نظرة تاريخية على تطور التقسيم في علم الأصول

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: چشم‌اندازى به سیر تاریخى تبویب در علم اصول ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

 المؤلف: مهدى علي‌پور

مدخل

لقد أشار الباحثون الإسلاميون منذ القدم إلى التقسيم عند تعداد رؤوس الثمانية. وعلى الرغم من أن السابقين كانوا يستخدمون مصطلح «القسم»؛ إلا أن هدفهم لم يكن سوى التقسيم والتنظيم والترتيب الصحيح والمنطقي للعلم. وربما يمكن تعريف التقسيم على النحو التالي: تنظيم وتصنيف مباحث علم ما وتوضيح مكانتها، مع مراعاة معايير الترتيب المنطقي وتقسيم المباحث إلى موضوعات، ومبادئ، ومسائل.

وقد ذُكرت فوائد كثيرة للتقسيم، منها ما يلي:

١- يُسهّل الوصول إلى العلم والسيطرة عليه؛ ٢- يمكن إجراء البحث والتعرف على مباحث العلم في وقت أقل، وبالطبع فإن توفير الوقت، مع اتساع العلوم بشكل واسع، يصبح أمراً ضرورياً؛ ٣- يمنع التكرار غير الضروري للمباحث؛ ٤- يساعد الباحث في الوصول السهل إلى المباحث التي يحتاجها؛ ٥- من خلال تقسيم صحيح ومنطقي لعلم ما، يتضح مكان المباحث بدقة؛ لأن المبادئ التصورية والتصديقية العامة للعلم تجد موضعها وتُرتب ترتيباً منطقياً، كما توضع مسائل العلم وفق هذا الترتيب المنطقي وبمراعاة العلاقات والاحتياجات في موضعها المناسب. ومن الطبيعي أن تأخذ المبادئ التصورية والتصديقية الخاصة بكل مسألة مكانها قبل تلك المسألة، وكل هذه الأمور تؤدي إلى نتائج أدق في الاستنتاج النهائي، وتمنع التعقيد والخلط في المباحث.

نقطة مهمة أخرى يجب الإشارة إليها هنا هي معايير تقديم التقسيم الصحيح. ربما يمكن ذكر معايير متعددة في هذا الصدد؛ لكن ما يبدو أساسياً هو نقطتان: الأولى، معرفة علاقة المسائل والمباحث المختلفة للعلم ببعضها البعض؛ لأن ذلك يوضح أي المباحث مترتب على الآخر وأيها من المبادئ الأخرى، ومن الطبيعي أن يُراعى ترتيبها في التنظيم المنطقي. الثانية، معرفة الموضوع،[۱] والتعريف والحد والرسم للعلم، وما الهدف والغرض الذي يسعى إليه؛ لأنه من خلال الفهم الصحيح لهذه الأمور يمكن فصل مسائل العلم عن مبادئه التصورية والتصديقية، وكذلك يمكن ترتيبها ترتيباً منطقياً حسب الأولوية.

أما هذه الدراسة فتهدف إلى تقديم تقرير عن التحول التاريخي للتقسيم في علم الأصول حتى الوقت الحاضر، وتبيان أي التقسيمات في تاريخ علم الأصول كانت متينة وتمت مراعاة معايير التقسيم الصحيح فيها، وأيها كانت تفتقر إلى هذه القوة وتعتمد أكثر على ذوق وأهواء أصحابها.[۲] وفي هذا العرض، سيتم التطرق بالتفصيل إلى تقسيم الباحث الجليل آية الله صدر، والبحث في مدى متانته ودقته ومراعاته لمعايير التقسيم الصحيح.

لقد مر علم الأصول بمراحل مختلفة، والباحث أو الطالب الذي يمتلك هذا المسار والنظرة التاريخية سيحظى بفهم أعمق وشمولية أكبر لحركة النظام والتنظيم المناسب والاستفادة الجديدة والمبتكرة. وأفضل طريقة لمعرفة هذا التحول هي النظر الدقيق إلى التقسيمات التي قُدمت في هذا العلم. ومن خلال مقارنة موجزة بين عدة، معارج، معالم، قوانين، كفاية، حلقات وغيرها، يمكن بوضوح إدراك هذا المسار التاريخي وهذا التحول الأساسي والشامل. لذلك، تبدو النظرة إلى تاريخ التقسيم في الأصول أمراً ضرورياً، وهذا ما تتولى هذه الدراسة.

ربما يكون من المناسب قبل الخوض في موضوع المقالة التأكيد على أهمية البحث في تاريخ علم الأصول لاكتشاف تحولات هذا العلم وعوامل التغيير، وهل كان التطور في الأصول متزامناً ومتوافقاً مع التحولات في الفقه أم لا؟ وإذا لم يكن كذلك، كيف يمكن تحقيق هذا التزامن والتوافق؟ كما يجب تحديد كيف كانت مراحل الصعود والهبوط والازدهار والركود في علم الأصول، وهل تم اكتشاف عواملها؟ وإذا تم اكتشافها، هل فُكّر في مستقبل هذا العلم لحمايته من العقبات التي واجهها في الماضي؟ وإذا لم تُكتشف، هل أُجريت بحوث لمعرفة هذه العوامل والتصدي لها أم لا؟ وباختصار، نحن بحاجة إلى بحث واسع حول مراحل التحول في الأصول وشكلها وعواملها. وبالطبع، للإجابة الدقيقة على مثل هذه الأسئلة، هناك حاجة إلى دراسة أخرى لا يتسع لها هذا المقال؛[۳] وفي هذه الدراسة، سنبحث فقط شكل التحول بالتفصيل.

لفحص شكل وكيفية التحول في الأصول، يجب أولاً مراجعة مراحل التحول لنصل بدقة إلى نتائج مرضية من خلال دراسة تقسيمات كل مرحلة.

يشرح الشهيد صدر تحول الأصول ضمن ثلاث مراحل:[۴] عصر التمهيد والتمهيد، عصر العلم، وعصر الكمال.

يبدأ عصر التمهيد بابن عقيل العمّاني، وابن جنيد السكافي، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى، وينتهي بظهور الشيخ الطوسي. في نهاية هذه المرحلة، بدأ علم الأصول يضعف ويصبح تقليدياً. في هذه المرحلة، تم تأليف كتاب كشف التمويه والالتباس لابن جنيد، ورسالة الشيخ المفيد التي وردت في كتاب كنز الفوائد للكراجكي، وذريعة للسيد المرتضى، وكذلك عدة الأصول.

يعتبر الشهيد صدر عصر العلم بعد مئة عام، من أوائل القرن السادس حتى القرن الثاني عشر، الذي بدأ مع سيد مكارم وابن زهرة وابن إدريس، وانتهى بالمحقق الحلّي، العلامة الحلّي، الشهيد الأول والثاني، فاضل مقداد، صاحب معالم والشيخ بهائي. هذه الفترة هي فترة ازدهار علم الأصول. قام المحقق الحلّي بتأليف نهج الرسول ومعارج. كما أن العلامة له تهذيب الوصول، مبادئ الأصول، غاية الوصول، نُكت البدلية، شرح غاية الأصول الغزالي ومنتهى الأصول إلى علمي الكلام والأصول، وبعض هذه الرسائل ما زالت موجودة حتى الآن. فخر المحققين، ابن العلامة، له شرح تهذيب ومبادئ. الشهيد الثاني كتب القواعد، وشيخ محمد حسن دوّن معالم الأصول، والشيخ بهائي أيضاً أبدع زبدة الأصول.

ثم تأتي فترة ضعف الأصول وهجوم الأخباريين التي استمرت خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر.

يعرّف المحقق صدر عصر كمال علم الأصول من أواخر القرن الثاني عشر مع ظهور وحيد بهبهاني حتى اليوم الذي هو أوائل القرن الخامس عشر. في هذه المرحلة، تلاميذ وحيد بهبهاني المباشرون مثل: سيد مهدي بحر العلوم، الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ميرزا قمي، سيد علي الطباطبائي والشيخ أسد الله تستري، ثم الذين استفادوا من هؤلاء العباقرة مثل: صاحب فصول، شريف العلماء مازندراني، سيد محسن أعرجي، حاجي نراقي وصاحب جواهر، ثم تلاميذ هؤلاء الذين في مقدمتهم الشيخ الأنصاري، كل هؤلاء أثمروا علم الأصول وفي النهاية سلموه إلى كبار مثل: الإمام وآية الله الخوئي والمعاصرين.

يشرح الدكتور أبو القاسم جورجي تطور الأصول في ثماني مراحل[۵]، وهذه التقسيمات أكثر شمولاً ودقة، وتُظهر اختلاط الكلام والمنطق والفلسفة مع الأصول. لكن نظراً لأن هذا النص يتبع هدفاً آخر، نكتفي بكلام الشهيد صدر حول مراحل التطور.

والآن، مع التقسيم الذي قدمه المحقق صدر لمراحل تطور الأصول، نشير إلى بعض التصنيفات من كل مرحلة، ونقارنها مع بعضها البعض، ونوضح بجلاء كيفية وشكل تطورها. لذلك، من المرحلة الأولى، أي مرحلة التمهيد، نشير إلى تصنيفات الذريعة لسيد مرتضى وعدة للشيخ. ومن عصر العلم، سنراجع تصنيفات معارج للمحقق الحلّي، ومبادئ للعلامة الحلّي ومعالم للشيخ حسن؛ ومن مرحلة الكمال، نذكر قوانين ميرزا قمي وفصول للشيخ محمد حسين. ومن المرحلة النهائية، ندرس تصنيفات رسائل للشيخ، وكفاية الأصول للأخوند الخراساني، والتقارير العلمية مثل: المرحوم النائيني، المرحوم العراقي، المرحوم الأصفهاني، المرحوم الإمام الخميني والمرحوم الخوئي (قدس سرهما)، إلى جانب تصنيفات أصول الفقه لمظفر وحلقات المحقق صدر وغيرها[۶].

