إعادة التفكير في معيار المسألة الأصولية مع دراسة مذهب المحقق النائيني

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ‌ ‌‌‌بازاندیشی‌ ملاک مسأله اصولی با رهیافتی به مکتب محقق نایینی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تهدف هذه المقالة إلى إعادة التفكير في معيار المسألة الأصولية، من خلال نقد المناهج التقليدية في التعرف على هذه المسألة عبر تعريف علم الأصول. بالإشارة إلى أن أكثر من عشرة تعريفات، في الغالب عرفية وغير منطقية، قد قدمها الأصوليون مما أدى إلى إطالة غير ضرورية في مناقشات الأصول، يؤكد البحث على ضرورة التمييز بين دراسة المسألة الأصولية وتعريفها. في هذا السياق، وبالمنهج الوصفي-التحليلي، يُدرس المعيار المقدم في مدرسة المحقق النائيني القائم على «ما يُعتبر الكبرى في الاستدلال». تطرح المقالة اعتراض الشهيد الصدر على معيار النائيني — الذي كان يرى أن هذا المعيار يؤدي إلى خروج العديد من المسائل الأصولية المسلمة (مثل ظهور الأمر في الوجوب) من علم الأصول — مما يمهد الطريق لتقديم معيار أدق وأشمل.

في المتابعة، ومن خلال تبني مناهج حديثة لعدم الافتراض في مسائل الأصول والاهتمام بغرض تأليف علم الأصول، وكذلك استنادًا إلى مفهوم «اللابشرط من حيث المادة الفقهية»، يُشرح معيار متماسك. هذا المعيار الجديد يُستخلص مباشرة من تعريف علم الأصول عند الشهيد الصدر. وبناءً عليه، يُعبّر عن معيار المسألة الأصولية كما يلي: «العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي التي تخص بابًا فقهيًا». هذا المعيار الذي يتضمن ثلاثة شروط «الاشتراك»، «في الاستدلال الفقهي»، و«الاختصاص بباب فقهي»، ومن خلال شرط «الخاصّة» في تعريف الشهيد الصدر، يستبعد المسائل المشتركة في جميع العلوم (اللابشرط مطلقًا)، مثل القواعد المنطقية، من المسائل الأصولية، ويُقدم كمعيار دقيق للتعرف على المسألة الأصولية.

المؤلف: أحمد صابري مجد، محمد جواد حيدري خراساني

المصدر: مجلة بحوث أصولية، صيف 1401، العدد 31(ب)، ص 81 إلى 98

المقدمة

يُعتبر تعريف علم الأصول من مقدمات علم الأصول التي خصص لها الأصوليون نقاشًا مستفيضًا، وثمرته يمكن اعتبارها في التعرف على مسائل علم الأصول. كل أصولي، بسبب عدم شمولية وتعذر الحصر في التعريفات السابقة، حاول أن يقدم تعريفًا مناسبًا إلى درجة أنه تم تقديم أكثر من عشرة تعريفات لعلم الأصول. ونظرًا لأن أياً من هذه التعريفات لم يكن تعريفًا منطقيًا، بل كانت تعريفات لغوية أو عرفية، يمكن القول إن هذا النزاع بين الأصوليين لا أساس له؛ لأن الخصائص التي تحملها التعريفات غير المنطقية والعرفية تسمح بالقول إن جهود الأصوليين في هذا المجال أدت إلى إطالة مباحث الأصول، وأن هذه النقض والإبرام التي حدثت في تعريف علم الأصول لم تثمر نتائج ذات أهمية. ومن خلال التدقيق والتحليل النقدي في هذا المجال، يتضح أن ذكر مثل هذا التمهيد لعلم الأصول تحت عنوان تعريف علم الأصول بهذا الاتساع لم يكن ضروريًا، بالإضافة إلى أن التطرق إلى مثل هذه المواضيع يتطلب وقتًا طويلًا من الباحث الأصولي.

من أهم آثار تعريفات علم الأصول والدقة الكبيرة للأصوليين في تعريفه، هو التعرف على المسألة الأصولية. لا يمكن اعتبار تعريفات علم الأصول مؤشرًا أو معيارًا دقيقًا لتشخيص المسألة الأصولية. لذلك، لتقديم معيار دقيق، يجب تجاوز التعريفات ودراسة معيار المسألة الأصولية بشكل منفصل. في هذه الحالة، يمكن من خلال منهج حديث في تفسير معيار مسائل علم الأصول تجاوز نزاعات الأصوليين والتأكيد على تقديم معيار المسألة الأصولية. تقديم وتفسير دقيق لمعيار المسألة الأصولية يُعد من مسائل المعرفة، وهذا المنهج الحديث يمكن أن يقدم مقياسًا دقيقًا لتحديد المسألة الأصولية. لتقديم معيار وضابط مسائل الأصول، تحظى مدرسة ميرزا النائيني بمكانة مهمة بسبب تأكيدها على شمولية وكليّة مسائل علم الأصول. في هذه المدرسة، سُعي إلى تقديم مسائل أصولية بمعيار واحد وشامل يشمل جميع مسائل علم الأصول. تحليل ونقد وجهة نظر المحقق النائيني وتلاميذه يمكن أن يكون خطوة مهمة للوصول إلى معيار متماسك ودقيق لتحديد معيار المسألة الأصولية. الآن يمكن طرح السؤال: ما هو معيار المسألة الأصولية في مدرسة ميرزا النائيني وكيف يمكن الوصول إلى معيار دقيق للمسألة الأصولية؟ لم يُعثر على بحث مستقل للإجابة على هذا السؤال.

