بناء العقل في الفقه الإمامي وأثره في التعامل مع البنى العقلائية الجديدة

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بناء عقلا ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: يُظهر بحث المؤسسة الفقهية «بناء عقلا» كأحد مظاهر مصدر «العقل» في فقه الإمامية، أن هذه المؤسسة تمتلك قدرة بارزة على إحداث الاستقرار والتغيير في آن واحد خلال عصر «العولمة». السؤال الأساسي هو: كيف يتعامل الفقه مع البنى العقلائية الجديدة (المستحدثة) وما هي آراء الفقهاء بشأن حجيتها؟ في هذا البحث، وبعد تحليل ثلاث وجهات نظر رئيسية وبنظرة موجزة إلى الأسس الأصولية لمفكرين مثل الشهيد الصدر، يُستدل على أن بناء عقلا، إذا ما أُحْسِن تطبيق ضوابطه، يمكن أن يحافظ على الحقوق الإسلامية حيةً وديناميكية، ويكون جوابًا ميسرًا لـ«عصر تراكم الزمان والمكان».

المؤلف: سید محمد اصغری

المصدر: مجله دانشکده حقوق و علوم سیاسی (دانشگاه تهران)، شتاء 1384، العدد 70.

أولاً- أهمية وتاريخ بناء عقلا

أ- الأهمية

كان الفقه عبر تاريخه مرتبطًا بحياة الناس وقضاياهم اليومية. هذا الارتباط الوثيق بين الفقه والمجتمع جعل له علاقة دائمة مع عرفيات الناس. ولهذا السبب، فإن وعي الفقيه أو القانوني بالأعراف والسير العقلائية يؤثر بعمق في الفهم وفي النهاية في «الفتوى» وتقديم الآراء القانونية.

باستثناء مجال «العبادات»، فإن معظم القضايا والموضوعات و«أبواب الفقه» ذات طبيعة عرفية وعقلائية. البيع، والوكالة، والإيجار، والصلح، والنكاح، والهبة أمور عرفية وعقلائية وغالبًا ما تكون من «الأحكام المصادقة». المجتمعات البشرية تخلق باستمرار تغييرات في هذه الأمور، وبما يتناسب مع الاحتياجات والضرورات وبما يتوافق مع الزمان والمكان تحدث تحولات وتغيرات في هذا النوع من الروابط والعلاقات الاجتماعية.

سرعة هذا التغير والتحول، وظهور وتكوين «البنى العقلائية» والأعراف الجديدة تطرح سؤالاً: ما موقف الشريعة الإسلامية من هذه الهيمنة والبنى الجديدة والمستحدثة؟ هل للفقه موقف تجاه هذه البنى العقلائية؟ هل يمكن اعتبار كل «الأعراف المستحدثة» والسير العقلائية الجديدة غير مشروعة؟ أم أن الحقوق الإسلامية العريقة والديناميكية تمتلك تلك القدرة والمرونة التي تجعلها تراعي دائمًا الاحتياجات والضرورات وتضع جوابًا مناسبًا لهذه التحولات؟

يرى فريق أن سر بقاء الفقه ونموه يكمن في مواكبته لهذه التحولات، ويعتبرون المدرسة الحقوقية الإسلامية تمتلك هذه الكفاءة والقدرة. يقولون: في صدر الإسلام أيضًا لم يكن تعامل هذا الدين المقدس مع السير والعرف العقلائي حذفياً، بل باستثناء حالات قليلة، تم اعتماد الطرق العقلائية أو تم إجراء إصلاحات في تلك الأعراف وفقًا للإسلام. فقد رفض الإسلام الأعراف غير المعقولة مثل «نكاح الشغار» (میرزای قمی، جامع الشتات، ص 482) أو «البيع الربوي»، لكنه في مقابل معظم البنى العقلائية اتخذ موقف المصادقة والإرشاد.

ومن جهة أخرى، فإن الدين الإسلامي ونتيجة لذلك الحقوق والفقه الإسلامي يدعيان الخاتمية ولا يبشران بوجود من ينكر ذلك.

1- في ميدان الفقه

السير العقلائية هي محور مهم للقواعد الفقهية. «أصالة اللزوم» (بجنوردی، 1393، 166 و بعد‌).

في العقود والمعاملات عمومًا، تقوم على هذا الأساس. العقلاء يرون نقض العهد واستحقاقه للوم. وبالمثل في مبحث «قاعدة اليد» (بجنوردی، 1393، 17‌)، يُعتبر التصرّف دليلاً على الملكية، والعقلاء في ثقافات وأديان مختلفة يعتبرون «اليد» والتصرّف دليلًا في العلاقات التبادلية ولا يضعون الأصل على البحث والتحقيق. وكذلك في الكتب والرسائل التي تناولت «قاعدة الصحة» أو «أصالة الصحة» (مکارم شیرازی، 1382، 109 و بعد‌)، يُعتبر «بناء عقلا» الدليل الأهم. والاستدلال هو أن العقلاء في العلاقات الاجتماعية والقانونية، عندما يعقدون عقدًا، لا يعيرون اهتمامًا لأي شك يثير الشك في صحة العقد ويعطلها، ويضعون الأصل على «الصحة» ما لم يثبت العكس. عدم تطبيق هذه القواعد يؤدي إلى اضطراب في نظام المجتمع والعلاقات الاجتماعية: «لما قام للمسلمين سوق»؛ في قاعدة «على اليد ما أخذت حتى تودي». في الواقع هذه القاعدة قاعدة عقلائية: التصرّف في أموال الآخرين بدون إذن أو موافقة يؤدي إلى الضمان والمسؤولية.

إلى جانب مبحث قواعد الفقه، في بعض الفروع الفقهية أيضًا، يكون «بناء عقلا» دليلًا ومستندًا للحكم. في خيار الغبن وخيار العيب، يعتقد الفقهاء أنه في العلاقات العقلائية، كما أن الالتزام المتبادل أمر ضروري، فقد قُبل أيضًا أنه إذا تبين أن الطرف مغبون أو أن المبيع معيب، في هذه الحالة يحق للمغبون فسخ العقد: «… هذه الاعتبارات ليست من الأمور التي يؤسسها الشرع، بل هي أحكام عقلائية موجودة في العلاقات والروابط بين أفراد المجتمع، وما جاء به الشرع هو الإرشاد إلى الأحكام العقلائية.» (امام‌ خمینی 1415، 273 و بعد)

2- في ميدان أصول الفقه

في أصول الفقه أيضًا، أصبح «بناء عقلا» محورًا لمباحث مهمة. أهم أساس لحجية الخبر الواحد هو السير و«بناء عقلا»، أي أن «العقلاء» بغض النظر عن العرق والمذهب والظروف الثقافية والإقليمية، يثقون في أقوال وأخبار من هم محل ثقة واطمئنان في تحقيق مقاصدهم.

أيضًا في نقاش حجية ظواهر الكتاب والسنة يُستدل على أن: التفاهم والتفهيم العرفي تابع لظهور نوع من الكلام. بناءً على ذلك، فإن الشارع(ع) قد خاطب المتلقين بنفس اللغة ومع مراعاة المعنى العرفي، وأتى بقوانينه وأحكامه في قالب هذه الألفاظ. لذلك، وفقًا للمبادئ العقلائية في المحادثات، فإن المفاهيم الظاهرية والنصوص حجج. يكتب أحد أصحاب الرأي: «إن بناء العقلاء والعرف له دور مهم جدًا في تأسيس الأحكام الشرعية و… مثل حجية الظواهر، حجية الخبر الثقة، العقود الاجتماعية، العهود، المعاهدات، الزواج، البيع والشراء، الإيجار، الصلح، الهبة، تشخيص المفاهيم وإرادة الشرع، تحديد موضوع وحامل الأحكام وغيرها من الأمور المرتبطة بالأحكام الشرعية والتي يمكن أن تغير الأحكام الشرعية أو تغير حالة أو موضوع الحكم وبالتالي يتغير الحكم الشرعي أيضًا. (جزائری، 1377، 70، 71)

يكتب الشهيد الصدر، مشيرًا إلى أهمية وبروز «سيرة العقلاء» في إثبات حجية الخبر الواحد والظواهر، وهما من أهم الدلائل:

«والواقع أن الاستدلال باليسرة لم يقتصر على خصوص المسائل الأصولية في باب الأمارات، بل شاع ذلك في الفقه أيضًا، خصوصًا في أبواب المعاملات التي يكون للعقلاء تقنين فيها. بل المحظوظ اتساع دائرة الاستدلال بها كل تقلصت الأدلة التي كان يُعول عليها سابقًا، لا ثبات المسلمات والمرتكزات الفقيهة، من أمثال الجمع المنقول والشهرة وإعراض المشهور عن خبر صحيح، أو عملهم بخبر ضعيف، ونحو ذلك، فإنه قد عرض بالسيرة عن مثل هذه الدلالة في كثير من المسائل التي يتحرج فيها الفقيه الخروج عن فتاوى قدماء من أصحاب أو الآراء الفقهية المشهورة». (صدر، 5، 14، 232 و بعد)

خلاصة القول: الاستدلال بسيرة العقلاء ليس محصورًا في مسائل أصولية أو باب الأمارات، بل هو شائع في أبواب الفقه، وخاصة في أبواب المعاملات التي يقوم العقلاء فيها بالتشريع.

المقصود أنه في الحالات التي كان يُستخدم فيها سابقًا أدلة أخرى مثل الإجماع المنقول، الشهرة، إعراض المشهور عن خبر صحيح، أو عملهم بخبر ضعيف، لإثبات المسلمات والمرتكزات الفقهية، يُستعاض عنها بسيرة العقلاء، لكي يُمكن في ضيق الاستفادة من فتاوى قدماء الصحابة أو الآراء الفقهية المشهورة، تركها والتمسك بسيرة العقلاء للوصول إلى النتائج المرغوبة.

ب- تاريخ الاستشهاد بـ «بناء العقلاء»

مصطلح «بناء العقلاء» عند علماء أصول الفقه الشيعة معروف ومستعمل تحت عناوين مثل: «عرف العقلاء»، «السيرة العقلائية»، «سلوك وعمل العقلاء»، «بناء العرف»، «العرف العام»، «الأحكام العقلائية»، «عمل العقلاء» و«منهج العقلاء». (کاظمی خراسانی، 1406، 192، مظفر، 1370، 171، لنگرودی، 1370، 91، فیض 202)

مع أن مصطلح «بناء العقلاء» أو المصطلحات المشابهة المذكورة قد استُخدمت بين العلماء والفقهاء الشيعة في القرنين الأخيرين (بعد الشيخ الأعظم الأنصاري) وتُعد من خصائص «مدرسة العرف» في الفقه الشيعي. (لنگرودی، المرجع نفسه، 87)

أول فقيه شيعي طرح مفهوم بناء العقلاء تحت عنوان «العادة» هو الشهيد الأول في كتاب القواعد والفوائد(ج 1، ص 147). ووفقًا لبعض الآراء، بدأ التمسك بالسيرة العقلائية عندما فقدت بعض المصادر الفقهية مثل الإجماع اعتبارها. (رک: سید کاظم حسینی حائری، مباحث‌ الاصول، تقریرات درس شهید صدر، ج 2 ص ص. 95 و 96)

لكن نفس المفهوم كان مستخدمًا تحت عناوين أخرى بين الفقهاء الإسلاميين، مثل: «متفق عليه بين العقلاء»، «معتمد عليه بين العقلاء»، «العادة الجارية بين العقلاء» و«عادات العقلاء». (شاطبی، د.ت.، ج 1، 65و ج 3، 99 و 127)

للمزيد من البحث في تاريخ الاستشهاد بالسيرة وبناء العقلاء، يمكن الرجوع إلى كتاب: أصول الفقه الإسلامي، ج 2 ص 828، وكتاب هبة الزحيلي.

غالبًا ما يستخدم المرحوم الشيخ الأنصاري في استعمال عنوان بناء العقلاء عبارة «طريقة العقلاء» أو «سيرة العقلاء»، مثلاً في نقاش حجية «الخبر الواحد» يقول:

«استقرار طريقة العقلاء طراً على الرجوع بخبر الثقة في أمورهم العادية». (شیخ انصاری، د.ت.، ۲۳۱ و ۲۳۰)

ثانيًا – تعريف «بناء العقلاء»

يقول المحقق النائيني في تعريف بناء العقلاء أو «طريقة العقلاء»: «هي عبارة عن استمرار عمل العقلاء لما هم عقلاء، على شيء سواء انتحلوا إلى ملة أو دين أو لم ينتحلوه». (ناینی1406، 192و193)

يكتب الشهيد الصدر في هذا المجال:

«سيرة العقلاء عبارة عن ميل عام عند العقلاء – المتدينين وغيرهم … ومثال ذلك الميل العام لدى العقلاء نحو الأخذ بظهور كلام المتكلم». (صدر، ۱۳۹۵، ص 168) الشهيد الصدر لا يعتبر بناء العقلاء مجرد سلوك وعمل خارجي للعقلاء، بل يضم أيضًا «المرتكزات العقلائية»، حتى وإن لم يتم عمل خارجي بناءً عليها. ويُفضل بدلاً من عنوان «بناء العقلاء» استخدام عبارة «مواقف عقلائية». (هاشمی، ۱۴۰۵، ۲34)

يقول المرحوم العلامة الطباطبائي في تفسير الآية: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» (محمدحسین طباطبایی، المیزان، ج 8، ص 397، آیه ۱۹۹ سوره اعراف) في تعريف العرف (بناء العقلاء):

«العرف هو السنن والسير الحسنة والجميلة التي تتداول بين العقلاء». (المیزان، ج ٨، 3۹۹) وكتب آخرون في تفسير الآية المذكورة:

بعض الكتاب يفرقون بين «الارتكاز العقلي» و«بناء العقلاء».

