صلاحيات الحاكم الإسلامي في إصدار الأحكام المتغيرة مع التركيز على أحكام النساء

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ‌‌‌اختیارات‌ حاکم اسلامی در وضع احکام متغیر، با نگاه به احکام زنان ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص

موضوع هذه المقالة هو «نظرية العلامة الطباطبائي حول صلاحيات الحاكم الإسلامي في وضع الأحكام المتغيرة، مع التركيز على أحكام النساء». يسعى هذا المقال بأسلوب تحليلي إلى توضيح ونقد ومراجعة نظرية العلامة في حل التحديات التي تواجه أحكام الشريعة في العصر الحاضر، مع تطبيق ذلك على بعض أحكام النساء. للشريعة الإسلامية أحكام ثابتة قد يؤدي بعضها في ظروف العصر إلى سوء استخدام. وقد بيّن العلامة الطباطبائي مجال سوء استخدام بعض أحكام النساء والأسرة في العصر الحاضر، وما ينتج عنه من ظلم للنساء بهذه الأحكام، واعتبر الحل النهائي لمنع هذا الظلم وسوء الاستخدام هو الأحكام الحكومية الصادرة عن الحاكم الشرعي. في هذه المقالة، تم أولاً توضيح نظرية العلامة في المجال الذي ذكره، وفُحصت إمكانية تطويرها لتشمل مجالات أخرى. وبما أن نظريته قريبة من نظرية منطقة الفراغ للشهيد الصدر، فقد تم مقارنة النظريتين. ثم قُدمت النظرية المختارة، وأخيراً تم بيان المخاطر المرتبطة بهذه النظريات من أجل استخدامها بشكل مناسب.

المؤلف: حسنعلی علی‌اکبریان

المصدر: مطالعات جنسیت و خانواده، ربيع وصيف ١٣٩٥، العدد ٦، ص ١١٧-١٣٥

المقدمة

للأحكام الثابتة والمتغيرة تفسيرات كثيرة (انظر: علیاکبریان، ١٣٨٨، ج ١، ص ٣٣-١٠١). ومن أهم هذه التفسيرات، والتي تتوافق أكثر مع المذهب الشائع في ثبات أحكام الشريعة، هو اعتبار الحكم الثابت حكماً أبدياً وعالمياً للإسلام، والحكم المتغير حكماً ظرفياً يضعه الحاكم الشرعي بناءً على ضوابط شرعية ولحالة زمانية خاصة به (المرجع نفسه، ص ٦٣).

بعض الأحكام التي وردت عن النبي الأكرم لم تكن ثابتة وأبدية وعالمية، بل كانت متغيرة ومربوطة بزمنه، مثل النهي عن أكل لحم الحمار (شیخ صدوق، ١٣٨٦هـ، ج ٢، ص ٥٦٣، باب ٣٥٩، ح ١) والنهي عن الخروج من القرية المصابة بالطاعون (همو، ١٣٧٩هـ، ص ٣٥٤)، وقد ثبت تغيرها إما صراحة في روايات أخرى (انظر: حر‌ عاملی، ١٤١٤هـ، ص ٣٢٢-٣٢٣، ح ١/ شیخ صدوق، ١٣٧٩هـ، ص ٢٥٤) أو يمكن إثباته بمعايير أخرى (علیاکبریان، ١٣٨٨، ج ٢، ص ص. ١٧ و ٢١٣).

واحدة من أكثر الجوانب شيوعاً التي أدت إلى صدور حكم متغير من قبل النبي هي شأن حكمته؛ لذلك يمكن القول إن من أكثر الأحكام المتغيرة شيوعاً هي الأحكام الحكومية (الولائية). كما أن الأئمة المعصومين يمتلكون نفس شأن ولاية النبي الأكرم، وبعض الروايات الواردة عنهم تدل على حكم ولائي (انظر: کلینی،١٣٦٣، ج ١، ص ٥٤٤، ح ١٠). وبناءً على مبدأ ولاية الفقيه، فإن الفقيه الجامع للشروط يتمتع أيضاً بشأن الولاية.

مدى نطاق ولاية الفقيه سيتم الإشارة إليه في هذه المقالة. وقد تم التعبير عن نطاق ولاية الفقيه وصلاحياته في الأدبيات الفقهية المألوفة بالمصطلحات التالية: ١. ولاية الحسبة بمصاديق ضيقة (بحرالعلوم، ١٩٨٤م، ج ٣، ص ٢٩٠/ موسوی‌ خویی‌، ١٤١٦هـ‌، ج ١، ص ١٠)؛ ٢. ولاية الحسبة بمصاديق واسعة وتفسيرات مختلفة لهذا الاتساع (کدیور‌، ١٣٦٧‌، ص ١١٤-١١٥)؛ ٣. الولاية المطلقة (حسینعلی منتظری، ١٣٨٠، ص ص. ١٩٣ و ٢٨٨)؛ ٤. جواز التصرف في مسائل الحسبة بمصاديق ضيقة أو واسعة من باب قدر متيقن (موسوی خویی، ١٤١٨هـ، ج ١، ص ٤٢٤). أما في الأدبيات الحديثة، فيُحدد نطاق الولاية بناءً على جواز تصرفه في إصدار حكم ولائي يتعارض مع الأحكام الشرعية. وفي هذه الأدبيات تُقسم الولاية إلى: ١. دائرة الأحكام التكليفية المباحة بمعناها العام؛ ٢. دائرة مطلقة للأحكام التكليفية سواء المباحة أو الإلزامية؛ ٣. دائرة مطلقة للأحكام الشرعية سواء التكليفية أو الوضعية (انظر: علیاکبریان، ١٣٩٢، ص ٢٠٢).

١. نظرية العلامة الطباطبائي حول صلاحيات الحاكم الإسلامي في وضع الأحكام المتغيرة

العلامة الطباطبائي من الذين عبّروا عن صلاحيات الحاكم الإسلامي بلغة حديثة. ويرى أن للحاكم الإسلامي صلاحية وضع حكم حكومي إلزامي في نطاق المباحات بمعناها العام. ومن المسائل التي استند إليها العلامة في بيانه هذا، صلاحيات الحاكم الإسلامي في مسألة تعدد الزوجات. وبعد عرض الاعتراضات الحديثة على جواز تعدد الزوجات والرد عليها، يختتم بالقول إن الحاكم الإسلامي يمكنه بوضع قوانين حكومية أن يمنع المفاسد والظلم الناتج عن تعدد الزوجات. يقول:

«والخلاصة أن القوانين الإسلامية والأحكام التي فيها، تختلف حسب المبدأ والمنهج عن القوانين الاجتماعية الأخرى التي تسود بين الناس، وهذه الاختلافات هي أن القوانين والعادات البشرية تتغير بتغير العصور والظروف التي تطرأ على مصالح البشر، أما القوانين الإسلامية فلا تقبل الاختلاف والتغير لأنها مبنية على مصالح ومفاسد حقيقية، فلا يتغير فيها الواجب والحرام ولا المستحب والمكروه والمباح. وما هو موجود هو أن الأعمال التي يمكن للفرد في المجتمع أن يفعلها أو يتركها، وكل تصرف يمكنه أن يتصرف به أو يتركه… الحاكم يمكنه أن يجبر الناس على ذلك أو يمنعهم منه. كأن المجتمع الإسلامي فرد واحد، والحاكم هو القوة الفكرية والإرادة له؛ لذلك إذا كان للمجتمع الإسلامي حاكم، فإنه يمكنه منع الناس من الظلم الذي يرتكبونه باسم تعدد الزوجات وما شابه ذلك، دون أن يتغير الحكم الشرعي إلى الإباحة. هذا المنع الحكومي هو قرار تنفيذي عام مبني على المصلحة، مثل قرار الفرد بترك تعدد الزوجات بسبب مصلحة يراها بنفسه، دون أن يغير الحكم الشرعي؛ لأن هذا الترك هو بسبب أن تعدد الزوجات حكم مباح يمكنه أن يقرر تركه» (طباطبائی، ١٤١٧هـ، ج ٤، ص ١٩٤).

نطاق صلاحيات الحاكم الإسلامي في هذا النص يشمل المباحات بمعناها العام؛ لأنه قال: «إن الأعمال التي يمكن للفرد في المجتمع أن يفعلها أو يتركها، وكل تصرف يمكنه أن يتصرف به أو يتركه… دون أن يتغير الحكم الإلهي بإباحته… لأنه حكم مباح يمكنه أن يعزم على تركه». ورغم أن العلامة لم يصرح بالإباحة في القسم الأول، إلا أنه أشار إليها في القسمين الآخرين.

من الضروري دراسة ثلاث نقاط في فهم رأي العلامة: أولاً: إمكانية توسعة سلطة الحاكم الإسلامي من تحريم الفعل المباح إلى تقييده؛ ثانياً: إمكانية توسعة سلطة الحاكم الإسلامي من حكم مباح إلى حكم إلزامي؛ ثالثاً: إمكانية توسعة سلطة الحاكم الإسلامي من حكم تكليفي إلى حكم وضعي. وبما أن هناك مسائل تتعلق بالنقطة الثانية مرتبطة بنظرية الشهيد الصدر، فسوف نعرضها بشكل مستقل بعد مقارنة رأي العلامة ورأي الشهيد الصدر.

١-١. دراسة إمكانية توسعة سلطة الحاكم الإسلامي من تحريم حكم مباح إلى تقييده

ما قاله العلامة في صلاحيات الحاكم الإسلامي هو فقط تحريم حكومي لتعدد الزوجات؛ بمعنى أنه كما يمكن للفرد أن يمتنع عن فعل مباح، يمكن للحاكم أيضًا أن يحظره؛ ولكن القاعدة التي ذكرها قابلة لأن تمتد لتشمل سلطة الحاكم في تقييد الحكم الحكومي للمباح. على سبيل المثال، في موضوع تعدد الزوجات نفسه، يمكن للحكومة أن تضع شروطًا لضمان تحقيق العدل بين الزوجات؛ شروط لا توجد في الحكم الشرعي. مثل أن تشترط الزواج الثاني بإذن المحكمة، وتكون المحكمة ملزمة بالتحقق من قدرة الفرد على تحقيق العدل بين الزوجات. مثل هذا التقييد الحكومي يشبه أن يقوم الفرد قبل اتخاذ قرار الزواج الثاني بتقييم قدرته على تحقيق العدل بين الزوجات؛ بمعنى أنه إذا تحقق لديه هذا القدرة، يقرر الزواج الثاني، وإذا لم يتحقق، يمتنع عن الزواج الثاني. هذا الفعل من قبل الفرد لا يغير الحكم الشرعي، وكذلك هذا التقييد الحكومي لا يغير الحكم الشرعي؛ لذلك يمكن الادعاء بأن نظرية العلامة الطباطبائي تشمل سلطة الحاكم في التقييد القانوني للحكم المباح.

٢-١. دراسة إمكانية توسعة سلطة الحاكم الإسلامي من حكم تكليفي إلى حكم وضعي

ما ورد في كلام العلامة يتعلق فقط بالحكم التكليفي. فهل يمكن تعميم مقياس كلامه ليشمل الحكم الوضعي أيضًا؛ أي هل يمكن من وجهة نظره أن يصدر الحاكم الإسلامي حكمًا ولائيًا مخالفًا للحكم الوضعي الشرعي؟ على سبيل المثال، في حكم تعدد الزوجات نفسه، هل يمكن للحاكم الإسلامي أن يحكم بالإضافة إلى الحكم الولائي بتحريم الزواج الثاني، ببطلان هذا الزواج أيضًا؟

أو إذا قيد الزواج الثاني بإذن المحكمة في الحكم الولائي، هل يمكن أن يحكم ببطلان الزواج الثاني الذي تم بدون إذن المحكمة؟ يبدو أن كلامه لا يحتمل مثل هذا التوسع؛ لأن صحة وبطلان الزواج ليست من صلاحية الفرد المكلف. المقياس المذكور في عبارات العلامة يتضمن نقطتين: الأولى أن يكون للفرد سلطة اتخاذ القرار بشأن ذلك الحكم الشرعي بحيث لا يغير الحكم الشرعي. والثانية أن يُفترض الحاكم مثل الفرد المكلف، وبناءً عليه يكون للحكومة نفس السلطة في إلزام الآخرين. هذا المقياس لا يشمل الحكم الوضعي؛ لأن الفرد المكلف لا يملك سلطة في صحة أو بطلان الزواج الثاني أو في الأحكام الوضعية الأخرى.

٢. مقارنة وجهة نظر العلامة الطباطبائي مع نظرية منطقة الفراغ للشهيد الصدر

الشهيد الصدر أيضًا اعتبر نطاق صلاحيات الحاكم الإسلامي منطقة مباحات بمعناها العام؛ وهي منطقة خالية من الحكم الإلزامي. ونظريته مثل نظرية العلامة لا تشمل الحكم الوضعي؛ لذلك فهما متشابهان من هذه الناحية؛ لكن لديه نقطتان إضافيتان على العلامة الطباطبائي: إحداهما غير مهمة في عبارات الشهيد الصدر، والأخرى مهمة؛ ومع ذلك يمكن نقد كلتا النقطتين، وعبارات العلامة الطباطبائي محصنة من تلك الانتقادات:

١-٢. النقطة غير المهمة: حصر صلاحيات الحاكم في علاقة الإنسان بالطبيعة

الشهيد الصدر يرى هذه الصلاحيات في نطاق علاقة الإنسان بالطبيعة – وليس في علاقة الإنسان بالإنسان – لكي يتمكن الحاكم الإسلامي من إدارة تحولات علاقة الإنسان بالطبيعة (صدر، ١٣٨٢، ص ٦٨٧‌-٦٨٩‌). هذه النقطة تجعل نظريته أخص من نظرية العلامة الطباطبائي؛ لأن العلامة لا يضع مثل هذا القيد، بل إن المجال الذي طرح فيه هذه النظرية هو موضوع تعدد الزوجات الذي يتعلق بعلاقة الإنسان بالإنسان. ومع أن بعضهم حمل هذا القيد على الشهيد الصدر بجدية (علیدوست‌، ١٣٨٨‌، ص ٢٠٣‌)، إلا أن هذه المقالة لا تصر عليه؛ لأن الشهيد الصدر قال ذلك على أساس أنه يرى علاقات الإنسان بالإنسان ثابتة، وأن التغيير والتحول يكون فقط في علاقات الإنسان بالطبيعة؛ إذًا أصل هذا القيد يعود إلى نزاع آخر ولا علاقة له بحصر صلاحيات الحاكم في المباحات.

٢-٢. النقطة المهمة: ادعاء الإباحة الاقتضائية غير المرتبطة بموضوع الحكم

الشهيد الصدر يرى أن الشارع المقدس عمد إلى ترك هذا المجال خاليًا من الحكم الإلزامي لكي يتمكن الحاكم الإسلامي من إصدار حكم حكومي إلزامي على الفعل أو الترك بناءً على مقتضيات ظروف الزمان. وهو يجيب عن سؤال لماذا ترك الله منطقة من الأحكام خالية من الحكم الإلزامي قائلاً:

الفكرة الأساسية في منطقة الفراغ تقوم على أن الإسلام لم يضع مبادئ تشريعه للحياة الاقتصادية كحل مؤقت أو نظام مرحلي… بل قدمها كنظرية صالحة لكل الأزمنة. ولذا لكي يمنح هذه العمومية والشمول، يجب أن تنعكس تحولات كل العصور ضمن عنصر متغير حتى يكون قادرًا على التكيف مع الظروف المختلفة (صدر، ١٣٨٢، ص ٦٨٦).

وبعد شرح جوانب تغير حياة الإنسان وضرورة منح الحاكم الإسلامي سلطة التشريع بناءً على مصالح متغيرة للزمان، يقول: «لذا يجب أن تترك هذه النظرية القانونية منطقة خالية [من الحكم الإلزامي] لكي يمكن ملؤها بما يتناسب مع الظروف» (المرجع نفسه‌، ص ٦٨٩).

يتضح من هذه الأقوال أنه من وجهة نظره، شرع الله قصد أن يجعل بعض الأحكام مباحة لكي يتمكن الحاكم الإسلامي من إدارة متغيرات الزمان بأحكام إلزامية حكومية.

النقد الموجه لهذه المقالة على هذا الادعاء هو عدم توافقه مع أساس اتباع الأحكام للمصالح والمفاسد في موضوع الحكم؛ وهو نقد لا ينطبق على كلام العلامة الطباطبائي. أقوال الشهيد الصدر في كتابه إقتصادنا حول نظرية منطقة الفراغ مبنية على نوع من الإباحة الاقتضائية التي تخالف أساس اتباع الأحكام للمصالح والمفاسد في موضوع الأحكام، ولا يوجد دليل عليها. والشرح أن الإباحة التي توجد ضمن المباحات بمعناها العام، تكون أحيانًا «لا اقتضائية» وأحيانًا «اقتضائية». الإباحة اللا اقتضائية تكون حين لا يقتضي ذات الفعل أكثر من الإباحة – في أي من الأحكام المستحب أو المكروه أو المباح – أما الإباحة الاقتضائية فتكون حين توجد مصلحة في الفعل تقتضي الإباحة، وقد شرع الله الفعل بسببها؛ مثل أن تقتضي مصلحة تيسير الدين وسهولته في فعل ما أن يبيحه الله، مع وجود مصلحة أو مفسدة إلزامية في ذلك الفعل. إذا كانت الإباحة الاقتضائية في عنوان يتطابق مع موضوع الحكم، فهي متوافقة مع أساس اتباع المصالح والمفاسد في موضوع الحكم الذي هو الأساس المشهور عند الإمامية (انظر: آخوند خراساني، ١٤١٠ق، ص ١١٨ / طاهري أصفهاني، ١٣٨٢، ج ٢، ص ٣٦٣ / طباطبائي حكيم، ١٤٢٨ق، ج ٢، ص ٣٢٢ / موسوي خويي، ١٤٢٢ق، ج ١، ص ٥٠٨ / روحاني، ١٣٨٢، ج ٤، ص ٢٧٣ / سبحاني تبريزي، ١٤١٥ق، ج ٤، ص ٦٤)، مثل أن يُفترض أن التمسك بالمسواك مصلحة شديدة تقتضي الوجوب، لكن الشرع جعله مستحبًا فقط (انظر: برقی، ١٣٣٠، ج ٢، ص ٥٦١، ح ٩٤٦/ کلینی، ١٣٦٣، ج ٣، ص ٢٢، ح ١)، ومثل المصلحة الموجودة في أصول الترخيص «أصالة البراءة»، «أصالة الإباحة» و«أصالة الطهارة».

وهذا في حين أن الإباحة الاقتضائية التي ادعاها الشهيد الصدر هنا، لا تعود مصلحتها إلى موضوع الحكم، بل المصلحة فيها هي إمكانية التشريع الحكومي في نطاق ذلك الحكم؛ أي أن الشرع جعل بعض الأحكام مباحة (بمعناها العام) لفتح المجال أمام الحاكم الإسلامي في إدارة تحولات ومتطلبات الزمان، وربما بعض هذه الأحكام كانت تقتضي الوجوب أو الحرمة بذاتها، لكن لأن الشرع كان يعلم أن جعل الحكم وجوبًا أو حرمة للفعل سيؤدي إلى مفسدة مع مرور الزمن، جعله مباحًا (مستحبًا أو مكروهًا أو مباحًا بالمعنى الخاص) لكي يستطيع الحاكم الإسلامي أن يزيل تلك المفسدة بأحكامه الحكومية.

ومن الواضح أن هذا النوع من الإباحة الاقتضائية لا ينبع من مصلحة في الفعل المباح ولا من مصلحة في شيء يتطابق مع الفعل المباح، بل هو ناشئ عن مصالح في مرور الزمن تقتضي الإلزام بالفعل أو تركه (وليس اقتضاء الإباحة في الفعل)، وإرجاع هذه المصلحة إلى موضوع الحكم يحتاج إلى مؤونة وتجوز.