١. وجهة نظر ميرزا النائيني في تقديم معيار المسألة الأصولية

قدم ميرزا النائيني، ضمن تعريف علم الأصول، أول معيار لتشخيص المسألة الأصولية كما يلي: «العلم بالقواعد التي إذا انضمت إليها صغرياتها أنتجت نتيجة فقهية وهو الحكم الكلي الشرعي الثابت لموضوعه المقدر وجوده على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية.» (خویی، ١٤١٩، ج ١، ص ٣)

المقصود بالقواعد في هذا التعبير هو الكبريات التي تُناقش في المنطق الأرسطي. بمعنى أن كل استدلال فقهي يتكون من صغرى وكبرى. الصغرى في البحث بالتأكيد ليست مسألة أصولية ولم تُؤخذ من المسألة الأصولية، بل أُخذت من علوم مثل الفقه والرجال. لذلك، ما يقع في الكبرى من الاستدلال يُعتبر مسألة أصولية. (نایینی، ١٤٠٦، ج ١، ص ١٨)

يعتقد نائيني أن الخبر الواحد متوقف على أمور مثل معرفة معاني الألفاظ، سلسلة سند الخبر، تمييز الرواة وتمييز الثقة من غيرهم، والتي تُستخدم لحجية الخبر واستنباط الحكم الشرعي. (جزایری، ١٤١٣، ج ٨، ص ١٢٠) على سبيل المثال، وجوب الصلاة مثل الخبر، متوقف على معرفة تركيب الكلمات ومواقع إعرابها، وتمييز الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر. مكانة هذه الأمور هي الصغريات في الاستدلال، وما يتعلق بعلم الأصول هو الكبريات في الاستدلال، مثل «كل خبر ثقة فهو حجة». لذلك، علم الرجال يقتصر على وثاقة زرارة فقط؛ أما علم الأصول فيبحث هذه المسألة على النحو التالي: «كل ثقة هو حجة». ولهذا السبب، اعتبر المحقق نائيني معيار علم الأصول هو «ما يقع كبرى في عملية الاستدلال» وهو الحكم الكلي الشرعي مقابل الحكم الفرعي، لا الحكم الأصلي.

من أسباب اختيار مثل هذا القيد عند ميرزا نائيني يمكن القول إن المقصود من الكلي في اعتقاده هو «الجعل» مقابل «المجعول»؛ لأن مصطلح «الجعل والمجعول» هو ما استخدمه نائيني. مع ذكر مثال يمكن توضيح المقصود بـ«الجعل»: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» (آل عمران /٩٧) بمجرد نزول هذه الآية يثبت الحكم الكلي ويُعتبر واجبًا شرعيًا؛ لكن قد لا يكون في وقت نزولها شخص مستطيع للحج، وبالتالي لا يقع التكليف بالوجوب على أي من المكلفين. مثال آخر هو صلاة الظهر، فإذا لم يوجب الشارع الصلاة قبل دخول وقتها، يكون الأمر كذلك؛ ولكن لو نزلت الآية قبل دخول وقت صلاة الظهر بساعة، تصبح صلاة الظهر واجبة. في هذا الوقت (وقت نزول حكم وجوب صلاة الظهر) لا يكون الوجوب على أي من المكلفين، لأن صلاة الظهر مشروطة بزوال الوقت ولم يأتِ وقت الظهر بعد. (لنکرانی‌‌‌‌‌، ١٣٧٩، جلسه ١٣) يعتقد ميرزا نائيني أن الاستنباط هو جعل كلي بهذا المعنى، لكن وجوبه على شخص معين لم يكن محل نظره. المهم هو استنباط وجوب الصلاة والحج والصيام، ووجوبها على فرد معين خارج عن عملية الاستنباط. لهذا السبب، قيد نائيني عملية الاستنباط باستنباط الحكم الكلي مقابل الحكم الجزئي المتعلق بشخص معين. وقد سمى هذا الحكم الجزئي «المجعول». ومن ثم، يكون الجعل أحيانًا فعليًا والمجعول غير فعلي، بمعنى أن شروط التكليف لم تتحقق بعد ليكون الوجوب على الفرد الخاص.

اعتراض المرحوم الشهيد صدر على معيار نائيني

يرى الشهيد صدر أن معيار ميرزا نائيني فيه إشكال، ويعتقد أن مقتضى هذا المعيار هو خروج كثير من مسائل علم الأصول، وهي مسائل لا شك في أصوليتها ولا تقع في كبريات الاستدلال، بل تقع في صغريات البحث. على سبيل المثال، «الأمر الظاهر في الوجوب» مسألة أصولية معروفة، وقد أدرجها الأصوليون في بحث «صيغة أو مادة الأمر الظاهرة في الوجوب» وهي من أهم مسائل علم الأصول، لكنها لا تقع في كبريات اليأس. (صدر، ١٤١٧‌، ج ١، ص ٢٧‌) من هذه المسألة يُستنتج الحكم الكلي بإضافة الصغرى إليها، لكن وفقًا للمعيار الذي طرحه ميرزا نائيني، لا تُعتبر مسألة أصولية ولا تدخل في عملية الاستنباط. السبب هو أنه إذا كان الخبر مثل خبر زرارة يحتوي على أمر مثل «صلّ»، فهو خبر ثقة فيه أمر بالصلاة، وهذا الأمر هو الصغرى في الاستدلال والكبرى هي «كل أمر ظاهر في الوجوب». وبذلك، تكون النتيجة «هذا الخبر ظاهر في الوجوب». بناءً عليه، لدينا قضية تخبرنا الأخبار وظاهرها يدل على الوجوب.

يقول الشهيد صدر إن من يعتقد أن كل ظهور هو حجة، فإنه يواجه خبر زرارة الذي فيه ظهور في الوجوب أو الحرمة. لكن الاستدلال عليه يكون صحيحًا إذا كانت نتيجة القياس الأولى هي الصغرى، وأضيفت إليه قضية «كل ظاهري هو حجة»، وليس قضية «الأمر الظاهر في الوجوب»، لأن ذلك يكون مخالفًا لمباني المرحوم ميرزا (قمی‌‌‌‌‌، ١٢٩٩، ج ٢، ص ١٧٥) ولكل الأصوليين الذين يرون أن بحث الأوامر والنواهي من مسائل علم الأصول.