يقولون: إذا كان فعل ما في ظل سيرة عقلائية، بسبب الاستمرار في التكرار والثبات في الذهن، قد استقر، يُسمى «ارتكاز» العقلاء، وفي هذه الحالة يكون أقوى وأثبت من سيرة العقلاء». (فیض، ۱۳۷۴، ۲۲۵) ويعتبر آخرون الارتكازات العقلائية أيضًا نوعًا من بنايات العقلاء. وهم يرون أن «العرف» يجب أن يكون دائمًا فعلًا إراديًا، لكن «بناء العقلاء» قد يكون فطريًا أو ارتكازيًا أو إراديًا. الدكتور لنگرودي في هذا المجال يرى:

«الفعل الارتكازي الذي يقوم به الإنسان تلقائيًا، حتى في حالة عدم الانتباه الكامل وعدم الإرادة، ليس فعلًا إراديًا، لكنه يمكن أن يشكل بناء العقلاء، بينما لا يمكن أن يكون أساسًا للعرف». (لنگرودی، ۱۳۵۱، ۶۱)

ويعرف آخرون مصطلح السيرة العقلائية بأنه «المواقف والمواضع العقلائية»، سواء تجلت في سلوك فعلي أو استقرت في ذهنهم (العقلاء)». (اسلامی، نقد و نظر، ۱۹۶)

على أي حال، وبالنظر إلى الآراء المتنوعة التي طرحت في تعريف العرف العام، أو «بناء عقلا»، يمكن القول في تعريف السيرة، أو «بناء عقلا»:

«بناء عقلا، هو استمرار عمل ومنهج عام للعقلاء، بما هم عقلاء، في المحاورات، والمعاملات، وسائر العلاقات والأنظمة الاجتماعية التي تتشكل عبر الزمن دون اعتبار للدين أو الثقافة أو الجنسية الخاصة.»

أ- أركان التعريف

كما يُظهر التعريف:

العناصر التي تؤثر في تنظيم وتكوين «بناء عقلا» هي:

1- عمل معين

2- تكرار العمل

3- شيوع وتحقق تكرار العمل إلى حد الغلبة أو العموم، بحيث يشمل غالب أو جميع حالات العمل العامة.

4- كون العمل مفيدًا ومعقولًا

5- أن يكون العمل إراديًا أو ارتكازيًا (فطريًا). (لنگرودی، دانشنامه، 58 و بعد)

كون العمل مفيدًا ومعقولًا أو «مستحسنًا» يميز بناء عقلا عن العرف، رغم أن بعضهم مثل تحقيق نائيني لا يرى فرقًا بين العرف العام وبناء عقلا، (نائینی، المرجع نفسه، ۱۹3) ولو أن في لسان غالب الفقهاء العرف يُستخدم مترادفًا مع بناء عقلا، إلا أنه يبدو، مع وجود أعراف «سيئة» و«غير مشروعة» مثل: البيع الربوي، نكاح الشغار، استخدام المشروبات الكحولية وما شابه ذلك، أن «العرف» قد يكون جيدًا أو سيئًا، لكن «بناء عقلا» خصوصًا مع القيد: «عقلاء بما هم عقلاء»، يدل على أن البناءات العقلائية تولي اهتمامًا لازمًا لجودة وفائدة ومعقولية السيرة والمنهج المتبع. وفي التعريفات التي قدمها أمثال الغزالي وابن عابدين عن «العرف»، وردت قيود مثل: «المقبولة عند الطباع السليمة» أو «مستقرة في النفوس والعقول» أو «ما استقر في النفوس من جهة العقول» (لنگرودي، مكتب‌هاي حقوقي،… 91، دانشنامه (المرجع نفسه، 58، محمدی، بحث عرف)) مما يؤكد التمييز بين الأعراف والبناءات الجيدة والسيئة.

في البند الخامس من عناصر وأركان التعريف، تم التأكيد على «العمل الإرادي أو الارتكازي» الذي، حسب رأي بعض العلماء، يبيّن فرقًا آخر بين «العرف» و«بناء عقلا». يقولون: العرف لا يمكن أن يشمل العادات الطبيعية والغريزية. فمثلاً في كل منطقة تبلغ الفتيات في سن معين والفتيان في سن آخر. هذا أمر طبيعي يمكن اعتباره عادة، لكنه ليس عرفًا، لأنه لا يتعلق بأقوالهم وأفعالهم.» (محمدی، 1380، 256)

هناك نقاش فرعي آخر حول كون العمل «ارتكازيًا»، وهو في موضوع إمضاء الشارع: هل المقصود هو فقط العمل الخارجي للعقلاء، أم كل «الارتكازات العقلائية» حتى وإن لم تصل إلى مرحلة العمل الخارجي؟ هذا الموضوع يُبحث في مبحث: «حجية بناء عقلا».

ب. بناء عقلا والمؤسسات الفقهية المماثلة

1. العقل وبناء عقلا

قال بعض أصحاب الرأي في الفرق بين دليل العقل و«بناء عقلا»:

1. «بناء عقلا» هو أداء أو سلوك، بينما دليل العقل هو مجرد استنتاج عقلي.

2. بناء عقلا يثبت بتكرار «عمل» معين، بينما دليل العقل لا يعتمد على العمل أو تكراره.

3. بناء عقلا، إذا لم يكن فطريًا وارتكازيًا، يقوم على مصلحة ومراعاة المصالح والمفاسد، بينما دليل العقل لا علاقة له بالمصلحة. (لنگرودی‌، المرجع نفسه، 62)

النقاط الثلاث المذكورة أعلاه قابلة للنقاش والاعتراض، لأنه إذا قبلنا أن «الارتكازات العقلائية» لا تشمل فقط الأداء أو العمل الخارجي، بل تشمل أيضًا الارتكازات التي لم تصل إلى مرحلة العمل والتي هي مركزة في أذهان وآراء العقلاء، فإن بناء عقلا لن يكون مجرد «أداء».

من جهة أخرى، يرى بعض المفكرين في الفقه والقانون أن أساس البناءات العقلائية يعود في النهاية إلى «العقل». كما أن «العقل» في جهده وسعيه لا يخرج عن دائرة المصلحة أو الاعتبار لـ «الحسن والقبح» والمصالح والمفاسد. بناءً عليه، يجب إيلاء اهتمام أكبر لمبادئ استدلال أصحاب الرأي، لتحديد ما إذا كان هناك ازدواجية أو وحدة بين نهادَي «العقل» و«بناء عقلا». وسيتم التعمق في هذا الموضوع في الصفحات القادمة.

2- «بناء عقلا» والسيرة المتشرعة

السيرة في اللغة تعني السلوك والمنهج، وفي الاصطلاح: «استمرار عادة الناس وتوافقهم العملي على القيام بشيء أو تركه» (مظفر‌، المرجع نفسه، 171). المقصود بـ «الناس» هو جميع العقلاء والعرف العام من كل مذهب وأمة، ويشمل المسلمون وغير المسلمين. هذا التعريف هو نفسه «السيرة العقلائية» أو كما يُقال عند العلماء المتأخرين في علم الأصول «بناء عقلا». أو قد يكون المقصود بـ «الناس» جميع المسلمين باعتبارهم مسلمين، أو فقط أهل مذهب معين مثل الإمامية. في هذه الحالة تُسمى «السيرة المتشرعة» أو السيرة الشرعية أو السيرة الإسلامية. وبالنظر إلى ما ذُكر، تم ذكر الفروق التالية بين المصطلحين أعلاه باختصار:

1- السيرة المتشرعة هي في الحقيقة نتيجة بيان شرعي وتكشف بطريقة ما عن الدليل الشرعي. حسب رأي الشهيد صدر، إذا توفرت شروط السيرة المتشرعة وتحققت، فلا احتمال للردع عنها لأنها بالبرهان الإنّي[1]، السيرة كاشفة عن بيان الشارع. أما السيرة العقلائية فهي ليست من بيان الشارع ولا تُعقد بناءً على إرادة الشارع، بل هي نتاج طبيعة عقلائية، لذا يمكن احتمال ردع الشارع عنها. (هاشمی، 1405، 234)

2- عند الاستدلال بالسيرة المتشرعة يجب إثبات أن بناء المتشرعة وأصحاب الأئمة وأجيالهم المعاصرة كانوا على ذلك العمل. أما في السيرة العقلائية، يكفي إثبات أن العقلاء في حال عدم وجود ردع وحرية من القيود الخارجية، يقتضي ذلك العمل، حتى وإن لم يتصرف أصحاب الأئمة والعقلاء المعاصرون وفقًا لذلك في الواقع. لأن إثبات اقتضاء الطبيعة العقلائية وعدم وجود ردع من الشارع يدل على موافقة الشارع على مضمونها… (صدر، بحوث، ج 4، ص 274)

والآن، وبالنظر إلى تعريف وبُعد الفروق بين «بناء عقلا» والعرف والسيرة المتشرعة، يطرح الشهيد صدر سؤالًا مختصرًا على النحو التالي:

بعض السُّنن محل شك فيما إذا كانت نابعة من طبيعة عقلانية للمسلمين (كالتعامل مع الخبر الثقة) أم ناشئة عن حقيقة تشريعيتها؟ (مثل عدم المسح بكامل الكفّين..). في الحقيقة، السيرة المتشرعة هي في حقيقة الأمر نتيجة للخطابات الشرعية التي وصلت إلينا (إلى المسلمين). المرحوم صدر يلحق الحالات المشكوك فيها بالسيرة المتشرعة ويقول: السُّنن العقلائية التي ترسخت بين المسلمين وأصبحت طبيعتهم الثانية، تجعلهم لا يرون أنفسهم ملزمين بالسؤال والاستفسار من المعصوم (ع) عن جواز العمل بهذه السُّنن، (أي إن هذه السُّنن تصبح عامة وارتكازية فلا تستدعي السؤال والاستفسار). أما في الحالات المشكوك فيها التي لا يقتضيها الطبع العقلائي كما ذُكر أعلاه، فلا يعمل المسلمون المتشرعون بهذه السيرة على نطاق واسع دون استعلام واستفسار من المعصوم (ع). إذن، ذات مسألة السيرة تدل على حقيقة أن المتشرعين قد نالوا رضا الشارع، وأن انتشار السيرة هو نتيجة نظر الشارع لا حقيقة عقلانية المسلمين. (المرجع نفسه، 248)

وبالنظر إلى الفرق الجوهري المذكور، يختلف وجه اعتبار السيرة المتشرعة عن كيفية اعتبار السيرة العقلائية. فالسيرة المتشرعة تثبت وجود الحكم الشرعي بطريقة كشفية مباشرة، ولا حاجة فيها للتمسك بـ«عدم الردع»، والاحتياج الوحيد في هذا الصدد هو إثبات وجود السيرة في زمن الشارع وكونها مألوفة، أما في السيرة العقلائية وحجيتها، بالإضافة إلى المعاصرة (حسب رأي الشهيد صدر)، يجب إثبات عدم حدوث ردع لها، أي أننا بحاجة إلى كشف رضا الشارع.

والآن، بالنظر إلى الموضوع المذكور، ننتقل إلى أقسام «البناء عقلاً».

ثالثاً – أقسام البنايات العقلائية

بملاحظة مضامين البنايات العقلائية، يمكن تقسيمها إلى الأقسام التالية:

1- أحياناً يُستخدم «البناء عقلاً» في مجال «الحقوق الموضوعية» (کاتوزیان‌، مقدمه‌ علم‌ حقوق، ص 155، 1376)، مثل قولنا: كل من أعطى مالاً لغيره، الظاهر أنه غير متبرع، والعمل المجاني والمفت بعيد عن طريق العقلاء. (لنگرودی‌، 1351‌، 61‌، 62)

2- البناء عقلاً يأخذ أحياناً طابعاً شكلياً أو إثباتياً، مثل أصل صحة العمل أو العمل بالخبر الثقة.

3- أحياناً تكون هذه «البنايات» مبنية على عمل إرادي متكرر (عمل فطري وارتكازي)، مثل دلالة قاعدة «اليد» على الملكية أو «أصالة اللزوم» على أصل اللزوم في العقود.

4- «البناء عقلاً» المبني على الأعمال الارتكازية والفطرية، مثل أصل عدم وعيد وأصل الاستصحاب، يقول المحقق النائيني في هذا الخصوص:

«عمل العقلاء على الحالة السابقة ليس لحصول الاطمئنان، بل لأن فطرتهم جرت على ذلك، فصار البناء على بقاء المتيقن من المرتكزات في أذهان العقلاء…» أي إن عمل العقلاء في الاستصحاب ليس بسبب العلم والاطمئنان، بل فقط وفق فطرتهم، أي «الانحياز إلى الحالة السابقة ارتكازياً في فكر العقلاء». (المرجع نفسه، 60)

التقسيمات التالية أيضاً قام بها الفقهاء وعموماً الشهيد صدر، وبعضها يتطابق مع التقسيمات السابقة، ومع ذلك تُذكر باختصار:

أ- أحياناً تلعب السيرة والبناء عقلاً دوراً في تحديد ظهور الأدلة، وهذا الدور يكون على صورتين:

1- نفي الظهور اللفظي: مثلاً في الآية «أحل الله البيع» البيع اللفظي المقصود ليس، بل البيع العرفي هو المقصود.

