الزمن أولاً إلى إعادة حركة وازدهار الحوزة العلمية في النجف التي كانت قد خبت وهدأت نوعاً ما بعد ثورة العشرين بسبب النضالات السياسية والاجتماعية، ثم انكب على الحركات الإصلاحية والابتكارات في مجالات متعددة من العلوم الإسلامية.

موقف الشهيد الصدر من الهجوم الفكري الغربي

في عصر الشهيد الصدر، كان الاستعمار يتقدم في صورة مدارس وفلسفات مصطنعة، وكان يهدد الهوية الإسلامية للمجتمع. في هذه المرحلة التي كان المؤمنون بالإسلام يعانون فيها بشدة ويخشون، ويبذلون كل جهدهم لمواجهة هذه الهجمات؛ انكب الشهيد الصدر على جهود عميقة لإخماد نار الشيوعية وكذلك لإبطال عداء الاستعمار للدين. فقد استهدف في كتابيه القيمين والعالميين «فلسفتنا» و«اقتصادنا» كلا الجبهتين الهجوميتين، ورسم في هذين الكتابين خطاً فاصلاً على النظرة المادية والمادية الجدلية في الشرق والغرب، وأظهر عجز فكرهم وآرائهم في تفسير منهج الحياة الصحيح بأدلة راسخة، وكشف كذلك عن وجههم المعادي للإنسانية والضد للبشرية[15].

رغم أن السيد الصدر كان يعاني من خطر الشيوعية في العراق، إلا أن وجود هذا الخطر في المجتمعات الإسلامية الأخرى كان يزيد من ألمه. وقد كتب في هذا الصدد: “أنا الآن أشعر بألم ومعاناة كبيرة؛ لأن العراق يواجه خطر الشيوعية، ولكن إذا كان ألمي من أجل الله، وأن يُعبد الله في الأرض، وألا يخرج الناس جماعات من دين الله، فإنني سأشعر بالألم والمعاناة على قدم المساواة وبدون أي فرق بين العراق، أو إيران، أو باكستان، أو أي من دول العالم الإسلامي تجاه أي خطر يهدد الإسلام”[16]. ولم يُنهِ هذا الألم والمعاناة عزيمته أو ييأسه، بل دفعه إلى حركة جديرة بالاهتمام، فكتب الكتب المذكورة، وفيها لم يقتصر على نقد وتقييم المدارس والأفكار المعتدية فقط، بل قدم في دراسة مقارنة نظريات الإسلام أيضاً، لكي لا يبقى المسلم في مواجهة الهجوم في فراغ فكري وأيديولوجي. بالإضافة إلى ذلك، ليُدرك تفوق الفكر الإسلامي، وهذا ما يشير إليه في بداية كتاب فلسفتنا حيث يقول:

“يجب على الإسلام أن يتحدث في ساحة قيادة المدارس، ولكن ببيان قوي وعميق، صريح وواضح، يشمل موضوع الإنسان والحياة الاجتماعية والحكم، لكي يتمكن المسلمون في هذه القيادة من إيصال كلام الله إلى الناس… وهذا الكتاب هو جزء من ذلك الكلام الذي يُبحث فيه مسألة النظرة العالمية للإسلام”[17].

في الكتاب المذكور، علاوة على الرد على وجهات النظر المعرفية للماركسية، انتقد العلامة السيد محمد باقر الصدر أيضاً أحدث مظاهر الفكر المادي. فالبوزيتيفية، التي ربما كانت ذروة المادية العلمية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كانت في الواقع تمرداً على الفلسفة والاتجاه الديني والأخلاقي؛ لأنها كانت تعطي الأولوية فقط للمنهج التجريبي وتعتبر المعرفة مؤكدة وحقيقية فقط إذا تم الحصول عليها بالطرق التجريبية، وكانت تدعي أن الأحكام الدينية، لأنها لا تُستمد بالطرق التجريبية، فهي بلا معنى وطرحها عبثي.

