تحليل خطوات الحكم الإسلامي في فكر الشهيد محمد باقر الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تحلیل گام‌های حکمرانی اسلامی در اندیشه شهید محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص

يرى الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله أن الحكم الإسلامي يقوم على مبادئ مثل العدالة الاجتماعية، التوافق مع الشريعة، المرونة في مواجهة مقتضيات الزمان، والرقابة المستمرة. من وجهة نظره، تُعد العدالة الاجتماعية عمود شرعية النظام الحاكم، ولها دور محوري في بناء الثقة واستدامة الحكم. يؤكد على التناغم التام بين القوانين التنفيذية وأصول الشريعة، ويُقدم مفهوم «منطقة الفراغ» كأداة للمرونة في نظام الحكم لتلبية احتياجات المجتمع المتغيرة. وفي هذا السياق، تعتبر الرقابة الدقيقة والمستمرة على الأجهزة التنفيذية ضمانًا للشفافية، ومواجهة الفساد، وزيادة كفاءة النظام. المنهج البحثي المستخدم في هذه المقالة هو وصفي – تحليلي، وبالاستفادة من الدراسات المقارنة وتحليل النصوص الكلاسيكية والمعاصرة، تم تقديم إطار نظري شامل للحكم في فكر الشهيد الصدر رحمه الله. تظهر نتائج البحث أن فكر الحكم عند الشهيد الصدر رحمه الله يقدم نموذجًا شاملاً ومرنًا لإدارة المجتمعات الإسلامية، حيث يحافظ على المبادئ الثابتة للشريعة مع إمكانية التكيف مع التغيرات الاجتماعية والثقافية. تُعد هذه المقالة (تحليل خطوات الحكم الإسلامي في فكر الشهيد محمد باقر الصدر) نموذجًا تحليليًا للحكم عند الصدر رحمه الله، ونقطة انطلاق للأبحاث الأعمق وتوسيع الدراسات متعددة التخصصات في مجال الحكم الإسلامي، كما تهيئ أرضية لتطبيق هذا الفكر في سياق المجتمعات المعاصرة.

المؤلف: حسن وثوق‌زاده، سید سجاد ایزدهی

المصدر: دوفصنامه علمی‌پژوهشی آیین حکمرانی، السنة الثانية، العدد الثالث، ربيع وصيف ١٤٠٣

المقدمة

قدم الشهيد الصدر رحمه الله، من خلال دمج ذكي بين التعاليم الوحيّة واحتياجات العصر، بنية نظرية لا تقتصر على الاستجابة لتعقيدات عصره فحسب، بل تمتلك القدرة على التكيف مع تحديات المستقبل أيضًا.

يتضمن فكر الحكم في منظومة الشهيد الصدر رحمه الله، رغم عدم التصريح المباشر بهذا المصطلح، أسسًا ومبادئ تتيح إعادة تعريف نظام الحكم الإسلامي. يرتكز هذا الفكر على ثلاثة محاور: صنع السياسات، التنظيم (بناء المؤسسات)، والتيسير (الإدارة التنفيذية). في فكره، يُعرف صنع السياسات بالتأكيد على حق السيادة الإلهية ومبدأ العدالة الاجتماعية؛ ويتم التنظيم في إطار الاستجابة لاحتياجات العصر مع الالتزام بمبادئ الشريعة؛ ويُنظر إلى التيسير كمنصة لتنفيذ القوانين العادلة وتحقيق المشاركة الشعبية (صدر، ۱۳۹۳، ج2، ص ۸۰–۲۱0). تكشف دراسة أعمال الشهيد الصدر رحمه الله عن عمق فكره في دور الدين كقوة منظمة في البنى الاجتماعية والسياسية. يؤكد على أهمية الإيمان والروحانية في تعزيز العدالة الاجتماعية والحكم العادل، ويتحدث عن إمكانات الإسلام في تنظيم الأنظمة الاجتماعية والسياسية. يربط هذا الفكر بين المبادئ الثابتة للشريعة واحتياجات المجتمعات المعاصرة المتغيرة، ويقترح نموذجًا شاملاً للحكم الإسلامي (همو، ۱۳۹۹، ص ۲۴).