في الذريعة إلى أصول الشريعة[۷] تأليف سيد مرتضى؟ق؟ تُطرح هذه المواضيع:

الألفاظ، العلم والظن، الأمر، مقدمة الواجب، النهي عن الضد، الأجزاء، النهي، العام والخاص، المجمل والمبين، المفاهيم، النسخ، الخبر ونقل الخبر، الأفعال وأحكامها، الإجماع، القياس، الاجتهاد، الحظر والإباحة والاستصحاب.

وكما تلاحظون، معظم مواضيع هذا الكتاب، رغم كونه من أولى كتب الأصول لدينا، موجودة أيضاً في أصول اليوم، وإن كانت هذه المواضيع قد طرحها سيد مرتضى بشكل خام وبدون نظام.

في عدة الأصول[۸] تأليف الشيخ الطوسي، يُلاحظ هذا التصنيف:

العلم والظن، الدلالة والآمرة، ارتباط الدليل بالخطاب، الأمر والنهي، العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمبين، الناسخ والمنسوخ، طريق إثبات الخطاب، الفعل وأحكام الأفعال، الإجماع، القياس، الاجتهاد، المفتي والمستفتي، الحظر والإباحة. تنظيم الشيخ كان أكثر ثباتاً وقوة، ويعكس ذوقاً أكبر.

المحقق الحلّي في معارج الأصول[۹] طرح مسائل ومباحث أصولية بشكل مختصر جداً وتجاوزها بسرعة. نظم كتابه في عشرة أبواب:

تعريف الأصول والأصل، الفقه والأحكام الشرعية، طريق الحكم، العلم والظن، دلالة الآمرة، الدلالة، الكلي والجزئي، المتواتر والمشكك، الترادف والاشتراك، الحقيقة والمجاز، علامات كشف الحقيقة والمجاز، الحقيقة الوضعية والعرفية، العرف الخاص والحقيقة الشرعية، أحكام المجاز، أحكام الحروف، الأمر والنهي، العموم والخصوص، المجمل والمبين، الأفعال، الإجماع، الأخبار، الناسخ والمنسوخ، الاجتهاد، القياس، المفتي، مجهول الحكم، الاستصحاب، نفي الحكم وملحقات الأصول.

أما مبادئ الأصول[۱۰] للعلامة الحلّي فقد تم تصنيفه في اثني عشر فصلاً:

الفصل الأول: في الألفاظ وتعميمها وأحوال اللفظ وتعارضها، أحوال وتغير بعض الحروف؛

الفصل الثاني: في الأحكام، وله ستة مباحث: الفعل، الحكم، الأجزاء، الحسن والقبح، شكر المنعم والإباحة؛

الفصل الثالث: في الأمر والنهي وله اثنان وعشرون مبحثاً؛

الفصل الرابع: في العموم والخصوص مع تسعة مباحث؛

الفصل الخامس: في المجمل والمبين مع خمسة مباحث؛

الفصل السادس: في الأفعال مع أربعة مباحث، حيث تُطرح غالباً مسائل كلامية؛

الفصل السابع: في النسخ مع خمسة مباحث؛

الفصل الثامن: في الإجماع مع أربعة مباحث؛

الفصل التاسع: في الأخبار والجرح والتعديل مع تسعة مباحث؛

الفصل العاشر: في القياس مع خمسة مباحث؛

الفصل الحادي عشر: في التعادل والتراجح مع أربعة مباحث؛

والفصل الثاني عشر: في الاجتهاد والتقليد مع تسعة مباحث، حيث المبحث التاسع عن الاستصحاب.

كما ترون، معظم مباحث هذه الكتب الأربعة التي تعود إلى الدورتين الأولى والثانية متشابهة مع بعضها البعض، ومع ذلك، يمكن ملاحظة التطور التدريجي للمباحث بوضوح؛ فمثلاً، الفوضى التي تظهر في عرض المباحث في الذريعه لسيد مرتضى لا توجد على الإطلاق في مبادئ العلامة، بل إن العلامة قد نظم المباحث بأناقة تامة حتى حيثما أمكن ذلك، وقسمها إلى اثني عشر فصلاً. كما توجد فروق جزئية بين كل من هذه التقسيمات، وهذه الفروق أكثر بروزًا ووضوحًا في تقسيمي الذريعه لسيد مرتضى ومبادئ العلامة بسبب الفارق الزمني الكبير بينهما؛ على سبيل المثال، في عدة، يعرض الشيخ جميع المباحث من الأمر والنهي إلى الناسخ والمنسوخ والخبر تحت عنوان عام واحد هو الخطاب، بينما في الذريعه ليس الأمر كذلك. كما أن مسألة الاستصحاب غير موجودة في عدة للشيخ، في حين أنها مطروحة في الذريعه ومعارج ومبادئ في فصل مستقل أو ضمن بحث آخر. وهناك فروق جزئية أخرى تظهر بوضوح عند مقارنة التقسيمات الأربعة مع بعضها البعض. ولكن المهم هو أنه حتى الآن لم تحظَ الأصول العملية بمكانتها الخاصة ولم تُناقش بشكل مستقل وشامل.

تقسيم معالم

في كتاب معالم الأصول تأليف الشيخ محمد حسن، ابن الشهيد الثاني، الذي كتبه كمقدمة لكتابه الفقهي المسمى منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان، يظهر هذا التقسيم: يحتوي الكتاب على مقدمتين؛ إحداهما عن العلم وواجبات العلماء وفضل الفقه والحاجة إليه…، والأخرى عن مباحث الأصول التي تُعرض في تسع مسائل. المسألة الأولى: مباحث الألفاظ؛ المسألة الثانية: الأوامر والنواهي؛ المسألة الثالثة: العموم والخصوص؛ المسألة الرابعة: المطلق والمقيد والمجمل والمبين؛ المسألة الخامسة: الإجماع؛ المسألة السادسة: الأخبار؛ المسألة السابعة: النسخ؛ المسألة الثامنة: القياس والاستصحاب؛ المسألة التاسعة: الاجتهاد والتقليد، وخاتمة الكتاب تتناول تعارض الأدلة (التعادل والتراجح).

هذه الفصول التسعة تشمل جميع المسائل التي يرى صاحب معالم أنها أصولية، ورغم أن تقسيمها وتنظيمها مقارنة بالكتب المعاصرة والسابقة له عمل ثمين وقيم، إلا أنه إلى جانب مزاياه، يحتوي على عيوب كثيرة؛ من بينها أن معيار التقسيم فيه غير واضح إلى حد كبير، لذا تم استبعاد كثير من المباحث من دائرة الأصول ولم تُطرح. كما أن مباحث الكتاب لم تبلغ بعد درجة النضج التي تمكنه من تقسيم الأدلة إلى فقهية واجتهادية، وبذلك لم تحظَ الأصول العملية بمكانتها.

تقسيم ميرزاي قمي

بعد صاحب معالم، ظل تقسيمه في علم الأصول محل تقليد لفترة طويلة، حتى جاء ميرزاي قمي ووسع الأصول بتقسيمه الخاص. فقد أسس ميرزاي قمي بعد نهضة العلامة بهبهاني وضعف مدرسة الإخباريين في الحوزات الدينية، كتاب قوانين الأصول[۱۱] على مقدمة وسبعة أبواب وخاتمة. في المقدمة، عُرضت مباحث الألفاظ وتعقيدات الأحوال ومبحث المشتق.

الباب الأول: الأمر والنهي؛ الباب الثاني: المفهوم والمنطوق؛ الباب الثالث: العام والخاص؛ الباب الرابع: المطلق والمقيد؛ الباب الخامس: المجمل والمبين؛ الباب السادس: الأدلة الشرعية التي نوقشت في أربعة أقسام: الإجماع، الكتاب والسنة، بالإضافة إلى فعل، قول، وتقرير المعصوم، وبجانبها العقل المستقل والتابع للخطاب، ثم تناول البحث في البراءة والاشتغال والاستصحاب العقلي والشرعي، كما بحث قاعدة لا ضرر؛ في الباب السابع: أشار إلى الاجتهاد والتقليد، وخصص الخاتمة لتعاطي تعارض الأدلة (التعادل والتراجح). في قوانين، بالإضافة إلى مباحث المشتق والبحث المستقل عن المفاهيم، تم اتخاذ الخطوة الأولى في تنظيم الأدلة، حيث نوقش الإجماع والكتاب والسنة والعقل، رغم أنه في بحث العقل لم يُجرِ نقاش مستقل حول الأصول العملية بعد. علاوة على ذلك، لدى ميرزاي قمي مباحث مستقلة عن الاستصحاب والبراءة والاشتغال. كما أدخل قاعدة لا ضرر ضمن الأصول، والتي بقيت لاحقًا في الأصول، ولا تزال تُطرح بالتفصيل في نهاية مبحث الاشتغال. ومن المباحث المهمة جدًا التي طرحها ميرزاي قمي في الأصول، مسألة “انسداد باب العلم” التي تستحق الانتباه.

تقسيم صاحب فصول

تقسيم صاحب الفصول الغروية في الأصول الفقهية[۱۲] هو في الحقيقة رد على كلام ميرزاي قمي ونقد له، ويتألف من مقدمة وثلاث مقالات وخاتمة.

في المقدمة، يتناول تعريف علم الأصول ويأخذ موضوعه على أنه “ذات الأدلة” لا “بما هي دليل”، لتجنب المشكلة التي وقع فيها صاحب قوانين في تعريف علم الأصول. ثم يعرض مباحث الألفاظ، الحقيقة والمجاز، الوضع، الدلالة وأحوال اللفظ وتعقيدها، الحقيقة والمجاز وعلاماتهما، الحقيقة الشرعية، الصحيح والأعم، استعمال اللفظ في أكثر من معنى، والمشتق.

في المقالة الأولى، يناقش الدلالة. في المقالة الثانية، يتحدث عن الأدلة السمعية، وفي المقالة الثالثة، يتناول الأدلة العقلية. وفي الخاتمة، يعرض بحث الاجتهاد والتقليد وتعاطي تعارض الأدلة. في الفصول أيضًا لم يتم بعد الفصل بين الأدلة والأصول، ولم تحظَ الأصول بمكانتها الصحيحة.