من ناحية أخرى، إثبات المصلحة التي ادعاها الشهيد الصدر صعب؛ لأنه إذا أردنا استنباطها من أدلة الأحكام المباحة، فسنواجه مشكلة أن كل حكم يكشف عن المقياس في ذاته، وليس عن مقياس في مكان آخر. لذا، أدلة الأحكام المستحبة والمكروهة والمباحة لا يمكنها بذاتها إثبات الإباحة الاقتضائية المذكورة، وإذا أردنا استنباطها من أدلة ولاية الفقيه وما شابه، فذلك صحيح فقط إذا كان الاقتضاء المذكور هو الحل الوحيد لإدارة عالم متغير بواسطة الشريعة الثابتة، في حين توجد طرق أخرى سيتم بيانها في النظرية المختارة في هذه المقالة.

يؤكد أن هذا الاعتراض مبني فقط على ظاهر أقوال الشهيد الصدر في شرح منطقة الفراغ في كتاب إقتصادنا، ولا ينطبق على عبارات العلامة الطباطبائي. وطبعًا عدم انطباق هذا النقد على العلامة هو من باب سكوت العلامة، وليس لأن نظريته خالية من مسائل تعفيه من هذا النقد.

٣. إمكانية توسيع رؤية العلامة الطباطبائي إلى نطاق الأحكام الإلزامية

قيل إن العلامة الطباطبائي طرح ادعاءه في دائرة الأحكام المباحة. فهل يمكن توسيع ادعائه ليشمل نطاق الأحكام الإلزامية أيضًا؟ هل تسمح عباراته بهذا التوسع؟ المقصود من هذا التوسع هو أن نرى هل يمكن بناءً على هذا الرأي أن يتدخل الحاكم الإسلامي في حكم إلزامي كما يمكنه في حكم مباح لمنع مفاسد ظرفية، فيمنع تنفيذه أو يقيده قانونًا، أم لا؟

تصبح هذه المسألة أكثر جدية إذا كان الأساس المختار للسائل يشمل إطلاق الولاية في نطاق الأحكام الإلزامية أيضًا؛ لأن في هذه الحالة، السؤال يتخذ – بالإضافة إلى كونه استفهامًا – صفة نقد و اعتراض. للإجابة على هذا السؤال، نستفيد من الجهد الذي بذله بعض تلامذة الشهيد الصدر في مواجهة نظرية منطقة الفراغ، ثم نقيم هذا الجهد بالنسبة لنظرية العلامة الطباطبائي والشهيد الصدر.

حاول بعض تلامذة الشهيد الصدر أن يشملوا منطقة الفراغ الأحكام الإلزامية أيضًا. يقول الأستاذ الجليل كاتب هذه السطور، حضرة آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري حفظه الله:

تغيير الحكم الأصلي إلى حكم ولائي جائز فقط حيث لا يكون الحكم الأصلي إلزاميًا، ولا يجوز تحويل الحكم الأصلي الإلزامي إلا إذا تغير موضوعه، ولو كان هذا التغيير في الموضوع بناءً على تزاحم (حسینی‌ حائری‌، ١٤١٤هـ، ص ١٦٥).

يبدو أن قصد حضرة الأستاذ هو أنه في حالة تعارض حكمين إلزاميين، يبقى الحكم الأهم قائمًا، ويسقط الحكم المهم من الفعالية. في هذه الحالة، لن يكون للحكم المهم فعالية، ولن يُعتبر حكمًا إلزاميًا؛ لذا يصبح وضع حكم ولائي مخالف له جائزًا.

١-٣. دراسة إمكانية التوسيع إلى الإلزاميات في نظرية الشهيد الصدر

من وجهة نظر المؤلف، كلام حضرة الأستاذ في غاية التأنق؛ أي في الحالة التي سقط فيها الحكم المهم من الفعالية، إذا أصدر الحاكم الإسلامي حكمًا إلزاميًا مخالفًا له (وفقًا للحكم الأهم)، فإن طاعة حكم الحاكم الإسلامي لن تؤدي إلى مخالفة عملية لأحكام الشارع؛ لكن يمكن اعتبار هذا الكلام تعديلًا (وليس توضيحًا) على كلام الشهيد الصدر، إذ إن عبارات الشهيد الصدر لا تحتمل ذلك؛ لأنه رغم أن الشهيد الصدر اعتبر معيار جواز تدخل الحاكم في المباحات هو أن طاعته لا تسبب مخالفة للشارع، إلا أنه أكد مرارًا أنه يقبل هذا الاختيار فقط حيث لا يكون للشارع حكم إلزامي أولى؛ فمثلاً يقول:

“كل فعل وعمَل لم يرد فيه نص تشريعي بالحرمة أو الوجوب، يمكن للولي الأمر أن يضيف إليه صفة ثانوية بأمره أو نهيه…؛ أما الأفعال التي ثبت تحريمها تشريعيًا بشكل عام – مثل الربا – فلا يحق للولي الأمر الأمر بها. وكذلك الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه – مثل نفقة الزوج على الزوجة – لا يمكن للولي الأمر منعه؛ لأن طاعة الولي الأمر في نطاق لازم لا تتعارض مع طاعة الله وأحكامه العامة” (صدر، ١٣٨٢، ص ٧٢٦).

من هذا الكلام يمكن بوضوح أن نستنتج أن في نظره “الحكم غير المهم في فرض التعارض” لا يدخل في “العمل الذي لم يرد فيه نص تشريعي بالحرمة أو الوجوب”؛ بمعنى آخر، لا يجيز تدخل الحاكم الإسلامي في أي فعل ورد فيه نص شرعي بالوجوب أو الحرمة، حتى وإن سقط ذلك الوجوب أو الحرمة بسبب التعارض مع الحكم الأهم.

لا يُظن أنه بعد سقوط فعالية الحكم غير المهم بسبب التعارض مع الحكم الأهم، يشرع الشارع إلى جانب الحكم غير المهم إباحة كحكم ثانوي؛ لأن فرض اشتغال المكلف بالحكم الأهم يجعل جعل الإباحة للحكم غير المهم لغوًا، وفرض عدم اشتغال المكلف بالحكم الأهم، حتى على أساس الترتب، لا يكون هناك إباحة له؛ لذلك لا يمكن تفسير كلام حضرة الأستاذ على أنه توضيح لكلام الشهيد الصدر. كما يعترف المؤلف أن حضرة الأستاذ في هذه العبارة لا يدعي أن هذا الكلام يمكن نسبته إلى الشهيد الصدر؛ لأنهم في هذه العبارة ليسوا في مقام بيان نظرية أستاذهم.

بعض تلاميذ الشهيد الصدر أيضًا فسّروا منطقة الفراغ بشكل أوسع من المباحات، وهذا التفسير أيضًا لا يتوافق مع كلام الشهيد الصدر (حسینی حائری، ١٣٧٥، ص ١٢١-١٢٢).

2-٣. دراسة إمكانية التوسيع إلى الإلزاميات في نظرية العلامة الطباطبائي

من وجهة نظر المؤلف، يمكن بتأمل تطبيق هذا الرد على كلام العلامة الطباطبائي.