علاوة على ذلك، يعتبر الشهيد الصدر رحمه الله الرقابة والإصلاح المستمر ركنًا أساسيًا للحكم الإسلامي وضرورة لتحقيق العدالة ومكافحة الفساد. يدمج هذه المبادئ مع مفاهيم مثل الشفافية والمسؤولية، مما يغني نموذج حكمه. هذا التمازج يعكس جهدًا ذكيًا لتقديم إطار شامل وعملي لمواجهة القضايا المعقدة والمتنوعة في المجتمعات الإسلامية.

في هذا البحث، وبهدف تحليل وإعادة قراءة أفكار الشهيد الصدر، سُعي إلى توضيح خطوات الحكم الإسلامي في المحاور الثلاثة: صنع السياسات، التنظيم، والتيسير. تستند هذه الدراسة إلى مصادر أصيلة وتحليلات عميقة، وتسعى إلى تقديم إطار محلي للحكم الإسلامي قادر على تلبية احتياجات المجتمعات المعاصرة وتوفير بيئة لتحقيق العدالة والارتقاء الاجتماعي.

1. خلفية البحث

كتاب التعرف على الفكر السياسي للشهيد الصدر رحمه الله (بی‌نیاز و همکاران، 1400)؛ يتناول هذا الكتاب تحليل الأفكار السياسية للشهيد الصدر رحمه الله ويبرز دور مبادئ العدالة الاجتماعية والشريعة في الحكم الإسلامي. بينما يركز البحث الحالي أكثر على خطوات الحكم الإسلامي وإطاره النظري، يتناول الكتاب المذكور دراسة مقارنة ونظرية للفكر السياسي للشهيد الصدر رحمه الله.

مقالة «مكانة الاستقراء في منهج الشهيد الصدر في الاقتصاد الإسلامي» (قاسمی‌اصل، محمدجواد، 1398): تتناول هذه المقالة الاستقراء وتحليل المنهجية عند الشهيد الصدر رحمه الله في القضايا الاقتصادية. يتميز البحث الحالي بأنه بالإضافة إلى تحليل الحكم الإسلامي من جوانب متعددة، يعالج أيضًا ارتباط هذا الفكر بالاحتياجات الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

مقالة «دراسة مقارنة لـ “مبدأ مساءلة الحكومة” في فكر الشهيد الصدر رحمه الله وآية الله الخامنئي» (رحیمیان و جاوید، 1397): تحلل هذه المقالة وتقارن بين وجهات نظر الشهيد الصدر رحمه الله وآية الله الخامنئي حول مبدأ مساءلة الحكومة. يتميز البحث الحالي بأنه بالإضافة إلى الدراسة المقارنة، يقدم تحليلًا تطبيقيًا لهذا المبدأ في المجتمعات المعاصرة والتحديات التنفيذية المرتبطة به.

كتاب «نظرية الدولة في المدرسة الكلامية والفقهية لعالم الشهيد سيد محمد باقر صدر رحمه الله» (قربی، 1399): يتناول هذا الكتاب بيان نظرية الدولة في فكر الشهيد صدر وعلاقتها بالمبادئ الكلامية والفقهية. بينما يركز البحث الحالي على الجوانب العملية والتنفيذية للحكم الإسلامي، يتناول هذا الكتاب أساسًا المبادئ النظرية والفلسفية لذلك.

مقالة «دراسة منهج آية الله الشهيد صدر رحمه الله في اكتشاف المدرسة الاقتصادية الإسلامية» (یوسفی، 1379): تتناول هذه المقالة المنهجية التي اتبعها الشهيد صدر رحمه الله في اكتشاف المدرسة الاقتصادية الإسلامية. والتميّز في البحث الحالي هو أنه بالإضافة إلى التحليل والمنهجية، يعالج تحليلًا مقارنًا لأفكار الشهيد صدر رحمه الله مع غيره من المفكرين الإسلاميين ودراسة تأثيرها على الحكم الإسلامي.

مقالة «دراسة وجهة نظر آية الله محمد باقر صدر رحمه الله في مجال السنن الاجتماعية في القرآن» (پرچم و باقری‌پور، 1393): تحلل هذه المقالة آراء الشهيد صدر رحمه الله حول السنن الاجتماعية في القرآن. بينما يركز البحث الحالي على الجوانب العملية والتنفيذية للحكم الإسلامي، تتناول هذه المقالة أساسًا المبادئ النظرية وتفسير القرآن.