تقسيم الشيخ والآخوند

كما هو مشهور، فإن الشيخ الأنصاري هو “أب علم الأصول الحديث”. تنظيمه وترتيبه ما زالا محفوظين حتى الآن، لكن هذا التطور في الأساس لا يختلف كثيرًا عن أصول الشيخ الأنصاري. بالطبع، تحول الشيخ الأنصاري في الأصول وفق التنظيم الحديث يعود أكثر إلى القسم الثاني من مباحث الأصول، أما القسم الأول من الأصول الذي يُعرف اليوم بمباحث الألفاظ، فلم يُحدث هو ولا كبار مثل: تحقيق خراساني، تحقيق نائيني، وتحقيق عراقي تغييرات كبيرة فيه، بل إن هذا الجزء من المباحث الأصولية تطور لاحقًا على يد المحقق الكبير الشيخ محمد حسين الأصفهاني وتلاميذه.

أحدث الشيخ الأعظم تحولًا عظيمًا ومفتاحيًا في أدلة الاجتهاد والفقه. فقد فصل بينهما، وبدأ بالبحث في الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع كأدلة اجتهادية، ثم انتقل إلى الأدلة الفقهية، وهي البراءة، والاشتغال، والتخيير، والاستصحاب. يقدم الشيخ تقسيمًا جديدًا في البحث عن الحكم القطعي، والظني، والمشكوك[۱۳]، وينظم رسائله وفقًا لكل منها. لذا، فإن الباب الأول من الرسائل يتناول القطع وأحكامه، والباب الثاني يناقش الظنون والقرائن، والباب الثالث مخصص للأصول العملية التي تدور حول الشك وأحكام حالة الشك.

من ابتكارات الشيخ الأنصاري أيضًا، بحثه في الحكم، والدخول، والتعارض، والتزاحم، التي عرضها بنظام خاص. كما أحدث تحولات كبيرة في الأصول العملية.

ومن الأعمال المهمة الأخرى للشيخ الأنصاري، الدراسة التفصيلية والنقد الدقيق لنظرية «انسداد باب العلم» التي طرحها ميرزاي القمي. وبعد هذا النقد المحقق، فقد هذا البحث أهميته ولم يعد يُطرح بجدية في الأصول، ولا يوجد اليوم من يؤيد هذه النظرية.

يمكن ملاحظة تحول الشيخ الأعظم في الأصول بوضوح وجمال في كتاب كفاية الأصول تأليف المحقق الخراساني، تلميذه الذكي والفطن. هذا الكتاب وتنظيم مواضيعه لا يزالان معيارًا لدروس الخارج في الحوزات العلمية.

يتألف الكفاية من مقدمة، وثمانية مقاصد، وخاتمة:

في المقدمة، يُذكر أولًا رؤوس الثمانية (تعريف العلم، موضوع العلم، تمييز العلوم، فائدة العلم، وغيرها)، ثم مباحث الوضع وأقسامه، وعلامات الوضع وأحواله، والصحيح والأعم في ألفاظ العبادات والمعاملات، واستعمال اللفظ في الأكثر من المعنى والمشتق.

المقصد الأول: في الأوامر؛ المقصد الثاني: في النواهي؛ المقصد الثالث: في المفاهيم؛ المقصد الرابع: في العام والخاص؛ المقصد الخامس: في المطلق والمقيد والمجمل والمبين؛ المقصد السادس: في القرائن المعتبرة شرعًا وعقلاً؛ المقصد السابع: في الأصول العملية (البراءة، والاحتياط، والتخيير، والاستصحاب)؛ والمقصد الثامن: في تعارض الأدلة والأصول. وفي خاتمة الكتاب يُشار إلى الاجتهاد والتقليد.

هناك اختلاف كبير بين تنظيم المعالم والكفاية. ففي الكفاية، اتخذت المواضيع تنظيمًا منطقيًا أكثر وحصلت على مكانتها الخاصة إلى حد كبير؛ مثل مباحث الأصول العملية وموضوع تعارض الأدلة، التي لا توجد في المعالم وما قبله. كما أن بعض المواضيع، مثل النسخ، التي كانت مهمة حتى زمن المعالم وتعتبر من مسائل الدرجة الأولى في الأصول، فقدت أهميتها في الكفاية ولم تعد ذات أولوية، بل تُذكر ضمن مواضيع أخرى. وأمر آخر، هو أن هذا التنظيم لم يعد يتناول القياس والاستحسان، بينما كان لكل منهما باب مستقل في تنظيم السابقين. ويبدو أن سبب عدم طرح هذه المواضيع يعود إلى القوانين التي برزت في الكفاية. وبالطبع هناك اختلافات دقيقة كثيرة تظهر بوضوح عند مقارنة التنظيمين.

لكن ما يبدو أساسيًا هو أن هذا التحول الكبير مع ظهور الشيخ والأخوند لم ينتهِ فحسب، بل بدأ للتو؛ خصوصًا في مباحث القسم الأول من الأصول التي لم يُجرِ هذان المحققان الكريمان فيها إصلاحات وتحولات كثيرة، بل نمت ونضجت بيد المحققين اللاحقين الأكفاء. حتى القسم الثاني من الأصول، الذي تحوّل على يد الشيخ والأخوند، شهد تحولات إضافية كثيرة على يد محققين لاحقين مثل: النائيني، العراقي، الإمام الخميني، والخوئي (قدس سرهم) وغيرهم، واقترب من كماله، والحقيقة أنه لم يتوقف عن الحركة بعد. أما القسم الأول من الأصول، فقد بدأ حركته التطويرية مع ظهور المحقق الكبير الشيخ محمد حسين الأصفهاني؛ رغم أن اثنين من الأصوليين المشهورين، هما المحقق النائيني والمحقق العراقي، كان لهما دور كبير ولا يمكن إنكاره في هذه الحركة.

تنظيم المحقق الأصفهاني

يأتي تنظيم المحقق الأصفهاني في كتابه غير المكتمل بعنوان بحوث في الأصول[۱۴]. كان ينوي تأليف دورة أصول وفق تنظيمه المقترح، لكنه للأسف لم يحقق أمنيته وكتب جزءًا صغيرًا فقط.

تم تصميم تنظيم المحقق الأصفهاني على النحو التالي: مقدمة، وأربعة أبواب، وخاتمة.[۱۵] في المقدمة ذكر مبادئ التصور والتصديق لعلم أصول الفقه. في مبادئ التصور، عرض أولًا مبادئ التصور اللغوية التي تشمل مباحث الوضع، والمعاني الحرفية، والإنشاء والأخبار، وعلامات الحقيقة والمجاز، ثم عرض مبادئ التصور الحكمية التي تتناول أقسام الحكم، سواء التكليفي أو الوضعي، وتقسيماته الأخرى.

وفي مبادئ التصديق، طرح المحقق الأصفهاني أولًا مبادئ التصديق اللغوية التي تشمل مباحث الحقيقة الشرعية، والصحيح والأعم، وإمكانية الاشتراك، واستعمال اللفظ في الأكثر من المعنى.

ثم تناول مبادئ التصديق الحكمية التي تشمل مباحث إمكانية أخذ قصد القربى إلى متعلق الأمر أو عدمه، ومباحث الضد والترتب، وإمكانية تعلق الأمر بالطبيعة أو عدمه، وكذلك بحث الوجوب (تركيبيته أو بساطته).

الباب الأول: مسائل الأصول العقلية (تشمل الأجزاء، والمقدمة الواجبة، واجتماع الأمر والنهي)؛

الباب الثاني: مسائل لفظية (المجعولات التشريعية مثل الأوامر والنواهي، والمجعولات التشريعية من حيث تعلقها بشرط أو وصف أو غيره، وموضوعات المجعولات التشريعية ومتعلقاتها من حيث العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين)؛

الباب الثالث: الحجج (مثل: حجية الظهور مطلقًا وظهور الكتاب خصوصًا، حجية حكاية السنة، حجية نقل الإجماع، وحجية الاستصحاب)؛

الباب الرابع: تعارض حجتين من حيث السند أو الدلالة.

الخاتمة: بحث البراءة، والاشتغال، والاجتهاد، والتقليد.

يرى المحقق الأصفهاني في تبرير تنظيمه ضرورة التنبيه إلى نقطتين:

أولًا: سبب تقدم مسائل العقلية على المسائل اللفظية هو شرف مسائل العقلية وقلة عددها.

ثانيًا: أُدرجت المواضيع في الخاتمة لأنها إما أحكام شرعية مستنبطة بحد ذاتها أو لا تؤدي أصلًا إلى حكم شرعي؛ لذا وُضعت في النهاية؛ لأنها ليست من مقاصد الفن، وفي الوقت نفسه لا تُناقش في علم آخر، مع أن الفقيه يحتاج إليها.[۱۶]

يجب التنبه إلى أن المحقق الأصفهاني في مقدمة هذا الكتاب يتناول الرؤوس الثمانية؛ مثل: التعريف، الموضوع، الغرض… وأحدها هو التقسيم أو التبويب.

وكما يُلاحظ، فإن تبويب المحقق الأصفهاني منطقي ومتقن، ويبرز فيه عدة أمور: ١- إدراج مباحث الوضع حتى المشتق والصحيح والأعم… ضمن مبادئ التصور اللفظي والتصديق اللفظي؛ ٢- وضع المباحث المتعلقة بالحكم وأقسامه وبعض المسائل المرتبطة به ضمن مبادئ التصور الأحكامي والتصديق الأحكامي (وبهذا النظر، لا تعد هذه المباحث من مسائل الأصول)؛ ٣- تخصيص باب مستقل للمباحث العقلية التي لم تكن موجودة قبله، وعادةً ما كانت تُطرح ضمن مباحث الألفاظ، وهو أمر غير لائق كثيرًا؛ ٤- إدراج الاستصحاب كأحد الحجج، وبذلك لا يعدها من الأدلة الفقهية؛ ٥- وضع بحثي البراءة والاحتياط في الخاتمة، وقد صرح بنفسه أن هذين البحثين ليسا من مسائل الأصول.

أما ما يثير التساؤل فهو لماذا لم يحظَ تبويب المحقق الأصفهاني المقترح بقبول واسع لاحقًا ولم يكن له مناصرين، وحتى الشيخ محمد رضا مظفر، الذي هو من تلاميذ وأتباع مدرسته، لم يقبل كامل هذا التبويب في تبويبه المقترح في كتاب أصول الفقه، رغم ادعائه،[۱۷] بل اقتصر على القسم الأول فقط، وهو فصل مباحث الألفاظ عن المباحث العقلية، متبعًا إياه في ذلك. وربما يمكن عزو هذا الإهمال إلى فلسفة المباحث الأصولية وثقل قلم هذا المحقق العميق والمعقد.