باختصار، يرى الشهيد صدر أن المعيار الذي ذكره المرحوم نائيني، رغم أنه يخرج كثيرًا من مسائل علم الرجال واللغة والنحو والصرف من علم الأصول، لكنه في المقابل يدخل كثيرًا من مسائل الأصول التي لا تُستنتج إلا بإضافة الكبرى إلى الحكم الكلي ضمن علم الأصول. كما أن وفقًا لهذا المعيار، مسائل «اجتماع الأمر والنهي» ومسألة «اقتضاء الأمر من النهي من الضد» التي تُعد من أهم مسائل علم الأصول، ستخرج من هذا العلم.

السبب في ذلك أن هذه المسائل تُعتبر لتحقيق الصغرى لكبرى أخرى، لأن اجتماع الأمر والنهي محال، أي أن دليل الأمر يتعارض مع دليل النهي، ويُطرح السؤال: أيهما مقدم، الأمر أم النهي؟ لذلك، تُبحث المسألة في باب التعارض، لأنه في هذا الباب يتحدد تقديم أحد الأمرين على الآخر. ولهذا السبب، حقق بحث اجتماع الأمر والنهي صغرى باب التعارض، وفي هذه الحالة تكون المسألة تعارضية أصولية، أما مسألة اجتماع الأمر والنهي فلا تكون كذلك لأنها ليست كبرى القياس، إذ وفقًا لمعيار المرحوم النائيني، المسألة الأصولية هي التي تُستنبط من الكبرى. وبناءً على هذا المعيار، يخرج عدد كبير من مباحث علم الأصول من دائرة العلم الأصولي.

١-١. البحث والنقد

كان الشهيد الصدر يرى أن مقتضى معيار المحقق النائيني هو خروج كثير من مسائل علم الأصول. وهذا النقد على كلام الشهيد الصدر قائم على أنه افترض الكثير من مسائل علم الأصول مسلّمًا، وبناءً عليه حكم بخروج هذه المسائل من علم الأصول. أما ميرزا النائيني فقد أورد مباحث الأوامر والنواهي رغم أنها خارجة عن علم الأصول، لأنه حين أراد البحث في الكبرى في الاستدلال على الحكم الشرعي، اعتبر هذه المباحث معتمدة على الصغرى، وهذه الصغريات أسسها علوم أخرى مثل علم اللغة والرجال، ولأنه لم يجدها في علم آخر، اضطر إلى ذكرها استطراديًا. لذلك، فإن اعتراض الشهيد الصدر المبني على خروج بعض المسائل الأصولية المسلّم بها هو مغالطة (مصادرة على المطلوب). نعم، أشار ميرزا النائيني في كتاب فوائد، بناءً على مذهبه، إلى خروج بعض المسائل مثل القواعد الفقهية، لأنها أحكام كلية لا يُستنبط منها حكم كلي، ولا تُعد من “الكبريات”. وفي هذه الحالة، الأحكام الكلية هي ذاتها السلسلة من العام إلى الخاص التي نوقشت في علم المنطق (تبریزی‌‌‌‌‌‌، ١٣١٣، ج ١، ص ٤٣٦؛ فیاض‌‌‌‌‌، ١٤٢٨، ج ١، ص ١٦).

هنا قد يُطرح سؤال مفاده أن بناءً على هذا المعيار ستزداد المباحث الاستطرادية في علم الأصول. والجواب أن هذا الاعتراض لا يخل بمعيار النائيني، لأن نصف مباحث علم الأصول استطرادية. على سبيل المثال، وفقًا للرأي المشهور، فإن بحث القطع وحجيته، وهو أحد أبواب علم الأصول التفصيلية، ليس مسألة أصولية، رغم أن بعض الأصوليين احتسبوه من مسائل علم الأصول (موسوی خمینی، ١٣٨١، ج ٢، ص ٨١).

وكذلك مسألة الحسن والقبح العقلي، والأمر بين الأمرين، والتفويض والجبر والإرادة، والبحث فيما إذا كان طلب النفس إرادة أو غير ذلك، والعديد من المسائل الأخرى، تُعد من المباحث الاستطرادية. ومن أسباب وجود هذه المباحث الاستطرادية في علم الأصول يمكن اعتبار عدم وجود مباحث مستقلة في الكلام والفلسفة والتاريخ والتفسير في الحوزات العلمية.

مع ذلك، عندما يصل الفقيه إلى مسألة تتعلق باستنباط الحكم الشرعي، ولو كانت تفسيرية، فإنه يلتزم بدراستها ضمن علم الأصول، لأنه لم يعثر عليها أو يدرسها سابقًا. خلاصة القول، أن اعتراض الشهيد الصدر في هذا الشأن ليس دقيقًا بالنسبة لمعيار ميرزا النائيني.

ومن الجدير بالذكر أن اعتراض الشهيد الصدر على معيار ميرزا النائيني المبني على اشتراط كون المسألة الأصولية في كبريات القياس لا يزال قائمًا، لأن بعض المسائل التي اعتبرها النائيني أصولية تخرج من دائرة المعيار في عملية الاستنباط. فقد ذكر في الجزء الأول من كتاب فوائد أن مسألة “ظهور الأمر في الوجوب والنهى في الحرمة” من مسائل علم الأصول، ولكن مع الشرح المقدم حول اشتراط الكبرى في عملية الاستنباط، فإن هذه المسألة تخرج عن المعيار الذي قدمه ميرزا النائيني.

٢. وجهة نظر المحقق الخوئي في تقديم معيار المسألة الأصولية

هذان هما المعياران للمسألة الأصولية وفقًا لوجهة نظر المحقق الخوئي. هذه الرؤية مبنية على منهج واقعي واعتبار مسائل علم الأصول مسائل حقيقية، وتسعى إلى تقديم معيار يعتمد على القضية الخارجية يكون جامعًا لكل المسائل الموجودة في علم الأصول. وقد أوضح في تفسير معيار المسألة الأصولية أن المسألة الأصولية هي التي إذا ضُمّت صغراها، تؤدي إلى حكم فقهي كلي. والشرط الآخر لكون المسألة أصولية هو أن تُدرس المسألة الأصولية بمفردها دون أن تُضاف إليها مسألة أصولية أخرى. على سبيل المثال، “ظهور الأمر في الوجوب” لكي تصل إلى نتيجة تحتاج إلى ضم مسألة أصولية أخرى وهي “كل ظهور حجّة”. لذلك، المسألة الأصولية التي لا تُضاف إليها مسألة أصولية أخرى هي مسألة أصولية حقيقية.