مقالة «دراسة المجالات والدوائر والمهام للحوزة، والروحانية، والدولة في التربية السياسية من وجهة نظر الشهيد صدر رحمه الله» (فرهنگ پژوهش، 1398): تتناول هذه المقالة دور الحوزة، والروحانية، والدولة في التربية السياسية من وجهة نظر الشهيد صدر رحمه الله. والتميّز في البحث الحالي هو أنه يعالج تحليلًا مقارنًا لأفكار الشهيد صدر رحمه الله مع غيره من المفكرين الإسلاميين ودراسة تأثيرها على الحكم الإسلامي.

2. المفهومية في الحكم

– الحكم (Governance): أصبح الحكم، لا سيما في الخطاب المعاصر، أحد المفاهيم المحورية في مجال الإدارة وصنع السياسات العامة. أدى انتشار مصطلح «الحكم الجديد» إلى دراسة هذا المفهوم من زوايا متعددة. قدمت المنظمات الدولية والباحثون تعاريف متنوعة تعكس كل منها جانبًا خاصًا من هذه الظاهرة. يعرّف بيوَر الحكم كنموذج من القيادة يتوافق مع أساليب مختلفة للإدارة والحكم. وفي أعماله اللاحقة، يؤكد على التنسيق بين هذه النماذج والأساليب الإدارية ويرى الحكم كعملية ديناميكية لتنظيم وإدارة التفاعلات الاجتماعية (Bevir, 2007, p 7 & 2021, P173). من جهة أخرى، تعتبر البنك الدولي (1999) الحكم عملية يتم فيها اختيار الأشخاص ذوي السلطة، وتقييم قدرة الدولة على إدارة الموارد وتنفيذ السياسات، وأخيرًا ضمان احترام حقوق المواطنين والمؤسسات الحاكمة (Kaufmann, 1999, p 652). وفي تعريف تكميلي، تؤكد هذه المؤسسة في عام 2007 أن الحكم هو طريقة السلطات العامة في تشكيل السياسات الكبرى وتقديم الخدمات العامة (World Bank, 2007). يعرف بيير وبيترز (Pierre & peters, 2021) وتورفينغ وأونسِل الحكم كعملية تفاعلية يتم من خلالها توجيه المجتمع والاقتصاد عبر المفاوضات والتعاون المشترك نحو تحقيق الأهداف الجماعية. هذا المنظور يركز على دور التفاعلات بين المؤسسات والفاعلين المختلفين في صنع السياسات (Ansell and Torfing, 2022, p 14). في دراسة الجوانب الدولية للحكم، يؤكد فرازمند على ضرورة تعزيز التفاعل البنّاء بين الفاعلين الداخليين والخارجيين. ويرى الحكم كعملية يجب أن تستجيب في آن واحد للاحتياجات الوطنية والمتطلبات العالمية (Farazmand, 2004). يقدم ستوكر تعريفًا واسعًا للحكم يشير إلى تعقيده في المجتمعات الحديثة. من وجهة نظره، يشمل الحكم مجموعة من المؤسسات والفاعلين، بعضهم ذو أصل حكومي والبعض الآخر يعمل خارج نطاق الدولة. كما يولي اهتمامًا لجوانب مثل اختفاء الحدود المؤسسية، الاعتماد المتبادل للسلطة في العلاقات بين الفاعلين، تشكيل شبكات الحكم الذاتي، والقدرة التنفيذية التي تتجاوز السلطة الرسمية للدولة (Stoker, 1998).