هذا الفكر، من خلال التشكيك في دلالة الأحكام الدينية، شنّ في الحقيقة أعتى وأشد الهجمات على الفكر والمعرفة الدينية. وكان العلامة الشهيد من بين قلة من المفكرين الإسلاميين الذين ردوا على شبهات المعرفة في هذا الاتجاه الفلسفي والمنطقي[18]. وهكذا، جهز من خلال جهده الجيل الشاب المعاصر والمستقبل لمواجهة الهجمات الجديدة للمدارس الغربية، ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت هذه الأعمال وكتابات الشهيد الصدر معروفة على الصعيد العالمي.

موقف الصدر من التقاطع

الموجة الأخرى التي أضرت بالفكر الإسلامي الأصيل في زمن الشهيد الصدر كانت انتشار التفسيرات والتأويلات التقاطعية للدين والمفاهيم الدينية. فمقابل المتحجرين، اتخذت مجموعات طريق التطرف، واعتبرت في صورة التجديد النظرة العالمية والأفكار المستوردة من الشرق والغرب والفلسفات والمدارس الخاصة بها أساساً، وفسرت المعتقدات والتعليمات الدينية في أطر فكرية وأدوات معرفية خاصة بها، وسمّوا هذا الاستسلام الفكري والاعتقادي بالثورة والتجديد في الفكر الديني، وحاولوا تنسيق ثقافة ومحتوى الإسلام مع الأفكار والآراء الحديثة للبشر. وبالطبع، لم تكن نتيجة هذا الجهد سوى موقف انفعالي تجاه الإلحاد العلمي والفلسفي في العصر الحديث، وتراجع عن الفكر الديني، وتقليل قيمة المقدسات الوحيّة، وتجريب الحقائق والمفاهيم الوحيّة، وبعبارة أخرى، تأصيل المذهب الإلهي على الأرض. وكان الشباب المسلم الذين كانوا ينضمون إلى هذه الجماعات بدافع الشعور الديني يفقدون تدريجياً إيمانهم الديني، ويتجهون إلى مدارس تبدو وكأنها تلبي حماستهم ومشاعرهم بشكل أفضل. ومن بين هؤلاء الشباب في إيران، كانت منظمة مجاهدي خلق وفرقان، وفي العراق انضموا إلى جماعات مثل رزگاري والشيوعيين… وكتب الشهيد الصدر عن هذا الفكر التقاطي: “نواجه نوعاً من الفكر الذي أصبح شائعاً بين كثير من المسلمين في عصرنا حول تطور وتحول الإسلام وكيفيته. يعتقد هؤلاء أن أحكام الإسلام يجب أن تتغير مع تغيرات الزمن، وأن تكون تابعة لتدفق حياة الإنسان، ولأن الإسلام، حسب اعتقادهم، كما نزل على النبي6، لا يملك صلاحية تبرير وضع الحياة الحالي للإنسان، فإنه من الضروري لتكييف الدين مع الحياة أن يُلزم المسلمون بتغيير الإسلام إلى لون جديد يتناسب مع الوضع الحالي للعصر. يجب تكييف الإسلام مع الأوضاع السائدة، وليس تكييف الحياة مع القوانين العامة للإسلام”[19].

يعتقد الشهيد الصدر أن إثارة روح الحركة والنشاط بين المسلمين تكون مقبولة وناجحة حينما يتم التجديد في إطار الفكر الإسلامي الأصيل ومن خلال نشر التفسير الصحيح والحيوي له على مستوى المجتمع؛ وإلا فلن تؤدي إلى نتيجة. ويكتب في هذا الصدد: الحركة التجديدية التي تقوم على أساس غير ديني وترتبط بأيديولوجية لا علاقة لها بالإسلام، غير ممكنة؛ لأن مثل هذه الحركة لا تملك القدرة على تفسير الإسلام بشكل صحيح، ولا يمكنها أن تجبر الأمة جمعاء على قبول وجهة نظرها في تفسير الإسلام. أما إذا كانت الحركة التجديدية قائمة على الإسلام وتعتمد ارتباطًا قويًا بمصادر الإسلام بين الجماهير، وتجسد الدين الإسلامي في حكومة تحث الناس على العمل الصالح وتمنعهم من العمل السيئ، فإن مثل هذه الحركة يمكنها أن تجذب وتحرك حتى المحافظين وأصحاب التقاليد نحو البناء والتجديد[20].