هو يعتقد أن معيار المسألة الأصولية يقوم على ركنين. الركن الأول هو أن تطبيق الأحكام الشرعية ليس بطريقة التطابق بل بطريقة الاستنباط. الفرق بين هذين هو أنه في التطابق يوجد حكم واحد له مصاديق متعددة، أما في الاستنباط فالحكم واحد مستمد من حكم آخر لم يكن جزءًا من ذلك الحكم بل هو حكم مختلف. على سبيل المثال، «خبر الثقة حجة» قاعدة كبرى يُستنبط منها وجوب الصلاة أو الصيام. لذلك، المستنبط ليس الصلاة واجبة لتطابقها مع فرد معين مثل زيد.

الركن الثاني للمسألة الأصولية يبيّنه هكذا: «أن يكون وقوعها في طريق الحكم بنفسه دون حاجة إلى ضم كبرى أصولية أخرى، وعليه فالمسألة الأصولية هي المسألة التي تتصف بذلك» (خویی‌، ١٤١٠‌، ج ١، ص ١٢). من هنا، رغم أن مسائل العلوم الأخرى تدخل في عملية الاستنباط، إلا أنها ليست بنفسها كذلك، بل تكون مسألة أصولية عندما تُضم إليها قواعد كبرى أخرى. على سبيل المثال، «زرارة ثقة» يحتاج إلى ضم «كل خبر ثقة حجة» وإذا أُضيف إليه «هذا خبر زرارة» ينتج حكم شرعي.

وبناءً على ما سبق، معيار المسألة الأصولية هو أن تكون المسألة بنفسها ومنفردة دون الحاجة إلى ضم مسألة أخرى في عملية استنباط الحكم الشرعي. هذا المعيار هو نفسه معيار ميرزا النائيني، بالإضافة إلى شرط عدم الانضمام في قواعد القياس الكبرى.

١-٢. الدراسة والنقد

المحقق الخوئي يعترف بأن كثيرًا من المسائل الصحيحة والعامة والمشتقة قُدمت خارج هذا الضابط (خویی، ١٤١٠، ج ١، ص ١٣)، لذا فإن الضابط ليس خاليًا من العيوب ولا تزال كثير من مسائل علم الأصول تقع خارجه.

كما أن مقتضى المعيار المقدم هو أن حجية الظاهر ليست من مسائل علم الأصول. بمعنى أن حجية الظاهر لا تخرج عن حالتين ولا يمكن تصور حالة ثالثة؛ إما أن «هذا الأمر ظاهر في الوجوب» أو يحتاج إلى ضم «كل ظاهر حجة» أو لا يحتاج.

إذا افترضنا عدم الحاجة إلى هذا الضم، فإن «كل ظاهر حجة» لن تكون مسألة أصولية. وإذا افترضنا الحاجة إلى الضم، فإن «كل أمر ظاهر في الوجوب» لن تكون مسألة أصولية. المحقق الخوئي اختار الاحتمال الأول واعتبر أن «كل أمر ظاهر في الوجوب» مسألة أصولية ويجب ضم «كل ظاهر حجة» إليها (هاشمی شاهرودی‌‌‌‌‌، ١٤١٩، ج ١، ص ٢٤‌)، بمعنى أنه اعتبرها مسألة مفروغًا منها ومسلّمًا بها وليس مسألة أصولية حتى لا يتأثر المعيار بالضم. لذلك، اضطر إلى التخلي عن قواعد كبرى مثل «حجية الظاهر» وعدم اعتبارها مسألة أصولية.

وبناءً على ما تقدم، لا بد أن المحقق الخوئي في مسائل الضم يقر بأن مثل هذه المسائل كحجية الظاهر ليست من مسائل علم الأصول، أو أنه تخلى عن قواعد كبرى مثل حجية الظاهر واعتبرها خارجة عن مسائل الأصول حتى لا يقع في إشكال على أساس مذهبه.

كما ذُكر، هو يعتقد أن حجية الظاهر ليست من مسائل علم الأصول، بل من المسلّمات العلمية، وإذا لم تكن من المسلّمات، فإن أساس جميع الشرائع سيزول (هاشمی شاهرودی‌‌‌‌‌، ١٤١٩، ج ١، ص ٢٤).

في نقد هذا الرأي يمكن القول إن من الضروري والمسلم به عند اعتبار مسألة ما من أي علم، استبعاد عشرات المسائل التي عُني بها ذلك العلم بشكل خاص. وبهذا الشكل، تُعتبر العديد من مسائل علم النحو والفلسفة من المسلّمات واليقينيات، مما يستلزم استبعاد هذه المسائل من ذلك العلم. على سبيل المثال، مسألة «اجتماع نقيضين محال» من المسلّمات ولا تحتاج إلى برهان؛ لكن كونها مسألة في علم المنطق من البديهيات. وكذلك إذا اعتُبرت «الظهور حجة» من المسلّمات، يثار السؤال عن سبب وجود خلافات كثيرة بين الأصوليين بشأنها، وخصوصًا المحقق الخوئي الذي تناول مسألة حجية الظواهر بشكل مفصل.