تفسيرات مفهومي متنوع از الحكومة تُظهِر جوانب مختلفة لهذا المفهوم في السياقات النظرية والتطبيقية. كل من هذه التفسيرات تناول الحكومة من منظور خاص وطرح مناهج جديدة في هذا المجال. في أحد المناهج، تُعرَّف الحكومة كأداة لتوجيه السياسات العامة (Jreisat, 2004). هذا التفسير يؤكد على دور الحكومة كآلية لتحديد وتنفيذ السياسات الكبرى. منهج آخر يُعرِّف الحكومة بمفهوم «الحكومة الحد الأدنى» التي يتركز فيها على تقليل دور الدولة وتفويض المزيد من المهام إلى الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين الآخرين (Bevir, 2007/ Malik, 2017). في هذا السياق، تُعرف الحكومة المؤسسية أيضاً كنوع من الإدارة الفعالة القائمة على التفاعل الفعّال بين القطاعين الخاص والعام (Nikolić & Zlatanovic, 2018). بالإضافة إلى ذلك، في بعض الرؤى تُعرَّف الحكومة كنظام اجتماعي-سايبيرنيتيكي يركز على ديناميكية التفاعلات بين مختلف قطاعات المجتمع بهدف تنظيم وتوجيه شبكات الاتصال (Rhodes, 2003 / Kooiman, 1993). هذا المنظور يرى الحكومة ليس فقط كأداة تنفيذية، بل كنظام معقد من العلاقات بين المؤسسات ذاتية التنظيم (Rhodes, 1996 / Malik, 2017). في بعض الرؤى الأخرى، تُعرَّف الحكومة كمفهوم مرتبط بالاقتصاد السياسي الجديد حيث يُعاد تعريف دور الدول والأسواق في تنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية (Rhodes, 2000 / Lynn, 2000 / Heinrich & Hill, 2000). هذا التفسير يشير بشكل خاص إلى التحديات المعاصرة في مجال الاعتماديات الدولية والعولمة. في الواقع، تُعتبر الحكومة الجيدة كأحد المناهج الرئيسية في هذا المجال، حيث تؤكد على مبادئ مثل الشفافية، والمساءلة، والعدالة الاجتماعية (Pierre and peters, 2021 / Rhodes, 2000). في هذا الإطار، يُقدم ستوكر الحكومة ليس فقط كآلية تنفيذية، بل كنظرية أساسية تعيد تعريف العلاقات بين المؤسسات الحكومية وما بعدها لتحقيق الأهداف الجماعية (Stoker, 1998). هذه التعريفات المتنوعة تُظهر أن الحكومة ليست مجرد أداة تنفيذية، بل مفهوم متعدد الأبعاد يلعب أدواراً متنوعة في التنظيم، والتنسيق، وقيادة المجتمعات.

الحكومة، كمفهوم رئيسي في نظريات الإدارة العامة وصنع السياسات، تُعرِّف الدولة كمؤسسة قادرة على استخدام الأساليب والأدوات المتقدمة لتوجيه المجتمع نحو الأهداف الكبرى. هذا المفهوم، مع التأكيد على التفاعل البنّاء بين الفاعلين الحكوميين والخاصين والاجتماعيين، يرسم عمليات تتم في إطار هياكل تشاركية واتخاذ القرار، تؤدي إلى صياغة اللوائح، وتنظيم القوانين، وتوفير السلع والخدمات العامة. تسعى الحكومة إلى توزيع استراتيجي للسلطة بين المؤسسات المختلفة، وفي هذا السياق، تعتبر تسهيل الاتصالات النظامية والفعالة بين هذه المؤسسات من أهم مهام الحكام (کریم‌یان، محمدی وآخرون، ۱۳۹۸). وفقاً لبعض الخبراء، الحكومة هي عملية توجيه وإدارة نطاق محدد نحو أهداف متفق عليها بين الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين. هذه العملية، التي تمتلك القدرة على التقييم بناءً على مؤشرات محددة ومنهجية، تشمل مجموعة من الوظائف الأساسية. هذه الوظائف تتضمن وضع السياسات، والتنظيم، وإعادة توزيع الموارد، والتيسير، وتقديم الخدمات العامة. كل من هذه الوظائف تساهم بشكل متسلسل في تحقيق الأهداف المشتركة وتقود المراحل التالية نحو تعزيز كفاءة هيكل الحكومة (Pierre & peters , 2021/ Mishra & Attri, 2020). الحكومة، خصوصاً في المجالات الحديثة، هي عملية معقدة تلعب فيها القيم والمعايير الاجتماعية دوراً بارزاً في تحديد مسارها وهيكلها. هذه العملية، بالاعتماد على السلطة الشرعية، تخلق آلية ديناميكية وقابلة للتكيف يمكنها مواجهة التحديات المتغيرة باتباع مناهج مرنة وفعالة. من هذا المنظور، تؤكد الثقافة (Merriam-Webster, 2023) على أهمية الأُسس القيمية في الحكومة وتعتقد أن نجاحها مرتبط بالربط الفعّال بين المبادئ الأخلاقية والسلطة الشرعية (Bevir, 2021 Salamin, 2021 / Colebatch, 2021). الحكومة الحديثة، من خلال تعميق التفاعل بين المستويات المحلية والوطنية والدولية المختلفة، تسعى إلى خلق رابط مستدام بين الناس والمؤسسات. هذا المنهج، المبني على أسس علمية وعملية، يتجاوز كونه مجرد آلية تنفيذية، ليقدم نموذجاً شاملاً ومتكاملاً اجتماعياً وسياسياً، ويجعل تحقيق الأهداف المشتركة ممكناً في إطار منسق ومنظم.