يثبت العلامة الشهيد ببيانه ولغته أنه يمكن من خلال الاستفادة من التعاليم الوحيّة والتجديد المستند إلى المعايير الإسلامية، تلبية جميع متطلبات الحياة الدينية، ولا حاجة للجوء إلى الأفكار التي صنعها الإنسان والتي تقوم على استغلال الإنسان والطبيعة. ويكتب في هذا المجال:

اتباع النصوص لا يعني الجمود عليها بحيث يمنع التحول والتجديد في مختلف جوانب الحياة؛ لأن اتباع النصوص يعني الاتباع الكامل للدين وتطبيق الأحكام الدينية دون أي تغيير أو تحريف[21].

اعتبر السيد الصدر الالتقاط تعريفًا عن جهل أو عمد للدين، حيث سلب تعاليم النبي وأفكار الإمام علي بلا مقابل، لصالح ثقافة المادية الشرقية والطبيعية والمنفعة الغربية، ويعتقد أن الإسلام أعطى حياة طيبة وحياة إنسانية للبشر، وبالاعتماد على نصوصه يمكن حل المشكلات القائمة. ومع ذلك، لم يمنعه هذا التفكير، أي الاعتماد على النصوص، من التجديد، فقد أبدع في مجالات مختلفة.

الابتكار الكلامي للشهيد الصدر

علم الكلام هو علم نشأ مع ظهور الإسلام وتربى في حضنه، وكان له تاريخيًا وظيفتان علمية ونظرية. في البداية، كان البعد العلمي لعلم الكلام يغلب على البعد النظري، ولكن كلما ابتعد المسلمون عن العصر النبوي وابتعدوا عن روح القرآن، فقد هذا العلم وظيفته الأساسية، وحلّت المناقشات النظرية محل تعميق العلاقة مع الله تعالى. ويعتقد عبد الجبار رفاعي أن هذا الانفصال الشديد بين الوظائف العملية والنظرية يمكن ملاحظته في كتابات وجهود المتكلمين في فترات مختلفة، الذين اكتفوا بعدة محاور نظرية فقط:

أ) توضيح أصول عقائد الإسلام، وتحديد حدود الدين ومجالاته مقابل أصول عقائد الأديان الأخرى؛

ب) تقديم البراهين على المعتقدات الدينية بالاعتماد على القياس الأرسطي، ومحاولة زيادة الأدلة وشرح هذه البراهين بطرق مختلفة؛

ج) رد الشبهات ومكافحة الإشكالات العقائدية التي يثيرها الأعداء[22].

مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، تصاعدت الضجة في جميع أنحاء البلاد الإسلامية مطالبة بإعادة النظر في منظومة علم الكلام الموروثة. قام سيد جمال الدين الأسد آبادي، الكواكبي، ومحمد رشيد رضا بمحاولات في هذا الاتجاه، ولكن يمكن اعتبار عالم جليل مثل العلامة الطباطبائي أول مبتكر في هذا المجال. وبعده، في منتصف ستينيات القرن العشرين، تحدث الشهيد الصدر عن «علم الكلام الحديث» وابتكر في هذا العلم. ويكتب الدكتور عبد الجبار رفاعي في هذا الصدد:

لم يكتفِ العلامة الشهيد بالأسلوب القديم للقياس الأرسطي، بل حل مشكلة الاستقراء المنطقي وكيف يمكن للاستقراء غير التام أن يولد العلم واليقين، من خلال طرح وجود التولد الذاتي في الاستقراء بالإضافة إلى التولد الموضوعي.