والتوضيح أن المعيار الذي ذكره العلامة الطباطبائي في صلاحيات الحاكم هو أن يكون تدخل الحاكم في موضع يكون فيه الفرد حرًا في الفعل أو الترك؛ بحيث سواء فعل أو ترك، لا يتغير حكم الشارع إلى الإباحة “أن الأفعال التي للفرد من المجتمع أن يفعلها أو يتركها وكل تصرف له أن يتصرف به أو يدعه… من غير أن يتغير الحكم الإلهي بإباحته… لأنه حكم إباحي له أن يعزم على تركه”. قد يُقال أولًا إن هذا الوضع غير موجود في الحكم الإلزامي غير المهم في ظرف التعارض؛ لأن المكلف ليس حرًا في الفعل أو الترك، بل يجب عليه تركه ليتمكن من امتثال الحكم الأهم؛ لكن بالتأمل يمكن القول إنه في مثل هذا الوضع – رغم أن المكلف ليس حرًا في الفعل أو الترك للحكم غير المهم – وبما أن واجبه العملي هو ترك الحكم غير المهم، فإذا أمر الحاكم أيضًا بتركه، فلا يُلقى على المكلفين أي مخالفة عملية للواجب الشرعي. لذلك، المعيار الذي قدمه العلامة لصلاحية الحاكم الإسلامي قابل للتوسيع ليشمل الأحكام الإلزامية في ظرف التعارض.

٣-٣. دراسة أصل نظرية العلامة الطباطبائي والشهيد الصدر وتوسيع حضرة الأستاذ

في نظرية منطقة الفراغ وكلام العلامة الطباطبائي وتوسيع حضرة الأستاذ، تم افتراض أمرين من وجهة نظر هذه المقالة قابلين للنقد: الأول أن الفرد المكلف حر في الفعل والترك في المباح، وإذا قرر ترك المباح، فلا يتغير حكم المباح؛ والثاني أن الحاكم الإسلامي في مواجهة القرار الاجتماعي بالفعل أو الترك في المباح مثل الفرد المكلف، وإذا ألزم الناس بالفعل أو الترك، فلا يتغير حكم المباح. نقد هذه المقالة من جهتين:

الجهة الأولى: يجب على الحاكم الإسلامي كما يجب أن يكون حافظًا للواجبات والمحرمات الإلهية، أن يحافظ أيضًا على المباحات الإلهية. فهو كما لا يستطيع أن يحلل حرام الله، لا يمكنه أن يحرم حلال الله. وهذه النقطة موجودة في الروايات المتعلقة بالإمامة.

قال الإمام الرضا: «إن الإمامة أساس الإسلام النامي… الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويدافع عن دين الله» (کلینی، ١٣٦٣، ج ١، ص ٢٠٠). (الإمامة أساس الإسلام النامي… الإمام يحلل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويدافع عن دين الله).

وقال الإمام الحسين: «مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه» (حرانی، ١٤٠٤هـ، ص ٢٣٨) (مجاري الأمور والأحكام في يد العلماء بالله والأمناء على حلاله وحرامه).

في هذين الحديثين لا يوجد أي فرق بين الحلال والحرام. وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاوية – عندما أرسله إلى اليمن – قال: «يا معاذ علمهم كتاب الله، أحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة، وأظهر أمر الإسلام كله، صغيره وكبيره» (المرجع نفسه، ص ٢٥) (يا معاذ! علّمهم كتاب الله، وربيهم على الأخلاق الحسنة!… وأظهر جميع أوامر الإسلام – من الصغير إلى الكبير – في المجتمع).

وقال الإمام الرضا عليه السلام: «فإن قال (قائل): فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة… ويقيم فيهم الحدود والأحكام» (شیخ صدوق، ١٤٠٤هـ، ج ١، ص ١٠٧-١٠٨) (إذا قال أحدهم لماذا جُعل أولي الأمر وأُمر بطاعتهم؟ قيل: لأسباب كثيرة… ولإقامة الحدود والأحكام بينهم).

في هذين الحديثين، «الأحكام» مطلقة وتشمل المباحات أيضًا. إذًا، لا يحق للحاكم الإسلامي التدخل في المباحات بدون إذن شرعي، ولا يمكنه أن يحرم ما أحله الله بدون إذن شرعي، ومن هذه الناحية لا فرق بين المباحات والالتزامات.

الدفاع الذي قد يُقال عن العلامة في مواجهة هذا النقد هو أنه أيضًا يرى هذا الاختيار للحاكم الإسلامي جائزًا فقط في ظرف التضارب المذكور؛ لكنه لم يشِر إلى أساس التضارب لأن في نظره أحكام المباح أقل أهمية دائمًا من الأحكام الإلزامية ومن أهداف الدين ومقاصد الشريعة.

الاتجاه الثاني: ظُن أن اختيار الحاكم في إلزام الناس بترك المباح يشبه اختيار المكلف في ترك المباح؛ بحيث لا يكون في الحالتين أي مخالفة لحكم المباح.

هذا التشبيه خاطئ؛ لأن المكلف عندما يترك الفعل المباح يتركه بحرية، أما عندما يحظره الحاكم الإسلامي فلا يبقى للأفراد حرية في ترك المباح.

فإذا تركوا المباح بسبب حكم الحاكم، فهم لم يتركوه بحرية.

كان تشبيه العلامة الطباطبائي صحيحًا حين كان المكلف يستطيع أن يلزم نفسه بالترك، بينما المكلف لا يملك هذا الاختيار أبدًا إلا عبر أسباب شرعية مثل النذر والقسم والشرط، ويفترض أن الحاكم لا يستخدم هذه الأسباب. نعم، المؤلف يعتقد أن الحاكم الإسلامي يملك هذا الاختيار بسبب جعل الولاية من قبل الشارع له، لكن هذه الولاية لم تُجعل للمكلف. إذًا التشبيه المذكور في الكلام تشبيه مع الفارق ولا يؤثر في دعواه. اختيار الحاكم في المنع الحكومي للمباح لا يبرر إلا عبر جعل الولاية، وليس عبر حرية في المباحات وما شابه. «حرية المكلف في الفعل والترك المباح» مقابل «ولاية الحاكم الإسلامي على التصرف في المباحات» كالحجر على جنب الإنسان، ولا دور لها في صلاحيات الحاكم.