٣. المنهج الحديث في تقديم معيار المسألة الأصولية

يبدو أنه باتباع منهجين، هما عدم افتراض المسائل الأصولية مقدمًا، والاهتمام بغرض تأليف علم الأصول، يمكن التوصل إلى معيار دقيق للمسألة الأصولية. المنهج الأول هو أنه لا ينبغي النظر إلى ما يُعرف بالمسألة بين الأصوليين ثم محاولة تبرير كونه مسألة؛ (هادوی تهرانی‌‌‌‌‌، د.ت.، ص ١٨٥) لأن هذا يعني إقامة الدليل بعد وقوع الفعل. عدم الانتباه إلى هذا المنهج أدى إلى أن تكون المعايير التي قدمها بعض الأصوليين خالية من الدقة وبدون فائدة؛ كما ورد في تقديم المعيار من قبل ميرزا النائيني بأن المسألة الأصولية هي التي تكون كبرى الاستدلال، وكل ما يُعتبر صغرى لا يعد مسألة أصولية. (عبدالساتر، ١٤١٧‌، ج ١، ص ٥٣‌) هذا الرأي يدل على أن العديد من مسائل علم الأصول قد فُرضت مقدمًا، وبناءً عليه قُدم هذا المعيار. لذلك، اعتبر الشهيد الصدر أن المعايير المقدمة من الأصوليين هي بمثابة تبرير للمسائل الموجودة في علم الأصول. بناءً على ذلك، يجب ألا يكون المنهج في النظر إلى مسائل الأصول تبريريًا أو تصحيحيًا للواقع الخارجي، بل يجب أن يكون الاهتمام بتقديم معيار دقيق ومتقن.

المنهج الثاني هو أن يكون المعيار المقدم متماسكًا مع غرض تأليف علم الأصول. لكل علم غرض، وكما يرى صاحب الكفاية، يتم تمييز العلوم بواسطة الأهداف والغايات. ومن هذا المنطلق يتضح أن الاهتمام بغرض وهدف علم الأصول يمكن أن يكون عنصرًا ومنهجًا مهمًا في تقديم معيار دقيق للمسألة العلمية. (رشتی‌‌‌‌‌‌، حبیب‌ الله بن محمد علی‌‌‌‌‌، ج ١، ص ٣٢؛ خراسانی‌‌‌‌‌، محمد کاظم بن حسین‌‌‌‌‌، ١٤٠٩، ج ١، ص ٧) ولهذا السبب، يجب على من يقدم معيار المسألة الأصولية أن يولي اهتمامًا خاصًا بغرض علم الأصول، وأن يكون المعيار المقدم متماسكًا مع غرض وهدف علم الأصول.

٤. توضيح معيار المسألة الأصولية المبني على «لابشرط من حيث المادة الفقهية»

الاهتمام بمقدمات لابشرط يمكن أن يكون دليلاً دقيقًا لتقديم معيار أصولي. من خلال توضيح العناصر المعرفية وبمساعدتها يمكن التعبير عن مقياس دقيق للمعيار الأصولي. تنقسم المقدمات بشكل عام إلى خمسة أقسام.

القسم الأول من المقدمات هو أنها ليست خاصة بعلم الفقه أو علم آخر، بل تشمل جميع العلوم. لا يمكن إيجاد علم لا يحتاج إلى مثل هذه المقدمات. هذه المقدمات تشبه الشكل الأول للقياس المنطقي، الذي تحتاج إليه جميع العلوم مثل الفقه، الكلام، الفلسفة، والحقوق في عملية الاستدلال. وتسمى هذه المقدمات اصطلاحًا «لابشرط» من حيث المادة، وهي تشبه القوالب التي توضع فيها المواد الكلامية، الفقهية، والحقوقية. (سند‌، ١٣٩٤، ج ٢، ص ٢٢٥)

القسم الثاني من المقدمات هو مقدمات «بشرط شيء»؛ أي المقدمات التي بشرط مادة معينة. هذه المقدمات بالنسبة إلى مقدمات القسم الأول تُعتبر لابشرط، لأن وجود مادة معينة يجعلها بشرط شيء، ولابشرطيتها أيضًا بسبب وجود مواد متعددة مدرجة تحتها. تعدد الحيثيات يؤدي إلى تعدد العلوم.

التوضيح أن الموضوع يُنظر إليه من حيث وجوده التام ومن حيث هو هو، وهو شيء؛ لكنه من حيث الحيثيات متعدد. (حائری‌‌‌‌‌، د.ت.، ج ١، ص ٨) بناءً عليه، القسم الثاني رغم كونه بشرط شيء، إلا أن العديد من العلوم مدرجة تحته، ولذلك يُعتبر لابشرط من حيث هذه العلوم، ولا يتعارض مع كونه بشرط شيء من حيث اعتبار آخر. بناءً عليه، مقدمات القسم الأول هي من المقدمات المشتركة بين جميع هذه العلوم، والقسم الثاني من المقدمات المشتركة بين أكثر من علم، لكنها ليست مشتركة بين جميع العلوم.

القسم الثالث من تقسيم المقدمات هو المقدمات المشتركة في علم واحد، والمدرجة تحت موضوع ذلك العلم. على سبيل المثال، في علم الفقه، الفعل المكلف، حيث يُناقش أحيانًا فعل معين ومحدد للمكلف، مثل «الربا حرام» أو «لحم الأرنب حلال». وأحيانًا لا يكون الفعل المحدد محل نظر، ولا يُناقش شيء معين. من خلال دراسة الفقه كله يتضح وجود عنصر واحد مشترك مثل عنوان الحِلّية، الذي يُبحث عنه في كل باب فقهي لمعرفة ما إذا كان الشيء حلالًا أم لا. هذا الشمول يشمل جميع أبواب الفقه. (حائری‌‌‌‌‌، ج ١، ص ٢١)

به اين توضيح روشن مي‌شود كه الفقه علم واحدي است، ولهذا هذا القسم من القسم الثاني يتميز عنه. القسم الأول كان مشتركًا في جميع العلوم، والذي عُبر عنه بـ«لابشرط» مطلقًا، والقسم الثاني أيضًا «لابشرط» صنفي، والقسم الثالث يُعد من جهة بشرط الشيء ومن جهة أخرى لابشرط.