2- تشكيل المدلول: أحياناً يرى العرف والعقلاء وجود ملازمة بين مدلول مطابق للكلام ومدلول التزامي آخر، ويعتبران أن المتكلم يقصد المدلول الالتزامي العرفي أيضاً، مثل تحوّل الخمر إلى خل وطهارة الخل وارتباط ذلك بطهارة إناء الخمر.

ب- أحياناً يوضح العرف والسيرة العقلائية المراد الجدي للمتكلم مقابل المراد الاستعمالي له، وفي هذه الحالة يكون دور السيرة تنقيح المراد الجدي للمتكلم بناءً على الفهم العرفي، مثل اعتقاد بعض الفقهاء أن «أحل الله البيع» عرفاً وبناءً عقلياً لا يشمل بيع المكره، ولا حاجة لدليل خاص بعدم صحة بيع المكره. (منابع فقه و.. .، 1374‌، ج 7، ص 40‌)

ج- السيرة وتحديد موضوع الحكم، رغم الإشارة إليها في التقسيمات السابقة تحت عنوان «الحقوق الموضوعية» و«الحقوق الشكلية» أو الإثباتية، إلا أنه من المفيد الانتباه إلى الملاحظات التالية مع الأمثلة الفقهية:

1- أحياناً يكون دور البناء عقلاً تنقيح موضوع الأحكام الشرعية بطريقة ثبوتية، أي أن الشارع قد ترك تشخيص كيفية الموضوع للعرف والسيرة العقلائية. فالعرف العام أو السيرة العقلائية، مثلاً في مسألة «الربا»، يحدد ما هو المال «المكَيَّل والموزون». أو في مسألة خيار العيب، يحدد العيب أو «المبيع المعيب» العرف، أو في الآية «فامسَك بمعروف» [2] يجب الرجوع في كل زمان إلى السيرة العقلائية. (مرعشی، 1373، 101) وفي تحديد مصداق «نفقة الزوجة» نعمل وفق العرف والبنايات الحالية.

2- أحياناً يكون العرف والبنايات العقلائية منقحاً للموضوع، لكن ليس ثبوتاً، بل في الكشف والإثبات يؤدي دوراً. فالسيرة تثبت أن موضوع العقد مشروط بعدم تحقق الغبن، وفي النهاية يمكن للمغبون أن يأخذ بخيار أو يتنازل عنه: «مثلاً إذا كان منهج العقلاء أن للمغبون في الغبن في المعاملة حق الخيار، فإن هذه السيرة قد تكون كاشفة عن عدم تحقق الشرط الضمني في العقد، لأن بناء المتعاملين هو عدم وجود غبن في المعاملة» (المرجع نفسه).

الفرق بين القسمين هو أنه في الجانب الإثباتي يمكن للشخص أن لا يلتزم بالبناء أو السيرة، مثلاً يقول إنه لا يوجد شرط ضمني كهذا، ولا يهمه الفرق في مال العوضين، لذا لا يمكن التمسك بالسيرة لإثبات وجود الشرط من جانبه، أما في الجانب الثبوتي، فحتى لو صرح الشخص بأنه لا يقبل العرف والبناء عقلاً ويريد الخروج من سيطرة البناء والعرف، فإن الحكم عليه ثابت، ويجب مثلاً أن يدفع النفقة وفق البناء العقلي والعرف السائد. في هذا الجانب، «الموضوع» واقعياً وثبوتاً في نطاق تلقّي العرف. (هاشمی، المرجع نفسه، ج 4، 233)

د-توسيع موضوع الحكم من حيث المصداق: أحيانًا يعتبر العرف وبناء العقلاء شيئًا من مصاديق موضوع الحكم رغم أن ظاهر الدليل لا يشمله، مثل «العنب إذا غلى يحرم»؛ هذا الدليل ظاهريًا يحكم بالحرمة على العنب المغلي، لكن بحسب الدقة العقلية، الزبيب ليس عنبًا، وشرب ماء الزبيب المغلي ظاهريًا ليس حرامًا، مع أن العرف لا يفرق بين العنب والزبيب، ويرى العرف أن ماء الزبيب المغلي من مصاديق موضوع الحكم. (منابع فقه، المرجع نفسه، 46)

هـ- «السيرة المشروعة» أحيانًا تكون السيرة و«بناء العقلاء» بطريقة تُستخدم للاستدلال على وجود كبرى الحكم الشرعي، وهو ما يسميه الشهيد الصدر «السيرة المشروعة».

أغلب السير التي يستند إليها الفقهاء من هذا النوع، مثل: «كون المعاطاة بيعًا» و«تصحيح معاملات الطفل (الصبي) في الأمور الصغيرة وغير المهمة» التي يُستند فيها إلى «بناء العقلاء». والسيرة الجارية في باب «خيار الغبن» في المعاملة، حين نريد الاستفادة منها لإثبات خيار «ابتدائي». (هاشمی، المرجع نفسه 235) وكذلك، أحيانًا يكون «بناء العقلاء» طريقًا للاستدلال على حجية قاعدة أصولية، مثل إثبات حجية «خبر الواحد» وغيرها من الأمارات الشرعية كقول لغوي وظهور الأدلة.. (مرعشي، المرجع نفسه)

حجية «بناء العقلاء»

البنايات والطرق العملية، أو الاعتقادات العقلائية في كل حالة، لكي تكون «دليلًا» لإثبات حكم شرعي أو قانوني، يجب أن تكون لها «حجية» ودليلية بطريقة ما. يجب أن نرى ما هو أساس دليلية السير والبنايات العقلائية؟

في مسألة الحجية، الحديث يدور حول الشروط التي بموجبها يمكن أن يُعتبر «بناء العقلاء» دليلًا على الحكم الشرعي؟ في أساس الحجية، بعض علماء الفقه والأصول طرحوا مسألة الإمضاء و«التقرير» من قبل الشارع، حيث:

1- أحيانًا يُقبل كإمضاء صريح و«نصي».

2- أحيانًا يتشكل في صورة سكوت أو «عدم ردع» من قبل الشارع.

3- آخرون نسبوا حجية بناء العقلاء إلى «العقل».

4- بعضهم الآخر يعترف بحجية ذاتية للبناء العقلائي تحت شروط معينة.

5- وآراء أخرى سنتناولها في مبحث «الحجية».

خلاصة الأمر أنه في مسألة اعتبار هذه البنايات، بعضهم يعتبر الأصل هو «الإمضاء» وتأييد الشارع، وبعضهم الآخر يعتبر الأصل هو «الحجية» واعتبار «بناء العقلاء»، ويرون أن مجرد وجود ردع من الشارع ينفي حجية البنايات العقلائية.

من الواضح أنه في الحديث عن اعتبار و«حجية» بناء العقلاء، المقصود هو البنايات العقلائية «المشرعة» التي هي «دليل» أو كاشف للحكم الشرعي، وإلا فكما شرح الشهيد الصدر، البنايات التي هي «تنقيح موضوع» بطريقة أو بأخرى، أو تلعب دورًا في تنقيح «ظهور الدليل»، لا تحتاج إلى إمضاء أو إثبات حجية.

هذا القسم من المقال يُعرض في فصلين على التوالي:

الفصل الأول: مذهب «أصالة الإمضاء»

الفصل الثاني: مذهب «أصالة الاعتبار»

وفي النهاية يُقارن بين المذهبين وتُعرض نتائج البحث. كما سنتناول آراء جديدة تحت عنوان: «الاتجاه الثالث» الذي يمكن اعتباره الفصل الثالث من هذا القسم.

الفصل الأول: مذهب أصالة الإمضاء

يرى هذا المذهب أن «بناء العقلاء» لا اعتبار له حتى يصل إلى إمضاء الشارع ويُؤيد ويُقرّ من قبل «المعصوم» (عليه السلام). في اعتقاد هذه المجموعة، «بناء العقلاء» له فقط جانب كشف وطريقة، وما هو منشأ ومبنى الحجية هو قول أو فعل الشارع، أو على الأقل تقريره وسكوته، على أن يكون هذا السكون و«التقرير» غير ناتج عن خوف أو «تقية». هذا التقرير والسكون أحيانًا يتعلق بأمور جزئية وشخصية، وأحيانًا بأمور في المجتمع أو المجتمعات البشرية التي تتمتع بانتشار واسع وجانب عرفي وعقلي عام، بحيث يكون «المعصوم» (عليه السلام) على علم به. [3]

في هذا الرأي، لإثبات إمضاء المعصوم (عليه السلام) شرطان رئيسيان وأساسيان هما:

1- انتشار السيرة في زمن المعصوم (عليه السلام) بحيث تكون ذات شيوع وعمومية تجعل المعصوم على علم تام بها، أو بمعنى آخر، أن تكون في مرئي ومسمع المعصوم.

2- موافقة المعصوم (عليه السلام) على السيرة، أو تصحيحها بطريقة ما (إمضاء أو عدم ردع).

كما يظهر من دراسة آراء العلماء في هذه المجموعة وبعض تصريحاتهم، فإن الخصائص التالية ملحوظة في هذا الرأي:

– أساس الاعتبار والحجية هو إمضاء الشارع.

– الأصل هو عدم الاعتبار الذاتي لـ «بناء العقلاء».

– المعاصرة ووجود السيرة في «مرئي ومسمع» شرط.

– إمضاء المعصوم قد يكون «إمضاء نصي» وصريح، أو على الأقل في صورة «عدم ردع» يدل على الإمضاء.

– القضية عادة ما تكون في صورة وقائع خارجية وشخصية، لا «قضايا حقيقية».

– في رأي بعض أنصار «مذهب أصالة الإمضاء» الذي سيُعرض تحت عنوان «الرأي الثاني»، هذا المحور جدير بالاهتمام: رغم أن أساس اعتبار بناء العقلاء هو إمضاء وتقرير المعصوم (عليه السلام)، إلا أن هذا التأييد والتقرير قد تم تحليله بحيث لا تكون شرطًا أن يكون متزامنًا ومعاصرًا لعصر المعصوم، بل يُعتبر اطلاع المعصوم (عليه السلام) من أي طريق متاح هو معيار العمل.

أ: الرأي الأول

هذا الرأي يرى أن إمضاء «بناء العقلاء» من قبل الشارع ضروري. قد يكون الإمضاء صريحًا وبصورة تأييد «نصي» أو في شكل تقرير وسكون و«عدم ردع»، لكن ما يميز الرأي الأول عن الرأي الثاني هو إثبات الإمضاء، وبمصطلح آخر «إثبات عدم الردع» من قبل الشارع. بمعنى آخر، في الرأي الأول، «إثبات عدم الردع» هو معيار الحجية وليس «عدم إثبات الردع». يكتب المحقق النائيني:

«لا إشكال في اعتبار الطريقة العقلائية وصحة التمسك بها.. فإنها إذا كانت مستمرة إلى زمان الشارع وكانت بمنظره ومسمعه، وكان متمكناً من ردعهم، ومع ذلك لم يردع عنها، فلا محالة يكشف كشفاً قطعياً عن رضا صاحب الشرع بالطريقة وإلا الردع عنها، كما رُدِع عن كثير من بنايات الجاهلية ومن ذلك يظهر أنه لا يحتاج.. إلى إمضاء صاحب الشرع والتصريح باعتبارها بل يكفي عدم الردع عنها و..» (نائینی د.ت. ج 3 و 4، 68)

المرحوم آقا ضياء عراقي أيضاً على هذا الاعتقاد، ويكتب:

«إن حجية السيرة، بعد أن كانت معلقة على عدم الردع عنها، يكون عدم الردع في المرتبة السابقة عن حجيتها، لأنه بمنزلة شرطها..» (عراقی، نهایة الافکار، ص 103)

في هذا السياق، يقول المؤلف في «الأصول العامة للفقه المقارن»:

سبب الحاجة إلى تقرير المعصوم في العرف وبناء العقلاء، هو أن بناء العقلاء ليس حجة قطعية في مقام الكشف عن الواقع. لأن الشارع قد يسلك طريقاً آخر غير بناء العقلاء ويعلن السيرة مردودة. الفرق بين العرف (بناء العقلاء) والعقل هو أن العقل مع علمه بالمصالح والمفاسد الواقعية ليس شرطاً، و.. لكن بالتقرير والإمضاء من المعصوم (ع) أو عدم ردع المكلف، يحصل القطع بالحجية. (حکیم، اصول‌ العامه، 198)

المرحوم مظفر أيضاً في كثير من المواضع يعتقد بهذا الرأي. في بحث القول اللغوي والسيرة يكتب: «.. والشارع لم يثبت منه الردع عن هذه السيرة العلمية، فيستكشف من ذلك موافقته لهم ورضاه بها» (مظفر، 1386، ج2، 184)

بعض كتابات الإمام خميني تدل على أنه أيضاً يعتقد بالإمضاء أو على الأقل «إثبات عدم الردع» للسيرة العقلائية من طرف الشارع. النهاية، نظر الإمام تختلف اختلافاً أساسياً مع رأي العلماء الأصوليين المشهور، والذي سيأتي في ما بعد: يقول في خصوص الإمضاء أو إثبات عدم الردع: «فرجوع الجاهل في هذه العصور إلى علماء الدين وإن كان فطرياً ولا طريق لهم بها إلا ذلك، لكن هذا البناء، ما لم يكن مشفوعاً بالإمضاء.. لا يجوز العمل عليه طبقة و..» (امام خمینی، 2385، ج2، 4-123)

يُرى أن حضرة الإمام يعتبر «مشفوع» أي ملازماً وموصولاً بناء العقلاء بالإمضاء الشرعي أمراً لازماً.

