مسؤوليات الفرد والدولة في الفكر السياسي للشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مسئولیت‌های فرد و دولت در‌اندیشه سیاسی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تتناول هذه المقالة «مسؤوليات الفرد والدولة في الفكر السياسي لـالشهيد الصدر» تجاه تحقيق وتنفيذ الشريعة. إن دراسة واجبات ومسؤوليات الفرد والدولة من الموضوعات المهمة والأساسية في الفكر السياسي المعاصر التي تحاول العلوم السياسية، ومنها الفقه السياسي، تقديم إجابات عنها. قدمت الأجهزة الفقهية-السياسية، بناءً على مبادئها ومنهجيات الاجتهاد الخاصة بها، إجابات متنوعة في هذا المجال. السؤال الأساسي في هذا البحث هو: ما هي العلاقة بين الفرد والدولة في تحقيق الشريعة في الفكر الفقهي-السياسي للشهيد الصدر؟ وقد تم تحليل هذا السؤال استنادًا إلى مبادئه الفقهية-السياسية، وخلص البحث إلى أنه رغم أن الفرد يتحمل مسؤوليات في تحقيق الشريعة، إلا أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة التي تحت إشراف ورقابة الفقيه وتباشر تنفيذ الشريعة.

المؤلف: رضا خراسانی

المصدر: سیاست متعالیه، خريف 1395، العدد 14، ص 77 إلى 96.

المقدمة

يُعد السؤال عن سعادة الإنسان وفاعليته في بناء الحياة السياسية في سبيل تحقيق السعادة من الأسئلة المحورية في مجال الفكر السياسي؛ ولكن في فضاء الفكر السياسي الإسلامي، إلى جانب موضوع الفرد، تتحمل الدولة أيضًا واجبات مهمة في سعادة الإنسان المسلم. في النظام السياسي الإسلامي، ما يجمع هذين المتغيرين معًا هو متغير آخر يُسمى الشريعة؛ لأن التفاعل المتبادل بين الفرد والدولة يتمحور حول الشريعة. ومن ثم، فإن السؤال عن علاقة الفرد والدولة في تحقيق الشريعة من المسائل الأساسية في العلوم السياسية الإسلامية التي تتطلب بحوثًا جذرية. وبما أن الفقه، باعتباره جهازًا، يتولى التعرف على الأحكام والقواعد التي تنظم حياة الإنسان المسلم في مختلف المجالات الفردية والاجتماعية، ليصدر أحكامًا ملزمة في هذا الصدد، فإنه لا بد أن يترك شروطًا ونتائج خاصة في مجال الفكر والعمل لدى الإنسان المسلم. وهكذا، تُعرض العديد من الأسئلة المستجدة في المجتمع الإسلامي على جهاز الفقه والاجتهاد، ويتوقع صدور حكم بشأنها. وقد ازدادت أهمية هذا الأمر اليوم مع الحضور البارز للفرد المسلم في المجال الاجتماعي والسياسي من جهة، وتأسيس واستقرار الدولة الإسلامية من جهة أخرى. وبما أن تحقيق الشريعة بشكل كامل في المجتمع الإسلامي يتطلب تحديد منفذ الشريعة، فقد دخل السؤال عن نسبة واجبات الفرد والدولة في تحقيق الشريعة إلى الحوارات الفقهية، وسعت الاتجاهات الفقهية المختلفة، بناءً على مبادئها الاجتهادية، إلى تقديم إجابات. تحاول هذه المقالة دراسة وتحليل الموضوع المذكور في فكر الشهيد الصدر. والسؤال هو: «ما هي علاقة الفرد والدولة ومسؤولياتهما في تحقيق الشريعة في الفكر السياسي للشهيد الصدر؟» للإجابة على هذا السؤال، سنشير أولًا إلى المبادئ الفقهية-السياسية للشهيد الصدر؛ ثم سنبحث المكانة المهمة لنظرية “حق الطاعة”؛ وفي النهاية، سنحلل مسؤوليات الفرد والدولة في تنفيذ الشريعة من منظوره.

لقد أصبح الشهيد الصدر، بسبب شخصيته متعددة الأبعاد ومعرفته الواسعة والمبدعة، من أبرز الشخصيات العلمية في العالم الإسلامي. تشمل دراسات وبحوث الصدر مجموعة واسعة من الموضوعات الفقهية والفلسفية والتاريخية والاقتصادية، وقد قدم في كل من هذه المجالات أعمالًا رفيعة المستوى وعالمية. ومن أبرز خصائص الصدر الإبداع والنقد. لقد منحته معرفته الواسعة وفهمه للمدارس والآراء المختلفة القدرة على تقديم دراسات شاملة لكل المواضيع المدروسة، مع تقديم أفكار وآراء جديدة. لم يكن الصدر نشطًا فقط في مجال الفكر والرأي، بل كان له حضور فاعل في المجال السياسي والمشهد الاجتماعي أيضًا. من وجهة نظره، ليست مشكلة المجتمعات الإسلامية فقط في التخلف الفكري والعملي، بل في العجز السياسي والوقوع في قبضة الحكومات الظالمة وغير الدينية؛ ولهذا السبب، دخل منذ شبابه المبكر في النشاطات السياسية. من الناحية النظرية، كان تشكيل الحكومة الإسلامية من الأفكار والأهداف الرئيسية في أعماله العلمية والبحثية. ومن وجهة نظر الصدر، فإن الحكومة الإسلامية ليست مجرد ضرورة دينية، بل ضرورة للحضارة الإنسانية؛ لأنها السبيل الوحيد الذي يمكن أن يزهر فيه الإنسان في العالم الإسلامي. عمليًا، خاض الشهيد الصدر صراعًا لا هوادة فيه مع النظام الحاكم في العراق لتشكيل الحكومة الإسلامية، ونظم نشاطًا سياسيًا واسعًا ضد حزب البعث العراقي من خلال تأسيس حزب “الدعوة الإسلامية”. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، دعمها عمليًا وفكريًا، ودعا الشيعة في العراق إلى الاقتداء بالشعب المسلم في إيران. ودعاهم، أثناء دعوتهم للثورة، إلى اتباع نموذج الإمام الخميني.

كان صدر يعيش في فترة سيطرت فيها مدرستان، الماركسية والليبرالية، على الفضاء السياسي والأيديولوجي والفكري في العالم، وقد امتد ظلهما إلى الدول الإسلامية مثل العراق. التحديات القائمة في ذلك الوقت، بين معسكر الرأسمالية الغربية والمعسكر الاشتراكي الماركسي الشرقي، أثرت على كيفية إدارة حياة الإنسان الحديث، والوضع الاقتصادي والرفاهي، وجوانب أخرى من الحياة الفردية والاجتماعية – حتى بين المسلمين في الدول الإسلامية. في مثل هذا الجو، كان السؤال عن قوة الإسلام في كيفية مواجهة المشكلات والصعوبات المطروحة في مثلث: الاقتصاد، النظام الاجتماعي والثقافي، يُطرح بتأكيد كبير. كتاب «اقتصادنا» قُدم في مثل هذا السياق من قبل الشهيد صدر. هذا الكتاب يعكس ثقل ظل المدرستين الليبرالية والماركسية وكذلك هجوم وازدهار الأحزاب الليبرالية والماركسية في الدول الإسلامية في مجتمع ذلك الزمن. في الحقيقة، من خلال تأليفه هذا الكتاب، أجاب صدر على حاجة أساسية في مجتمعه. رغم أن موضوع الاقتصاد لم يكن من أولويات صدر العلمية والفكرية، إلا أن السؤال الأساسي في مجتمعه آنذاك كان: هل للإسلام نظام اقتصادي ونظرية اقتصادية في مواجهة المدرستين الماركسية والليبرالية أم لا؟ لهذا الغرض، يدرس هذا الكتاب بشكل واقعي ونقدي المدارس الاقتصادية الماركسية والرأسمالية والإسلامية، وأسسها الفكرية وجوانبها التفصيلية. من هذا المنطلق، يُعد كتاب “اقتصادنا” محاولة تأسيسية وجذرية لتقديم الصورة النظرية لاقتصاد الإسلام على أساس أحكام الشريعة. وبالطبع، ترك الشهيد صدر آثاراً فاخرة أخرى في مجالات الفقه، الأصول، السياسة وغيرها. لذلك، أثرت تحولات الفكر في عصره واحتياجات مجتمعه على فكر وذهن الشهيد صدر، فبادر إلى الإجابة عليها.