قبل ذكر تبويب المرحوم مظفر، من المناسب الإشارة إلى نقطة مهمة وهي أنه بقليل من التدقيق نجد أن معظم التبويبات، إن لم نقل كلها، مُنظَّمة بطريقة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالموضوع، وهو أحد الرؤوس الثمانية، وقد أشرنا إلى ذلك في المدخل الذي ذكرناه في بداية البحث.[۱۸] وهذا واضح أيضًا في تبويب المحقق الأصفهاني.

وبما أن المحقق الأصفهاني يعتبر موضوع علم الأصول «إقامة الحجة على حكم العمل»، فإنه في تبويبه يضع مباحث مثل البراءة والاشتغال في الخاتمة؛ لأن هذين الأمرين إما أن يكونا حكمًا شرعيًا مستنبطًا بحد ذاته أو لا يؤديان إلى حكم عملي. لذلك، في تبويبه لا تُدرج البراءة والاشتغال ضمن مباحث الحجج أو في باب مستقل يحتوي على مسائل أصولية. كما أن المباحث التي يذكرها تحت عنوان المقدمة، أي مبادئ التصور اللفظي والأحكامي ومبادئ التصديق اللفظي والأحكامي، لأنها ليست مرتبطة بدقة بهذا الموضوع، لا تُعد من المسائل، ولهذا السبب تُدرج في المقدمة في تبويبه (وقد نوقشت هذه المباحث في علم آخر، وهنا تُذكر فقط لحاجة إليها). وهذا الأمر يُلاحظ أيضًا في تبويبات الآخرين.

تبويب المرحوم مظفر

هذا التبويب يحتوي على مقدمة وأربعة مقاصد. في المقدمة، يتحدث المرحوم مظفر عن مبادئ التصور ومباحث الوضع حتى المشتق.

المقصد الأول: مباحث الألفاظ، ويشمل: مباحث الأوامر، النواهي، المفاهيم، العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمبين.

المقصد الثاني: يُسمى الاستلزامات العقلية، وله قسمان؛ القسم الأول: المستقلات العقلية التي تختص ببحث الحسن والقبح العقلي، والقسم الثاني: غير المستقلات العقلية التي تُناقش فيها الأجزاء، الضد، اجتماع الأمر والنهي، دلالة النهي على الفساد، وغيرها.

المقصد الثالث: مباحث الحجة، ويشمل بحث القطع، الأمارات، وتعارض الأدلة.

المقصد الرابع: الأصول العملية، والتي يظهر فيها فقط بحث الاستصحاب في كتب أصول الفقه. ويبدو أن المؤلف لم يكتب بحثي البراءة والاشتغال.

وكما ذكرنا، جوهر تبويب مظفر هو تبويب المحقق الأصفهاني المقترح، لكن مع اختلافات كثيرة. من هذه الاختلافات أن مظفر في مباحث العقل، أي المقصد الثاني من كتابه، يناقش المستقلات العقلية إلى جانب غير المستقلات العقلية. ومن المثير للاهتمام أن تقسيمه لمباحث العقل في الأصول إلى مستقلات عقلية وغير مستقلات عقلية وإبرازه لهذين البحثين لم ينتبه إليه المحقق الأصفهاني.

اختلاف آخر هو أنه يعرض بحث الاستصحاب، مثل غيره من المحققين الأصوليين بعد الشيخ الأعظم، ضمن الأصول العملية، بينما أدرجه المرحوم الأصفهاني ضمن الحجج.

تميّز آخر هو أنه لا يطرح مبادئ التصور والتصديق اللفظي والأحكامي، بل يورد بعض المباحث اللفظية والوضعية في المقدمة، ويذكر مبادئ الأحكام ضمن سياق مباحثه في المقصد الأول.

ومن مزايا تبويب المرحوم مظفر أيضًا أنه لم يفتح بابًا مستقلاً لبحث تعارض الأدلة، بل تناولها ضمن مباحث الحجة، بينما خصص المحقق الأصفهاني الباب الرابع من تبويبه لتعاطي تعارض الأدلة.

من بين الخصائص الأخرى لتبويب المرحوم مظفر، سهولته في حفظ المواد في الذهن وإلى حد ما متانته المنطقية، والتي بالطبع لا يخلو سهولة الوصول إلى المواد من تأثير سلاسة القلم وبهاء الكلام لديه. كما أنه أدخل مرة أخرى موضوع القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع في مباحث الحجة، وشرع في نقدها ومراجعتها؛ وذلك في وقت كانت هذه المباحث قد أُهملت في أصول الفقه الشيعي لفترة ولم تُناقش. وربما يعود سبب هذا النسيان إلى قوانين ميرزا القمي ولاحقًا الشيخ والمحقق الخراساني، حيث لم يطرح تلاميذهم هذه المواضيع في أصولهم تبعًا لأساتذتهم، ومع ذلك فإن إعادة طرحها من قبل المرحوم مظفر يعد عملاً مناسبًا وجديرًا بالاهتمام.

تبويب الشهيد الصدر

المرحوم الصدر، الذي كان يتمتع بذكاء فائق وموهبة عجيبة، كما أبدع في علوم أخرى مثل: الفقه، المنطق، الفلسفة، الاقتصاد الإسلامي… فقد ترك في أصول الفقه تحولات وتأسيسات كثيرة. فقد قدم تعريفًا جديدًا لعلم أصول الفقه وموضوعًا جديدًا له، كما طرح مبدأ حق الطاعة في القطع والظن والشك، ومبدأ حساب الاحتمالات في الإجماع والشهرة… فغيّر الأصول من حيث المحتوى والشكل، ووصل بها إلى درجة من النضج والكمال المرغوب. ومن ثم من المناسب أن نناقش كلماته في هذا الباب بتفصيل أكثر ودقة أعمق.

في بداية كتاب بحوث في علم الأصول، الذي هو تقارير درسه بقلم المحقق المحترم السيد محمود هاشمي، يقدم المحقق الصدر بحثًا مفصلًا نسبيًا عن التبويب في علم الأصول، ونورد هنا ملخصًا له.

قبل أن يقدم الشهيد الصدر تقسيمه المقترح، ينقل وينقد تبويب المرحوم آية الله الخوئي؟ق؟ الذي قدمه تبعًا لكبار العلماء السابقين. حيث يقسم السيد الخوئي المباحث الأصولية إلى أربعة أقسام: «١- ما يوصل إلى معرفة الحكم الشرعي بعلم وجداني، وهذا هو مباحث الاستلزام العقلي؛ ٢- ما يوصل إلى معرفة الحكم الشرعي بعلم تعبدي، وهذا على ضربين: أ) ما يكون البحث فيه عن الصغرى بعد الفراغ عن الكبرى وهذا هو مباحث الألفاظ بأجمعها. ب) ما يكون البحث فيه عن الكبرى، وهذا هو مباحث الحجج والإمارات الظنية؛ ٣- ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية الشرعية للمكلفين عند العجز عن معرفة الحكم الواقعي بعلم وجداني أو تعبدي، وهذا هو مباحث الأصول العملية الشرعية؛ ٤- ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية العقلية في مرحلة الإمتثال عند فقدان ما يعيّن الوظيفة الشرعية وهذا هو مباحث الأصول العملية العقلية.»

ينتقد المرحوم الصدر هذا التبويب قائلاً: «إذا كان هذا التقسيم مجرد ذوق شخصي فلا مشكلة فيه؛ ولكن إذا كان هذا التقسيم قائمًا على نقطة عقلية ومنطقية تتعلق بالتسلسل والترتيب بين الأقسام المذكورة في عمليات الاستنباط بحيث لا يجوز تقديم وتأخير بعضها على بعض، فهناك كثير من الإشكالات التي نشير إلى بعضها:

أولاً: بين القسمين الأول والثاني، لا يوجد هذا التسلسل المزعوم.

ثانيًا: داخل المجموعة الثانية وداخل المجموعة الثالثة أيضًا، لا يوجد هذا التسلسل؛ لأن الحجج والإمارات ليست كلها في مرتبة واحدة، وكذلك ليست كل الأصول العملية الشرعية في مرتبة واحدة؛ بل في عمليات الاستنباط، بعضها مقدم على بعض؛ مثلاً العلم التعبدي الذي يحصل من الدلالة القطعية للسند مقدم على ما يحصل من دلالة الدليل الظني، أو الوظيفة الشرعية التي تثبت بالاستصحاب مقدمة على الوظيفة الشرعية التي تثبت بالبراءة.

ثالثًا: تأخر القسم الرابع عن القسم الثالث ليس صحيحًا وفقًا لجميع المبادئ الموجودة في الاشتغال العقلي، بل هو مقبول فقط وفقًا لبعض هذه المبادئ؛ لأن أحد المبادئ الموجودة في هذا الباب هو علية العلم الإجمالي للموافقة القطعية، وهذا يعني أن حكم العقل على الاشتغال تنجيري على إطلاق دليل البراءة الشرعية هو الحاكم. وحتى إذا عدنا كما المحقق النائيني وتمييز بين الأصل والإمارة باعتبار كونهما من صنف المجعول، فلا تدخل عليه الإشكالات السابقة، لكن هناك إشكالًا آخر وهو أنه في هذه الحالة، الأصل المحرز مثل الاستصحاب لا يكون من الإمارة ولا من الأصول غير المحرزة، وفي هذه الحالة يجب افتراض قسم ثالث بينهما. بالإضافة إلى أن المبدأ الصحيح في التمييز بين الإمارة والأصل هو أن الحكم الظاهري في الإمارة هو نتيجة إيجاد تزاحم بين المعايير الواقعية في مقام الحفظ وتقديم بعضها على بعض بناءً على معيار قوة الاحتمال، والحكم الظاهري في الأصل هو نتيجة التزاحم المذكور مع تقديم بعض هذه المعايير بناءً على معيار الأهمية المحتملة. لذلك، فإن مبدأ المحقق النائيني في هذه المسألة غير مقبول.»