بعد اكتشافات منهجية جديدة في التفسير، تجاوز كيفية نمو وزيادة المعرفة في المدرستين التجريبية والعقلية، وأسس «مدرسة المعرفة الذاتية». فالمدرسة العقلية تقبل غالبًا طريقًا واحدًا لنمو المعرفة وهو التولد الموضوعي؛ بينما المدرسة الذاتية تتبع طريقين: التولد الموضوعي والتولد الذاتي؛ بمعنى أنه يمكن تفسير الجزء الأكبر من المعرفة على أساس التولد الذاتي. التولد الذاتي يعني إمكانية خلق المعرفة على أساس معرفة أخرى، دون وجود ارتباط موضوعي بين موضوعي المعرفتين. هذا التولد يعتمد على التلازم بين المعرفتين ذاتيهما، لا بين موضوعيهما. طريقة التولد الموضوعي الوحيدة ليست الطريقة التي استخدمها بنفسه للحصول على العلوم الثانوية، بل العقل إلى جانب التولد الموضوعي يستفيد من طريقة أخرى هي التولد الذاتي[23].

ومن الجدير بالذكر أن العلامة محمد باقر الصدر لم يكتفِ بالاكتشاف، بل طبق هذا المنهج في مجالات معرفية كثيرة، ففي علم أصول الفقه وفي مباحث العلم الإجمالي، والتواتر، والإجماع، والسيرة، طبق منهجه. كما استخدم الاستقراء والاحتمالات في إثبات وجود الله[24].

لم تقتصر ابتكارات الشهيد الصدر على علم الكلام فقط، بل أبدع أيضًا في التفسير والأصول. على سبيل المثال: في التفسير، حيث كان «المنهج التفريقي» هو الطريقة الوحيدة في التفسير منذ القرن الأول الهجري، بينما تطلب التقدم الجديد في العالم، خاصة في المجال الاجتماعي والدولي، أساليب جديدة في التفسير تلبي الاحتياجات والاكتشافات والاتجاهات الفكرية الوحيّة الجديدة، وتتجاوز وجهات النظر المتفرقة حول حقائق القرآن.

كان الشهيد صدر يعتقد أن الفهم التفريقي لآيات القرآن، لأنه يكتفي بفهم هذا الجزء أو ذاك فقط، غالبًا لا يتجاوز الفهم الجزئي للآيات، وأن ما ينتج عن هذا الإدراك هو في أقصى حد مجموعة من مدلولات القرآن الكريم، وهذا الإدراك نفسه جزئي. وهكذا، في هذا الإطار، رغم أننا نصل إلى منظومة واسعة من المعارف والمدلولات القرآنية، إلا أن هذه البيانات تكون متفرقة ولا تستفيد من التماسك والارتباط الداخلي، وفي النهاية لا يمكن من هذه المجموعة أو المجموعات التوصل إلى نظرية أو رؤية قرآنية تكون نافعة في كل مجال من مجالات الحياة[25]. وللتغلب على هذه النقيصة، ابتكر الشهيد طريقة التفسير الموضوعي.

وقد طرح العلامة الشهيد في باب أصول الفقه أيضًا مباحث جديدة:

ـ نظرية جديدة في تفسير الأحكام الظاهرية؛

ـ تأسيس رؤية محددة ودقيقة حول السيرة المتشرعة وسيرة العقلاء؛

ـ نظرية التبديل في علم الرجال التي تم تناولها في حجية الخبر الواحد؛

ـ نظرية حق الطاعة مقابل نظرية قبح العقاب بلا بيان؛

ـ نظرية «القرن الأكيد في الوضع» حول العلاقة الوضعية بين الألفاظ والمعاني وكيفية دلالة اللفظ على المعنى؛

ـ بطلان سيادة الأصول على بعضها البعض حين تكون النتيجة متساوية؛

ـ إمكانية إدخال الترخيص في جميع جوانب علم الإجمال[26]؛

ومن النقاط التي لا ينبغي التغافل عنها أن الشهيد صدر، رغم احترامه للجهود العلمية للسابقة، كان معارضًا لتقديس كل تراثهم. فهو يرى أن هذا التقديس يقيد الفكر، بمعنى أنه كأن كل الإجابات موجودة في كتب السلف، ودورنا هو الحراسة والحفاظ على التراث، لا نقده والتنقيب فيه وتحفيز عناصره وفهم النص المقدس في فضاء حياتي معاصر[27].