ب-الرأي الثاني

الإمام في بحث بناء العقلاء، في مسألة جواز «التقليد» وكيفية حجّيته يقول:

سيرة العقلاء في الرجوع إلى الخبراء والمتخصصين في العلوم المختلفة قد استقرت. ثم في النقد لهذا «البناء» أي رجوع الجاهل إلى العالم يقول إن «الاجتهاد» في زمن المعصومين يختلف اختلافاً جوهرياً عن الاجتهاد في عصرنا. الاجتهاد في العصر الحاضر، مثل الفلسفة والرياضيات، من العلوم النظرية، أما في عصر الأئمة فكان الاجتهاد مجرد الرجوع إلى الرواة ونقل الأحاديث وليس مناقشات فنية وأصولية وكلامية التي لا بد أن تكون بين العلماء في عصرنا. وقد كتب: «فإن علم الفقه أصبح في أعصارنا من العلوم النظرية التي لا تقل عن العلوم الرياضية والفلسفية، في حين كان في أعصار الأئمة (ع) من العلوم الساذجة البسيطة..» (المرجع نفسه، 30-129)

النتيجة

النتيجة المهمة التي يستخلصها الإمام من مقارنة الاجتهاد في العصر الحاضر مع «الاجتهاد» في زمن الأئمة هي أن «بناء العقلاء» في عصرنا لم يكن في «منظر ومسمع» المعصومين حتى يُعتبر الاجتهاد المعاصر مؤيداً ومصدقاً من اجتهاد عصر المعصوم. بمعنى آخر، «بناء العقلاء» في رجوع الجاهل إلى العالم في زماننا هو بناء جديد ومستحدث غير متصل بعصر المعصوم. في عصرنا، الرجوع إلى العالم هو في الحقيقة الرجوع إلى من يحصل على الأحكام بطريقة «ظنية» وبالتمسك بفنون الاجتهاد، وبعبارة أخرى، في عصرنا باب العلم مسدود، بينما في زمن الأئمة كان باب العلم مفتوحاً للفقهاء، وكان الفقيه في ذلك العصر يحصل على العلم الوجداني من خلال الاتصال والحوار مع المعصوم (ع).

الإمام خميني في الرد على الإشكال المطروح يقول:

إن ارتكاز «رجوع الجاهل إلى العالم» واضح للجميع. الأئمة كانوا يعلمون أنه في المستقبل، بين الشيعة، ستنشأ وتستقر مثل هذه السيرة والطرق (طرق الاجتهاد والتقليد من المجتهدين) (فأما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة أحاديثنا). فإذا لم يكونوا يعتقدون بوجود هذه البنايات العقلائية ويعارضونها، لكان عليهم أن يعلنوا رأيهم المعارض، ولأنهم لم يردعوا ويمنعوا هذه الطرق والسير، فكل هذه الطرق العقلائية التي تتشكل وتنتشر في زمن غيبة المعصوم هي من قبيل التأييد والإمضاء من الأئمة، إلا السير التي أُعلنت مردودة مثل القمار والخمر والبيع الربوي. وعبارة الإمام هي:

«.. والأئمة قد علموا بأن علماء الشيعة في زمن الغيبة وحرمانهم من الوصول إلى الإمام.. لا محالة يرجع عوام الشيعة إلى علمائهم.. فلولا ارتضائهم (ع) بذلك كان عليهم الردع، إذ لا فرق بين السيرة المتصلة إلى زمانهم وغيرها مما علموا..» (المرجع نفسه)

مما تقدم، تستخلص النتائج التالية:

1- بدلاً من اطلاع الإمام العادي على السيرة وبناء العقلاء الذي يحصل من طريق «المعاصرة»، يكفي اطلاع المعصوم المطلق من أي طريق كان.

2- بهذا المعنى، أي باستبدال اطلاع المعصوم من أي طريق على وجود السيرة، يكون علم المعصوم في مقام «المعاصرة»، وعلى هذا الأساس لا حاجة لتزامن «بناء العقلاء» مع حضور المعصوم. الإمام (ع) على أي حال يعلم بوجود هذه السير، سواء كان معاصراً أم لا، فإذا كان معارضاً، فعليه أن يمنع ويردع تلك السير، والصمت في الواقع ومع مراعاة الواجبات الجسيمة للمعصومين يعد نوعاً من نقض الغرض.

3-الدقة في أقوال الإمام تُظهر أن علم ومعرفة المعصوم لا تقتصر على التزامن الزمني مع عصر المعصوم بناءً على العقل، بل إن وعي الأئمة، حتى بالنسبة للبُنى والسير المستقبلية (وليس فقط سير زمان الأئمة)، هو طريق لـ«إثبات» واثبات «عدم الردع» أيضًا. لأنه في حال وجود ردع للمعصوم، كان خبر ذلك يصل إلى الجميع. بناءً على ذلك، يُفتح الطريق أمام السير الجديدة أيضًا. (فیض، 1374، 206، 210)

ويضيف الإمام الخميني (قدس سره):

الإشارات التي تصدر عن ألسنة أصحابنا وعلمائنا المحققين جميعها إشارات عقلائية يعتمد عليها العقلاء في معاملاتهم وسياساتهم وجميع أمورهم، وإذا لم يُلتفت إلى هذه الإشارات العقلائية، يحدث اضطراب في النظام ويتعطل دوران مطحنة الحياة الاجتماعية. (مرعشی، المرجع نفسه، 102)

نظرة إلى «أنوار الهدايه»

ما جاء به الإمام الخميني في كتاب «أنوار الهدايه» الذي هو تعليق على «كفاية الأصول» للآخوند الخراساني، جدير بالتأمل العميق. آراء الإمام في هذا الكتاب تُظهر أن ذلك الجزء من السير والبُنى العقلائية التي تتشكل وتستقر بناءً على «بما أنهم عقلاء» يمتلك في الأصل نوعًا من الحجية الذاتية. في هذا الجانب، تقترب أقوال الإمام من آراء المرحوم «علامة الطباطبائي». (سيُعرض رأي العلامة في الصفحات التالية) فقد كتب الإمام هكذا:

«… ما هذا حاله، لا معنى لجعل الحجية له، وجعله كاشفًا محرزًا للواقع بعد كونه كذلك عند كافة العقلاء و…» (امام خمینی 1372، ج 1، 6 و 105)

وما كان كذلك، أي في حال عدم العمل به يؤدي إلى اضطراب النظام، لا معنى لأن نقول إن الشارع قد أعطاه حجية. في الإشارات (ومنها البُنى العقلائية) لا يوجد أي جعل مثل: يؤدي إلى اعتبار الواقع أو يتمم الكشف، أو أن الشارع يجعل الظن بمثابة العلم ويجعل له طريقية، لذلك:

«… يتضح أن بناء العقلاء هو طريقة عقلائية يعمل بها العقلاء بما هم عقلاء، ويعتبرون العمل بها ضروريًا ولازمًا، وعدم الإقدام عليها يؤدي إلى اضطراب النظام والفوضى أو على الأقل إلى العسر والحرج…» (المرجع نفسه، 105)

وفي النهاية يقول: «… وإنما الشارع عمل بها كأنه أحد العقلاء…» (المرجع نفسه)

على أي حال، نوع نظرة الإمام الخميني إلى السيرة وبناء العقلاء يمكن أن يجعل تطبيق بناء العقلاء في العصر الحاضر واسع الانتشار، ويجعل الفقه أكثر قوة ونشاطًا في مواجهة مسائل العصر الجديد.

بعضهم شكك في رأي حضرة الإمام فيما يتعلق بواجب المعصومين (ع) في التعامل مع مسائل الأزمنة التي تلي عصر الأئمة، واستندوا إلى روايات تعتبر صمت الشارع نوعًا من اللطف والرحمة(لنگرودی، 1370، 67)، واعتبروا أن تناول مسائل ومشكلات الأزمنة المستقبلية خارج نطاق واجبات المعصوم. لكن يبدو أن رسالة المعصوم، خصوصًا مع مراعاة ظاهرة «الخاتمية» في الدين الإسلامي، تشمل التشريع والتبليغ للأجيال القادمة أيضًا، ولذلك فإن نظرية عدم مسؤولية الشارع تجاه المستقبل ليست صحيحة.

الشهيد الصدر، الذي بذل جهدًا كبيرًا في توضيح ماهية البُنى العقلائية، لا يرى تزامن بناء العقلاء مع عصر المعصوم وتوقيعه، بل يؤمن بأن «الردع» يجب أن يكون متناسبًا ومكافئًا لقوة «المردوع». والشرح أن في القضايا الجزئية والشخصية، إثبات عدم الردع ضروري، أما في القضايا العامة والشائعة مثل «بناء العقلاء» فإن مجرد «عدم وصول الردع» كافٍ ويدل على توقيع الشارع، والتوضيح التالي يعيد هذا المعنى:

«إن عدم وصول الردع كاشف عن عدمه ثبوتًا، ومرجعه أن الردع عن كل سيرة مقابلة للصمت عنها يتحدد حجمه ومقداره وعمقه بمقدار تلك السيرة و…» (هاشمی، المرجع نفسه، ج 4، 245)

… جوهر هذا الاستدلال هو أن درجة وأهمية الردع عن كل سيرة تعتمد على أهمية ودرجة نفوذ تلك السيرة، قد لا يصلنا خبر ردع المعصوم عن سلوك جزئي، لكن الردع عن سيرة وبناء انتشر على نطاق عام يجب أن يحدث مرات عديدة، بما يتناسب مع شدته وانتشاره… ومن غير المحتمل أن لا يصلنا خبر ردع مثل هذه السيرة والمشي العقلائي، أو أن تبقى أخباره وآثاره مخفية.

النقطة المهمة التي بالإضافة إلى «الارتكازات» [4] غير العملية للعقلاء موجودة في آراء الشهيد الصدر، والتي هو نفسه يؤكد على دورها في حل كثير من المسائل والمشكلات، هي الفرق الذي يقره بين العمل الخارجي وروح العمل. هذه النقطة تشكل أساسًا لاعتبار وحجية السير الجديدة والمستحدثة.

السؤال هو: هل توقيع السيرة العقلائية من قبل الشارع يشمل فقط الطريقة المتداولة والمألوفة في زمن المعصوم (ع)، أم أن شمولها أوسع وأشمل من العمل الخارجي، ويوقع الشارع على معيار البناء العقلائي؟ مثلاً، السيرة العقلائية تعتبر الحيازة سببًا للملكية، وأنواع الحيازة في عصر الشارع تختلف كثيرًا عن زماننا الحاضر، فهل يشمل تأييد السيرة العقلائية للحيازة من قبل المعصوم في الماضي طرق العقلاء في زماننا أيضًا؟ يقول الشهيد الصدر:

«… إلا أن الإنصاف يدل على أن عدم الردع هو توقيع لجميع النقاط العقلائية التي هي أساس العمل الخارجي للعقلاء ومرجعه في نظرهم، لأن المعصوم له مقام التشريع وإبلاغ أحكام الله سبحانه وتعالى و…» (هاشمي بحوث 624 و7)

الحق أن عدم الردع يعني توقيع جميع المعايير العقلائية التي كانت أساس العمل الخارجي، وليس مجرد توقيع العمل الخارجي فقط، لذلك دائرة التوقيع أوسع من الأعمال المتداولة… صمت المعصوم يظهر في توقيع وتأييد المعيار الموجود في السيرة العقلائية، وليس فقط في تقريع العمل المتجسد خارجيًا. ومن الواضح أنه إذا شمل توقيع وتقريع المعصوم معيار وروح السيرة العقلائية، فإن عدم الردع وتوقيع الشارع يشمل أيضًا السير الجديدة التي تحمل تلك الروح والمعيار.

كما رأينا، رغم أن الإمام الخميني(ره) والشهيد صدر يُعتبران من أنصار مذهب «أصالة الإمضاء»، إلا أن الابتكارات والآراء الجديدة التي قدماها في تفسير «المعاصرة» والإمضاء أو «عدم ردع» الشارع، يمكن أن تثمر ثمارًا كثيرة وحلوة. فيما يلي نبحث مذهب «أصالة الاعتبار» وحجية البناء عقلاً، الذي يعزو بطريقة ما حجية ذاتية للنظام والسير العقلائي.