في تحليل مدرسة الحكومة شهيد بهشتي (عالی، ۱۴۰۱)، تُعرَّف الحكومة كعملية تشمل تنظيم القواعد، وتنفيذها بفعالية، ومراقبة الأداء، والاستفادة من التغذيات الراجعة المكتسبة. هذه العملية، في إطار القيم والمعايير السائدة، تُمارس السلطة الشرعية بهدف تحقيق الأهداف الجماعية لأصحاب المصلحة والفاعلين المتنوعين، وتُعرف وتُنفذ. في هذا المنهج، الحكومة ليست فقط آلية تنفيذية، بل هي عملية استراتيجية لتوجيه شامل لمنظمة أو دولة.

استنادًا إلى التعريفات المتنوعة التي وُضعت للحكم، يمكن تلخيص الأمر بأن الحكم هو عملية ديناميكية وتفاعلية تدير العلاقات بين المؤسسات الحكومية والخاصة والاجتماعية من خلال التنظيم، ووضع السياسات، والتيسير، بهدف تحقيق الأهداف الجماعية. هذا المفهوم، مع التركيز على الشفافية، والمساءلة، والعدالة الاجتماعية، يوفر آلية لتوزيع السلطة، وتنفيذ السياسات، وتقديم الخدمات العامة ضمن نظام متماسك وقابل للتكيف.

٣. إعادة تعريف مفهوم الحكم من وجهة نظر الشهيد الصدر (قده) ومكانته في التعريفات الحديثة للحكم

الشهيد الصدر (قده) في تحليلاته للحكم الإسلامي، يعرفه كنظام قائم على مبادئ الشريعة والعدالة الاجتماعية، حيث تحظى التناغم بين الهياكل الحكومية وغير الحكومية بأهمية خاصة. في هذا الإطار، تتضمن مبادئ الحكم الإسلامي في مؤلفاته ليس فقط الرقابة على الأجهزة التنفيذية، بل تؤكد أيضًا على تعزيز المجتمع المدني والمشاركة العامة؛ ومن ثم فإن مفهوم الحكم الإسلامي في فكر الشهيد الصدر (قده) يرتبط بشكل خاص بالمؤسسات الاجتماعية والشعبية التي تشارك في عملية الحكم وتنفيذ العدالة.

الشهيد الصدر (قده) في مؤلفاته، ومنها الفقه البحث في الفقه الحكومي (صدر، ۱۳۹۳، ص ۲۴)، اقتصادنا (همو، ۱۳۹۹، ص ۸۴)، وفلسفة الحكم (همو، ۱۳۹۴، ص ۷۶)، يشير إلى أن الحكم الإسلامي، خلافًا للأنظمة العلمانية، يستمد شرعيته من مصدر إلهي يمكنه من تحقيق العدالة الاجتماعية. وبشكل خاص، من خلال توضيح مفهوم «منطقة الفراغ» (همو، ۱۳۹۹، ص ۳۷)، يتيح إمكانية استخدام الاجتهاد الفقهي لاتخاذ القرارات في الحالات التي لا توجد فيها أحكام صريحة من الشريعة. هذا النهج يجعل الحكم الإسلامي قادرًا على التكيف مع مقتضيات الزمان والمكان، مع الحفاظ في الوقت ذاته على المبادئ الثابتة للشريعة.