٤. النظرية المختارة في تدخل الحاكم الإسلامي في نطاق الأحكام الشرعية

الآن وقد تبين أنه لا فرق بين الالتزامات وغير الالتزامات من هذه الناحية، يُشار إلى نظرية تعبر عن صلاحيات الحاكم الإسلامي في مجال المباحات والالتزامات وحتى الأحكام الوضعية بمعيار واحد. تُعرف هذه النظرية باسم «تضارب حفظي في التنفيذ» أو «تضارب الواجبات الشرطية»، وشرحها يتطلب بيان مقدمتين:

المقدمة الأولى: هذا التضارب يحدث للحاكم الإسلامي. فالحاكم الإسلامي أمامه مجموعة من الأحكام الشرعية (على الأقل في مجال الأحكام الاجتماعية)، سواء كانت تكليفية إلزامية أو مباحة أو وضعية. يجب عليه في إدارة المجتمع أن يراعي جميع هذه الأحكام؛ أي أن ينفذ الأحكام التي يجب عليه تنفيذها بنفسه، ويهيئ الظروف لتحقيق الأحكام الأخرى التي ينفذها المكلفون في المجتمع. ويتم ذلك في الحكومات المعاصرة عبر التشريع. إذًا، من واجب الحاكم في التشريع مراعاة أحكام الإسلام. ويقال في هذا السياق إن وجوب مراعاة أحكام الإسلام في التشريع هو وجوب شرطي.

المقدمة الثانية: من المفترض أن التشريع ليس واجبًا مستقلاً ونفسيًا على الحاكم الإسلامي، بل هو مقدمة لأداء واجباته؛ لذلك فإن وجوب التشريع هو وجوب تمهيدي.

من هاتين المقدمتين نستنتج أن وجوب مراعاة أحكام الإسلام في التشريع هو وجوب شرطي لواجب تمهيدي [1]. أحيانًا يتضارب وجوب مراعاة حكم شرعي في التشريع مع وجوب مراعاة حكم شرعي آخر فيه؛ لأن وقوع التضارب في الواجبات الشرطية ممكن (انظر: انصاری، ١٤١٩هـ، ج ٢، ص ٣٩٨/ کاظمی، ١٤٠٩هـ، ج ٤، ص ٢٦٠/ موسوی خویی، ١٣٦٩، ج ٢، ص ٣١٦‌). جميع أحكام الإسلام – سواء كانت تكليفية أو وضعية، سواء إلزامية أو مباحة – يمكن أن تكون طرفًا في هذا التضارب. حتى أهداف الدين ومقاصد الشريعة قد تكون طرفًا في هذا التضارب؛ لأن مراعاة أهداف الدين ومقاصد الشريعة في التشريع واجبة أيضًا (انظر: علیاکبریان‌، ١٣٩٢‌، ص ٥٣-٩٥). بعبارة أخرى، في التضارب الاستثنائي بين أحكام الإسلام، فقط الأحكام التكليفية الإلزامية يمكن أن تكون طرفًا في التضارب، وربما حسب بعض الأسس، التضارب بين المستحبات أيضًا ممكن (هاشمی شاهرودی، ١٤٠٥هـ، ج ٧، ص ١٥٩-١٦٠)؛ لكن وفقًا للصورة التي تقدمها هذه النظرية في التضارب، يمكن لجميع أحكام الإسلام وحتى أهداف الدين ومقاصد الشريعة أن تكون طرفًا في التضارب؛ لأن مراعاة جميعها في التشريع واجبة.

على أي حال، كلما تعارض وجوب مراعاة حكم شرعي في التشريع مع وجوب مراعاة حكم آخر في التشريع، ولم يستطع المشرع الالتزام بكليهما، يكون في حالة تعارض (تعارض حفظي في التنفيذ / تعارض الواجبات الشرطية في التشريع). يجب على المشرع، مع سعيه لإزالة فضاء التعارض بحيث يصبح الالتزام بكلا الحكمين ممكنًا، أن يميز بين الأهم والأقل أهمية، ويشرع القانون بناءً على الحكم الأهم. وبهذا الشكل، في ظروف وأحوال مختلفة من الزمان، يحقق دائمًا أكبر وأهم أحكام الإسلام في المجتمع. كما أن تعارض وجوب مراعاة حكم شرعي مع وجوب مراعاة مقصد أو هدف الشريعة يكون على نفس النحو.

مخاطر نظرية العلامة الطباطبائي والنظرية المختارة

في نظرية العلامة الطباطبائي، يملك الحاكم الإسلامي سلطة تعطيل أو تقييد الأحكام الجائزة، مثل جواز تعدد الزوجات، في أوضاع خاصة لضمان العدالة ومنع المفاسد، أو إضافة ضوابط عليها. وفي النظرية المختارة، توجد هذه السلطة بشكل أوسع. ومن المناسب الإشارة إلى مخاطر هذه النظريات.

 

أهم خطر في هذه النظريات هو أن ضمان العدالة قد يصبح ذريعة لتعطيل أو تقييد كل ما يبدو ظالمًا في نظر الرأي العام في العصر الحديث من قبل الحكومة، فتتحول قوانين الحكومة الإسلامية تدريجيًا إلى قوانين عرفية، وتبقى مطابقة للإسلام فقط في الأمور التي لا علاقة لها بعرف المجتمع؛ وبعبارة أخرى، يؤدي هذا الاختيار إلى عرفنة قوانين الحكومة الإسلامية، وعندما يُنظر إلى مجموع هذه القوانين، يظهر وجه بعيد عن الثقافة الإسلامية المرغوبة. ولتجنب هذا الخطر الكبير، يجب مراعاة الأمور التالية:

١. لا ينبغي أن يكون المعيار في تشخيص العدالة متأثرًا بثقافة لا تقبل مبادئ وأهداف الإسلام؛ أي أنه إذا كان في ثقافة مؤسسة على المبادئ الاعتقادية للإسلام وتتبع الأهداف الإسلامية (الثقافة المتشرعة)، كان تنفيذ حكم من أحكام الإسلام في ظرف معين يبدو ظالمًا، فيمكن أن يُعتبر هذا الظلم إلى جانب أحكام الإسلام مصدرًا للتشريع. وقد حدد المؤلف في موضعه مصادر اعتبار الظلم التي يمكن أن تؤثر في التشريع (علیاکبریان، ١٣٨٨، ج ٢، ص ١٦٩-١٧٣).

٢. بما أن أحكام الإسلام وُضعت كقضايا حقيقية، عامة ودائمة، فإن مصالحها أيضًا عامة وقد لا تنطبق على كل حالة على حدة. ولهذا السبب، لا يُعتبر حكمة الحكم مخصصًا. لذلك، قد لا يبدو تنفيذ حكم في حالات خاصة عادلاً، رغم أن تنفيذه بشكل عام في المجتمع عادل، أي أنه يحمل مصالحه في المجمل. والتشريع كذلك؛ إذا أراد الحاكم الإسلامي إدخال عنصر العدالة في التشريع ومنع المفاسد والظلم في تقنين حكم شرعي، يجب أن يعلم هل الحكم الذي يريد تقييده قانونًا ظالم في حالات محدودة فقط أم ظالم في المجمل وعلى مستوى المجتمع بأسره؟ بمعنى أن يكون حذرًا ألا يفضل مصالح بعض الحالات على مصالح المجتمع الكبرى دون قصد.