1. العوامل والأسس المنهجية والفقهية السياسية المؤثرة على مسؤوليات الفرد والدولة

١,١. نظرية حق الطاعة

يسعى الشهيد صدر إلى إعداد أساس كلامي وأصولي لنظرية «حق الطاعة». وهي مسألة، حسب رأيه، تدفع الإنسان المسلم ضمن إطار «أصالة التحريم» نحو «أصالة الاحتياط» وتؤدي إلى تشكيل جهاز فقه سياسي يقوم على تحويل «معيار الإباحة» والحرّيات الناشئة عنه إلى «معيار التكليف» (اسلامی،١٣٨٥؛ فیرحی، ١٣٨٩). لذلك، تُعد نظرية حق الطاعة من الأسس الكلامية والأصولية في فكر الشهيد صدر؛ نظرية لها تأثير بالغ في الفقه السياسي، لا سيما في رؤية صدر.

ينبع أصل نظرية حق الطاعة من أن العلماء والمجتهدين الأصوليين المشهورين يرون أن الأصل الأولي العقلي في الشبهات البدائية، بعد البحث واليأس من الدليل، وكذلك الأصل الثانوي الشرعي، هو “البراءة”؛ بمعنى أن الأصل في البراءة من أصول العمل التي تحدد واجب المكلف في الحالات التي يشك فيها بعد الفحص والبحث وعدم التوصل إلى دليل في التكليف الحقيقي، وتحكم ببراءة ذمته من التكليف المشكوك فيه. بعبارة أخرى، هو الأصل الذي يُطبق عند شك المكلف في التكليف وعدم وجود حجّة شرعية، ولا يلزم المكلف بأداء ذلك التكليف عملياً (آخوند‌ خراسانی‌، ١٤٢١: ٣٥٨؛ می‌رزای قمی،١٤٢١، ج ٢: ١٣؛ صدر، ١٤٢٥، ج ٥: ٢٣). وتجدر الإشارة إلى أن قاعدة البراءة تُطبق حين يكون الشك في التكليف ناتجاً عن عدم ورود نص من الشارع أو عدم وصوله إلى المكلف.

يخالف الشهيد صدر المشهور بين الأصوليين في أن الأصل الأولي العقلي هو البراءة، ويميل إلى الاحتياط. يرى صدر أن العقل، بالنظر إلى سيادة الله تعالى، يحكم بالاحتياط في جميع الشبهات، وإن كان في الأصل الثانوي الشرعي يتفق مع الرأي المشهور (اسلامی، ١٣٨٥: ١٥). وأصل الاحتياط أيضاً من أصول العمل التي تحدد واجب المكلف عند الشك في “المكلف به” وتحكم بضرورة الموافقة القطعية مع التكليف “المعلوم إجمالاً”. مثلاً، يعلم المكلف أن الصلاة واجبة عليه يوم الجمعة، لكنه يشك هل صلاة الجمعة واجبة أم صلاة الظهر؛ في هذه الحالة يجب عليه الاحتياط وأداء كل من صلاة الظهر والجمعة. لذلك، يُطبق أصل الاحتياط في حالة الشك في “المكلف به” (عراقی‌، ج ٤: ٢٠٩؛ نایینی، ج ٤: ٤). ومن الجدير بالذكر أن أصل الاحتياط ينقسم إلى قسمين: أصل الاحتياط الشرعي وأصل الاحتياط العقلي. أصل الاحتياط العقلي مقابل الاحتياط الشرعي، وهو أصل يحدده العقل لتحديد واجب المكلف عند الشك في “المكلف به” ويأمر بضرورة الموافقة القطعية مع التكليف المعلوم إجمالاً. سبب هذا الحكم عقلي، وهو قاعدة دفع الضرر المحتمل وتجنب الوقوع في الضرر الأخروي (آخوند‌ خراسانی: ٣٠٥‌؛ مکارم‌ شیرازی: ٥٠٢). أما أصل الاحتياط الشرعي فهو من أصول العمل التي وضعها الشارع لتحديد واجب المكلف عند الشك في «المكلف به» ويأمر بضرورة الموافقة القطعية مع التكليف المعلوم إجمالاً. بناءً عليه، إذا شك المكلف في وجوب القيام بعمل أو تركه، وإذا ألزم الشارع المقدس المكلف بالتعبد بأداء الواجب المحتمل أو ترك الحرام المحتمل، يتحقق أصل الاحتياط الشرعي (آخوند‌ خراسانی: ٣٠٦؛ نایینی‌، د.ت.‌: ج ٢: ٢٥٠).

١,١,١. الأساس الكلامي لحق الطاعة

يسعى الشهيد صدر إلى إعداد أساس كلامي وأصولي لنظرية حق الطاعة ليؤمن لها دعماً قوياً في مجال الفقه. تدعي نظرية حق الطاعة ثبوت السيادة التشريعية الإلهية، متجاوزة دائرة التكليفات المعلومة. ونتيجة إثبات هذا النوع من السيادة في الفقه السياسي، يكون له تأثير في موضوع التشريع والولاية، وتأثير على الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان المسلم؛ بحيث تصبح الطاعة والامتثال واجب الإنسان المسلم الأساسي.

الملكية التشريعية تعني امتلاك حق التشريع الذي هو ثابت لله تعالى بذاته بسبب امتلاكه للملكية التكوينية. وبناءً على ذلك، فإن الله تعالى هو الذي يشرع جميع أحكام الدين؛ وإن كانت الملكية التشريعية لغير الله مثل النبي والإمام أيضاً – في حال إثبات عدم تعارض ولايتهم التكوينية مع ولاية الحق تعالى التكوينية – تكون كذلك. وفقاً لقائلين بنظرية حق الطاعة، فإن الحكم العقلي بوجوب الاحتياط تجاه التكليف المشكوك فيه يستند إلى اتساع ملكية الله تعالى. الشهيد الصدر يسمي ملكية الله “الملكية الحقيقية” وملكية الآخرين “الملكية العرفية”؛ ثم يربط بين الملكية وحق الطاعة ارتباطاً حاسماً؛ بمعنى أنه يساوي دائرة الملكية بدائرة حق الطاعة. ومن وجهة نظره، الملكية هي حق الطاعة؛ والعقل يدرك حق الطاعة بمعيار خاص مثل شكر المنعم، أو الخلق، أو الملكية. لحق الطاعة مراتب، وكلما كانت معاييره أقوى، كان له اتساع أكبر.

أحياناً يكون كون المنعم واسعاً إلى درجة أن حق الطاعة يثبت ليس فقط في التكليفات القطعية، بل حتى في التكليفات المحتملة والظنية. وبعبارة الصدر، لا يوجد من أنكر اتساع ملكية الله (١٤٠٥، ج ٢: ٣٧‌؛ اسلامی‌، ١٣٨٥‌: ١٠٨). ونتيجة نقاش الشهيد الصدر هي أن حق طاعة الله لا يقتصر على التكليفات القطعية، بل يشمل التكليفات المحتملة أيضاً.

١,١,٢. مبدأ “اشتغال الذمة” كنتيجة لحق الطاعة

أهم مبدأ ناتج عن نظرية “حق الطاعة” هو مبدأ اشتغال الذمة في باب التكليفات المحتملة، وله آثار مهمة في مجال الفقه السياسي. يكتب الشهيد الصدر في شرح هذا المبدأ:

«أشمل مبدأ عملي (على أساس نظرية حق الطاعة) هو أصالة الاشتغال؛ وهو مبدأ يحكم به العقل. مضمون هذا المبدأ هو أن كل تكليف يحتمل وجوده ولم يثبت إذن من الشارع بتركه، فهو تكليف منجز وواجب على المكلف، ومرجع هذا الاستنباط هو ذات “حق الطاعة للولي” الذي يشمل حتى التكليفات الظنية والاحتمالية. وهذا المبدأ هو مستند عام للفقهاء (على مذهب حق الطاعة) لا يمكن رفعه إلا في حالات خاصة» (١٤٠٦، ج ٢: ٣٤-٣٥).