في هذا النظرية، وخاصة في اقتصادنا (المرجع نفسه، ص 102)، يؤكد على ضرورة عمل مختلف قطاعات الحكم الإسلامي بشكل منسق لتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية والشفافية عمليًا. في هذا السياق، يشير إلى المؤسسات المدنية مثل المجالس الاستشارية والمؤسسات الرقابية (همو، 1393، ص 45) التي تلعب دورًا حيويًا في الإدارة الحكومية ويجب أن تشارك في عملية اتخاذ القرار. هذه المؤسسات، بالإضافة إلى الرقابة على الحكومة، لها دور أساسي في خلق المشاركة العامة وتعزيز التماسك الاجتماعي.

بالنظر إلى المفهوم الجديد للحكم، حيث يعرف الشهيد الصدر الحكم كعملية نظامية ومرنة، تلعب المؤسسات المدنية دورًا حاسمًا في هذه العملية. يجب أن تخضع هذه المؤسسات للرقابة لمنع الانحرافات الاجتماعية والفساد. في مؤلفاته، وخاصة في «الإسلام والقضية المهدوية» (همو، ۱۳۹۴، ص ۵۳)، يوضح أن في الحكم الإسلامي، الاهتمام بالعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان إلى جانب الرقابة على الأجهزة التنفيذية والمؤسسات المجتمعية، يشكل أحد الركائز الأساسية.

٤. موضوعية الحكم الإسلامي

الحكم الإسلامي، كنظام معرفي شامل ومتعدد الأبعاد، هو هيكل يسعى من خلال ربط الركائز اللاهوتية والاجتماعية والإدارية، إلى تمهيد الطريق لتحقيق العدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان، والسعادة الدنيوية والأخروية. هذا المفهوم، خلافًا للنماذج العلمانية التي تعتبر السلطة هدفًا نهائيًا (Machiavelli, 1513, p 11)، يرى السلطة أمانة إلهية لا تكتسب الشرعية إلا في سبيل تعزيز قيم الشريعة والاستجابة لاحتياجات المجتمع (موسوی خمینی، ۱۳۷۴، ص ۲۴۱). يوفر نظام الحكم الإسلامي، من خلال التأكيد على ثلاثة أركان: وضع السياسات، والتنظيم (بناء النظام)، والتيسير (التنفيذ)، ليس فقط إطارًا نظريًا بل نموذجًا عمليًا لإدارة المجتمعات الإسلامية. ما يميز هذا النظام عن غيره من أنظمة الحكم هو اعتماده على القرآن الكريم والمعارف الدينية كمصدر رئيسي للقوانين والسياسات. في هذا الإطار، لا يدمج الحكم فقط الآليات العرفية والتجريبية، بل يدمج القيم الإلهية في جميع أبعاد الإدارة والتنفيذ (لک‌زایی، ۱۴۰۲، ص ۷۵-۸۰ و ۱۴۰۳، ص ۶۶-۶۷).

ركن وضع السياسات في الحكم الإسلامي هو نقطة البداية للنظام، حيث تُصاغ الأفكار والمبادئ الاستراتيجية الكبرى بناءً على معارف القرآن والسنة. تتطلب هذه المرحلة تبني منهج نظري قادر على مواءمة المبادئ الثابتة للشريعة مع الظروف الاجتماعية الديناميكية والمتغيرة. تُحدد العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان كنواة مركزية لوضع السياسات، وتُرسى الخطوط العريضة بهدف إيجاد توازن بين الاحتياجات المادية والروحية للمجتمع. بالإضافة إلى النخب العلمية والدينية، تُعتبر مشاركة الناس الفعالة ضرورية لضمان الشرعية والشفافية والمساءلة على جميع المستويات. تستند هذه المرحلة إلى تعاليم قرآنية مثل الآيات المتعلقة بالعدل (نساء: ۱۳۵) والمشورة (شوری: ۳۸)، مما يؤسس لبنية تحتية لإنشاء الأنظمة التنفيذية والمؤسسات التنظيمية (لک‌زایی، ۱۴۰۲، ص ۸۱).