الشهيد صدر والنظام السياسي

لم تقتصر ابتكارات الشهيد على مجال العلوم الإسلامية فقط، بل قدم في المجال السياسي أيضًا حلولًا مستندة إلى التعاليم الوحيّة، وأظهر أن المذهب الإسلامي قادر على تقديم هيكل مناسب لتنفيذ القوانين الإلهية.

وبالنظر إلى كتابات وأفكار الشهيد صدر الخالدة حول الحكم والنظام السياسي الإسلامي، يمكننا مقارنة النظام الديمقراطي الغربي بالعبارات التالية:

أ) مصدر السيادة؛ في النظام الديمقراطي، الشعب هو مصدر السيادة، أما في النظام الإسلامي، فالله هو مصدر السيادة؛ لأن السيادة أولًا وبالذات له، والناس مسؤولون أمام الله؛

ب) ممارسة السيادة؛ في الديمقراطية، يمنح المواطنون أصواتهم للحكومة، أما في النظام الإسلامي، فالسيادة والخلافة الإنسانية غير قابلة للتفويض؛

ج) القانون؛ في الديمقراطية، هو ظاهرة وضعية واتفاقية، أما في النظام الذي يطرحه الشهيد صدر، فالقانون له جزء ثابت (من الدستور شريعة الله تعالى) يقوم على العدل الإلهي وعدم التمييز؛

د) الرقابة؛ في الحكم والنظام السياسي الإسلامي، هناك رقابة من المرجع على سلوك الحكام والأمة، ورقابة الأمة على الحكام؛ بينما في الديمقراطية الغربية، لا توجد جهة مختصة تراقب الحكومة؛

هـ) مسؤولية الحكومة؛ في الديمقراطية، تكون الحكومة إما مؤيدة للحرية وأصالة الفرد وبالتالي ضامنة لمصالحه، أو مؤيدة لأصالة المجتمع والضمان الاجتماعي الذي يضمن مصالح المجتمع؛ أما في الحكم الإسلامي، فهي تمثل مصالح المجتمع وتوازن بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع؛

و) مصدر الحكم؛ في الديمقراطية، هو العقد الاجتماعي، أما في الحكم الإسلامي، فالسيادة مبنية على الفطرة وفقًا للجعل التكويني؛

ز) نتيجة وكفاءة الحكم؛ في النظام الإسلامي، يزيد المساواة بين القادة والشعب، وتساويهم أمام الله وحساب الآخرة، ورقابتهم المتبادلة، والتزامهم وكفاءتهم الفعالة، بينما في النظام الديمقراطي، تكون كفاءة الحكم مرتبطة بتحقيق مصالح أصحاب السلطة والثروة[28].[28]

خاتمة القول

ما سبق كان نظرة إجمالية إلى نشاطات الحوزة العلمية في النجف الأشرف تجاه فكرة التنوير والمثقفين خلال المئة عام الماضية، ورأينا كيف أن علماء هذه الحوزة اليقظين، إلى جانب التعرف على المشكلة، أدركوا أهدافها واتخذوا موقفًا منها، فكانوا كحراس صالحين وسالمين يدافعون عن مجال القيم الإلهية والعلوية، وتمكنوا جيدًا من تعريف العطاشى للحقيقة بالمكائد المتنوعة التي تدخل يوميًا بألوان وأشكال خاصة إلى المجال الفكري والذِكري للمجتمعات الإسلامية، وهذه الحوزة القديمة القوية قدمت في كل مرحلة زمنية تلاميذ مثل الشهيد العلامة سيد محمد باقر صدر للمجتمع الإسلامي، لكي يتمكن أتباع التشيع من الالتحاق بصفوف هؤلاء النخبة العلمية والعملية وتلبية حاجاتهم الفكرية والذهنية، والاستفادة من التعاليم الدينية والإسلامية لتسهيل طريق حياتهم المادية والروحية.

على أي حال، كان للحوزة في النجف موقفان سلبي وإيجابي تجاه فكرة التنوير والمثقفين: الموقف السلبي كان في الحقيقة التشكيك في تعاليم التنوير ومحو مكائدهم بكتابة المقالات والجلوس على منبر العلم والوعظ، والموقف الإيجابي كان في الواقع تقديم حلول مستندة إلى التعاليم الوحيّة، وكانت نشاطات الشهيد صدر نموذجًا لهذا الموقف، وقد استعرضنا باختصار بعضًا من نشاطات ذلك الشهيد.