الفصل الثاني: مذهب أصالة الاعتبار

في هذا الرأي، «البناء عقلاً» ذاتيًا، له أصالة واعتبار، وليس الأمر أن موافقة (الإمضاء أو التقرير) من المعصوم(ع) هي السبيل الوحيد لحجية البناءات العقلائية. وقد تم تفسير هذا الفكر بطرق مختلفة. أحيانًا يُعلن صراحة ووضوح أن اعتبار البناءات العقلائية بماهيتها العقلية، مثل «اليقين» والقطع، أمر ذاتي، وأحيانًا أخرى تُربط حجية هذه «البناءات» بالعقل وقاعدة الملازمة (كلما حكم العقل، حكم الشرع). وأحيانًا يُربط اعتبار السيرة العقلائية بالفطرة الاجتماعية للإنسان والمصالح والمفاسد، وضرورات الحياة الجماعية والحفاظ على النظام، بحيث أن مخالفتها لا يمكن أن تكون إلا فوضى واضطرابًا للنظام الاجتماعي. وأحيانًا أخرى يُعتبر المحور الأساسي للاعتبار هو مجرد عدم تعارض «البناء عقلاً» مع أصول وضوابط الشريعة. هذه الآراء التي تُعرف تحت عنوان «مذهب أصالة الاعتبار» للبناء عقلاً، تشكل الفصل الثاني من هذا القسم، ويمكن تقسيمها إلى عدة نظريات نتابع الموضوع على النحو التالي:

أ- الرأي الأول
«البناء عقلاً» والعقل

وفقًا لهذا الرأي: طريقة و«البناء عقلاً» لا تملك «موضوعية» بذاتها (أي ليست ذات اعتبار ذاتي)، ولا لأنّه كشف من «السنة»، بل أساس ومستند اعتباره هو حكم العقل البديهي، العقل الذي يُعد أحد «مصادر» الأحكام، ومع فرض حجية «العقل» وقاعدة الملازمة التي تقول: «كل ما حكم به العقل، يأمر به الشرع»، تعود حجية البناء عقلاً أيضًا إلى العقل. في الواقع، تستند البناءات العقلائية إلى «الحسن والقبح» العقلي. يكتب المحقق الآشتياني في بحثه عن الخبر الواحد والاستدلال بالبناء عقلاً:

البناء عقلاً هو كشف علمي عن حكم «العقل» بحجية الخبر الثقة وطريقته، مادام لم يُشرع له طريق آخر من قبل الشارع أو لم يُمنع من طريقة العقلاء:

«… وإلا الاعتماد عليها… يكشف كشفًا علميًا عن حكم العقل بحجية خبر الثقة.» (آشتیانی‌، د.ت.، ج 1، ص 171) وهكذا فإن سيرة العقلاء لها حجية، لأن العقل يظهر فيها. ويقول في موضع آخر بصراحة أكثر:

«الوجه في اعتبار بناء العقلاء في المقام، على فرض تحققه، بل في كل مقام، هو كشفه عن حكم العقل، كإجماعهم القولى.» (المرجع نفسه، ج 3 ص 52)

ثم يقدم المرحوم الآشتياني نوعين من الحكم العقلي: الحكم المنجز العقلي (المستقلات العقلية)، التي لا يتدخل فيها الشارع المقدس بأي تصرف (لا يناله يد الجعل الشرعي)، وهذه النوعية من الأحكام هي الأحكام البديهية والمستقلة للعقل. وفي هذا المجال، إن وُجد أمر ونهي، فهو أمر ونهي إرشادي، مثل «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم». النوع الثاني هو الحكم غير المنجز العقلي، وهو مشروط بعدم وجود طريق خاص من الشارع في ذلك المجال، لأن العقل رغم حكمه بضرورة الطاعة، إلا أنه يعي أن طريقة الطاعة يجب أن تكون بطريقة مقبولة من الشارع:

«إن شئت قلت، إن حكم العقل في باب الطريق، متعلق بموضوع، قابل للارتفاع بحكم الشارع، وهذا بخلاف حكمه في أصل وجوب الطاعة.» (المرجع نفسه، ج 1، 171) حكم العقل في موضوع طريقة الطاعة قابل للارتفاع والردع من قبل الشارع، على عكس حكم العقل في أصل وجوب طاعة المولى، الذي ليس كذلك.

أيضًا آية الله بروجردي يرجع البناء عقلاً إلى «العقل» وإلى التحسين والتقبيح العقلي، فيقول:

«… والاستدلال ببناء العقلاء، أيضًا ليس من جهة جعل بنائهم وسطًا للإثبات، بل المراد به حكم العقل بما هم عقلاء، بذلك ومرجع ذلك إلى حكم العقل بحجية.» (منتظری 1415 ج 2، 417)

ورأي المرحوم علامه طباطبائي، رغم احتمال اختلاف نوع وكيفية الاستدلال أحيانًا، يعود إلى هذا الرأي (الرأي الأول). فهو يرى أنه في حال وجود بناء عقلاً بما هم عقلاء، فإن رضا الشارع أيضًا مسلم به، ولا حاجة إلى كشف رضا الشارع ووسيط في إثبات الحجية، فـ«البناء عقلاً» له حجية ذاتية مثل «اليقين»:

«ومن هنا يظهر أولًا، أن بناء العقلاء، حجة بالذات، بمعنى أنه ليس حجة بوسط.» (طباطبایی، حاشیه بر کفایه، ص 206)

ويقول في معيار «البناء عقلاً»: يجب أن يكون الحكم من الأحكام العامة العقلائية التي يفتطر عليها الإنسان بفطرته الطبيعية والاجتماعية، ولا يختلف فيها عاقل (بما هو عاقل):

«ومصداقه الأحكام العامة العقلائية التي لا يختلف فيها اثنان من حيث أنهما ذوا عقل، كحسن الإحسان وقبح الظلم و…» (المرجع نفسه، 188)

فيما يتعلق بوجه حجية البناءات العقلائية، يرون أن البناء عقلاً مبني على الفطرة الإنسانية وضرورة النظام الاجتماعي. لذلك، إذا كان لسيرة العقلاء مستند آخر غير العقل، فلن يكون موضوع السيرة والبناء عقلاً:

«ثم إنك عرفت، في بحث الوضع، أن اعتبار الوضع والدلالة اللفظية، ما يقضي به الفطرة الإنسانية ونظام الاجتماع هو ما بني عليه العقلاء ولا معنى للردع عنه كما عرفت.» (المرجع نفسه، ص ٢٠٦) مع التدقيق فيما قدمناه، فإن البناء عقلاً، إذا كان ناشئًا من حكم «العقلاء بما هم عقلاء»، ومنبعه الفطرة الإنسانية وضرورات النظام الاجتماعي، فإنه له حجية ذاتية، وله اعتبار مثل حكم «العقل»، والردع في هذه الأمور لا معنى له.

النتيجة التي يمكن استخلاصها من «الرأي الأول» هي أن اعتبار بناء العقلاء، الذي يُطلق عليه في لسان البعض «الدليل الخامس»، ناشئ وكاشف عن دليل «العقل». بناءً على ذلك، إذا صدر سلوك عملي خاص من العقلاء وكان من المسلم به أنه من الناحية العقلانية للعقلاء (وليس من الناحية العاطفية…) وبالدافع للحفاظ على المصالح العامة، فإنه يحمل توقيع الشارع العام، والنتيجة المهمة التي يمكن استخلاصها هي أن «البنائات العقلائية المستحدثة» للعقلاء أيضًا تحمل توقيع وموافقة الشارع، ولا يلزم إثبات توقيع خاص.

ب: الرأي الثاني
عدم التعارض مع أصول وضوابط الشريعة

في هذا الرأي أيضًا، بناء العقلاء والقوانين والأنظمة العقلائية لها أصالة واعتبار، إلا إذا تعارضت مع أصول وضوابط وأهداف ومقاصد «الشريعة» الأساسية ومبانيها.

هذا الرأي يرى أن:

1- «بناء العقلاء» له أصالة، إلا إذا كان هناك دليل على الردع (تحقيق أصفهاني).

2- إذا لم يكن للسيرة العقلائية تعارض مع أصول وضوابط الشرع، فهي أصلاً ذات حجية واعتبار (شريف العلماء).

3- الشريعة جعلت الأصل في تدبير وتنظيم الأمور الاجتماعية حرية، والناس يتمتعون بحرية ضمن إطار المعايير والأصول العامة.

*يكتب تحقيق أصفهاني: إذا ثبت بناء العقلاء بشروطه، فإنه يُعتبر موقعًا شرعًا كغيره من الموارد. عبارته كما يلي:

«فإن بناء العقلاء، إذا ثبت بشرائطه كان ممضى شرعًا كسائر الموارد» (نهایة الداریة، المرجع نفسه، ج 3)

من وجهة نظر تحقيق أصفهاني، الشارع له هويتان:

1- هوية كونه شارعًا

2- هوية كونه عاقلاً

مع مراعاة هوية العقل والكون عاقلاً، فإن الشارع المقدس يشارك في كل بناء عقلائي ويكون «متحد المسلك» مع العقلاء في هذه البنائات، لأنه بالنظر إلى الهوية العقلائية، الشارع من بين العقلاء، وبحسب المرحوم مظفر هو «رئيس العقلاء» بل خالق العقل. لا يمكن للشارع أن يتجاهل مصالح ومفاسد العقلاء العامة ويأمر بما يخالفها. لذلك، من البديهي والأساس أن الشارع يشارك في كل بناء عقلائي، إلا إذا ثبت، بما هو شارع، أي مع اعتبار هوية كونه شارعًا، أنه مخالف لمشيئة العقلاء وتعارض مع ذلك البناء العقلائي. في هذا الرأي، «عدم إثبات الردع» هو الأساس ولا حاجة لإثبات رضا الشارع، بينما في الرأي المشهور يتحقق رضا الشارع بـ«إثبات عدم الردع». يقول تحقيق أصفهاني:

«إن اللازم في حجية العقلائية، مجرد عدم ثبوت الردع عنها من الشارع ولا يجب إثبات المضاء وعدم الردع، حتى يجب البناء على عدم حجيتها بمجرد عدم العلم بالإمضاء أو الجهل بعدم الردع لما ذكرنا هناك: من أن الشارع بما هو عاقل، بل رئيس العقلاء، متحد المسلك معهم، إلا إذا أحُرز اختلاف مسلكه معهم بما هو شارع.» (المرجع نفسه، ج 5، 30‌)

نتيجة هذا الرأي، ثمرة رئيسية ومهمة هي: «المعاصرة» مع المعصوم (ع) ليست شرطًا لحجية السيرة العقلائية، لأنه لم يُحزر الردع والإنكار، وفقط في حالة «إثبات الردع» وعدم الرضا تسقط تلك السيرة عن الاعتبار. لذا يمكن أيضًا استنتاج أن البنائات العقلائية «المستحدثة» التي لم تكن مطروحة أو معنية في زمن الشارع، هي عمومًا ذات حجية واعتبار.

ينسب تحقيق أصفهاني هذا الرأي إلى أستاذه آخوند خراساني أيضًا. (المرجع نفسه‌، ج 2، 91‌)

للشهيد صدر اعتراضات على هذا الرأي سنتناولها في موضعها، وفي هذا المقال نكتفي بالاختصار ونتجاوز ذكر الاعتراضات والردود عليها.

وكما لاحظنا، يمكن استنباط أو استخراج من مباني وأقوال تحقيق أصفهاني أن «البناء العقلائي» إذا لم يواجه ردعًا صريحًا من الشارع، فإنه يُعتبر موقعًا. بعبارة أخرى، بناء العقلاء «بما هم عقلاء» هو في طول الشريعة الإسلامية المقدسة، ولا يوجد تعارض أو تصادم معها.

*المرحوم شريف العلماء مازندراني، هو أيضًا من المدافعين عن هذا الرأي (عدم التعارض مع الأصول والضوابط). يعتبر كل سيرة لم تُردع من قبل المعصوم (ع) حجّة، سواء تم العمل بها في زمن المعصوم (معاصرة) أو لم يُعمل بها. عبارته كما يلي:

«ثم اعلم، أن بناء العقلاء حجّة، ما لم يرد دليل على خلافه…» (شریف العلماء، ضوابط الاصول، 399) طالما لم يدخل دليل على خلاف «بناء العقلاء»، فإن هذا البناء والسيرة حجّة، وفي حالة الشك في وجود دليل مخالف، ننفي احتمال وجوده بواسطة الأصل (ظاهريًا أصل عدم). وبضم هذا الأصل، يصبح بناء العقلاء حجّة. (نفس المرجع).