أفكار الشهيد الصدر الفقهية-السياسية في إطار حق الطاعة ونتائجه في هذا المجال تتركز على الارتباط الذي يربط بين الملكية التكوينية وأحكام التشريع الإلهي. من وجهة نظره، الرأي الشائع هو انفصال وتمييز بين ملكية الله وتنفيذ (قطعية) الأحكام التشريعية الإلهية. الرأي الشائع، مثل الصدر، يقر بملكية الله، لكنه لا يربط بين التكوين والتشريع ارتباطاً إنتاجياً؛ بل يجعل تنفيذ الحكم التشريعي مشروطاً بـ”البيان والوصول”، وفي حالة الشك في بيان التكليف، وبمقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يحكم بالبراءة ونفي التكليف. النتيجة الفقهية والسياسية للرأي الشائع هي أولوية معيار الترخيص العقلي على معيار التكليف، وتتوسع دائرة اختيارات وحرية الإنسان المسلم.

نتيجة أخرى لنقاش الصدر هي وجوب ملء المجالات المشتبه فيها والمشكوك بها، والتي يسميها “منطقة الفراغ التشريعي”، بأحكام شرعية مولوية (صدر، ١٤١٧، ج ٤: ٢٩-٣١). هذه المنطقة، وفقاً لنظرية الصدر، يجب أن يملأها الولي الأمر بإصدار الأحكام الشرعية.

نظرية الشهيد الصدر لها نتائج واسعة في حياة الإنسان المسلم في عصر الغيبة. أولاً، دائرة حياة الإنسان أوسع من دائرة الأحكام الشرعية القطعية، وبذلك تنقسم حياة الإنسان المسلم إلى مجالين: مجال يحوي أحكاماً شرعية، ومنطقة الفراغ التشريعي. ثانياً، منطقة الفراغ التشريعي ليست مجال البراءة وبالضرورة مجال الرخص، بل هي مجال المباحات؛ ولهذا فإن أي تشريع أو سن قانون في هذه المجالات بدون تهيئة وجه شرعي هو بالتأكيد غير مشروع. ثالثاً، وبما أن مقتضى الدولة الحديثة في البلدان الإسلامية هو سن القوانين في هذه المجالات المباحة (وبعبارة الصدر “منطقة الفراغ”)، فمن الطبيعي أن نوع هذه القوانين يتغير ويتحول بحسب الزمان والمكان (فيرحي، المرجع نفسه). يبدو أن الشهيد الصدر يغلق باب شرعية القانون والتشريع البشري – أو بعبارة أخرى، سن القانون عبر الاتفاق العام – في المجال العام بدون تهيئة وجه شرعي، ويجعل شرعية القانون الحديث لا عبر الوسائل الحديثة المعاصرة مثل الانتخابات والاتفاق العام للمسلمين، بل عبر الولاية الشرعية للولي الأمر والحاكم الشرعي. والنقطة اللافتة أن ولاية الحاكم الشرعي في عصر الغيبة هي العامل الوحيد الذي يربط بين الأحكام الثابتة للشريعة والأحكام المتغيرة؛ وهي أحكام متغيرة بحسب الزمان والمكان وكذلك في السياقات الثقافية المختلفة. لذلك، الولي الأمر وحده هو الذي يمكنه التشريع في منطقة الفراغ ضمن إطار الشريعة. يحاول الشهيد الصدر في كتابه “اقتصادنا” أن يوسع الشريعة لتشمل قوانين موضوعية ليهيئ بذلك شرعية للقوانين الموضوعية في الدولة الإسلامية الحديثة؛ لأنه يؤمن بشمولية الشريعة ويعتقد أن الشريعة لها حكم وقانون خاص لكل مجالات الحياة، وأن الأحكام المتغيرة يحددها الولي الأمر. يكتب في هذا الصدد:

«منطقة الفراغ ليست دليلاً على نقصان الشريعة أو إهمال أحكام بعض الأحداث المستجدة، بل هي دليل على قوة الشريعة في التكيف والمواجهة مع العصور المختلفة؛ لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ من باب النقصان أو الإهمال، بل لها أحكام خاصة لتلك المنطقة، بحيث تمنح صلاحية التشريع حسب الموقف، لتمنح كل حادث مستحدث صفة التشريع الأصل والخاص له… والدليل على منح هذه الصلاحية والاختيار في وضع القانون لولي الأمر لملء منطقة الفراغ هو النص القرآني: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (نساء: ٥٩)، وحدود منطقة الفراغ التي هي نطاق صلاحيات أولي الأمر، بناءً على هذا النص القرآني، كل فعل مباح تشريعيًا هو مباح بطبيعته. فكل ما لم يرد فيه نص شرعي بالوجوب أو التحريم، لولي الأمر الحق في وضع حكم ثانوي قائم على المنع أو الأمر. لذا إذا منع الإمام (الحاكم) فعلاً مباحًا بطبيعته للفرد، يصبح ذلك الفعل حرامًا؛ وإذا أمر به، يصبح واجبًا. وأما الأفعال التي لها دليل شرعي على تحريمها (مثل الربا)، فهي خارج صلاحية ولي الأمر؛ وكذلك الأفعال التي لها وجوب شرعي (مثل نفقة الزوجة)، لا يستطيع ولي الأمر منعها، لأن طاعة أولي الأمر مفترضة ضمن حدود لا تتعارض مع طاعة الله وأحكام الشريعة العامة» (١٤١٧: ٦٨٩-٦٩١).

الفقرة أعلاه تُظهر جوهر الفكر الأساسي للشهيد الصدر في تأمين الشرعية للقوانين الموضوعية للدولة من خلال صلاحيات أولي الأمر ومنطق منطقة الفراغ. وبهذا الشكل، تكتسب جميع القوانين الموضوعية في الدولة الإسلامية صفة شرعية، ويصبح الإنسان المسلم ملزمًا بطاعتها وتنفيذها.

٢. خلافة الإنسان والرقابة الإلهية كأساس للفكر السياسي للشهيد الصدر

الأساس الآخر للفكر السياسي للصدر هو مفهومان: “خلافة الإنسان” و”الرقابة الإلهية”. وهو يستخلص أساس شرعية الدولة الإسلامية من موازنة بين خلافة الإنسان والرقابة الإلهية. في هذا الأساس الشرعي، لا يُرى أي تعارض بين الله والشعب، بل يقوم على كلاهما.

٢,١. علاقة الخلافة بالمسؤولية

من منظور الصدر، يرتبط هذان المفهومان ببعضهما من جهتين:

١) بما أن الإنسان يتولى منصب الخلافة في الأرض، فهو مسؤول أمام الله تعالى. لذلك، لا يكون البشر في الأرض أحرارًا مطلقًا ولا يمكنهم تشكيل الحكم وممارسة السيادة دون مراعاة الأوامر الإلهية. يجب أن تنظم المجتمع البشري على أساس الحق والحقائق، وأن يحافظ على الأمانة الإلهية بينهم من خلال تنفيذ أحكام الله.

٢) الإنسان كائن حر صاحب إرادة واختيار؛ لأن قبول المسؤولية لا معنى له بدون إرادة واختيار. لقد جعل الله كائنًا في الأرض خليفةً له، وهو مختار وله القدرة على الإصلاح والإفساد. ووفقًا لرأي الشهيد الصدر، ربما كان هذا الواقع هو ما أثار قلق الملائكة. فقد رأوا لأول مرة مخلوقًا وُضِع فيه مصدر الخير والشر على حد سواء، وجُعل حرًا (صدر، ١٣٩٩هـ‌: ١٣٦‌-١٣٨).