على سبيل المثال، «خبر الثقة حجة» أو «الظهور حجة» أو «الاستصحاب حجة» يُعتبر بشرط الشيء؛ لأنه في النتيجة الاستصحاب ليس هيئة، بل مادة. خبر الثقة… أيضًا مادة. ولكن إذا أُخذ هذا الاستصحاب مع أبواب الفقه (من أول باب الطهارة إلى آخر باب الديات) فيُعد لابشرط، وكما أن الاستصحاب يسري في الأحكام التكليفية، فإنه يسري أيضًا في الأحكام الوضعية. وكذلك هذا الاستصحاب يسري في العبادات والمعاملات. بناءً على ذلك، هذه المقدمات من حيث المادة الفقهية هي لابشرط، والفرق بين هذا القسم والقسم الأول هو أن القسم الأول كانت المقدمات من حيث المادة مطلقًا لابشرط. ولهذا، مقدمات القسم الثالث لابشرط مطلقًا من حيث الفقهية، لأنها ليست خاصة بباب الضمان أو الوكالة أو التجارة، بل تشملها. إذًا القسم الثالث لابشرط من جهة المادة الفقهية، وإن كانت هذه المقدمات نفسها من حيث اعتبارها بشرط الشيء، لأنها تتحدث عن مقدمات مثل الاستصحاب أو خبر الثقة أو الظهور أو … .

وبالتالي، كان القسم الأول لابشرط مطلقًا، والقسم الثاني لابشرط الذي يضم تحته علومًا كثيرة، والقسم الثالث لابشرط الذي يضم فقط علم الفقه المدرج تحته.

لابشرط القسم الثالث يمكن تصوره بطريقتين. الطريقة الأولى هي أن يكون «بشرط الشيء» من حيث نوع الحكم المستفاد من المادة الفقهية، مثل صيغة «افعل» التي تُعد «بشرط الشيء» من حيث نوع الحكم، حيث لا يثبت بها الكراهة، بل يثبت بها الوجوب فقط.

الطريقة الثانية هي أن يُعتبر «لابشرط» من حيث نوع الحكم المستفاد من المادة الفقهية، مثل حجية خبر الواحد والاستصحاب. (مظفر‌، ١٤٠٥، ج ١، ص ١٨٩) حجية خبر الثقة تثبت الحرمة، والوجوب، والاستحباب، والكراهة، وأحيانًا تثبت به الأحكام التكليفية والوضعية. وأحيانًا يثبت الاستصحاب الطهارة أو النجاسة، وأحيانًا الحكم التكليفي أو الوضعي. بناءً على ذلك، خبر الثقة والاستصحاب من حيث نوع الحكم لابشرط الشيء. (آشتیانی‌‌‌‌‌، ١٤٠٣، ج ٢، ص ٢٢١) هكذا، الطريقة الأولى مع أنها لابشرط من حيث المادة الفقهية، فهي أيضًا لابشرط من حيث نوع الحكم. أما الطريقة الثانية فهي لابشرط من حيث المادة الفقهية، لكنها بشرط الشيء من حيث نوع الحكم أيضًا. مثل هذه المسألة التي تقول «صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب»، ولكن لا يمكن استعمالها في الحرمة، لأن صيغة الأمر محددة للوجوب، ولكن بما أن الفقه ليس له باب معين ومحدد، فإنه يسري في جميع أبواب الفقه.

القسم الرابع من المقدمات هو أن يكون في عملية الاستدلال على الحكم الشرعي عنصر مشترك؛ بحيث يكون لابشرط من حيث الباب الفقهي واحدًا، مثل باب الديات أو النكاح أو … . باب الديات أو الأبواب الأخرى التي تُعد جزءًا فقط من أجزاء علم الفقه، لكنها ليست كل الفقه. (حیدری‌‌‌‌‌، ١٤٢٨، ج ١، ص ٥٩) بناءً على ذلك، في القسم الرابع الحديث عن هذه الأمور المشتركة ليس في العلم الواحد، بل فقط في الباب الواحد من ذلك العلم.

على سبيل المثال، عندما يكون النقاش في باب التجارة، فإن مبدأ مثل «أصل اللزوم في العقود» يؤدي إلى لزوم العقود التي يحاول المتعاملون بدون سبب فسخها. مثل هذا المبدأ هو مسألة من مسائل باب العقود، وفي كل باب هناك عشرات المسائل من هذا النوع.

من المهم ذكر هذه النقطة أن بعض القواعد والمبادئ في هذه الأبواب الفقهية تكون مشتركة أحيانًا، لكن هذا لا يعني أنها مسائل أصولية، لأن المسألة الأصولية هي التي تكون «لابشرط من حيث المادة الفقهية»، مثل قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» التي رغم أنها مطروحة في معظم أبواب الفقه، لكنها ليست لابشرط من حيث المادة الفقهية، بل مثل قاعدة الطهارة التي لا يمكن اعتبارها مسألة أصولية.

القسم الأخير هو أن تكون المقدمات متعلقة بمسألة خاصة، مثل مسألة الغسل الارتماسي في باب الصيام، هل هذا الغسل يبطل الصيام أم لا؟ هذا القسم لا يدخل ضمن القسم الأول الذي كان بشرط شيء، ولا القسم الثاني، لأن علومًا متعددة لا تندرج تحته، ولا هو من القسم الثالث أو الرابع؛ لأنه لا يشمل عدة مسائل.

٥. دراسة ومطابقة معيار المسألة الأصولية المبني على «لابشرط من حيث المادة الفقهية» مع رؤية الشهيد الصدر

استنادًا إلى عدم اعتبار المسائل الأصولية مفترضة مسبقًا، وكذلك مراعاة غرض تأليف علم الأصول الذي ذُكر سابقًا، والمبني على «لابشرط من حيث المادة الفقهية»، تُدرس وتُقيَّم رؤية الشهيد الصدر في تعريف المسألة الأصولية التي وردت ضمن تعريف علم الأصول. فقد قال الشهيد الصدر في تقديم معيار المسألة الأصولية ضمن تعريف علم الأصول: «علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة التي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعي الكلي» (صدر، ١٣٧٠، ج ٣، ص ٢٩).