أحد المدافعين عن هذا الرأي (عدم التعارض) في موضوع الودائع العقلائية يقول:

المعاملات بمعناها العام (مقابل العبادات) أي مجموعة: العقود، الإيقاعات، الأحوال الشخصية، السياسات المدنية، الدولية وباختصار ما يحتاجه النظام والحكومة في تنظيمها الحكومي (الزمان والمكان يؤثران فيها)، وكيفية إقامة الناس لنظام معيشتهم واقتصادهم وفق أي نموذج، هنا ترك الشارع الأمر للناس أنفسهم، وحتى الشريعة قالت: أصل القوانين والأنظمة أتيتم بها أنتم. بالطبع وضع إطارًا أيضًا ألا يُظلم أحد، ولا يُحرم أحد من الحقوق التي قررها الله تعالى والطبيعة له، ويجب على كل شخص أن يستفيد من حقوقه ضمن إطار القانون. معنى الحرية هنا هو أن يقرر الناس بأنفسهم في شؤون حياتهم الشخصية والاجتماعية، ولكن إذا تُرك الناس مطلقًا لأنفسهم دون تحديد حد أو إطار في اتخاذ القرار، فقد يحدد كل شخص الحدود حسب هواه، وقد تُهدر حقوق الضعفاء في هذا التحديد. (معرفت، نقد و نظر، ش 1، 60‌ تا‌ 69‌)

يضيف السيد معرفت: إن الشارع المقدس في تنظيم المجتمعات البشرية، في مختلف الأبعاد، قد أَسْندَ إنشاء النظام ووضع القواعد إلى العرف. والمراد بالعرف هو المجتمعات المتحضرة في العالم، سواء كانت مسلمة أم لا، والمراد بالقواعد هو ما قبله عقلاء العالم كأصول عقلائية. مثل: «التحديدات الجغرافية، النظام القانوني للحركة والتنقل، النظام المصرفي، السياسات الدولية، وغيرها… فالمعاملات لم يشرعها الشارع.» (المرجع نفسه، 63)

هذا الرأي يقول: «خلود الإسلام يقتضي أن يضع الشارع قواعد في يد الفقهاء والعلماء الدينيين، ليتمكنوا بها من تقييم البنى العقلائية وتحديد أُطُر النظام الاجتماعي والفردي… الشارع المقدس قال إنه لا يجوز العقد الضار أو السفيه أو الغرري، لكن ما اسم العقد أو المعاملة؟ هذا لا علاقة له بالإسلام أو الشارع…»

ويضيف صاحب رأي آخر في هذا المجال:

الرجوع إلى عرف العقلاء مهم جداً، وليس من المفترض أن يتدخل الشارع في كل شيء، بلا شك الشارع تدخل في أمور، وفي الأماكن التي لم يتدخل فيها، يكون الإنسان حراً. (المرجع نفسه‌، گرجی، 37) كما أن الفقهاء السابقين كانوا يولون اهتماماً خاصاً للعرف والبنى العقلائية في زمانهم:

«… في ذلك الوقت (عصر العلامة الحلي) لم يكن لدينا سوى ثلاثة أنواع من التجارة، أما اليوم فإن عرف عقلاء العالم يعترف بعشرة أنواع من التجارة (هل يمكن القول: المضاربة صحيحة فقط إذا كانت بالنقد أو بالذهب أو الفضة؟) العلامة الحلي قد قيّم زمانه… » (نقد و نظر، المرجع نفسه، 70‌-69)

الرأي المشار إليه أعلاه يؤمن بأن الشارع قد ترك يد العرف والعقلاء في الأمور المتعلقة بالحياة وتدبير الشؤون الاجتماعية مفتوحة. وهناك العديد من الأحاديث التي تؤكد هذه الحقيقة. بعض هذه الأحاديث وردت في تفسير الآية: «لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم»، مثل: [5]

«إن الله… وعفا عن أشياء رحمة منه لكم من غير نسيان فلا تتكلفوها (تتكلموها)(ری شهری میزان الحکمة، ج 5)

سبب السكوت في الحقيقة هو الرحمة بالناس، وهو ما يسمى بـ«مصلحة التيسير» التي ناقشها علماء أصول الفقه، وهو موضوع يُعرف أيضاً بـ«منطقة الفراغ» (شهيد صدر، المرجع نفسه). وهي الميادين التي تُترك فيها الأحكام للناس، وتسمى أيضاً منطقة العفو، أو الحالات «مالا نص فيها». ويجب أن ننتبه إلى أن «منطقة الفراغ» تعني الميادين القانونية أو الفقهية الحرة التي لا يوجد فيها حكم تأسيسي أو إمضائي من الشارع، سواء كان ذلك على سبيل العموم أو الإطلاق، أو على سبيل التقريب أو الإمضاء، لأنه إذا شمل الأمر تحت العموم أو الإطلاق، فإن تعبير السكوت أو «منطقة العفو» لا معنى له. وبعبارة أخرى، يمكن القول إن العموم أو الإطلاق أيضاً نوع من البيان.

* يمكن اعتبار الأستاذ محمد جواد مغنية من أتباع ومؤيدي هذا الرأي. يقول:

طالما أن منع الشارع غير ممكن… والإمضاء حاصل، فلا حاجة لأن نقول إن الشارع لم يردع هذا العرف أو السيرة العقلائية أو أنه أقرها… (مغنیه، علم اصول الفقه، 222)

وفي شرح هذا الكلام يكتب الدكتور فيض:

«مراد الأستاذ مغنية هو أن الشارع المقدس قد اعترف بالعرف بشكل عام وفي كل عصر، وأقره، وإذا أراد أن يقره ويؤيده مرة أخرى، فإن ذلك تحصيل حاصل.» (فیض، 1374، ص205)

ويصرح مغنية في موضع آخر بأن الفقهاء يستندون في باب المعاملات إلى المبادئ العامة:

«… ومعنى هذا أن أحكام المعاملات ليست من صنع الشارع بحيث يجب الالتزام بها تعبدياً، بل هي آراء ونظرات شخصية…» (مغنیه، 1398‌، ص ‌‌919‌)

في الأحكام العامة والاجتماعية (وليس العبادات) مثل: الحقوق المدنية، الحقوق العامة والخاصة، التجارة، النقل، التأمين، المالية، العلاقات الدولية العامة والخاصة، الحقوق البحرية وقوانين البحار، الحقوق القضائية وغيرها، يؤثر الزمان والمكان. ويمكن القول إن التعبير الذي يتحدث عن تأثير الزمان والمكان في الأحكام والموضوعات هو نفسه العرف وبناء العقلاء.

«أساس الأحكام العامة يقوم على مصالح ومفاسد المجتمع. صحيح أن هذه الأحكام إمضائية، لكن تصور أن الشارع أقر فقط قواعد زمانه، أي العرف الجاهلي، غير صحيح على الإطلاق، بل إنه أقر أحكام العرف في كل الأزمنة.» (گرجی، نقد و نظر، المرجع نفسه، 9-48)

وقد استخلص بعضهم هذا الرأي أيضاً من تصريحات الإمام الخميني. يكتب الدكتور فيض: «من… الأقوال التي نقلت عن الإمام الخميني وبعض العلماء الكبار، يمكن التأكد من أن كل سيرة عقلائية رائجة بين عقلاء المجتمع في أي موضوع من المواضيع وأي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية، سواء كانت مرتبطة بزمن المعصوم أو منفصلة عنه، كلها حجج، ويمكننا في ظلها حل كثير من مسائلنا الاجتماعية.» (فیض، 1374، 210)

وفي هذا الصدد، الرأي التالي جدير بالاهتمام:

يقول هذا الرأي: «العقل الجمعي» إذا تحقق بوعي وبالاعتبار لـ«المصالح والمفاسد» ومعرفة الإنسان وهدف خلقه، يمكن أن يكون مصدر الحقوق. الأمور العقلائية، ومنها «الأحكام الإمضائية»، حيثما بقيت صامتة في نصوص الأدلة ولم يقرر الشارع حقاً أو حكماً خاصاً، يمكن اعتبار «الإرادة العامة» للمجتمع معياراً للحق أو الحكم:

لأن: «في هذه الأمور، سكوت الشارع الواعي وعدم ردعه دليل على الرضا وجواز الرجوع إلى السيرة وتشخيص العقلاء وإرادتهم العامة.» (منتظری، 1383، 20 و 19)

ما يستحق الانتباه في هذا الرأي هو مصطلح «العقل الجمعي» أو «الإرادة العامة» الذي يبدو تعبيراً آخر عن السيرة و«بناء العقلاء».

الاتجاهات التي عُرضت حتى الآن تحت عنوان: «حجية البناء العقلي» كانت تُعنى باعتبار «البنائات العقلائية» أو «العقل الجمعي» في نطاق خاص، وفي إطار مبادئ وضوابط ومعايير، أو في ظل العمومات والإطلاقات النصوصية. بعض الاتجاهات الأخرى كانت إما تؤمن بـ «تحقق» عدم الردع، أو ترى أن عدم «تحقق الردع» أو عدم وصول الردع كافٍ لحجية السيرة العقلائية. ما سيُطرح في الصفحات القادمة تحت عنوان «الاتجاه الثالث» يقدم في هذه الحالات رؤية ومنظورًا ثالثًا، وهو أمر غير مألوف في اللغة الفارسية. إنه رأي جديد نسبيًا يتجاوز النطاقات المذكورة، رغم الإشارات العابرة في بعض الكتب والاقتراحات:

الاتجاه الثالث

يمكن دراسة هذا الاتجاه تحت عنوان: «مدرسة أصول الأهداف والمقاصد». هذا الاتجاه يؤمن بأن: ما هو مهم جدًا هو الانتباه إلى الرسالة الأساسية للدين وأهداف ومقاصد الشريعة الرئيسية، أو الحفاظ على جوهر وروح رسالة الدين أو الأديان. أصحاب هذا الفكر يرون أنه: لا ينبغي أن يُخلط بين «مقاصد الشارع» و«الطرق المؤدية إلى تلك المقاصد» (سروش، 1381، 105). هؤلاء يقولون: لم يقم الأنبياء لتغيير مستوى المعيشة، ولا حتى لتغيير مستوى المعرفة لدى الناس. لم يقولوا مثلاً: الأرض متحركة، أو القلب ليس مركز الإدراك. لم يعلموا الناس الطب أو الفلسفة أو الرياضيات أو الصناعة. ولم يغيروا أسلوب حياة الناس أو إنتاجهم، بل كان العمل المهم للأنبياء الإلهيين هو جلب معنى ومحور جديد للحياة، فقالوا:

«قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين» [6]

هذا الرأي يقول:

«.. الأحكام الاجتماعية في الإسلام تعتمد على عرف المجتمع.. الفقهاء قالوا إن ٩٩٪ من الأحكام الاجتماعية في الإسلام هي أحكام إمضائية. لو ظهر النبي في عصرنا، لكان جلب محور وروح معنوية جديدة للحياة دون المساس بالكثير من أشكال الحياة المعاصرة. وبقبول عرف العصر، كان يطلب من الناس أن يوجهوا حياتهم نحو المركز الروحي للدين..» (المرجع نفسه، 5 و 103)

هذا المثال الأخير يعتبر عدم المساواة في الحقوق والفقه الإسلامي مثل: عدم المساواة بين حقوق المرأة والرجل، المسلم وغير المسلم، وغيرها، «جزءًا عرضيًا» من الفقه يمكن أن يتغير ويتبدل في ضوء الزمان والمكان وبناءً على المقاصد والمصالح. ويضيفون:

«هذه العرضيات نابعة من الظروف التي بُعث فيها النبي، وليست جزءًا من القيم المطلقة والرفيعة للإنسانية، ولهذا يمكن أن تخضع للاجتهادات العصرية، وأن تحل محلها الأعراف والعادات والقيم الأخرى، مع الحفاظ على مقاصد الشارع.» (المرجع نفسه‌، 104‌)

يمكن تلخيص خصائص ومميزات الاتجاه الثالث كما يلي:

1- الأوامر والنواهي الشرعية في مجال المعاملات (كما في المجالات الأخرى) مثل: النكاح، الطلاق، العقود والإيقاعات، كانت أمورًا عقلائية، وليست غامضة أو سرية، وكان تصرف النبي في كل من هذه المجالات (عبادات‌[7] معاملات و سیاسات و احکام) أحكامًا عقلائية أو عقلائية إلى حد ما. أما في مجال العبادات، فكان التغيير محدودًا جدًا. [8]

2- عبر تاريخ الإسلام، كان الفقه دائمًا علمًا عقلائيًا وعمل في إطار عقلائي. العلماء مثل الغزالي والشاطبي اعتبروا علم الفقه شرحًا وتوسيعًا لمقاصد الشريعة الخمسة: حفظ الدين، العقل، النسل، المال، والنفس.

3- الاجتهاد والفتوى كانا دائمًا ملتزمين بمراعاة عقلانية كل عصر وزمان. في الفتاوى كان هناك دائمًا مصلحة شرعية أو مصلحة عقلائية محفوظة، وكان الجهد منصبًا على عدم نقض هذه المصالح.

4- الأطر الرئيسية الموجودة في العبادات والمعاملات لا تخل بمصالح الشرع ولا بمصالح عقلاء المسلمين. الاجتهادات في هذين المجالين لا تزال في خدمة المقاصد الرئيسية. في الحالات الخاصة والاستثنائية، يلجأ الفقهاء إلى اجتهاد جديد، ويُسمى اجتهاد «الزمان والمكان»، ويحافظون على توازن الفقه مع «عقلانية العصر الحاضر». [9]

5- في باب السياسات (الحدود، القصاص، الديات، وغيرها) لم يتحرك الفقه على أساس عقلائي ولم يعزز مصالح الشرع والعقلاء المسلمين. يجب أن نرى مع أي نظام جنائي وقضائي، ومع أي نظام حكومي وسياسي، سيتم تنظيم المجتمع والقضاء بشكل «عادل»، وتحفظ حرمة الإنسان الإلهية.

6- النصوص الواردة في الكتاب والسنة وعلم الفقه تظهر أن النصوص المتعلقة بباب السياسات مرتبطة بالثقافة والواقع الاجتماعي والسياسي عند النزول، وكانت تهدف إلى تنظيم تلك «الواقعيات» بشكل عادل.

مثلاً، كان هدف الأحكام الجنائية هو ضبط الانتقام السائد بين العرب في ذلك العصر بطريقة عادلة وأخلاقية، حيث كان أفراد القبيلة يقتلون العديد من أفراد القبيلة الأخرى ردًا على قتل واحد. وللحد من هذا الوضع، قال النبي: في مقابل قتل واحد، القصاص المسموح به هو قتل واحد فقط، وفي باب عقوبة السارق والزاني والجرائم الأخرى وُضعت طرق إثبات صارمة. تدخل النبي (ص) كان بوضع طرق إثبات صعبة، حتى لا يتمكن أي فرد أو قبيلة من إثارة القتل والدماء باتهام الآخرين بالزنا. لم يكن النبي (ص) يسعى لتأسيس نظام خاص في تلك الأبواب، بل عمل وفق «عرف عادل» في زمانه، والنصوص كانت تجيب على أسئلة العصر في القرون الماضية.