٢,٢. الرقابة الإلهية

وبما أن الله تعالى كان على علم بإمكانات وقدرات الإنسان الوجودية، وبنقاط ضعفه ووساوس نفسه – «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ…» (ق: ١٦) – فإن وضع الإنسان بمفرده دون هداية ورقابة كان سيجعل خلق البشر أمرًا عبثيًا وعديم الجدوى، ويؤدي إلى نشوء أنواع مختلفة من الشهوات والاستغلال والاعتداء. وعلى هذا الأساس، وضع الله تعالى خط الرقابة إلى جانب خط الخلافة، لحمايتها من الانحراف وضمان هداية البشر. ولو لم يكن هذا التدخل الإلهي غير المباشر في مسار خلافة الإنسان، لما تحققت الأهداف السامية لها أبدًا (صدر، ١٣٩٩هـ: ١٥٦-١٦٠). وقد منح الله تعالى منصب الرقابة على خلافة البشر إلى ثلاث فئات منهم (مائده: ٤٤): «الأنبياء»، «الأئمة الذين هم امتداد للأنبياء» و«علماء الدين الذين يُعتبرون في إطار المرجعية امتدادًا لخط النبوة والإمامة» (واقدی، ١٣٩٤: ٢٠٩ ٢١٣‌). لذلك، فإن خلافة الإنسان تحمل معه مسؤوليات، وهي أداء الواجبات والأحكام الإلهية التي تقع على عاتق كل جهاز فقهي مسؤول عن تنظيم وتحديد كيفية تنفيذها.

٣. المسؤوليات الفردية في الدولة الإسلامية

في إطار مذهب الشهيد الصدر، الإنسان المسلم بالإضافة إلى تنفيذ الأحكام الفردية للشريعة، يتحمل مسؤوليات تمهيدية في تنفيذ الأحكام العامة. على سبيل المثال، اختيار بعض المسؤولين عن تنفيذ الشريعة والقوانين المعتمدة في الدولة الإسلامية، مثل: القائد، ورئيس السلطة التنفيذية، وممثلي السلطة التشريعية، يقع على عاتق الفرد المسلم ليتم ذلك عبر آليات الانتخابات وغيرها. لذلك، يبدو أن الفرد المسلم لا يشارك مباشرة في تنفيذ الأحكام العامة، بل يتحمل فقط مسؤوليات تمهيدية في اختيار المسؤولين والمنفذين للشريعة. في هذا القسم، يُسعى إلى الإشارة إلى بعض واجبات الفرد المسلم في تنفيذ الشريعة ضمن إطار مذهب الصدر:

٣,١. المشاركة في اختيار القائد كمرجع للتشريع في نطاق منطقۀ الفراغ

وفقًا لرأي الشيعة (الرأي الشائع)، فإن تعيين الحاكم عبر الأصوات العامة والانتخابات مرفوض، ويُعتبر من تأثيرات الأفكار الغربية على الدول الإسلامية، ولم يُرد دليل على الانتخابات في الإسلام؛ لأنه لو كان هناك دليل مقبول وموثوق على الانتخابات في الإسلام، لكان لا بد من ورود روايات عن النبي والأئمة الأطهار في هذا المجال، مع أنه لم ترد أي رواية في هذا الشأن (ایزدهی، ١٣٨٧: ٩٠-٩١). ومع ذلك، وبما أن التعيين الإلهي العام لا يؤدي عمليًا إلى حكم فردي، فلا بد لتعيين أحد أهل صفات القيادة من الالتجاء إلى شروط مثل الأعلمية أو الرجوع إلى رأي الناس. وهذه المسألة ممكنة بطريقتين: إما أن يعين الناس الحاكم مباشرة، أو أن تختار هيئة من المتخصصين فردًا مؤهلاً للقيادة. وقد قُدمت آراء مختلفة في هذا الشأن، ويكتسب رأيان أهمية: ولاية الفقيه التعيينية وولاية الفقيه الانتخابية. تقع فكرة الشهيد الصدر ضمن إطار ولاية الفقيه التعيينية؛ بغض النظر عن أن الانتخابات العامة تلعب دورًا مهمًا في الرقابة التأسيسية على الحاكم والحكومة، وفي عملية الاختيار يصوت الناس لمن له صفات أفضل. وهذه القضية يمكن أن تُعتبر إحدى الآليات في باب “تزاحم الولايات”.
في إطار مذهب الصدر ومنطق ولاية الفقيه التعيينية، الرجوع إلى الآراء العامة يقتصر فقط على اختيار فرد معين من بين الفقهاء الذين حازوا على الشرعية الإلهية في مرحلة الثبوت؛ ومن بينهم يُنتخب واحد كقائد. لذلك، فإن النقاش حول الآراء العامة في سياق تزاحم الولايات المتعددة وتعيين فرد من بين من لهم شأن الولاية على الأمة، قابل للتقييم. ويرى الصدر أن تعيين واختيار جميع أركان النظام في الدولة الإسلامية من مسؤولية الأمة؛ وفي اختيار رأس هرم السلطة (القائد) رغم أن صفاته وشروطه محددة من الله، إلا أن الناس هم الذين يجب أن يختاروه ويقبلوه في النهاية (صدر، ١٣٩٩هـ: ١٧٠-١٧٢). ويُعرف آية الله السيد كاظم الحائري – أحد تلامذة الشهيد الصدر البارزين – اختيار الفقيه ليس كاختيار حاكم، بل كضرورة لحل تزاحم الولايات بين الفقهاء المتساوين: «النتيجة أنه في فرض تزاحم بين الفقهاء المؤهلين، يجب في انتخابات أن يُختار ولي الفقيه من بينهم» (حائری، ١٤١٤هـ: ٢١٨‌-٢١٩‌). ومن هذا المنظور، يعتبر بعض الفقهاء الانتخابات واجبًا تمهيديًا:
«لذلك، من أجل دفع التهمة بأن الحكم الإسلامي هو حكم استبدادي يحكم الناس بدون رضاهم، وكذلك لجذب تعاون ومشاركة الناس في الشؤون العامة والحكومية، فإن اللجوء إلى الانتخابات العامة ضروري؛ لأن الحفاظ على الحكم الإسلامي مصلحة كبرى وواجب شرعي، وبما أن أحد مقدمات هذا الواجب – في زماننا – هو استخدام طرق مثل الانتخابات العامة، فإن وجوب مقدمات الواجب يجعل أداء هذه المقدمات واجبًا، ونعلم أن مقدمة الواجب هي أحد العناوين الثانوية» (المرجع نفسه: ٥٤٣). رغم أن هذا الاختيار يختلف عن المعنى الشائع للانتخابات، فهو في الحقيقة يعني تشخيص الأشخاص الذين لديهم شرعية إلهية من قبل المتخصصين والخبراء» (المرجع نفسه‌: ٥١٤‌).

من وجهة نظر الشهيد صدر، قبولية الحكم مرهونة بر رأي الناس واعتبارهم؛ لذلك فإن قائد المجتمع الإسلامي يكتسب شرعيته من الشرع المقدس، وقبوليته من جانب الناس. يقول صدر في هذا الصدد:

«تحديد المرجع الذي يشهد للأمة يكون عبر الصفات والخصائص العامة التي وضعها الله تعالى، ولكن تطبيقها على المراجع يعود إلى الأمة نفسها التي يجب أن تتحمل مسؤولية الاختيار بوعي».

لذا، من مسؤوليات الإنسان المسلم، التي تُعد مقدمة لتنفيذ الشريعة، المشاركة في الانتخابات واختيار القائد والحاكم الإسلامي الذي يُعد المرجع التشريعي في نطاق منطقة الفراغ. وفي المقابل، فإن الدولة الإسلامية ملزمة بتوفير آليات المشاركة الشاملة للشعب.