٣. في تدخل عنصر العدالة في التشريع، لا ينبغي النظر إلى كل حكم من أحكام الإسلام وكل مجال من مجالات الحياة الاجتماعية بشكل جزئي، بل يجب النظر إليها في نظام متكامل وهادف. قد لا يؤدي تدخل عنصر العدالة في قضية واحدة من التشريع إلى إبعاد الوجه العام للنظام القانوني للحكومة عن الإسلام، لكن مع تكرار تدخل عنصر العدالة في تعطيل أو تقييد أحكام أخرى، قد يختلف الوجه العام للنظام القانوني للحكومة عما كان متوقعًا، بحيث يعترف حتى الذين أقروا بصحة تشخيص العدالة في كل حالة على حدة، باختلاف الوجه الكلي للنظام القانوني عن أهداف الدين ومقاصد الشريعة. وربما يمكن اعتبار تعبير «لنرد المعالم من دينك»¹ من الإمام أمير المؤمنين أو سيد الشهداء إشارة إلى هذا النظر، أو على الأقل شمولًا له. هذا الخطر لا يقتصر على تحول وجه النظام القانوني إلى غير إسلامي، بل يدل على أن مثل هذا النظام لا يستطيع دفع المجتمع نحو المأمول من الإسلام.

٤. العدالة ليست الهدف الوحيد للدين ومقصد الشريعة؛ بل يجب أن تُرى العدالة إلى جانب الأهداف والمقاصد الأخرى. قد يؤدي التركيز فقط على العدالة وتعطيل أو تقييد تنفيذ حكم من أحكام الإسلام الذي بدا ظالمًا في تعارضات وظروف الزمان، مع تجاهل مصالح أخرى في ذلك الحكم، إلى وقوع مخاطر أكبر على المجتمع. على سبيل المثال، في موضوع تعدد الزوجات، إذا فرضت الحكومة شروطًا صارمة لجواز تعدد الزوجات لضمان العدالة ومنع المفاسد، فإن تشديد شروط الزواج الثاني مع مرور الوقت سيؤدي إلى زيادة عدد الفتيات البالغات والأرامل العازبات اللاتي كنّ يأملن في هذا الزواج فقط، مما يؤدي إلى وقوع مفاسد اجتماعية أشد خطورة على المجتمع.

الخلاصة والاستنتاج

١. الشريعة الإسلامية تحتوي على أحكام ثابتة، وهناك احتمال لسوء استخدام بعض الأحكام الجائزة وبالتالي تحقق الظلم للآخرين، وقد سعى الإسلام إلى منعه بالتوجيهات الأخلاقية. كما منح الحاكم الإسلامي سلطة وضع القوانين الحكومية لمنع هذا الظلم.

٢. وسّع العلامة الطباطبائي دائرة صلاحيات الحاكم لتشمل إمكانية المنع الحكومي للأحكام

١. اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسًا في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك.

[نهج البلاغة، الخطبة ١٣١، ص ١٨٩. في تحف العقول، ص ٢٣٩، نُقل هذا القول عن الإمام الحسين،] (يا ربّ أنت تعلم ما نبتغيه. ليس بسبب تعلق بالسلطة أو التمسك بشيء من بقايا الدنيا؛ بل لأن نعيد دينك إلى المجتمع ونظهر الإصلاح في مدنك حتى ينعم عبادك المظلومون بالأمن وتُنفذ حدودك التي لم تُنفذ بعد. وقد بيّن ذلك مباحًا. مقياسه في هذا الاختيار هو ألا يؤدي وضع قانون حكومي إلى تغيير الحكم الشرعي (أي مخالفة عملية للحكم الشرعي). قد يُوسّع دائرة هذا الاختيار بناءً على المقياس الذي قدمه من مجرد تحريم الحكم المباح إلى تقييده أيضًا. كما يمكن توسيع هذا الاختيار من التصرف الحكومي (من نوع المنع والتقييد) في الأحكام المباحة إلى التصرف الحكومي في الأحكام الإلزامية في ظرف التضارب؛ لكن التوسيع إلى الأحكام الوضعية – بناءً على ذلك المقياس – غير ممكن.

٣. نظرية العلامة من حيث حصر صلاحيات الحاكم الإسلامي في المباحات تشبه نظرية الشهيد الصدر؛ مع اختلاف أن الشهيد الصدر لديه تحليلات في هذا الشأن قابلة للنقد؛ بينما أقوال العلامة خالية من تلك التحليلات وبالتالي من تلك الانتقادات.

٤. النظرية المختارة في هذا البحث تعتبر دائرة هذه الصلاحيات تشمل المنع والتقييد لجميع الأحكام، سواء التكليفية أو الوضعية، ومقياسها هو تضارب وجوب مراعاة ذلك الحكم أو وجوب مراعاة حكم آخر أو وجوب مراعاة هدف الدين وغاية الشريعة في التشريع.

٥. النقد الرئيسي للمقالة على نظرية العلامة الطباطبائي من جهتين: الأولى أنه يبدو أنه لم يعتبر مراعاة الأحكام المباحة في التشريع واجبة؛ بينما مراعاتها واجبة مثل مراعاة الأحكام الإلزامية. الثانية أن تشبيه الحاكم الإسلامي بالفرد المكلف خطأ. نتيجة تشبيه العلامة أن الحاكم الإسلامي يمكنه أن يقرر نيابة عن الناس في القيام أو ترك المباح، وهذا القرار لا يغير حكم المباح؛ بينما الناس بعد حكم الحاكم في ترك المباح ليسوا أحرارًا.

٦. أخطر نقطة في نظرية العلامة الطباطبائي هي أن ضمان العدالة قد يصبح ذريعة لتعطيل أو تقييد كل ما يبدو ظالمًا في نظر الرأي العام في العصر الحديث من قبل الحكومة، ومع مرور الوقت تصبح قوانين الحكومة الإسلامية مثل القوانين العرفية. لتجنب هذا الخطر يجب الانتباه إلى عدة أمور: أ) يجب أن يكون تشخيص العدالة بناءً على ثقافة تقبل المبادئ والأهداف الإسلامية. ب) يجب أن تُراعى العدالة في المجتمع ككل، لا في الأفراد منفردين. ج) في تدخل عنصر العدالة في التشريع لا ينبغي النظر الجزئي إلى كل حكم من أحكام الإسلام ومجالات الحياة الاجتماعية؛ بل يجب النظر إلى هذه الأحكام والمجالات في نظام متكامل وهادف. د) يجب أن تُرى العدالة إلى جانب الأهداف الأخرى للدين وغايات الشريعة.

المصادر والمراجع

* القرآن الكريم

١. الأنصاري، مرتضى؛ فرائد الأصول: ج ٢ (البراءة والاشتغال)؛ إعداد: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم؛ قم: مجمع الفكر الإسلامي، ١٤١٩ق.