 

 

[1]. كانت وآخرون، ما هي التنوير، ترجمة سيروس آريان بور (تهران: انتشارات آگاه، 1376) ص 26.

[2]. إرنست كاسيرر، فلسفة عصر التنوير، ترجمة يدالله مؤمن، ص 17.

[3]. أمير جهاندار، التنوير والسياسة (تهران: انتشارات مرکز اسناد انقلاب اسلامی، 1383) ص 23.

[4]. موسى نجفي، الحوزة وفلسفة الحداثة في إيران (تهران: موسسه مطالعات تاریخ معاصر ایران، 1379) ص 138.

[5]. مجلة الغري، السنة الأولى، الجزء الأول، 1328 هـ ق، مقتبس من مقال «تلازم التدين والحضارة».

[6]. فريدون آدميت، أفكار ميرزا فتحعلي آخوند زاده (تهران: انتشارات خوارزمی، 1349) ص 123.

[7]. نفسه، فكرة التقدم وحكم القانون في عصر السبهسالار (تهران: انتشارات خوارزمی، 1381) ص 64 ـ 65.

[8]. درة النجف، الجزء الرابع والخامس، السنة الأولى، رجب 1328 هـ ق.

[9]. المرجع نفسه.

[10]. المرجع نفسه.

[11]. المرجع نفسه، العدد الرابع والخامس، مقتبس من الحوزة النجفية وفلسفة الحداثة في إيران، ص 370.

[12]. النجف، العدد 6، السنة الأولى، 16 جمادى الأولى، 1328 هـ ق، مقتبس من المرجع نفسه، ص 491.

[13]. محمد الحسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (بیروت: دارالفرات، الطبعه الاولی، 1989) ص 62.

[14]. شمس الله مريجي، الأسس الفكرية والظروف الاجتماعية للحركات المعاصرة في العراق (قم: انتشارات بوستان کتاب، 1387) ص 303.

[15]. راجع: «نظرة إلى الجهود الإحيائية للشهيد الصدر»، عباس مخلصي، مجلة الحوزة (قم: سال چهاردهم، ع. 80 ـ 79) ص 128.

[16]. «المحنة»، الشهيد الصدر (قم: د.ت.، منشورات ذو الفقار) ص 28.

[17]. الشهيد محمد باقر الصدر «فلسفتنا»، (المجمع العلمی للشهید الصدر، 1408) ص 6.

[18]. عباس مخلصي، المرجع السابق، ص 130.

[19]. المرجع نفسه، ص 133.

[20]. «الإسلام يقود الحياة» الشهيد الصدر، المرجع السابق (طهران: د.ت.، وزارة الإرشاد الإسلامي) ص 181.

[21]. الشهيد السيد محمد باقر الصدر، «التشيع أم الإسلام الحقيقي»، ترجمة علي أكبر مهدي بور (طهران: منشورات روزبه) ص 70.

[22]. أبعاد التجديد الفكري للشهيد الصدر»، د. عبد الجبار رفاعي، ترجمة حسين عباسي، مجلة بگاه الحوزة، العدد 205، ص 7.

[23]. المرجع نفسه، ص 8.

[24]. راجع إلى: «الأسس المنطقية للاستقراء» السيد محمد باقر الصدر، بيروت: دار التعارف، 1982.

[25]. «المدرسة القرائية»، الصدر السيد محمد باقر، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1401 ـ 1981، ص 80.

[26]. راجع إلى: «حلقات الأصول»، الشهيد محمد باقر الصدر (بیروت: دارالتعارف للمطبوعات، 1404).

[27]. «أبعاد التجديد الفكري للشهيد الصدر»، المرجع السابق، ص 6.

[28]. راجع إلى: «اقتصادنا»، الإسلام يقود الحياة، الأسس الإسلامية، لمحة فقهية تمهيدية … والأطروحة المرجعية الصالحة (من فكر القائد الشهيد) (طهران: جماعة العلماء، المجاهدون في العراق).