بعد ذلك، يوضح المحقق الصدر تبويبه لعلم الأصول بالتفصيل: حيث يقول تحت عنوان «المقترح في تقسيم علم الأصول»: «المسائل الأصولية تتضمن بحثًا عن “الأدلة المشتركة للاستنباط الفقهي” وهذه الأدلة تُقسم من جانبين: ١- من حيث نوع الدلالة، وهل هي لفظية أو عقلية أو شرعية، ففي هذه الحالة تكشف عن الواقع وتسمى إمارة، أو أنها لا تكشف عن الواقع أصلًا، وتسمى أصولًا؛ ٢- من حيث نوع الدليل بنفسه، وهل هو مرتبط بالشارع أم لا، وكذلك من حيث صنف المجعول فيه، وهل له طريقية وعلمية أو تنجيرية أو يحدد فقط الوظيفة العملية.

لكن بحث جميع الأقسام المذكورة متفرع على بحث الأصل الموضوعي “حجية القطع”، لأنه بدون بحث حجية القطع لا يمكن تحميل أي أثر على البحوث اللاحقة، إذ تصبح هذه البحوث بلا سند. وأيضًا، بما أننا نسعى من خلال هذه الأدلة إلى استنباط الحكم الشرعي، فمن الضروري في المقدمة وقبل أي بحث أن نتحدث عن مسألة أخرى وهي بحث الحكم الشرعي وحقيقته وتقسيماته إلى واقعي وظاهري، تكليفي ووضعي…»

لذلك، الأسلوب المرغوب فيه هو الإشارة إلى نقاشين كمقدمة ومبادئ عامة لعلم الأصول، وهما: «نقاش القطع ونقاش حقيقة الحكم وأقسامه».

ثم يقول المحقق الصدر: بعد هذه المقدمة، يمكن تقسيم مسائل علم الأصول إلى أحد المقياسين التاليين:

المقياس الأول: التقسيم من حيث نوع الدليل

١- مباحث الألفاظ: تتضمن نقاش الدليل اللفظي وما يتعلق بتحديد ظهورات اللغة أو العرف، وكذلك كل نقاش لغوي أصولي ونقاش ظهور الحال أو السياق الذي قد يكشف عن الحكم الشرعي، حتى وإن لم يكن في اللفظ، مثل دلالة الفعل وتقرير المعصوم على الحكم الشرعي، يدخل ضمنها.

٢- مباحث الاستلزام العقلي: تتضمن نقاش الدليل العقلي البرهاني غير الاستقرائي، الذي يشمل كل قاعدة عقلية برهانية يمكن استنباط الحكم الشرعي منها، وتنقسم إلى قسمين:

أ) المستقلات العقلية: فيها يُناقش قاعدة عقلية تُنتج الحكم الشرعي دون الحاجة إلى ضم مقدمة شرعية إليها، ويُطلق عليها ملازمة العقل والشرع في التحسين والتقبيح. لذا في هذا القسم، يُناقش أولاً حقيقة الحكم العقلي في التحسين والتقبيح، ثم قاعدة الملازمة، أي قاعدة «كلما حكم الشرع حكم العقل».

ب) غير المستقلات العقلية: فيها تُناقش قواعد عقلية تُنتج الحكم الشرعي عند ضم مقدمة شرعية إليها، وتشمل كل مباحث العلاقات والاقتضائات التي يدركها العقل بين الحكم وموضوعه أو متعلقاته.

٣- مباحث الدليل الاستقرائي: تشمل نقاش الإجماع والسيرة والتواتر، وهي قائمة على حساب الاحتمالات والاستقراء. وقبل الدخول في هذه المباحث، يُذكر بإيجاز نقاط حول حقيقة الدليل الاستقرائي.

٤- الحجج الشرعية: تتضمن نقاش الأدلة التي تثبت دليليتها بالجعل الشرعي. وتنقسم الحجج الشرعية إلى قسمين: أ) الأمارات؛ ب) الأصول العملية الشرعية. ومن المناسب قبل الدخول في هذين النقاشين ذكر مقدمة تتناول موضوع جعل الدليليّة والحجية الشرعية بأقسامها المختلفة، وكذلك الفرق الجوهري بين حجية الأصل وحجية الأمارة وأنواع وكمية الآثار التي تثبت بكل منهما، وفي النهاية يُناقش كيفية تأسيس الأصل عند الشك في الدليليّة الشرعية.

٥- الأصول العملية العقلية: هي الأصول التي يثبتها العقل في اتجاه الحكم الشرعي في حالات الشك البدوي أو المقترن بالعلم الإجمالي في المتباينين أو الأقل والأكثر. وفي هذا الفصل يُناقش أيضاً كل مسائل الاشتغال العقلي وقاعدة قبح العقاب بلا بيان عقلي والتخيير العقلي.

وفي النهاية يُختتم بنقاش التعارض بين الأدلة والأحكام المتعارضة.

المقياس الثاني: التقسيم من حيث نوع الدليل

وفق هذا المقياس، تُقسم مباحث الأصول إلى قسمين رئيسيين:

١- الأدلة: وهي القواعد الأصولية التي تحدد واجب المكلف تجاه الحكم الشرعي بمعيار الكشف عنه.

٢- الأصول العملية: وهي القواعد التي تحدد الواجب العملي للمكلف دون معيار الكشف عن الحكم الشرعي.

يبدأ القسم الأول بنقاشات عامة حول الأدلة، كما أُشير في المنهج السابق. ثم نقسم الأدلة إلى أدلة شرعية وأدلة عقلية. ونواصل نقاش الدليل الشرعي في ثلاثة اتجاهات:

أ) تحديد دلالات الدليل الشرعي؛ ب) إثبات صغرى الدليل الشرعي، أي أصله في صدوره من الشارع؛ ج) حجية هذه الدلالات.

ثم في الاتجاه الأول، يُقسم الدليل الشرعي إلى لفظي وغير لفظي، ونفصل دلالات الدليل الشرعي اللفظي عن دلالات الدليل الشرعي غير اللفظي، أي الفعل وتقرير المعصوم. في نقاش دلالات الدليل الشرعي اللفظي، نذكر مقدمة تشمل مباحث الوضع والهيئة والدلالات اللغوية والمجازية، لأن كل هذه المقدمة تتعلق بدلالة الدليل اللفظي. كما تشمل نقاشات دلالات الدليل الشرعي اللفظي مسائل مثل صيغة ومادة الأمر، صيغة ومادة النهي، الإطلاق، العموم، المفاهيم وغيرها من القواعد والضوابط العامة للأدلة اللفظية. وفي دلالات الدليل الشرعي غير اللفظي، يُناقش الأمور التي تستند إلى ضوابط عامة للظهور العرفي أو قرينة عقلية ناشئة عن عصمة الشارع وتدل على الفعل أو تقرير المعصوم (عليه السلام).

في الاتجاه الثاني، نناقش الوسائل الممكنة لإثبات صدور الدليل من الشارع، مثل التواتر، الإجماع، السيرة، الشهرة، والخبر الواحد.

في الاتجاه الثالث، نناقش حجية هذه الدلالات، وهل ظاهر الكتاب والسنة موثوق بهما ومأخوذ منهما أم لا، وغيرها من الأمور المرتبطة بهذا الموضوع، وكذلك مناقشة تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقة في الحجية.

بعد الدليل الشرعي، يُطرح الدليل العقلي في نقاشين: المستقلات العقلية وغير المستقلات العقلية، التي تشمل كل المباحث المشار إليها في المنهج السابق. في نقاش الدليل العقلي، نناقش أيضاً الصغرى في صحة القضية العقلية ودرجة تصديق العقل لها، وكذلك الكبرى في حجية الإدراك العقلي في استنباط الحكم الشرعي منها.

أما في نقاش الأصول العملية، نبدأ بمباحث عامة مثل نقاش لغة الأصول وتمييزها عن الأدلة وعدم مطابقة مدلول الالتزامي للمدلول المطابق في الأصول العملية.

ثم ندخل في نقاش الأصول العملية نفسها، ونبدأ بنقاش الواجب المقرر للشبهة المجردة من العلم الإجمالي إلى جامع التكليف، ثم ندخل في نقاش مقدار التغير الذي يحدث في فرض وجود العلم الإجمالي في المسألة. في الجزء الأول يشمل البراءة والاستصحاب، وفي الجزء الثاني يشمل الاشتغال والأقل والأكثر.

وفي الختام، كما في المنهج السابق، يُناقش تعارض الأدلة والأصول، أقسامه وأحكامه.[۱۹]

هذا ملخص كلامه في كتاب بحوث الذي يدل على منطقية وبُعد نظر تحقيقه، ونضج واتساق هذا العمل. ما يبرز في تقسيمه هو الترتيب المنطقي والأساسي للمباحث على بعضها البعض. لذلك، فإن نقد هذا التقسيم يجب أن يكون نقدًا منطقيًا لا ذوقيًا؛ بينما قبل تقسيمه، كانت معظم التقسيمات ذوقية، وبعضها الآخر، الذي لم يكن ذوقيًا محضًا، كان مزيجًا من الترتيب المنطقي والذوق؛ مثل تقسيم المرحوم الشيخ والمحقق الخراساني وتقسيم العلامة مظفر، أو التقسيمات الحديثة المعاصرة، مثل تقسيم المرحوم مطهري والسادة هادي الفضلي وناصر مكارم شيرازي، كلها مزيج من الذوق والترتيب المنطقي؛ مع أن تقسيم المحقق الأصفهاني أبعد إلى حد ما عن عيب الذوقية.

خصائص تقسيم الشهيد صدر

١ـ من الخصائص المهمة جدًا لتقسيم المحقق صدر، وضع مسألة القطع كعنصر مشترك في بداية المباحث الأصولية، مع التبرير بأن القطع بمثابة الدعم ونقطة الارتكاز التي تجعل البحث في بقية المسائل الأصولية والظن والشك جائزًا، وبدونه يُشكك في هذا الجواز؛ أي أن هذه المباحث بدون بحث القطع تكون ضعيفة وتفتقر إلى منطلق موثوق.