٣,٢. المشاركة في انتخاب رئيس السلطة التنفيذية وممثلي السلطة التشريعية

من بين الواجبات الأخرى للإنسان المسلم، والتي تُعد مقدمة لتنفيذ الشريعة، اختيار رئيس السلطة التنفيذية وممثلي السلطة التشريعية. يرى الشهيد صدر أن السلطتين التنفيذية والتشريعية تمثلان الأمة (صدر، ١٣٣٩هـ: ١٣)؛ ومن ثم فإن من واجب الفرد المسلم اختيارهما. وبناءً على المادة ٣ من مشروع الشهيد صدر للدستور الإيراني «بالنظر إلى خلافة الإنسان الإلهية، فإن السلطتين التشريعية والتنفيذية ترتبطان مباشرة بالشعب، وبهذه الصورة تتولى هاتان السلطتان الأمر. يختار الناس برأيهم رئيس الدولة. القائد إما أن يوافق على أهلية المرشحين قبل الانتخابات، أو يصادق على رأي الشعب بعد الانتخابات. (وفقًا للمادة الرابعة من المشروع) هذه المصادقة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي ركيزة شرعية للسلطة التشريعية. في الدستور الإيراني، تقع هذه المسؤولية على عاتق مجلس صيانة الدستور الذي نصف أعضائه منتخبون من القائد. ولهذا السبب، يُنتخب الشعب مجلسًا من أهل الحل والعقد عبر الانتخابات ليؤدي مهامًا مهمة. ويعتبر صدر أن أهم مهام هذا المجلس هي: التصديق على عضوية أعضاء الحكومة (من خلال منح الثقة لهم)، التشريع في منطقة الفراغ، الرقابة على الحكومة في تنفيذ القوانين مع حق السؤال والاستجواب (المرجع نفسه: ١٣). ومع ذلك، يرى الشهيد صدر أن القوانين التي يسنها المجلس يجب أن تُعرض على رأي المرجع العام (القائد) أو مجلسه المنتخب حتى لا تتعارض مع أحكام الشريعة (الأحكام الأولية).

لذا، يلعب المرجع دورًا رقابيًا في السلطتين التنفيذية والتشريعية. وبما أن المهمة الأساسية للسلطة التنفيذية من وجهة نظر صدر هي تنفيذ الأحكام الأولية للشريعة والقوانين التي تصدرها السلطة التشريعية؛ فإن المسؤولية الأولى تقوم على مصادقة حكم رئيس السلطة التنفيذية من قبل المرجع العام، والمسؤولية الثانية على أساس اختيار الرئيس من قبل الشعب. لذلك، من الواجب على الفرد المسلم المشاركة في اختيار رئيس السلطة التنفيذية وممثلي السلطة التشريعية ليكونوا القائمين على تنفيذ الشريعة في المجتمع الإسلامي.

٣,٣. رقابة الفرد المسلم من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تنفيذ الشريعة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني رقابة واهتمام الأفراد والمجتمع الإسلامي بأداء الواجبات وترك المحرمات، وبشكل عام تنفيذ أحكام الشريعة على مستوى عموم الناس. وبناءً عليه، يجب على كل مسلم، إذا توفرت الشروط، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. هذا المفهوم في الشريعة الإسلامية عام ويشمل المجالات الاجتماعية والسياسية أيضًا. وأهمية هذا الأصل كبيرة إلى حد أن بعض العلماء الدينيين يرون أن «أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أركان التعاليم الإسلامية، ووفقًا للنصوص والروايات الإسلامية، فإن فقدان هذا الأصل يؤدي إلى زوال كل التعاليم الإسلامية» (مطهری، ١٣٦٨‌، ج ٢: ١٥٤‌-١٥٥). ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار أحد وظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رقابة عامة الناس في المجتمع الإسلامي على مصيرهم؛ كما أن الرقابة على الحاكم والموظفين الحكوميين تُعد من أهم مظاهر هذا الواجب.

في إطار منهج الشهيد صدر، تقع مسؤولية التنفيذ على عاتق الحكومة، ولكن من واجبات الفرد المسلم في الدولة الإسلامية مراقبة الحكومة، ومن آليات ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يرى الشهيد صدر أن أحد طرق إصلاح الحكومة هو استمرار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع، ويعتقد أنه إذا خرجت الحكومة عن إطار الشريعة الإسلامية وتعمدت معارضة الإسلام، ففي هذه الحالات يجب على أفراد المجتمع الإسلامي، مع مراعاة مصالح الأمة الإسلامية العامة، إسقاط الحكومة وتأسيس حكومة إسلامية، وإذا عجزوا عن تغيير الحكومة، فعلى الأمة أن تستمر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه الحكومة حتى تُصلح نفسها تدريجيًا (صدر، المحه الفقهیه عن شروع الدستورالجمهوریه الاسلامیه: ٣٦-٣٩). ومن هذا المنظور، فإن واجب الإنسان المسلم هو أن يطيع الحكومة في الجوانب التي تعمل فيها وفق الشريعة، وأن يوجهها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجوانب التي لا تتوافق مع الشريعة. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الناس مراقبة مختلف أركان النظام ومحاسبتهم عند الضرورة (الفضلی، ١٩٧٩م: ١١٦-١١٧).

في إطار الفقه الإسلامي، الآليات والعوامل الرقابية التي تنفذها الحكومة لضمان صحة عمل وكلائها لا تلغي مسؤولية الفرد المسلم في الرقابة على الدولة والسلطة السياسية، ويُكلَّف الناس بموجب قوله تعالى «كلكم راع وكلكم مسؤول» بمراقبة شؤون المجتمع الإسلامي. إن رقابة أفراد المجتمع على الدولة الإسلامية تتم إما بشكل مباشر على الشؤون السياسية والاجتماعية للمجتمع، أو بشكل غير مباشر من خلال ممثليهم. وقد تناول فقهاء الشيعة هذا الموضوع تفصيليًا تحت أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبروه من الواجبات العامة.

٣,٤. الطاعة للدولة (القوانين، اللوائح…)

نظرًا لأن الدولة الإسلامية تعمل في جميع المجالات وفقًا للتشريعات الإسلامية وفي إطار أهداف الدين والشريعة، فإن أفراد المجتمع الإسلامي ملزمون بالطاعة الكاملة لهذه الدولة واتباع قوانينها التي تُعتبر حكمًا شرعيًا. ومع ذلك، إذا تصرف بعض أركان الدولة ووكلائها بما يخالف الشريعة، فإن واجب المسلم لا يكون الطاعة، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٤. مسؤوليات الدولة الإسلامية في المجتمع الإسلامي

من خصائص الفكر السياسي للشهيد الصدر، الذي يعكس إلى حد ما رؤيته الكلامية والأصولية-الفقهية، اتساع دور الدولة في جميع جوانب الحياة؛ بمعنى أن جميع الصلاحيات، مثل التشريع في «منطقة الفراغ»، تقع على عاتق أولي الأمر؛ ونتيجة ذلك هي سيادة الدولة وسلطة الولاية لأولي الأمر. وهذا الأمر يضاعف مسؤوليات الدولة الإسلامية.

٤,١. قانونية وحكم القانون

في الدولة الإسلامية، الجميع، حتى رأس هرم السلطة، متساوون أمام قانون الله، ولا توجد حصانة لأي شخص أو مؤسسة. وبما أن المشرع الحقيقي في الدولة الإسلامية هو الله، فلا يُراعى أي مصلحة شخصية أو جماعية في تشريع القوانين. كما أن استنباط هذه القوانين يتم بناءً على القرآن والسنة ويتبع آليات خاصة، لذا لا يمكن لأحد أن يستنبط القوانين الإسلامية لمصلحته الخاصة (قبانچی، ١٣٩١هـ: ٦١-٦٧).

٤,٢. العدل والمساواة

تزيل الدولة الإسلامية، استنادًا إلى التعاليم الإسلامية، كل أشكال التمييز وعدم المساواة والظلم، وتضع معيار التفوق في الفضائل والكمالات التي يحققها الإنسان بنفسه. ومن الجدير بالذكر أنه في الحقوق العامة للناس، مثل الحرية والرفاهية، لا يُراعى أي تفضيل، أما المعايير المذكورة فتُؤخذ بعين الاعتبار في حالات خاصة، مثل اختيار الحكام والولاة (صدر، ١٤١٧، ج ٢: ٣٤-٣٤٢).

٤,٣. تأمين سعادة وكمال الإنسان

تبذل الدولة الإسلامية كل جهدها لتكامل الإنسان في بيئة حرة خالية من الإكراه والقسر، وبوضع الرقابة الإلهية على المجتمع تسعى دائمًا إلى تعصيم البيئة قدر الإمكان وحماية المجتمع من الانحراف (قبانچی، ١٣٩١هـ: ٦١-٦٧).