٢. آخوند خراساني، محمد كاظم؛ درر الفوائد في الحاشية على الفرائد؛ ط ١، طهران: مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ١٤١٠ق.

٣. بحر العلوم، محمد؛ بلغة الفقيه؛ تحقيق وتعليق حسين بن محمد تقى آل بحر العلوم، ج ٣، ط ٤، طهران: منشورات مكتبة الصادق، ١٩٨٤م. (النجف الأشرف: مكتبة العلمين العامة).

٤. برقعي، أحمد بن محمد بن خالد؛ المحاسن؛ تحقيق جلال الدين حسيني المشهور بالمحدث؛ ج ٢، ط ١، طهران: دار الكتب السلامية، ١٣٣٠.

٥. حر عاملي، محمد بن حسن؛ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة؛ ج ١٦، ط ٢، قم: تصحيح ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ١٤١٤ق.

٦. حراني، حسن بن علي بن حسين بن شعبه؛ تحف العقول عن آل الرسول؛ تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، ١٤٠٤ق.

٧. حسيني حائري، علي أكبر؛ «منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي»؛ مجلة رسالة التقريب، عدد ١١، ١٣٧٥، ص ١١١-١٤١.

٨. حسيني حائري، كاظم؛ ولاية الأمر في عصر الغيبة؛ ط ١، قم: مجمع الفكر الإسلامي، ١٤١٤ق.

٩. روحاني، محمد صادق؛ زبدة الأصول؛ ج ٤، ط ٢، طهران: حديث دل، ١٣٨٢.

١٠. سبحاني تبريزي، جعفر؛ الرسائل الأربع (قواعد أصولية وفقهية)؛ ج ٤، ط ١، قم: مؤسسة الإمام الصادق، ١٤١٥ق.

١١. شريف رضي؛ خطب الإمام علي؛ تحقيق صبحي صالح؛ ط ١، بيروت: [بينا]، ١٣٨٧ق.

١٢. صدر، سيد محمد باقر؛ اقتصادنا؛ تحقيق مكتب الإعلام الإسلامي (فرع خراسان)، ط ٢، قم: بوستان كتاب قم (مركز النشر التابع لمكتب العلام السلامي)، ١٣٨٢.

  1. ١٣. شيخ صدوق، أبي جعفر محمد بن علي؛ عيون أخبار الرضا؛ تصحيح وتعليق حسين أعلمي؛ ج ١، ط ١، طهران: منشورات مؤسسة الأعظمي للمطبوعات، ١٤٠٤ق.

١٤. ؛ علل الشرائع؛ ج ٢، النجف: منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف، ١٣٨٦ق.

١٥. ؛ معاني الأخبار؛ تحقيق، تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٣٧٩ق.

١٦. طاهري أصفهاني، جلال الدين؛ المحاضرات (مباحث أصول الفقه) (تقرير بحث آية الله محمد محقق داماد)؛ ج ٢، ط ١، أصفهان: مبارك، ١٣٨٢.

١٧. طباطبائي، محمد حسين؛ الميزان في تفسير القرآن؛ ج ٤، قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٤١٧ق.

١٨. طباطبائي حكيم، محمد سعيد؛ الكافي في أصول الفقه؛ ج ٢، ط ٤، بيروت: دار الهلال، ١٤٢٨ق.

١٩. علي أكبر يان، حسن علي؛ «حيز إمكانية تحويل الحكم الشرعي إلى قانون وضوابطه»؛ فقه وقانون (أفكار، اقتراحات وحلول منهجية)، مؤتمر دولي فقه وقانون (قم:١٣٩٠)، قم: مركز البحوث الإسلامية لمجلس الشورى الإسلامي، ١٣٩٢، ص ٥٣-٩٥.

٢٠. ؛ «مبادئ مسؤولية الحكومة الإسلامية في نشر الحجاب»؛ فقه كاوشي نو في الفقه الإسلامي، عدد ٥١ و٥٢، ١٣٨٦، ص ٥٣-٩٥.

٢١. علياكبريان، حسن علي؛ معايير التمييز بين الأحكام الثابتة والمتغيرة؛ ج ١و٢، الطبعة الثانية، قم: معهد العلوم والثقافة الإسلامية، مركز الفقه والقانون، ١٣٨٨.

٢٢. عليدوست، أبو القاسم؛ الفقه والمصلحة؛ الطبعة الأولى، طهران: منظمة نشر معهد الثقافة والفكر الإسلامي، ١٣٨٨.

٢٣. كديور، محسن؛ «تقارير القضاء آخوند خراساني»؛ منشور في: سياسة نامه خراساني

(مقاطع سياسية في أعمال آخوند ملا محمد كاظم خراساني)، طهران: كوير، ١٣٦٧، ص ٩٧-١٤٠.

طهران: دار الكتب السلامية، ١٣٦٣.

٢٥. كاظمي، محمد علي؛ فوائد الأصول (تقرير بحث آية الله ميرزا محمد حسين غروي نايني)؛ تعليق آغا ضياء الدين عراقي، تحقيق رحمة الله رحمتي أراكي؛ ج ٤، الطبعة الأولى، قم:

مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ١٤٠٩ق.

٢٦. منتظري، حسين علي؛ نظام الحكم في الإسلام؛ الطبعة الأولى، [د.م.]: نشر سرايي، ١٣٨٠.

٢٧. موسوي خويي، سيد أبو القاسم؛ أجود التقارير (تقرير بحث آية الله ميرزا محمد حسين غروي نايني)؛ ج ٢، الطبعة الثانية، مطبعة أهل البيت، قم: مؤسسة المطبوعات الدينية، ١٣٦٩.

٢٨. ‌؛ التنقيح في شرح العروة الوثقى (الاجتهاد والتقليد)؛ ج ١، الطبعة الأولى، قم:

[بينا]، ١٤١٨ق.

٢٩. ‌؛ صراط النجاة (مع أجوبة آية الله جواد تبريزي)؛ ج ١، الطبعة الأولى، قم: مكتب نشر المنتخب، ١٤١٦ق.

٣٠. ؛ مصباح الأصول؛ ج ١، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إحياء آثار السيد الخويي،

١٤٢٢ق.

٣١. هاشمي شاهرودي، سيد محمود؛ بحوث في علم الأصول (تقرير درس آية الله محمد باقر صدر)؛ ج ٧، الطبعة الرابعة، [د.م.]: المجمع العلمي للشهيد الصدر، ١٤٠٥ق.

٢٤. كليني، محمد بن يعقوب؛ الكافي؛ تحقيق وتعليق علي أكبر غفاري؛ ج ١ و ٣، الطبعة الخامسة،

 

[1]  لم يجد المؤلف هذه المسألة في أثر مكتوب؛ لكنه ناقشها في درس «فقه التشريع» الخاص به في عام ٩٣.