٢ـ خاصية أخرى، هي بحث ماهية الحكم كعنصر مشترك آخر في بداية الأصول، وهو ما سبق أن فعله المحقق الأصفهاني تحت عنوان مبادئ الأحكام، وهذا الأمران (وضع بحث القطع وماهية الحكم في بداية مباحث الأصول) عملان جديران بالثناء ومقبولان تمامًا لأسباب خاصة.

٣ـ ميزة أخرى لهذا التقسيم، هي فصل بحث الأدلة الشرعية اللفظية عن غير اللفظية، مما أدى إلى إيلاء اهتمام أكبر لمبحثي الفعل والتقريب المعصوم (عليه السلام)، وهما مبحثان لا يُلاحظان في التقسيمات السابقة.

٤ـ لقد أسس أصوله على أساس حق الطاعة، بدلًا من قاعدة قبح العقاب بلا بيان عقلي، ومن ثم طرح بحثًا مهمًا وجيدًا عن حق الطاعة في أصوله.

٥ـ من الأعمال الأساسية للمرحوم صدر في هذا التقسيم أنه دائمًا قبل الدخول في أي بحث، يذكر كل المقدمات اللازمة له ويزيل الغموض التصوري والمفهومي أيضًا. هذا العمل يجعل المباحث أكثر وضوحًا ويزيل إلى حد كبير الغموض الناتج عن خلط المباحث أو الجدال أو المغالطة في البحث.

٦ـ بحث «السيرة والبنَى العقلائية» الذي له أهمية كبيرة في مباحث الحجج، له باب مستقل ومفصل في تقسيم المرحوم صدر، بينما هذا البحث، رغم أهميته الكبيرة، لا يُطرح من قبل الأصوليين بشكل مستقل ومنفصل، بل يُشار إليه فقط ضمن بعض المباحث الأخرى.

٧ـ بما أن الشهيد صدر يثبت الأحاديث الإجماعية والسيرة والتواتر على أساس «حساب الاحتمالات والاستقراء»، فإنه قبل الدخول في هذه المباحث يتحدث بإيجاز عن حقيقة الاستقراء والدليل الاستقرائي.

هناك خصائص أخرى في هذا التقسيم لكنها أكثر تفصيلًا، وتظهر عند مقارنة هذا التقسيم بالتقسيمات الأخرى.

من المناسب التأكيد مرة أخرى على السير الجميل والمستدل تمامًا لتقسيم السيد صدر، لكي يتأمل القراء أكثر في هذا التقسيم ويدركوا عمق عمله.

مع ذلك، هناك انتقادات لهذا التقسيم، مثل: ١- عدم تقسيم الأمارات اللفظية وغير اللفظية إلى «معتبرة وغير معتبرة»، ومن ثم استخدام الأمارات غير المعتبرة مثل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع… التي تظهر في تقسيم المرحوم مظفر ولاحقًا في تقسيم السيد مكارم. ٢- تعقيد تقسيمه الذي قد يكون بسبب منطقية ودقة العمل، وأيضًا حداثة وابتكار عناوين المباحث. بالإضافة إلى ذلك، حداثة أسلوب المحقق صدر في الكتابة العربية الحديثة زادت هذا التعقيد على غير المألوفين بالأدب العربي الحديث، وهذا الأمر لم يكن بلا تأثير في بقاء أفكار ورؤى المرحوم صدر مهجورة وغريبة.

نكتفي بهذا القدر هنا؛ لأن هذا البحث يحتاج إلى مقارنة عميقة بين التقسيمات الحديثة ثم مطابقتها مع معايير التقسيم الصحيح، وهو ما يناسب مقالًا آخر.

أمر آخر يستحق الانتباه هو أن المرحوم صدر قدم نوعين من التقسيم بناءً على معيارين مختلفين، وهما مختلفان عن بعضهما البعض. لذلك، من الضروري تعداد الفروق والتفوق لكل منهما. ولحسن الحظ، فقد تولى هو نفسه هذا الأمر تحت عنوان «مقارنة بين التقسيمين»[۲۰]، وقد أجرى هذه المقارنة التي نستعرض ملخصها هنا. يقول:

١ـ التقسيم الثاني أقرب إلى الطريقة القديمة في تنظيم المباحث الأصولية؛ لأن مثلاً حجية الخبر في التقسيم الثاني تُطرح في بحث السنة، لأنها من عوارض السنة؛ بينما التقسيم الأول أقرب إلى الطريقة الجديدة في دروس الأصول.

٢ـ التقسيم الثاني تم بطريقة أكثر تطبيقية وتطابقًا؛ أي أن القواعد الأصولية كما تُستخدم في الاستنباط الفقهي تُجمع معًا؛ فمثلاً، بما أن القواعد الأصولية العامة في الدليل اللفظي، مثل مباحث الأوامر والنواهي، ليست منفصلة عن القواعد الأصولية المعنية بإثبات السند، مثل حجية الخبر الواحد والتواتر والسيرة والإجماع (لأن الفقيه في استنباط الحكم من الدليل اللفظي ينظر إلى الدلالة والسند معًا ويطبق قواعد الأصول لكلا الجانبين في وقت واحد)، لذلك في هذا التقسيم لم تُفصل هذه القواعد عن بعضها وتم بحثها كلها تحت عنوان الدليل الشرعي؛ بينما عادةً تُطرح مباحث الألفاظ والظواهر منفصلة عن بحث حجية الخبر وحتى عن بحث حجية الظهور، مع أن الظهور وحجيته لعمليات الاستنباط عنصران ملازمان لا يمكن فصلهما.

أما في التقسيم الأول فقد تم التبويب بطريقة تُرى فيها الأصول مجردة، لذا قُسّمت المباحث بدقة أكبر وبترتيب منطقي أكثر وبناءً على نوع الدليل. ومن ثم، تم فصل كل صنف من الأدلة بدقة عن الصنف الآخر، وطبعًا أُدرجت جميع المباحث المتعلقة بذلك الصنف تحت نفس الباب. وبهذا الشكل، تكتسب المناقشات موضعها بدقة أكبر؛ فمثلًا الأدلة الاستقرائية تُعتبر صنفًا خاصًا في التقسيم المذكور، حيث يُناقش ضمنه أيضًا أصول الاستقراء الواضحة. أو الحجج الشرعية تُعتبر صنفًا آخر، يُناقش فيه أصل حجية التعبدية وكيفيتها؛ بينما هذه المباحث بهذا النظام والسهولة لا تدخل ضمن التقسيم الثاني، ولا تحظى بمكانة دقيقة ومحددة. فمثلًا في التقسيم الثاني، وبما أن المعيار هو ذات الأدلة، وُضع الدليل اللفظي والاستقرائي والتعبدي في صنف واحد (لأن جميعها تُستنبط من دليل واحد).

وفي النهاية، يقول المحقق صدر: بهذه الأقوال يتضح أنه يمكن تفضيل التقسيم الأول إذا نظرنا إلى علم الأصول نظرة مجردة، أي منفصلة ومستقلة عن تطبيقه في الفقه، أما إذا نظرنا إلى مباحث الأصول نظرة تطبيقية، فإن التفضيل يكون للتقسيم الثاني. وبعبارة أخرى، اختيار أي تبويب وتفضيله يعتمد على كيفية نظرتك إلى علم الأصول وقواعده.

أما الشهيد صدر نفسه في دروس خارج الأصول، فقد تحرك تقريبًا وفق الطريقة الأولى في التبويب؛ لأنه أقرب إلى الأسلوب والطريقة المتبعة في مدرسة الشيخ الأنصاري وأتباعه في الأصول. والآن أيضًا في الحوزات العلمية، هذا الأسلوب هو السائد والمعروف بالتبويب الكفائي.

ولكن في كتاب حلقات وإلى حد ما في معالم الجديدة، اتبع المنهج الثاني؛ لأن التبويب الثاني، لكونه تطبيقيًا، يساعد الطالب في فهم قواعد الأصول وتطبيقها في الفقه والاستنباط الفقهي بشكل كبير.[۲۱]

النتيجة

مما سبق، يمكن بوضوح ملاحظة التحول والتطور في تبويب وتنظيم المباحث والمسائل الأصولية وحتى إلى حد ما في المحتوى والمضامين الأصولية. لكن السؤال هنا: هل وصل هذا التطور إلى نهايته؟ وهل لن يصبح علم الأصول أكثر تطورًا وانضباطًا؟ هذا سؤال يشغل بال الكثيرين اليوم. والجواب المختصر هو أن مسيرة تطور هذا العلم لم تنتهِ أبدًا، ومن يظن خلاف ذلك، فمن الواضح أنه لم يدرك طبيعة العلم السائلة. لو كان من المفترض أن ينتهي العلم أو يصل إلى حد لا يمكنه التقدم بعده، لما وصل إلى هذا التطور الحالي، ومن الطبيعي أن يضيف المفكرون والمتأملون في كل علم نقاطًا جديدة عليه باستمرار. وإن كان من المقبول أيضًا أن تقدم العلوم التطوري أصبح أكثر تفصيلاً ودقة، وأصبحت التحولات الأساسية والبنيوية أقل وأقل، فهذا يعود إلى التقدم والتطور اللائق للعلوم في مختلف المجالات.

والنتيجة أن مسيرة تطور علم الأصول سواء في المحتوى أو في التبويب والتنظيم لم تنتهِ بعد، ولا تزال في حركة وديناميكية، وتتطلب فقط عقولًا قوية ودقيقة تضيف إلى كماله.