٤,٤. المشاركة الشعبية

تلتزم الدولة الإسلامية، استنادًا إلى نظرية خلافة الإنسان، بتوفير جميع الظروف الملائمة لجذب مشاركة جميع فئات الأمة في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. (المرجع نفسه)

٤,٥. مسؤولية الدولة في إصدار القوانين

يسعى الشهيد الصدر إلى تأسيس قاعدة لإصدار القوانين من داخل النص، وهو ما يضع نظرية الاجتهاد في مقابل الاجتهاد التقليدي؛ فمثل هذا الاجتهاد يساعد في كشف الحكم في منطقة الفراغ. الفرض الأساسي عند الصدر هو قبول الدولة القائمة على القانون؛ بمعنى أنه يجب أن يُنتج القانون من خلال آلية الاجتهاد من داخل النص ويوضع في متناول المنفذين. ومن هنا، السؤال الأساسي هو: ما نوع الدولة التي يتصورها الصدر، وكيف يصور عملية التشريع، وكيف ينظم آليات التنفيذ؟ في كتابه “اقتصادنا”، يحاول الشهيد الصدر شرح إنتاج النظرية في أدبيات الفقه الشيعي. في هذا المسار، يعتبر الفقه مؤهلاً لإنتاج النظرية، ولذلك يوظفه لاكتشاف النظرية. في هذا الفكر، أهم عمل للحاكم هو تنفيذ الشريعة، والحاكم هو منفذ الأحكام التي صدرت من زاوية النظرية. الفرض الأساسي عند الصدر هو الدولة القائمة على القانون، وتُعتبر النظرية أساس القانون، خاصة في الأمور التي لا يوجد فيها نص صريح وخالية من الحكم. في هذا المجال، يمكن للنظرية أن تضع القانون؛ نظرية مستنبطة من الأدلة والنصوص. ونتيجة لذلك، تُعتبر القوانين والأحكام الصادرة حكم الله. في منظومة فكر الشهيد الصدر، القانون هو أمر اجتهادي.

القانون من جنس الفتوى والحكم، ولذلك فهو بحاجة إلى دليل شرعي. وهكذا، في الفقه النظري، يكون المشرعون هم المجتهدون، ولا يُترك هذا الأمر للشعب. وبعبارة أوضح، في فكر الشهيد الصدر، استنباط القانون يقوم على النظرية، ويختلف في هذا الشأن عن فقهاء العصر الكلاسيكي؛ ولهذا السبب تتم مراقبة الفقهاء في فكر الصدر من هذه الزاوية. لأن الفقهاء هم مكتشفو النظرية، ومراقبة الفقهاء تعني مراقبة هذه النظريات. الصدر في إنتاج القانون يكسر العلاقة بين الاجتهاد الفردي والقانون، ويعتمد على الاجتهاد الملفق ليصل إلى القانون بسهولة أكبر. ولهذا السبب، بدلاً من آلية الاستنباط، يبحث عن آلية اكتشاف النظرية؛ لذا يكسر استقلال المجتهد في مجال الحكم، ويتجه إلى الاجتهاد الملفق والتركيبي. لذلك، تصور الشهيد الصدر للدولة هو دولة تحت إشراف الفقيه؛ رغم أنه قد لا يكون الفقيه هو الحاكم أو رئيس الدولة، لكنه يعمل تحت إشراف الفقيه. وبناءً على ذلك، تكون الدولة مسؤولة عن تنظيم علاقة الفرد بالطبيعة، وتشرع لتنظيم هذه العلاقة. ورغم أن الدولة هنا تشريع، إلا أن هذه القوانين تتبع النظرية. الفقيه كمكتشف، والنظرية كمشرع، والدولة كمدير تنفيذي. بناءً على ذلك، الدولة تابعة للقانون، والقانون تابع للنظرية، والنظرية أيضاً تابعة للفقيه وجهاز الفقه؛ والفقيه يتبع النص.

٤,٦. مسؤولية ومحورية الدولة في تنفيذ القانون والشريعة

في الأجهزة الفقهية السابقة، كانت العلاقة بين الحاكم والشريعة مباشرة. بمعنى أن استنباطات الحاكم من الشريعة كانت تُنفذ مباشرة أو بوساطة؛ بينما في منهج الشهيد الصدر، القانون هو الوسيط بين الشريعة والدولة. يحاول الصدر في مؤلفاته شرح آلية اكتشاف القانون وكيفية تنفيذه. النقطة المحورية هي أن وجود النظام في المجتمع الإسلامي يعتمد على وجود القانون، والقانون بدوره يستلزم النظرية ليكون وسيطاً بين ثوابت الشريعة ومتغيراتها. لذلك، في هذه العلاقة، القانون مبني على النظرية، والنظرية هي أساس القانون. والنتيجة أن التشريع لا يحدث خارج الاجتهاد، وإنتاج القانون في المجال الاجتماعي يعتمد على إنتاج النظرية. إذن، عمل المجتهد في البداية هو إنتاج النظرية، حتى تتحول إلى قانون. بناءً عليه، تُرسم العلاقة بين: الشريعة، القانون، والمجتهد. الفقه النظري يبحث عن أساس لإنتاج القانون وتنفيذه من داخل النص، وهذه العملية تمر بمرحلة معقدة حتى يتحول الحكم إلى قانون. هذا المنهج يشرح كيفية تنظيم علاقة الفرد بالطبيعة في إطار “النظرية” و”منطقة الفراغ”، ويرى أن الدولة في هذا المجال يجب أن تشرع القوانين. القانون في هذا المنهج هو أمر اجتهادي، وبعبارة أخرى من جنس الحكم؛ ولهذا يحتاج إلى دليل شرعي.

من جهة أخرى، القوانين المتعلقة بعلاقة الإنسان بالطبيعة، بسبب تطور وازدياد الاحتياجات ووجود التقنيات الجديدة، تتغير وتحتاج إلى تشريعات جديدة، وقد تركت الشريعة وضع القانون في هذا المجال لـ”ولي الأمر” لكي يصل الفقيه بالاكتشاف النظري فردياً أو بالاجتهاد التركيبي إلى الحكم، وعلى أساسه تشرع الدولة القانون. في هذا المسار، قد يكون رئيس الدولة فقيهاً أو غيره؛ وفي كل الأحوال، يتحول حكم الفقيه المبني على النظرية إلى قانون، وتكون الدولة ملزمة بتنفيذه. سبب صلاحية الدولة في هذا الشأن هو نص القرآن الكريم الذي يقول: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (نساء: ٥٩). وبموجب هذه الآية الكريمة، فإن نطاق منطقة الفراغ التي تحدد صلاحيات الدولة هو التشريع في كل عمل يكون مباحاً بطبيعته؛ أي أن “ولي الأمر” يحق له أن يحظر أو يوجب أي نشاط أو إجراء لم يُعلن تحريمه أو وجوبه صراحةً كأمر ثانوي. لذلك، إذا حظر ولي الأمر أو الدولة الإسلامية عملاً مباحاً، يصبح ذلك العمل حراماً، وإذا أجبر على تنفيذه، يصبح واجباً. بشرط ألا يتعارض أمر ولي الأمر وحكمه مع الأوامر والأحكام العامة للشريعة. لذلك، حرية عمل ولي الأمر تقتصر على تلك الأعمال التي أُعلنت مباحة بطبيعتها، ونتيجة لذلك، فإن تشريع القوانين في منطقة الفراغ من قبل الحاكم والدولة الإسلامية يزيد من مسؤوليتهم في تحقيق وتنفيذ الشريعة. وبعبارة أخرى، تتمتع الدولة بسلطة ونفوذ كبيرين في وضع القوانين وتنفيذها في المجتمع الإسلامي.