7- دلالة النصوص على الأحكام (وأسئلة العصر الحاضر) غير موجودة. قضيتنا في هذا الزمان ليست منع الانتقام اللامحدود. في عصرنا، كل هذه الأمور تُعتبر، حسب تعبير الشهيد الصدر، «منطقة الفراغ». مجموع النصوص يظهر توجهًا عامًا في أفعال النبي (ص)، وهو دعوته إلى: «العدل والرحمة». يجب أن تقوم «الحقوق الجنائية» والعلاقات السياسية والحكومية على أساس العدل.

8- يمكن للتحولات الثقافية في المجتمعات أن تغيّر «دلالة» النصوص الدينية وغير الدينية، مثلاً تحويل «الدلالة المفهومية» إلى «الدلالة المنطوقة» والعكس، و«الدلالة الحقيقية» إلى «الدلالة المجازية».. إلخ. دلالة النصوص في عصرنا هي دلالة على عنصر: «العدل والرحمة»، وليس دلالة على أحكام محددة. فإذا استجبنا لتلك الدلالة بما يتناسب مع العدل، فقد أطَعنا الله تعالى.

9- يجب في كل عصر أن تُدرس القوانين والمؤسسات الفقهية والقانونية والجنائية التي تُطبق في المجتمع المسلم، وفق المعيار الذي يقيس مدى توافقها أو تعارضها مع السلوك التوحيدي للناس. فإذا أظهر فحص المختصين المؤهلين أن بعض القوانين والعادات في مجتمع معين تعيق السلوك التوحيدي للبشر، فلا ينبغي التردد في إصلاحها أو تعديلها أو تغييرها. هذا الإجراء ليس تغييرا لقانون الله. فالقانون الإلهي الخالد هو ذات المبادئ القيمية الناشئة عن حقانية السلوك التوحيدي، أما القوانين فبإمكانها التغير. وهذه الجهود ضرورية للحفاظ على القيم الإلهية الخالدة وحقانية السلوك التوحيدي.

10- الشارع المقدس، في باب المعاملات والسياسات والأنظمة، لم يؤسس قوانين أبدية لا تتغير. وهذا الأساس الفقهي قائم على أساس كلامي خاص. ففي هذا الأساس الكلامي، لكل من علم الله، وعلم الإنسان، والمجتمع، والحقوق، معاني خاصة بها. على كل حال، فإن المسلمين ملزمون في كل عصر بتحديد «العدل» الموضوعي لذلك العصر، ومظاهر العدل الإيجابية والسلبية، من خلال نقاشات عقلانية، وجعل ذلك أساس التنظيم العادل الاجتماعي والسياسي لديهم، وهذه مسؤولية عظيمة للقيام بالعدل وتجنب الظلم. وقد أظهر الفقهاء والعلماء الإسلاميون في الماضي هذا الطريق لنا للحفاظ على علم الفقه في سياق عقلاني لكل عصر. إن التوجه نحو حقوق الإنسان في العصر الحاضر سيلبي هذا الأمر. (شبستری، اندر باب اجتهاد‌، ص 101‌ و بعد، مغنیه، فلسفات اسلامی، ص 919‌ و.. . )

في هذا الاتجاه، أُشير إلى نقاط ومواضيع أخرى يمكن تلخيصها كما يلي:

11- كل حكم شرعي له اعتبار طالما أنه يحقق «مصالِح نوعية»، وإذا فقدت هذه المصالح اعتبارها، فإن تلك الأحكام تصبح موضوعاً منتهياً. بناءً على ذلك، إذا تيقن العقل بأن مصلحة حكم شرعي قد زالت، يجب التوقف عن تطبيق ذلك الحكم.

12- ثلاثة شروط: العقلانية، والعدالة، والتفوق على حلول الأديان والمذاهب الأخرى، هي معايير قبول الأحكام الشرعية، كما أن عرف كل زمان هو معيار لتحديد العقلانية والعدالة.. إلخ. الإنسان المعاصر يعتبر قطع الأمل ظالماً وغير عقلاني، ويرى أن التمييز القانوني الناجم عن الاعتقاد أو الرأي أو الجنس غير عادل ولا عقلاني، ويعتبر تقييد الحريات الدينية غير عادل.. إلخ.

هذه كانت بعض المحاور والمبادئ التي طرحها الاتجاه الثالث. كما رأينا، فإن رفض هذا الاتجاه استند إلى «العقل الجمعي» والعقلانية والطرق والأعراف، بطريقة أوسع وأشمل من وجهات النظر الأخرى، واعتبر أساس القوانين والأنظمة هو «العقلانية» في السُّنن والطرق. كما وُجّه اهتمام شديد للحفاظ على مقاصد وأهداف الدين و«غايات» الأحكام. في هذا الاتجاه، لا نجد كلاماً عن «إثبات عدم الردع» أو «عدم إثبات الردع» أو التصديق والتقريظ وصمت الشارع، بل يُعتبر الحفاظ على الأهداف والمقاصد أساس الأصل. وقد وُجّهت انتقادات إلى نظرية الأهداف والمقاصد، وسنُعالجها في موضعها. راجعوا في هذا الصدد هذه الكتب: (آملی، 1372، ص 228 و غفاری، شریعت صامت، 1368، ص 150‌، و نصری‌، 1379، ص 190 و.. . )

الخلاصة والاستنتاج

1- «البناء العقلي» هو أحد الأسباب الرئيسية والقواعد العامة. قواعد يمكن أن تكون منبعاً للعديد من الفروع، مثل «قاعدة الصحة»، «قاعدة اللزوم»، «قاعدة التسليط»، «قاعدة الحيازة»، «قاعدة على اليد»، «قاعدة الإقرار»، وقواعد أخرى شرحها علماء الفقه والأصول في كتب «قواعد الفقه».

2- كما أشرنا في بداية النقاش، لا يوجد جدل أو نزاع حول حجية البنائات التي كانت في «مروي ومستمع» المعصومين(ع)، أما ما هو محل خلاف واختلاف أكثر فهو البنائات العقلائية «المستحدثة» والجديدة. وفيما يتعلق بحجية واعتبار البنائات العقلائية الجديدة، يمكن القول كنتيجة:

1/2- تلك الأمور والبنائات العقلائية التي تعود إلى حكم قطعي للعقل، فهي دائماً معتبرة ولها حجية. هذه تقع ضمن «المستقلات العقلية» وتُعتبر من البديهيات العقلية.

2/2- المنهج أو ما يسمى مذاق الشارع المقدس في معظم الأحكام المتعلقة بالمعاملات هو الحفاظ على نظم ومصالح المجتمعات البشرية. مثلاً، «الاحتكار» في كلام أمير المؤمنين(ع) يُعتبر مخالفاً للمصلحة العامة. يقول: «فذالك باب مضرة للعامّة» وكما رأينا في كثير من البنائات العقلائية التي تتعلق بالمصالح العامة والحفاظ على النظام والنُظم الاجتماعية، كان رأي الإمام الخميني والمرحوم علامه طباطبائي أنه لا يمكن مخالفة تلك النُظم أساساً، وإلا يؤدي ذلك إلى اضطراب. وفي هذا السياق يقول الفقهاء:

.. في مسألة الإحياء، تدخل الشارع المقدس بشكل مطلق ولم يحدد تعريفاً أو معنى خاصاً للإحياء، وبشكل عام عادة الشريعة في هذه الأمور هي إحالة الناس إلى «المتعارف والمعهود» بينهم. «.. وعادة الشرع في ذلك رد الناس إلى المعهود عندهم». (فیض الاسلام، 1271، 1017)

على هذا الأساس، فإن غالب البُنى العقلائية التي تتشكل في مجال مصالح نوعية المجتمعات والتي يتبعها العقلاء في تلك الطرق والسير «بما هم عقلاء» تحظى بتأييد الشارع أو على الأقل تُعد موضع سكوت منه، ولا يُرى فيها ردع. ونظرة إلى الدستور الإسلامي للجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي أُقرّ من قبل فقهاء العصر تُظهر هذه الحقيقة.

3/2- بالإضافة إلى أن في كثير من الحالات تُستند البُنى العقلائية مثل: التأمين، الشركات، المضاربة وما شابهها إلى عمومات مثل «أوفوا بالعقود»، «أحل الله البيع» أو «المؤمنون عند شروطهم»، وأحيانًا يُستفاد من «الشرط ضمن العقد»، فإن المؤسسة المهمة جدًا «المصلحة» التي تُستخدم في عبارات مثل: مصلحة النظام، المصالح العامة، المصالح الوطنية، مصلحة الإسلام وما شابه ذلك، يمكنها بالتمسك بالأحكام الحكومية أن تلعب دورًا بارزًا في إقرار «البناء العقلي». خصوصًا مع الأخذ في الاعتبار أن الأحكام الحكومية تتجاوز إطار ونطاق الأحكام الفرعية. (امام‌ خمینی‌، ج 7، 170) في الحقيقة، فإن مؤسسة «المصلحة» تمهد لقبول ذلك الجزء من السير والبُنى العقلائية التي لا تتوافق مع بعض الظواهر الشرعية، أو التي يوجد خلاف حول توافقها وموافقتها. إن وجود حق التشريع لمثل هذه الأحكام في الأحكام الحكومية، حسب رأي بعض الفقهاء، ومنهم الإمام الخميني (ره)، هو من الأحكام الأولية. البناء العقلي يمكن أن يكون أساسًا وركيزة لكثير من «المصالح». وعلى هذا الأساس، فإن السير «المستحدثة» التي تحمل مصلحة، والتي قد يقرر مجلس تشخيص المصلحة وجوب الالتزام بها، يصبح العمل بتلك السيرة والبناء، مع مراعاة الحكم الحكومي، أمرًا لازمًا، حتى وإن تعارض مع بعض العمومات. في الواقع، دخول عنصر «المصلحة» الذي له نطاق أوسع من «المصالح المرسلة» في الفقه الجعفري في التشريع والاجتهاد وتأسيس مجلس للتعرف على مواضعها (المصلحة) هو علامة واضحة على كشف مهم جدًا. مجمع تشخيص المصلحة، الذي تُحدد فيه المصالح الوطنية بلا قيد أو شرط وبصورة «مرسلة» بواسطة عرف عقلاء الأمة، هو الشكل المؤسسي والعملي لتدخل العرف والبناء العقلي.

4/2- بالإضافة إلى جميع الحالات التي يكون للعقل أو العقلاء (بما هم عقلاء) فيها حكم، وحكم الشارع (لو وُجد) حكم إرشادي، وبمصطلح آخر «ما يرشده العقل»، في جميع الحالات التي لا يوجد فيها حكم من الشارع المقدس، يمكن أن يكون للبُنى العقلائية اعتبار وحجية. هذه الحالات هي «منطقة الفراغ» أو «منطقة العفو»، وهي مناطق سكوت عمدي وعلمي من الشريعة. وقد أُشير إليها أيضًا في الأخبار والروايات. مثلًا في العلاقات بين الدول والقانون الدولي العام والخاص الذي يختص بعلاقات الأفراد أو علاقات الدول في الساحة الدولية، قد تسود البُنى العقلائية بنسبة مئة بالمئة. هذه الحالات هي مجال المباحات التي هي أكثر ساحات تحرك العقل العرفي، ما لم يكن هناك ردع ومنع صريح من الشارع.

5/2- التمييز بين الفعل الخارجي (الذي تحقق في الخارج) وروح الفعل يمكن أن يكون له دور وتأثير في اعتبار السير المستحدثة. التوقيع أو عدم ردع الشارع لا يتعلق فقط بالفعل الخارجي، بل يتعلق بروح الفعل و«كل النقطة العقلائية». لذلك، إذا كانت السير المستحدثة تحمل نفس النقطة العقلائية وتلك الروح، فإن هذه البُنى ستكون حجة وموثوقة. الشهيد الصدر، الذي كان من المؤمنين بمذهب أصالة التوقيع، أشار في هذا المجال إلى «الحيازة»: «أصل السببية في الحيازة للملكية هو ارتكاز عقلي، ففي زمانه كانت مصاديق الحيازة بأدوات ذلك الزمان، ولكن في زماننا تغيرت الأدوات والآلات، لكن البناء العقلي على الحيازة في زماننا أيضًا معتبر ومقبول من الشارع».

6/2- لا يمكن أن تُستخدم البُنى العقلائية في مجال العبادات التي لها حقائق ملكوتية. مجال مشورة رسول الله (ص) مع الآخرين لم يكن أبدًا في مجالات العبادات. فالموضوعات العبادية غالبًا ما تحمل مقاييس إلهية. الحديث المعروف «إن دين الله لا يصاب بالعقول» يشير إلى هذه المقاييس.