الخاتمة: بعض النقاط في تقديم التبويب المختار

ما سبق كان رحلة في تاريخ تبويب علم أصول الفقه، أي ما فكر فيه الآخرون وذكروا. والآن دورنا أن نفكر ونبحث لنصل في النهاية إلى تنظيمنا المفضل. مع أن المرغوب كان أن يتم ذلك أيضًا، إلا أن الكاتب، رغم اختياره تبويبه المختار وكتابته له حتى في بطاقات خام، يرى نفسه معذورًا في مقاله هذا من الدخول في نقاش التبويب المختار ونقد التبويبات الأخرى لأسباب عدة منها الخوف من الإطالة. بالإضافة إلى أن الغرض من هذا الكتاب هو تقديم مسيرة تاريخية لتبويب علم الأصول، وأعتقد أن هذا الغرض قد تحقق حتى الآن.[۲۲] ومع ذلك، تُقدم بعض النقاط لتسهيل الوصول إلى التبويب المختار للقراء الأعزاء:

أولًا: يجب النظر بدقة إلى التبويبات السابقة ثم نقدها وفق معايير التبويب الصحيح. ومعايير التبويب الصحيح هي: ١- معرفة العلاقة المنطقية والترتيبية والمتسلسلة بين مباحث الأصول؛ ٢- معرفة موضوع العلم وتعريفه وهدفه وغايته، وهو ما يؤثر في التبويب الصحيح وإدراج أو عدم إدراج المباحث، وإبرازها أو عدم إبرازها؛ ٣- جمع المواضيع المتجانسة معًا لتجنب التكرار… خاصة النقطة الثانية ذات أهمية كبيرة، وعلى أساسها تختلف تبويبات كبار العلماء مثل المحقق الأصفهاني والمرحوم مظفر والمرحوم صدر… حيث تختلف في إبراز المباحث واعتبارها مهمة أو غير مهمة. وإذا لاحظ القراء الكرام ذلك، فسيرون بوضوح هذه الفروقات بناءً على اختلاف هؤلاء المحققين في الموضوع الذي يقدمونه من الأصول.

ثانيًا: يجب اختيار أفضل التبويبات وإجراء مقارنة دقيقة وجادة بينها، وبيان مزايا وعيوب كل منها مقارنة بالآخر، وتسجيل النتائج للاستفادة منها في تقديم التبويب المختار. وبعبارة أخرى، يجب الاستفادة من النقاط الإيجابية وتجنب النقاط السلبية. ومن البديهي أن التبويب المقترح يجب أن يستفيد إلى أقصى حد من التبويبات السابقة.

ثالثًا: يجب في تقديم التبويب المقترح الانتباه إلى معايير التبويب الصحيح وخاصة النقطة الثانية، أي موضوع وتعريف الأصول، حتى يبقى التبويب المقدم محصنًا من النقد.

 

[۱]. المقصود من الموضوع هنا ليس الموضوع الحقيقي فقط، بل الشامل التجريدي أيضًا كافٍ.

[۲]. المقصود من الذوق والتذوق هنا هو في الغالب عدم وجود معيار في التصنيف وتشويشه، وإلا فإن تأثير الذوق والتذوق بمعناه الإيجابي في التصنيف لا يُنكر.

[۳]. لدراسة تاريخ علم الأصول وإيجاد إجابات لهذه الأسئلة انظر: محمد باقر صدر، معالم الجديدة (مكتبة النجاح) الصفحات ٤٦ – ٨٩؛ نفسه، دروس في علم الأصول، الحلقة الأولى؛ إبراهيم جنّاتي، أدوار الاجتهاد (ط.١: تهران، مؤسسه کیهان، ١٣٧٢)؛ نفسه، كيهان أنديشه، الأعداد ٣٤ (بهمن وشهريور ١٣٦٩) – ٤٩ (مرداد وشهريور ١٣٧٢)؛ أبو القاسم جورجي، تحول الأصول (منشورات جامعة طهران) ونفسه، تاريخ الفقه والفقهاء (ط.١: تهران، سمت، زمستان ١٣٧۵) الصفحات ٢٩٩ – ٣٣٥.

[۴]. محمد باقر صدر، معالم الجديدة، الصفحات ٨٧ – ٨٩.

[۵]. أبو القاسم جورجي، تحول الأصول، ص ٥١ وانظر: إبراهيم جنّاتي، أدوار الاجتهاد. في هذا الكتاب، تُقسم أدوار الاجتهاد إلى ثماني دورات، الدورة الثامنة هي «عصر شمولية تطبيق الاجتهاد بأسلوبه الحديث» ويعتبر المؤلف الإمام الخميني؟ق؟ رائد هذه الدورة.

[۶]. بالإضافة إلى التصنيفات التي أوردناها في النص، قدم بعض المعاصرين مثل: الدكتور هادي الفضلي، آية الله مكارم شيرازي وآية الله السيستاني تصنيفات أخرى، مما يدل على استمرار الحركة والديناميكية في تنظيم علم الأصول.

[۷]. هذا الكتاب بتحقيق الدكتور جورجي، صدر عن منشورات جامعة طهران في مجلدين.

[۸]. هذا الكتاب بتحقيق السيد محمد رضا أنصاري قمي، صدر عن منشورات ستاره في مجلدين عام ١٣٧٦.

[۹]. هذا الكتاب بتحقيق السيد محمد حسين رضوي، صدر عن منشورات مؤسسة آل البيت في قم.

[۱۰]. هذا الكتاب بتحقيق السيد عبد الحسين محمد علي البقال، صدر عن مركز النشر، مكتب الإعلام الإسلامي في قم.

[۱۱]. للأسف هذا الكتاب لم يُحقق ولم يُطبع حروفياً؛ لكن طباعته الحجرية متوفرة في مجلدين.

[۱۲]. للأسف هذا الكتاب أيضًا لم يُحقق ولم يُطبع حروفياً؛ لكن طباعته الحجرية متوفرة في مجلد واحد.

[۱۳]. انظر: رسائل، ص ١؛ شيخ الأنصاري بناءً على حالات المكلف يقدم تقسيمًا جديدًا للحكم على النحو التالي: المكلف مدرك للحكم الشرعي أو لديه يقين بالحكم أو لديه ظن بالحكم أو لديه شك في الحكم. وبهذا يكون لدينا ثلاثة أنواع من الحكم: القطعي، الظني، والمشكوك. لذا تُقسم مباحث الأصول إلى ثلاثة أقسام: بحث اليقين، بحث الأمارات والظنون، وبحث الشك الذي تُطرح فيه الأصول العملية.

[۱۴]. بالطبع ما طُبع الآن تحت اسم بحوث في الأصول هو مجموعة من عدة رسائل مختلفة في موضوعات متنوعة، إحداها بعنوان الأصول على نهج الحديث، وهذا هو اسم كتاب كان المرحوم الأصفهاني ينوي تأليفه وفق خطة جديدة، وشرح في بدايته كيفية تصنيف وتنظيم مباحث الكتاب، لكن للأسف لم يُنجز هذا العمل القيم.

[۱۵]. محمد حسين الأصفهاني، بحوث في الأصول (قم: مؤسسة النشر الإسلامي، د.ت.)، الصفحات ١٧ – ٢٢.

[۱۶]. محمد حسين الأصفهاني، بحوث في الأصول، ص ٢٢.

[۱۷]. محمد رضا مظفر، أصول الفقه، ج ١، ص ٧. يدعي هنا أنه نظم تصنيف كتابه وفقًا للخطة المقترحة من المحقق الأصفهاني في التصنيف.

[۱۸]. في هذا الرأي الكاتب ليس وحده؛ بل المحقق السيستاني أيضًا موافق عليه، وقد صرح بذلك في كتاب الرافد في علم الأصول، الذي هو تقرير درسه بقلم السيد منير السيد عدنان القطيفي، في عدة مواضع. على سبيل المثال، في ج ١، ص ٣١ و٣٢، يشرح أولاً الطريقة المتعارف عليها في تصنيف الأصول عند القدماء، ثم يبرر سبب تقسيم القدماء بهذه الطريقة قائلاً: «ولعل السر في هذا المنهج أن موضوع علم الأصول كما ذكر السيد المرتضى في الذريعة هو: “الدليل الفقهي”، فلما كان محور الأصول هو الدليل الفقهي كان مدار أبحاثه حول الدليل نفسه وأقسامه من السمعي والعقلي وعوارضه الثبوتية كالإطلاق والتقييد والتعادل والتراجيح….»، أو في نفس المجلد، في ص ٤٣ و٤٤، حيث يقدم نظريته، يقول: «… بما أن علم الأصول وضع كمقدمة لعلم الفقه لابد أن يكون تصنيفه ومنهجه منسجمًا مع مقدمتيه، وحيث أن علم الفقه هو علم الباحث عن تحديد الحكم الشرعي فالمناسب لتصنيف علم الأصول أن يدور مدار الحجة المثبتة للحكم الشرعي فإن ذلك هو النافع في مقدمتيه لعلم الفقه، ولذلك اخترنا أن موضوع علم الأصول كما سيأتي بيانه هو الحجة في الفقه فأبحاثه تدور حول محور الحجية وعدمها…». (١٧) انظر: سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ج ١، الصفحات ٥٦ – ٦١. (١٨) المرجع نفسه، ص ٦١ – ٦٢.

[۱۹]. انظر: سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول (تقارير درس آية الله صدر)، ج ١، الصفحات ٥٦ – ٦١.

[۲۰]. سيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول، ج ١، ص ٦١ – ٦٢.