في بيان الشهيد الصدر، ذُكر قيدان؛ الأول هو قيد «الاشتراك»، والذي مع وجود التقسيم الذي ذُكر للمعيار، يشمل هذا التعبير «لابشرط» مطلقًا و«بشرط شيء» و«لابشرط من حيث المادة الفقهية». أما القيد الثاني فهو «في الاستدلال الفقهي»، حيث يستبعد القسمان الرابع (في عملية الاستدلال على الحكم الشرعي يكون العنصر مشتركًا بحيث يكون لابشرط من حيث باب فقهي واحد، مثل باب الديات أو النكاح) والخامس (المقدمات متعلقة بمسألة خاصة، مثل مسألة الغسل الارتماسي في باب الصيام)، لأن هذين القسمين (الرابع والخامس) يجريان في الاستدلال الفقهي في باب خاص أو مسألة خاصة. في القسم الرابع (النقاش حول مثل هذه الأمور المشتركة؛ ليس في علم واحد، بل فقط في باب واحد من ذلك العلم) يكون الاستدلال الفقهي في باب معين، وفي القسم الخامس يكون في مسألة خاصة.

وفقًا للتقسيم الذي ذُكر لمعيار الأصولي، فإن «لابشرط من حيث المادة الفقهية» يشمل فقط المسألة الفقهية. والآن، لتمييز القسم الأول (المقدمات المشتركة لكل هذه العلوم) والقسم الثاني (المقدمات المشتركة لأكثر من علم) يمكن طرح السؤال: هل قيد «الاشتراك» يشمل هذين القسمين أيضًا؟ فكيف يمكن اعتبارهما مسألة أصولية مع أنهما ليستا كذلك؟ توضيح هذا الأمر هو أن قيد «خاصة» يستبعد القسمين الأول والثاني. بناءً عليه، يبقى القسم الثالث فقط (مقدمات مشتركة في علم واحد وتندرج تحت موضوع ذلك العلم) الذي يُعتبر «لابشرط»؛ مثل حجية الخبر الواحد والاستصحاب ( ایروانی‌‌‌‌، ٢٠٠٧، ج ١، ص ٤٨١). ونتيجة لذلك، وبالنظر إلى ثلاثة قيود «الاشتراك»، «الاستخدام في الاستدلال الفقهي» و«الاختصاص بباب فقهي»، يمكن صياغة معيار المسألة الأصولية على النحو التالي: «العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة».

الدراسة والنقد

أهم نقد وُجّه إلى هذا المعيار هو رأي المحقق السيستاني، وهو كما يلي:

«إذا كان المقصود من العنصر المشترك في هذا المعيار هو شمول جميع أبواب الفقه، فإن هذا الموضوع لن يتوافق مع قوانين الأصول» (سیستانی‌‌‌‌‌، ١٤١٤، ص ١٢٧). في الواقع، جوهر الإشكال يعود إلى معنى ومقصود الاشتراك. بمعنى أنه إذا كان المقصود بالاشتراك هو الحضور في جميع المسائل الفقهية، فلا توجد مسألة تجري في كل المسائل الفقهية. وإذا كان المقصود هو المشاركة في بعض أبواب الفقه، ففي هذه الحالة توجد بعض الظهورات اللفظية التي تجري في معظم أبواب الفقه.

الرد هو أن هذه الظهورات إما أن تكون بشرط شيء من حيث المادة أو لا تكون. إذا كانت هذه الظهورات اللفظية بشرط شيء من حيث المادة، فإن الشهيد الصدر، مع مراعاة التقسيم الذي قدمناه، جعل «لابشرط» من حيث المادة هو المعيار؛ مع أنه إذا كانت تلك المسألة «بشرط شيء» من حيث المادة، فإن ذلك يلتزم بالأصولية. بمعنى آخر، الشهيد الصدر لا يعتقد أن المسألة الأصولية هي التي تكون مشتركة في جميع أبواب الفقه، وبالتأكيد لم يكن هذا تعبيره المقصود (سیستانی‌‌‌‌‌، ١٤١٤، ص ١٢٧). الإشكال المهم الآخر للمحقق السيستاني هو أن «بعض الظهورات اللفظية في بعض أبواب الفقه، مثل ظهور كلمة “يحرم” أو “لا بأس” أو ما شابهها، تُدرج ضمن المسألة الأصولية، مع أن هذه لا تُعتبر من مسائل علم الأصول» (سیستانی‌‌‌‌‌، ١٤١٤، ص ١٢٧). والرد على هذا الإشكال هو أن هذه الظهورات اللفظية هي مسائل أصولية.

لأن الحرمة «لابشرط من حيث المادّة الفقهية» قد أُخذت بعين الاعتبار، ومع أن بشرط الشيء من حيث نوع الحكم يكون من قبيل النهي أو الأمر. النهي «لابشرط من حيث المادّة الفقهية» لكنه بشرط الشيء من حيث نوع الحكم، لأنه يدل على النهي ولا يُستعمل في غير الحرمة. ولهذا، لم يُستعمل في الوجوب وهو مختص بالحرمة، ويقابل الأمر والاستحباب والكراهة.

النتيجة

توصل هذا البحث من خلال دراسة ونقد وتحليل الآراء المطروحة في المدرسة الأصولية لمحَقِّق نائيني إلى نتيجة مفادها أنه بناءً على عدم الافتراض المسبق لمسائل الأصول والاهتمام بغرض تدوين علم الأصول والمبني على «لابشرط من حيث المادّة الفقهية»، يمكن تبني منهج جديد لمعيار المسألة الأصولية، ويُعبَّر عنه هكذا: «العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي التي تخص بابًا فقهيًا». هذا المعيار الذي يتضمن ثلاثة شروط هي «المشترَكة»، «في الاستدلال الفقهي» و«الاختصاص بالباب الفقهي» يمكن اعتباره معيارًا وضابطًا دقيقًا في التعرف على المسألة الأصولية، وهو مستمد من جزء من التعريف الذي قدّمه الشهيد الصدر لعلم الأصول. إذا أُخذ معيار المسألة الأصولية «لابشرط من حيث المادّة الفقهية» بعين الاعتبار ولم يُستخدم في علم آخر، بل يُطبَّق فقط في عملية الاستنباط الفقهي، فإن القواعد والأصول المشتركة بين الأبواب الفقهية لا تُعد مسائل أصولية؛ لأن المسألة الأصولية هي التي «لابشرط من حيث المادّة الفقهية». ولهذا، مثل قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، مع أنها مطروحة في معظم الأبواب الفقهية، لكنها ليست «لابشرط من حيث المادّة الفقهية»، مثل قاعدة الطهارة التي لا يمكن اعتبارها مسألة أصولية.