٥. مهام وحدود صلاحيات الدولة في تنفيذ الشريعة

في أواخر كتاب “اقتصادنا” تحت عنوان «مبدأ تدخل الدولة» يطرح الصدر موضوع حدود وصلاحيات الدولة الإسلامية. وهو يرى:

«حدود صلاحيات الدولة لا تشمل فقط تنفيذ وتطبيق القوانين والأنظمة الثابتة، بل تشمل أيضاً نطاق “منطقة الفراغ”. الدولة من جهة هي منفذة للأحكام التشريعية الثابتة، ومن جهة أخرى هي واضعة للقوانين التي يجب صياغتها وتنفيذها وفقاً للحاجة الاجتماعية والظروف الراهنة» (١٣٤٩: ٦٨٥).

لذلك تتحمل الدولة مسؤولية في ثلاثة مجالات هي: «مجال التطبيق»، و«مجال التشريع ووضع القوانين»، و«مجال التنفيذ».

٥,١. مجال التطبيق

على الرغم من أن قصد الشهيد الصدر في هذا القسم هو تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، إلا أن رؤيته تشمل المجالات الأخرى أيضًا. فهو يرى أن الدولة الإسلامية يمكنها التدخل مباشرة في المجال الاقتصادي وتنفيذ الشريعة الإسلامية. على سبيل المثال: منع كل أنواع المعاملات الربوية والتصرفات غير القانونية في الأراضي. كما يمكنها اتخاذ إجراءات مباشرة لتنفيذ القوانين المتعلقة بالضمان الاجتماعي والتوازن الجماعي. (المرجع نفسه) ومن هذا المنظور يمكن فهم أن الدولة يمكنها حتى في مجال تنفيذ الأحكام الفردية أن تتدخل وتمنع الأمور التي تتعارض مع أحكام الشريعة.

٥,٢. مجال التشريع ووضع القوانين

يرى الشهيد الصدر أن الدولة الإسلامية يجب أن تملأ المنطقة الخالية من التشريع، بحيث تراعي مقتضيات الزمان والمكان وتطوراتهما. على سبيل المثال: يجب على الدولة، من أجل التدبير في المجال الاقتصادي – الذي يعتبره الصدر من المهام الأساسية للدولة الإسلامية – أن تضع قوانين تظهر العدالة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي (المرجع نفسه‌: ٦٨٥‌). ومن هذا المنظور يمكن القول إن التشريع وتنفيذ الشريعة في المجال العام هما من مسؤوليات الدولة الإسلامية. حدود وصلاحيات الدولة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم “منطقة الفراغ”؛ لأن اكتشاف أي نظرية يتعلق بهذا المجال، وأمر التشريع للدولة يتم في هذا الإطار.

٥,٣. تنفيذ الشريعة

يرى الشهيد الصدر أن تنفيذ الأحكام العامة (الاجتماعية) للشريعة يتم عبر إنتاجها في إطار “النظرية”، وتنفيذها من خلال تحويل تلك الأحكام إلى قانون بواسطة الدولة والحاكم الإسلامي. في أدبيات الشهيد الصدر، الدولة هي المحور. ويعتقد أن الاهتمام بالحكم يمكن أن يكون في قالب النظرية وفقه النظرية. يربط الشهيد الصدر الدولة بمفهوم الولاية، ليربطها بالثوابت الشرعية، ليحل المتغيرات من خلالها؛ لأنه ينتج من الثوابت النظرية ليُعتبر كأساس، ويملأ الفقيه الحاكم من خلال النظرية منطقة الفراغ؛ لأن الدول الحديثة بحاجة إلى قانون. ويعتقد الصدر أن القانون يُستمد من النظرية، والنظرية تُنتج من داخل الشريعة والنصوص؛ والدولة هي منفذة القانون. لكن السؤال هو: هل وفقًا لفقه النظرية، هناك منظمة لتنفيذ الشريعة واجتهادات الفقهاء أم لا؟ يبدو أن هناك نوعًا من الشك في الإجابة على هذا السؤال؛ لأن الشهيد الصدر في بعض الأحيان يُحيل الاجتهاد الملفق إلى الدولة، وفي أحيان أخرى إلى الحاكم. وإذا أحاله إلى الدولة، فهذا يعني وجود منظمة بالتأكيد. وأحيانًا يُحيل إلى الحاكم، لكنه لا يوضح ما إذا كان ولي الأمر هو المنفذ أم شخص آخر.

الخلاصة

الفهم الأدق للفكر الفقهي-السياسي للشهيد الصدر، وخاصة مفهوم الدولة ومسؤولياتها في المجتمع الإسلامي، يتطلب التعرف على جهاز الفقه “فقه النظرية” والمفاهيم المرتبطة به – مثل نظرية منطقة الفراغ التشريعي ونظرية حق الطاعة – التي أسسها هو. وعلى الرغم من أن هذا المقال لم يتسع للحديث عنها، إلا أنه أشار إلى بعض المفاهيم التي أثرت مباشرة على الموضوع. ومن هذا المنطلق تم بحث مكانة نظرية حق الطاعة في فكر الشهيد الصدر. هذه النظرية لها تأثير مباشر على مستوى مسؤولية الفرد والدولة في تنفيذ الشريعة؛ لأن الإنسان المسلم في إطار نظرية حق الطاعة “أصالة الحظر” يتجه نحو “أصالة الاحتياط”، مما يؤدي إلى تشكيل جهاز فقه سياسي يقوم على أساس أن “ملاك الترخيص” والحقوق الناشئة عنه تتحول إلى “ملاك التكليف”.

وعلى الرغم من أن النتيجة الفقهية والسياسية للرأي الشائع هي أولوية العقل وبسط “ملاك الترخيص” على “ملاك التكليف”، إلا أن الشهيد الصدر وبناءً على مبدأ أصالة الحظر يدعي ثبوت المولوية وبالتالي التكليف في الحالات المشكوك فيها والحكم بالاحتياط في هذا المجال. لذا يتشكل نوع من التكليفية في جميع المجالات. وبناءً عليه، يبدو أن الثنائية بين الحق والحكم – كما كانت موجودة في الفقه السياسي الدستوري – غير قائمة؛ ونتيجة لذلك لا تتوسع دائرة الحقوق، لكن دائرة تكاليف الإنسان المسلم تتسع. ووفقًا لرأي الصدر، يجب ملء المجالات المشكوك فيها والمناطق التي يسميها “منطقة الفراغ التشريعي” بأحكام مولوية شرعية. والنتيجة المترتبة على هذه النظرية في عصر الغيبة، خاصة في موضوع واجبات الفرد والدولة في تنفيذ الشريعة، هي: أولًا، أن دائرة حياة الإنسان أوسع من الأحكام القطعية الشرعية، وبذلك تنقسم حياة الإنسان المسلم إلى مجالين: مجال له حكم شرعي قطعي ومنطقة الفراغ التشريعي. ثانيًا، أن منطقة الفراغ التشريعي ليست مجال البراءة، بل هي مجال الأحكام الاحتمالية، وبالتالي مجال الاحتياط. ومن ثم فإن أي تشريع ووضع قانون في هذه المجالات دون تهيئة وجه شرعي هو بالتأكيد غير مشروع؛ لذلك فإن شرعية القانون الحديث لا تُؤمن عبر القنوات الحديثة المعاصرة مثل الاتفاق العام أو الانتخابات، بل عبر الولاية الشرعية لولي الأمر والحاكم الشرعي. وبهذا الشكل، فقط ولي الأمر هو الذي يمكنه التشريع في منطقة الفراغ في إطار الشريعة.