[۲۱]. هنا من المناسب ذكر بعض التصنيفات الجديدة للمعاصرين التي لم ترد في متن المقال: أ) تصنيف الدكتور هادي الفضلي المحقق الجليل هادي الفضلي في كتابه مبادئ الأصول يقدم أولاً تعريفًا لعلم الأصول: «هو علم يبحث فيه عن قواعد استنباط أحكام التشريع الإسلامي من أدلتها.» ثم يناقش الكلمات المفتاحية في التعريف، أي القواعد، الأحكام، والأدلة، وينظم الكتاب كله على هذا الأساس. يبدأ بمناقشة «القاعدة العامة القابلة للتطبيق على الجزئيات» ثم في جانب الحكم يقسمه إلى واقعي وظاهري، والواقعي إلى أولي وثانوي. كما يقسم الحكم الواقعي إلى وضعي وتكليفي، والتكليفي إلى واجب وحرام ومكروه ومندوب ومباح، والواجب إلى عيني وكفائي، تعيني وتخييري، مؤقت وغير مؤقت، موسع ومضيق، مطلق ومقيد، منجز ومعلق، تعبدي وتوسلي، محدود وغير محدود، ونفسي وغير نفسي. ثم يدخل في بحث أدلة الحكم الواقعي والظاهري، ويذكر أدلة الأحكام الواقعية: الكتاب، السنة، العقل، والإجماع، وفي بحث السنة يعتبر دراسة السند والمتن ضرورية، وللدراسة المتن يتناول مباحث الدلالة واللفظ. وأخيرًا يبحث في أدلة الأحكام الظاهرية، أي البراءة، الاشتغال، التخير والاستصحاب. ب) تصنيف آية الله مكارم شيرازي في كتابه أنوار الأصول، وهو تقرير درسه بقلم السيد «أحمد قدسي»، في المجلد الأول من ص ٩ إلى ١٤، يقدم تصنيفًا جديدًا لعلم الأصول على النحو التالي: ١- مقدمة؛ ٢- مبادئ المبادئ؛ ٣- مبادئ؛ ٤- مسائل؛ ٥- خاتمة. في المقدمة يطرح هذه المواضيع: موضوع العلوم، تمييز العلوم، تعريف علم الأصول، موضوع علم الأصول وتقسيم مباحثه الأصولية. في مبادئ المبادئ يناقش تسعة أمور: الأول: الوضع (تعريف الوضع، أقسام الوضع، المعنى الحرفي…)؛ الثاني: وضع المركبات؛ الثالث: الحقيقة والمجاز؛ الرابع: تبعية الدلالة للإرادة وعدمها؛ الخامس: علامات الحقيقة والمجاز؛ السادس: الحقيقة الشرعية والمتشرعة؛ السابع: الصحيح والأعم؛ الثامن: الاشتراك؛ التاسع: المشتق. في مبادئ يذكر خمسة مقاصد: الأول: الأوامر؛ الثاني: النواهي؛ الثالث: المفاهيم؛ الرابع: العام والخاص؛ الخامس: المطلق والمقيد والمجمل والمبين. ثم يدخل في مسائل الأصول التي موضوعها «الأدلة في الفقه». في هذا الجزء تنظم المباحث في مقامين: الأمارات والأصول. الأمارات نفسها تُقسم إلى قسمين: معتبر وغير معتبر. في الأمارات المعتبرة تذكر أربعة مقاصد: الأول: الكتاب وحجية ظواهر الألفاظ مطلقًا؛ الثاني: السنة وأقسام الخبر (خبر واحد، مستفيض، متواتر وكذلك بحث التوازن والتراجيح في تعارض الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة)؛ الثالث: الإجماع وأنواعه؛ الرابع: العقل (المستقلات العقلية، غير المستقلات العقلية، حجية القضايا العقلية، القطع والقياس القطعي). في الأمارات غير المعتبرة تُناقش ثمانية مواضيع: عدم حجية الظن المطلق؛ عدم حجية الإجماع المنقول إلى خبر واحد؛ عدم حجية الشهرة (أقسام الشهرة)؛ عدم حجية القياس الظني؛ عدم حجية الاستحسان؛ عدم حجية المصالح المرسلة الظنية؛ عدم حجية سد الذرائع الظني؛ وعدم حجية الاجتهاد الظني بالمعنى الخاص. في الأصول العملية يطرح أربعة مباحث: قاعدة البراءة؛ قاعدة الاحتياط؛ قاعدة التخير؛ وقاعدة الاستصحاب. وفي الختام يتناول بحث الاجتهاد والتقليد. ج) تصنيف آية الله السيستاني المحقق العالم السيد السيستاني في كتابه الرافد في علم الأصول، الذي هو تقرير درسه بقلم السيد «سيد منير السيد عدنان القطيفي»، في المجلد الأول من ص ٤٣ إلى ٥٧ يقترح تصنيفين جديدين للأصول، أحدهما يتعلق بمقياس ومحور الحجية، والآخر بمقياس الاعتبار: أ) التصنيف الأول: في هذا التصنيف الذي يتعلق بمقياس الحجية وعدمها، ينظم الأصول في ثلاثة أقسام عامة: الاحتمال، الكشف، والميثاق العقلي. أ) حجية الاحتمال في هذا القسم يطرح خمسة أصناف من الاحتمال: ١- احتمال يصل إلى درجة القطع ومناقشة حجية القطع؛ ٢- احتمال يصل إلى درجة الاطمئنان ومناقشة حجية الاطمئنان؛ ٣- احتمال معتمد على قوة محتملة، حتى وإن كان درجة الاحتمال ضعيفة، ومناقشة حجية هذا الاحتمال هي بحث «أصالة الاشتغال»؛ ٤- احتمال معتمد على علم إجمالي يُقوى بمساعدة العلم الإجمالي، وهذا البحث يشمل مباحث العلم الإجمالي وشبهتين محصورتين وغير محصورتين؛ ٥- احتمال لا قوة له ولا أهمية في ناحية المحتمل، وله نوعان: أ) احتمال معارض مع احتمال في الطرف المقابل بسبب وجود العلم الإجمالي الشامل وهو موضوع «أصالة التخير»؛ ب) احتمال غير معارض مع احتمال في الطرف المقابل وهو موضوع «أصالة البراءة». إذًا، يشمل هذا التصنيف الخمسة مباحث «حجية الاحتمال». ب) حجية الكشف الكشف إما إدراكي أو إحساسي. الكشف الإدراكي موجود في الأمارات العقلائية والشرعية التي يحكم المجتمع العقلي أو الشارع بإتمام الكشف عليها. وهنا يُطرح بحث الأمارات والطرق. الكشف الإحساسي موجود في الاستصحاب، لذا يجب طرح هذا البحث في هذا القسم. ج) حجية الميثاق العقلي المقصود بهذا الميثاق هو كل طريقة يتفق عليها المجتمع العقلي. سواء كان هذا الاتفاق بسبب كاشفية نوعية مثل خبر الثقة، أو بسبب المصلحة الاجتماعية العامة مثل الظواهر. هنا يُناقش نوعان من البحوث؛ أحدهما كبرى مثل: حجية الظهور، والآخر صغرى مثل: بحث صيغة الأمر والنهي، العام والخاص، المطلق والمقيد ونحو ذلك من مباحث الألفاظ. كما يدخل في هذا القسم بحث تعارض الأدلة. المحقق السيستاني يترك هذا التصنيف لأنه بعيد جدًا عن الأسلوب المعتاد في تصنيف علم الأصول، ويبرر ذلك بقوله: أحد شروط التصنيف أن لا يكون «مستنكرًا» خاصة حين يمكن الوصول إلى الهدف بحركة تدريجية وهادئة. لذلك يقدم التصنيف الثاني: التصنيف الثاني يقول: بما أن علم الأصول من مبادئ تصديقية غير بديهية لعلم الفقه ومحور البحث في الفقه هو الحكم الشرعي، والحكم هو نوع من الاعتبار، لذا نحتاج إلى مناقشة علم آخر كمبادئ تصديقية للحكم الشرعي، وهذا النقاش هو عن الاعتبار الذي يشمل الاعتبار نفسه وعوارضه وأقسامه ولواحقه، ويسمى علم الأصول. يُنظم بحث الاعتبار (وهو مقياس ومحور مباحث الأصول) في خمسة عشر فصلًا: ١- تعريف الاعتبار؛ ٢- تقسيم الاعتبار إلى اعتبارات أدبية وقانونية؛ ٣- العلاقة بين الاعتبارين الأدبي والقانوني؛ ٤- طريقة جعل الاعتبار القانوني؛ ٥- مراحل الاعتبار القانوني؛ ٦- أقسام الاعتبار القانوني؛ ٧- العلاقة بين هذه الأقسام؛ ٨- أقسام القانون التكليفي والقانون الوضعي؛ ٩- عوارض الأحكام القانونية؛ ١٠- وسائل إظهار الحكم القانوني؛ ١١- وسائل استكشاف الحكم القانوني؛ ١٢- وثاقة وسائل استكشاف الحكم القانوني؛ ١٣- تعارض إثباتي وثبوتي بين وسائل الاستكشاف؛ ١٤- تنافي بين الاعتبارات القانونية عند التطبيق؛ ١٥- تحديد القانون عند فقدان وسيلة لبيانه. (للاطلاع على تفصيل هذا التصنيف انظر: المحقق السيستاني، الرافد في علم الأصول، ج ١، الصفحات ٤٧ – ٥٧).

[۲۲]. بالإضافة إلى الدليل الذي ذُكر في متن المقال، فإن بيان النظرية المختارة يحتاج إلى طرح وتبيين نظرية أخرى للكاتب الذي يعتقد إجمالاً أن الأصول أوسع مما هو موجود الآن؛ لأن فهم واكتشاف واستنباط المسائل الكلامية والأخلاقية وغيرها من النصوص المقدسة الإسلامية (القرآن والرويات) يحتاج إلى أدوات للفهم والاستنباط، وأهم هذه الأدوات هي الأصول. بناءً على ذلك، هناك حاجة إلى تدوين أصول الكلام وأصول الأخلاق، كما وضعنا أصولًا للفقه. في سياق طرح هذه النظرية تُطرح مسائل مثل الحاجة إلى أصول جديدة لكل من العلوم الإسلامية، كيفية الأصول المشتركة للاستنباط في كل من العلوم الإسلامية، كيفية الأصول الخاصة للاستنباط في كل من العلوم الإسلامية، أصل وجوب الاجتهاد للفهم الصحيح والاستنباط السليم من النصوص الدينية في كل من فروع العلوم الإسلامية والدينية، وهل للحجية معنى في الكلام والأخلاق، وهل الاجتهاد أو الحجية يتعارضان مع هدف الكلام الذي هو اكتشاف المعارف الحقيقية. تبيين وتحليل وإثبات هذه المسائل يحتاج إلى كتابة أخرى آمل أن تتاح الفرصة لكتابتها. لكن إجمالاً يجب القول إن ما ذُكر هنا كمعايير لتقديم تصنيف صحيح والنقاط التي وردت في عناوين مباحث الأصول كلها تتعلق بأصول الفقه. بمعنى آخر، نُظمت هذه المسائل والمباحث كلها كأفق لمقدمة الأصول للفقه. وأضيف أيضًا أنه مع افتراض إثبات الحاجة إلى أصول للعلوم الإسلامية الأخرى، يجب القول إن كثيرًا من مباحث أصول الفقه ستأتي فيها أيضًا، لكن مع بعض الاختلافات التي يجب التوسع فيها.