المصادر والمراجع

١‌‌‌‌‌‌‌. آشتیانی، محمد حسین (١٤٠٣ق)‌‌‌‌‌‌‌. بحر الفوائد‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة ١‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: کتابخانه عمومی آیت الله مرعشی نجفی‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

٢‌‌‌‌‌‌‌. موسوی‌ خویی، ابوالقاسم (١٤١٩ق)‌‌‌‌‌‌‌. اجود التقریرات‌‌‌‌‌، تقریرا لابحاث الاستاذ الاکبر امام المحققین المجدد المیرزا محمد حسین الغروی النائینی‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: مؤسسه صاحب الامر‌‌‌‌‌‌‌.

٣‌‌‌‌‌‌‌. ایروانی، باقر (٢٠٠٧م)‌‌‌‌‌‌‌. الحلقة الثالثة فی‌ اسلوبها‌ الثانی‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: محبین‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

٤‌‌‌‌‌‌‌. تبریزی، موسی بن جعفر (١٣١٣ش)‌‌‌‌‌‌‌. اوثق الوسایل فی شرح الرسایل‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة سنگی‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

٥‌‌‌‌‌‌‌. جزایری، محمد جعفر (١٤١٣ق)‌‌‌‌‌‌‌. منتهی الدرایة‌ فی‌ توضیح الکفایة‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌‌: مؤسسه‌ دار الکتاب (الجزائری)‌‌‌‌‌‌‌.

٦‌‌‌‌‌‌‌. حائری، علی اکبر‌‌‌‌‌‌‌. تحقيق الحلقة الثانیة‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

٧‌‌‌‌‌‌‌. حیدری، سید کمال (١٤٢٨ق)‌‌‌‌‌‌‌. الدروس شرح الحلقة الثانیة‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: دار فراقد‌‌‌‌‌‌‌.

٨‌‌‌‌‌‌‌. خراسانی، محمدکاظم‌ بن‌ حسین (١٤٠٩ق)‌‌‌‌‌‌‌. کفایة الأصول‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: مؤسسۀ آل البیت‌‌‌‌‌: لإحیاء التراث‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

٩‌‌‌‌‌‌‌. خمینی، روح الله (١٣٨١ش)‌‌‌‌‌‌‌. تهذیب الأصول‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. تهران‌‌‌‌‌: مؤسسۀ تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

١٠‌‌‌‌‌‌‌. خویی، سید ابوالقاسم (١٤١٠ق)‌‌‌‌‌‌‌. محاضرات فی أصول‌ الفقه‌‌‌‌‌‌، به قلم سید علی هاشمی شاهرودی‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: انصاریان‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

١١‌‌‌‌‌‌‌. خویی، سید ابوالقاسم‌‌‌‌‌؛ هاشمی شاهرودی‌‌‌‌‌، علی (١٤١٩ق)‌‌‌‌‌‌‌. دراسات فی علم الأصول‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامی‌‌‌‌‌‌‌‌.

١٢‌‌‌‌‌‌‌‌. رشتی، حبیب‌ الله بن محمد علی‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. بدائع الأفکار‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: مؤسسة آل البیت‌‌‌‌‌: لإحیاء التراث‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

١٣‌‌‌‌‌‌‌. سند‌، محمد (١٣٩٤ش)‌‌‌‌‌‌‌. سند العروة الوثقی، کتاب الإجتهاد و التقلید‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. تهران‌‌‌‌‌‌: دار‌ الکوخ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

١٤‌‌‌‌‌‌‌. سیستانی، علی (١٤١٤ق)‌‌‌‌‌‌‌. الرافد فی علم الأصول‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: مکتب آیة الله العظمی السید السیستانی‌‌‌‌‌‌‌‌.

‌‌١٥‌‌‌‌‌‌‌‌. صدر، سیدمحمدباقر (١٣٧٠ش)‌‌‌‌‌‌‌. دروس فی علم الاصول‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: دارالصدر‌‌‌‌‌‌‌.

١٦‌‌‌‌‌‌‌. عبدالساتر‌، حسن‌ (١٤١٧ق‌)‌‌‌‌‌‌‌. بحوث فی علم الأصول‌‌‌‌‌، تمهید فی مباحث الدلیل اللفظی‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: الدار الإسلامیۀ‌‌‌‌‌‌‌.

١٧‌‌‌‌‌‌‌‌. فیاض‌‌‌‌‌، حسن محمد (١٤٢٨ق)‌‌‌‌‌‌‌. شرح الحلقة الثالثة‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. دار المصطفی‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: لاحیاء‌ التراث‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

١٨‌‌‌‌‌‌‌. قمی، ابوالقاسم‌ (١٢٩٩ق‌)‌‌‌‌‌‌‌. الحاشیة علی قوانین الأصول (حاشیه قزوینی، علی بن اسماعیل)‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. تهران‌‌‌‌‌: مطبعه حاجی ابراهیم تبریزی‌‌‌‌‌‌‌.

١٩‌‌‌‌‌‌‌. مظفر، محمدرضا (١٤٠٥ق)‌‌‌‌‌‌‌. اصول الفقه‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: صادق حسن زاده مراغی‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌.

٢٠‌‌‌‌‌‌‌. نایینی‌، محمد حسین (١٤٠٦ق)‌‌‌‌‌‌‌. فوائد الاصول‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌: جماعة المدرسین فی الحوزة العلمیة بقم‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. مؤسسة النشر الإسلامی‌‌‌‌‌‌‌.

٢١‌‌‌‌‌‌‌. هادوی تهرانی‌‌‌‌‌، مهدی‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. مبانی کلامی اجتهاد در برداشت از القرآن الكريم‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. الطبعة الأولى‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌. قم‌‌‌‌‌‌: خانه خرد‌‌‌‌‌‌‌.

22. https://fazellankarani.com/persian/lessons/2135