في النهاية، وبالنظر إلى مبدأ الشهيد الصدر – “حق الطاعة” – تم تحليل مسؤوليات الفرد والدولة في تحقيق الشريعة. وبناءً على ذلك، فإن بعض أهم واجبات الفرد في تنفيذ الشريعة، بالإضافة إلى مسؤوليته في تنفيذ الأحكام الفردية، هي: المشاركة في اختيار القائد كمرجع للتشريع في نطاق منطقة الفراغ، والمشاركة في اختيار رئيس السلطة التنفيذية وممثلي السلطة التشريعية، ومراقبة الفرد المسلم من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تنفيذ الشريعة، وطاعة الحاكم والدولة والقوانين. كما تم دراسة واجبات الدولة في تنفيذ الشريعة، وقيل إنه في إطار فكر الصدر، تتحمل الدولة المسؤولية الأساسية في تنفيذ الشريعة؛ بمعنى آخر، الدولة هي المحور في تنفيذ الشريعة. في هذا الإطار، تكمن أهم مسؤولية للدولة والحاكم في إنتاج القانون من داخل النص؛ لأن القانون يُعتبر أمرًا اجتهاديًا. وهكذا، فإن الفرضية المسبقة للشهيد الصدر هي قبول الدولة القائمة على القانون؛ بمعنى أنه يجب من خلال آلية الاجتهاد أن يُنتج القانون من جوهر النص ثم يُوضع في متناول منفذي الشريعة. في هذا الفكر، أهم عمل للحاكم هو تنفيذ الشريعة، وبعبارة أخرى، الحاكم هو منفذ الأحكام الصادرة من زاوية النظرية. تصور الشهيد الصدر للدولة هو دولة تحت إشراف الفقيه؛ رغم أنه قد لا يكون الفقيه هو الحاكم ورئيس الدولة، إلا أن رئيس الدولة يعمل تحت إشراف الفقيه. لذلك، في إطار هذا المنهج، لا تشمل صلاحيات الدولة التنفيذ والأداء فقط للأنظمة والقوانين الثابتة، بل تشمل أيضًا نطاق “منطقة الفراغ”. فالدولة من جهة هي منفذة للأحكام التشريعية الثابتة، ومن جهة أخرى هي واضعة للقوانين التي يجب صياغتها وتنفيذها وفقًا للضرورة الاجتماعية والظروف الراهنة. لذلك، تتحمل الدولة مسؤولية في ثلاثة مجالات: التطبيق، التشريع، والتنفيذ.

المصادر والمراجع

١. اسلامی، رضا (١٣٨٥). نظریه حق الطاعه. قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ‌ اسلامی‌.

٢. ایزدهی، سیدسجاد (١٣٨٧). نظارت بر قدرت‌ در فقه سیاسی. قم‌: پژوهشگاه‌ علوم و فرهنگ اسلامی.

٣. جمشیدی، محمدحسین‌ (١٣٩٢‌).‌اندیشه سیاسی آیت الله صدر. تهران: وزارت امور خارجه.

٤. حائری، سید علیاکبر (١٤١٧ق‌). منطقۀ‌ الفراغ فی التشریع الاسلامی. مجله‌ رساله‌ التقریب‌، ش ١١.

٥. حائری حسینی‌، سید‌ کاظم (١٤١٤ق). ولایۀ الامر‌ فی‌ عصر الغیبه. بیروت: مجمع الفکر الاسلامی.

٦. (١٣٧٧). سیاست و حکومت، فصلنامه علوم سیاسی، سال‌ اول‌، ش ١.

٧. صدر، سید محمدباقر (١٤٠٣ق). دورالائمه فی‌ الحیاة‌ الاسلامیه فی‌ کتاب‌ بحوث‌ اسلامیه و مواضیع اخری، بیروت‌: دارالزهراء.

٨. (١٤٠٥ق). دروس فی علم الاصول. قم: دارالمنتظر.

٩. (١٤٠٥ق). بحوث فی علم الاصول‌ (تقریر‌ سیدمحمود‌هاشمی). قم: المجمع العالی لشهید‌ صدر‌.

١٠‌. (١٤٠٦ق‌). دروس فی علم‌ الاصول‌. بیروت: دارالکتاب البنانی.

١١. (١٤١٦ق). ماوراء الفقه. بیروت: دارالاضواء.

١٢. (١٤١٧ق). بحوث فی علم‌ الاصول‌، ج ٤. قم‌: موسسه دایرةالمعارف فقه اسلامی.

١٣. (١٤١٧ق‌). اقتصادنا‌. تصحيح‌: عبدالحکیم‌ ضیاء‌. قم‌: دفتر تبلیغات اسلامی (شعبه خراسان).

١٤. (١٩٧٥م). الاتجاهات المستقبلۀ لحرکۀ الاجتهاد، بحث منشور فی بحوث اسلامیه، بیروت: دارالزهرا.

١٥. (١٩٩٠م). الفتاوی الواضحه. بیروت: دارالتعریف.

١٦‌. (دون تاريخ). لمحۀ الفقهیه (تمهیدیه عن شروع دستور الجمهوریۀ الاسلامیۀ فی ایران). تهران: جهاد البناء.

١٧. (١٣٩٩ق). خلافۀ الانسان و شهادة الانبیاء. تهران: جهاد لبناء.

١٨. (دون تاريخ). الاسلام‌ یقود‌ الحیاة. تهران: وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی.

١٩. (دون تاريخ). قاعده لا ضرر و لا ضرار. تقریر: سید کمال حیدری. دون مكان النشر: دون ناشر.

٢٠. (١٣٤٩). اقتصادنا.‌ترجمه: ع، اسپهبدی. تهران: منشورات برهان‌ اسلامی‌.

٢١. (١٣٥٩). همراه با تحول اجتهاد.‌ترجمه: اکبر ثبوت. تهران: روزبه.

٢٢. (١٤٠٩ق). السنن التاریخی فی القرآن. بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.

٢٣‌. عراقی‌، آقا ضیاء (١٤٢٢ق). نهایۀ الافکار‌، قسم‌ دوم، تقریرا بحاث ضیاء الدین العراقی، تألیف: محمدتقی البروجردی النجفی. قم: جماعۀ المدرسین فی حوزه العلمیۀ بقم.

٢٤. (دون تاريخ). منهاج الاصول، ج ٤. دون مكان النشر: دون ناشر‌.

٢٥‌. فضلی، عبدالهادی (١٩٧٩م). فی‌ انتظار‌ الامام. الاندلس: دون ناشر.

٢٦. فیرحی، داود (١٣٨٩). «درآمدی بر فقه سیاسی». فصلنامه سیاست. دانشگاه تهران، دوره ٤، ش ١.

٢٧. (١٣٨٦). مباحث فقه سیاسی انجمن علمی حوزه، ٨٦/٩/٢٩.

٢٨. (١٣٨٩‌). معماری‌ حاکمیت و دولت شایسته. تهران: مجموعه مقاله‌ها و مؤتمر حاکمیت و دولت در ایران ١٤٠٤.

٢٩. قبانچی، سید صدرالدین (١٣٩١). الفکر السیاسی للشهید الصدر. مشهد: مرکز اسناد آستان قدس رضوی (الکترونیکی).

٣٠‌. خراسانی‌، سید محمدکاظم‌ (١٤٢٥). کفایۀ الاصول. قم: منشورات جامعه مدرسین.

٣١. مطهری، مرتضی (١٣٦٨). حماسه حسینی. تهران: منشورات صدرا.

٣٢‌. مکارم شیرازی، ناصر (١٤٢٠ق). القواعد الفقهیه. قم: مدرسه الامام امیرالمؤمنین (الطبعۀ‌ الخامسه‌).

٣٣‌. (١٤١١ق). انوار الفقاهه (کتاب البیع). قم: مدرسۀالامام امیرالمومنین (ع).

٣٤. می‌رزای قمی، می‌رزا ابوالقاسم (دون تاريخ). قوانین الاصول‌. ‌‌تهران‌: مکتبۀ العالمیه الاسلامیه.

٣٥. نائینی، محمدحسین (دون تاريخ). اجود التقریرات (ج ٢). دون مكان النشر: دون ناشر.

٣٦. (١٣٧٨‌). تنبیه‌ الامه و تنزیه الملۀ. با توضیحات: سید محمود طالقانی. تهران: دون ناشر.

٣٧. (١٣٨٢). تنبیه الامه‌ و تنزیه الملۀ. تحقيق: سید جواد ورعی. قم: بوستان کتاب.

٣٨. (١٤١٧ق). فوائد‌ الاصول (ج ٢). قم: دفتر منشورات‌ اسلامی‌، (الطبعة السادسة).

٣٩. واقدی، محمد بن عمر، (١٣٩٤). مغازی: تاریخ جنگ‌های پیامبر،‌ترجمه محمود مهدوی دامغانی، تهران: مرکز نشر دانشگاهی.