7/2- كما أن مراجعة مجموع الآراء تؤدي إلى نتيجة مفادها أنه مع الأخذ بعنصري الزمان والمكان، إذا استُنبط بيقين وقاطع أن تنفيذ حكم ما يفتقر إلى «مصلحة» أو يسبب إهانة للشريعة، ومن جهة أخرى يتعارض مع بناء قطعي للعقلاء والعقل، فيمكن بالاستناد إلى البُنى العقلائية للعقلاء التوقف عن تنفيذ ذلك الحكم الخاص. وبالطبع، هذا الأمر يحتاج إلى دقة وتأمل خاصين، ويحدد أهل الاختصاص جوانبه وشروطه. هذا النقاش يرتبط أكثر بمبحث العقل، وهو موضوع يُطرح تحت عنوان «تخصيص الكتاب والسنة» بواسطة الدليل العقلي في أصول الفقه. وربما يمكن القول إن في بعض الحالات، يمكن للعرف العام والسيرة العقلائية أن تخصّص وتقيد عموم الأدلة. مثال على ذلك الحيازة والإحياء. بمعنى هل يمكن أن يقيد «البناء العقلي» في عصرنا إطلاق: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»؟ سؤال إذا كان الجواب عليه بالنفي، فإننا سنواجه اختلالات كثيرة في النظام الاقتصادي والقانوني، وهذه الاختلالات لا يقبلها العقل و«البناء العقلي» في العصر الحاضر.

شروط الاستناد إلى البناء العقلي

ليس فقط أن التمسك بالسير والبُنى العقلائية يمكن أن يُساء استخدامه أو على الأقل يُستخدم استخدامًا غير مناسب، بل إن كل مؤسسة، وكل دليل أو مصدر حقوقي وفقهي معرض لهذا الإهمال أو التهاون. يجب أن يضع الأساتذة وأهل الرأي ضوابط وشروطًا لتنظيم نطاق الاستناد إلى هذه «المؤسسات».

الاهتمام بالشروط والضوابط التالية يمكن أن يكون مدخلاً لجهود العلماء:

1- البناء العقلي، لا ينبغي أن يتعارض في أي حال مع أُسس المبادئ وكذلك الأهداف والمقاصد الأساسية للشريعة. فقد عدَّ العلماء المقاصد الكبرى للشريعة حفظ وصيانة:

الدين، النفس، العقل، النسل، والمال. (غزالی، 1322، ج 1، 284) مع أن بعض العلماء أضافوا إلى عدد هذه المقاصد. (احمدی، 1375، 138)

2- قبول البنايات العقلائية يجب ألا يكون أبداً مخالفاً لموازين «العدل». فكل سيرة أو بناء عقلي يؤدي نتيجته إلى ظلم فئة من الناس هو بالتأكيد مردود ومرفوض.

3- لتنفيذ البنود 1 و 2، يجب قدر الإمكان أن يكون لدينا تعريفات دقيقة ومنضبطة لـ «العدل» و«العقلانية» و«المصلحة». ومن الواضح أن هذه التعريفات تصاحبها مشاكل وصعوبات، ولكن على مثال «ما لا يدرك كله لا يترك كله» لا يمكن ترك مؤسسة حقوقية وفقهية مثل «المصلحة» بدون ضوابط محددة. فقد ذكر العلماء جمهوراً شروط وضوابط لـ «الاستصلاح» مثل: القطعية، الضرورة، والعامة أي الصالح العام. كما يجب أن تُضبط وتُنظم «الأهداف والمقاصد» الأساسية للشريعة قدر الإمكان.

4- بالإضافة إلى مجال العبادات الذي له معايير خاصة، في مجال الجرائم والعقوبات أيضاً لا يمكن للعُرف أو البناءات العقلائية أن تحل محل النص والقانون في تحديد الأحكام. فالعرف والبناء العقلي لا يمكن أن يكونا محددين أو موجدين للجريمة والعقاب. ففي هذا المجال، كما يقول الفقهاء، الأصل هو: «مشروعية الجريمة والعقوبة»، ويُفسر الصمت أو النقص أو التعارض في القوانين، مع مراعاة مكانة الإنسان، لصالح المتهم. (کی‌نیا، 1384، 215‌)

المصادر والمراجع:

1. آشتياني، محمدحسن؛ بحر الفوائد، ج ۱، الطبعة الحجرية، (د.ت.).

2. أحمدي، محمدأمين، (۱۳۷۵)، في بحث الجذور، نقد ونظر، السنة الثانية، العدد الثاني.

3. إسلامي، سيدحسن؛ (۱۳۷۳)، حجية السيرة، نقد ونظر، السنة الأولى، العدد الأول.

4. أصفهاني، محمدحسين (كمباني)، نهاية الدراية، ج ۳، الطبعة الحجرية، أصفهان (د.ت.).

5. الإمام خميني، روح الله، (۱۳۸۵)، الرسائل، ج ۲، رسالة الاجتهاد والتقليد، علمية، قم.

6. الإمام خميني، روح الله، (۱۳۷۲)، أنوار الهداية، ج ۱، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام، طهران، الطبعة الأولى.

7. الإمام خميني، روح الله، (۱۳۶۱)، صحيفة النور، ج ۷، طهران، وزارة الإرشاد.

8. الإمام خميني، روح الله، (۱۴۱۵هـ)، كتاب البيع، ج ۴، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.

9. الأنصاري، الشيخ مرتضى، فَرائد الأصول، ج 1، دار الاعتصام للطباعة والنشر، (د.ت.).

10. بجنوردي، ميرزا حسن، (۱۳۹۳)، القواعد الفقهية، ج ۵، طبعة النجف.

11. بروجردي، سيد حسن، (۱۳۹۹)، جامع أحاديث الشيعة، تحقيق إسماعيل معزي، قم، طبعة علمية.

12. جرازبي، سيد نورالدين، (۱۳۷۷)، مبادئ الحرية في الكلام والفقه الشيعي، فصلية العلوم السياسية، ع ۳، السنة الأولى.

13. جعفري لنگرودي، محمدجعفر، (۱۳۵۱)، دانشنامه حقوقي، ج ۲، إن سينا، طهران.

14. جعفري لنگرودي، محمدجعفر، (۱۳۷۰)، المدارس الحقوقية في حقوق الإسلام، كنز دانش.

15. جوادي آملي، عبدالله، (۱۳۷۲)، الشريعة في مرآة المعرفة، نشر رجاء، الطبعة الأولى.

15. حسيني حائري، سيد كاظم، (۱۴۰۷)، مباحث الأصول، ج ۱، (تغييرات درس الشهيد صدر)، الطبعة الأولى.

17. حكيم، محمدنقي، (۱۹۷۹)، أصول العامة للغة المقارنة، مؤسسة آل البيت للطباعة.

18. رحيميان، سعيد، (۱۳۷۴)، مقال طريقة كشف الملاك، منابع الفقه والزمان والمكان، مجموعة آثار مؤتمر دراسة مباني الفقه لحضرة الإمام خميني، ج ۷، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني.

19. سروش، عبدالكريم، (۱۳۸۱)، أخلاق الآلهة، طرح نو، طهران، الطبعة الرابعة.

20. سروش، عبدالكريم، (۱۳۷۶)، مدارا وإدارة، صراط، طهران، الطبعة الأولى.

21. شاطبي، أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، ج ۱، دار الكتب العلمية، (د.ت.).

22. صدر، محمدباقر، (۱۳۹۵)، المعالم الجديدة للأصول، النجف الأشرف، الطبعة الثانية.

23. طباطبائي، سيدمحمدحسين، حاشية الكفاية، مؤسسة علمية وفكرية علامه، (د.ت.).

24. طباطبائي، محمدحسين، (۱۳۹۴)، الميزان، ج ۸، دار الكتب الإسلامية، طهران.

25. عراقي، آقا ضياء، نهاية الأفكار، القسم الأول، الجزء الرابع، مؤسسة النشر الإسلامي، (د.ت.).

26. غزالي، محمد، (۱۳۲۲)، المستصفى، ج ۱، أميريه، مصر، الطبعة الأولى.

27. غفاري، حسين، (۱۳۶۸)، الشريعة الصامتة، نشر حكمة، الطبعة الأولى.

28. فيض الإسلام، (1371)، نهج البلاغة، رسالة إلى مالك الأشتر.

29. فيض، عليرضا (1374)، مبادئ الفقه والأصول، الطبعة السابعة، جامعة طهران، الطبعة السابعة.

30. الدستور الإسلامي لجمهورية إيران الإسلامية.

31. القانون المدني.

32. قمي، ميرزا أبو القاسم، جامع الشتات، طهران، شركة الرضوان (د.ت.).

33. كاتوزيان، ناصر، (1376)، مقدمة علم الحقوق، شركة سهامي النشر، طهران.

34. كاظمي خراساني، محمدعلي، (١٤٠6هـ)، فوائد الأصول، ج ٣، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

35. كديور، محسن، (١٣٨١)، السنة والعلمانية، مجموعة مقالات، صراط، طهران، الطبعة الأولى.

36. كديور، محسن، مجلة آفتاب، العدد ٢٨.

37. كي نيا، مهدي، (١٣۴٨)، كليات تمهيدية في الحقوق، جامعة طهران، الطبعة الأولى.

38. جورجي، أبو القاسم، نقد ونظر، السنة الأولى، العدد الأول، اقتراح.

39. مازندراني، شريف العلماء، ضوابط الأصول، تحقيق محمد شريف، (د.م.، د.ت.).

40. مجتهد شبستري، محمد، (١٣٨٢)، في باب الاجتهاد، طرح نو، طهران، الطبعة الأولى.

41. مجتهد شبستري، محمد، (١٣٨٣)، الإيمان والحرية، طرح نو، طهران، الطبعة الرابعة.

42. مجتهد شبستري، محمد، (١٣٨٣)، تأملات في قراءة إنسانية للدين، طرح نو، طهران، الطبعة الأولى.

43. مجتهد شبستري، محمد، (١٣٧۵)، هيرمينوطيقا، الكتاب والسنة، طرح نو، طهران، الطبعة الأولى.

44. محقق أصفهاني (كمباني)، محمدحسين، نهاية الدراية، ج ٣، الطبعة الحجرية، أصفهان، (د.ت.).

45. محمدي، أبو الحسين، (١٣٨٠)، مبادئ استنباط الحقوق الإسلامية، جامعة طهران.

46. محمدي ري شهري، محمد، (١٣۶٢)، ميزان الحكمة، ج ۵، مكتب الإعلام الإسلامي.

47. مرعشي، سيدمحمدحسن، (١٣٧٣)، «اقتراح»، نقد ونظر، السنة الأولى، العدد الأول.

48. مظفر، محمدرضا، (١٣٧٠)، أصول الفقه، ج ٢، مؤسسة مطبوعات إسماعيليان، الطبعة الرابعة.

49. مظفر، محمدرضا، (١٣٨۶هـ)، أصول الفقه، ج ٢، طبعة دار نعمان، النجف، الطبعة الثانية.

50. معرفت، محمدهادي، اقتراح حول مباني الاجتهاد، نقد ونظر السنة الأولى، العدد الأول.

51. مغنية، محمدجواد، (1975)، علم أصول الفقه، في ثوبه الجديد، بيروت، دار العلم للملايين.

52. مغنية، محمدجواد، (1398)، فلسفات إسلامية، وزارة التعارف للمطبوعات، بيروت.

53. مكارم شيرازي، ناصر، (1388)، القواعد الفقهية، ج 1، مدرسة الإمام علي (ع)، قم.

54. منتظري، حسين علي، (1383)، رسالة الحقوق، منشورات سرابي، قم، الطبعة الأولى.

55. منتظري، حسين علي، (1415)، نهاية الأصول (تقارير درس آية الله بروجردي)، ج 2، نشر تفكر.

56. نائيني، محمدحسن، (١۴٠۴هـ)، فَرائد الأصول، تقرير الشيخ محمدعلي كاظمي خراساني، ج 3، مؤسسة الإصدارات الإسلامية، قم، الطبعة الأولى.

57. هاشمي، سيدمحمد، بحوث في علم الأصول، (١۴٠۵هـ)، تقارير درس الشهيد سيدمحمد باقر صدر، نشر مجمع علمي الشهيد صدر.

[1] البرهان الأنّي هو الاستدلال من المعلول إلى السبب، وهو في الواقع سيرة المتشرعة كاشفة عن بيان الشارع.

[2] الآية 229 من سورة البقرة.

[3] في هذا الشأن، سيتم تقديم مزيد من الشرح عند دراسة آراء الشهيد صدر.

[4] البناء عقلياً ليس فقط السلوك العيني والخارجي والملموس، بل بحسب اعتقاد الشهيد صدر يشمل أيضاً القناعات الذهنية العقلائية التي لم تصل بعد إلى مرحلة الفعل والتجلي الخارجي.

[5] سورة المائدة/101.

[6] الآية 4 من سورة محمد (ص).

[7] إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، الجاثية 29 وكذلك: القصص 22.

[8] في مجال العبادات، يحدث التغيير الزمني عندما تقتضي مصلحة دينية عقلائية ذلك. (مثل: التضحية في الحج..)

[9] فتاوى مثل: طهارة أهل الكتاب وحلية ذبائحهم، جواز التضحية في الحج في إيران، عدم جواز الجهاد الابتدائي، حلية الموسيقى، الشروط ضمن العقد في سند الزواج، بيع الدم، القوانين المتعلقة بالضرائب، العمل والمناجم، القوانين المبنية على المصلحة، الطلاق القضائي، التأمينات، العقود البنكية، التلقيح الصناعي، زراعة الأعضاء، مسألة الشطرنج.. .