التنظيم في الحكم الإسلامي هو المرحلة الوسيطة بين صياغة الأفكار والتنفيذ، وتتمثل مهمته الأساسية في تحويل السياسات والأفكار الكبرى إلى هياكل ومؤسسات عملية. تخلق هذه المرحلة نظامًا مؤسسيًا من خلال صياغة قوانين واضحة وعادلة ومستندة إلى الشريعة، يمكنه توجيه السلوكيات والعمليات الاجتماعية والسياسية نحو العدالة والأخلاق. في هذه العملية، تلعب المجالس الاستشارية، والمحاكم القضائية، والمؤسسات الرقابية، التي تستند إلى مبادئ قرآنية مثل المشورة (آل‌عمران: ۱۵۹) والأمر بالمعروف (آل‌عمران: ۱۰۴)، دورًا حيويًا في ضمان التوافق التنفيذي مع القيم الإلهية. تضمن هذه العملية، من خلال الرقابة المستمرة على أداء المؤسسات ومراجعة السياسات، مرونة وحيوية الحكم الإسلامي (لک‌زایی، ۱۴۰۲، ص ۸۱؛ پورفرد، ۱۳۸۶، ص ۱۹).

التيسير كركن ثالث للحكم الإسلامي، حيث تُنفذ السياسات والأنظمة المنظمة. تشمل هذه العملية إدارة الموارد، التوزيع العادل للإمكانات، وتقديم الخدمات العامة، وكل ذلك يتمحور حول مبادئ العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان. التيسير في الحكم الإسلامي، بالإضافة إلى تنفيذ السياسات، هو أداة لتعزيز التماسك الاجتماعي وكسب ثقة الجمهور. الشفافية في تقديم الخدمات والاستجابة لاحتياجات الناس من المبادئ المحورية لهذه المرحلة التي تؤدي إلى كفاءة واستدامة نظام الحكم. في هذا المجال، تُعد التعاليم الدينية مثل وجوب العدالة في توزيع الإمكانات (نساء: ۵۸) دليلاً للإجراءات التنفيذية.

الحكم السياسي، كأحد المحاور الأساسية لهذا النظام، يتحمل مسؤولية إدارة وتوجيه السلطة. في هذا الجانب، لا تُعتبر السلطة مؤسسة مستقلة، بل أداة لخدمة القيم الإلهية والعدالة الاجتماعية. الحكم السياسي الإسلامي، في مواجهته للأنظمة العلمانية – التي تستمد شرعيتها من العقود الاجتماعية أو مصالح الأغلبية – يستمد شرعيته من توافقه مع الشريعة وتحقيق المصالح العامة. يؤكد هذا النظام على الربط النظامي بين السيادة الإلهية ورضا الشعب، ويُقدم العدالة الاجتماعية، الشفافية، والرقابة المستمرة كركائز رئيسية له. تعزز المبادئ القرآنية مثل طاعة الحكام العادلين (نساء: ۵۹) ومكافحة الفساد (بقره: ۲۰۵) أسس الحكم السياسي (لک‌زایی، ۱۴۰۲، ص ۸0-۸1؛ ۱۴۰۳، ص ۷۲).

الحكم الإسلامي، من خلال دمج الأركان الثلاثة المذكورة وتركيزه على الحكم السياسي، يصل إلى نموذج متناسق وديناميكي قادر على الاستجابة لاحتياجات المجتمع المتغيرة ومواجهة التحديات المعاصرة. يستفيد هذا النظام من التعاليم القرآنية والمعارف الدينية ليُوفر إطاراً لتحقيق العدالة، وتعزيز التضامن الاجتماعي، وإيجاد توازن بين القيم الإلهية والاحتياجات العملية للمجتمع. يؤدي التفاعل بين وضع السياسات، التنظيم، والتيسير إلى التماسك والتنسيق في جميع مستويات الحكم، ويُقدم نموذجاً خاصاً لإدارة المجتمعات الإسلامية.

٥. الإطار الدائري للحكم الإسلامي في فكر الشهيد الصدر رحمه الله عليه

٥.١. الخطوة الأولى: مرحلة وضع السياسات

يُعرّف الشهيد الصدر (ره) وضع السياسات كعملية متعددة الأوجه تهدف إلى تدبير شؤون الناس وفق الشريعة الإسلامية. يرسم هذا التصور الحكم في ارتباط نظامي بين القيم الإلهية والاحتياجات الاجتماعية. يُظهر تحليل محتوى مؤلفاته أن وضع السياسات وصياغة الأفكار في هذا الإطار يعمل كأداة لتوجيه المجتمع نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان، والسيادة الإلهية. يُعرف هذا المفهوم في سياق مهام الحكومة الإسلامية وفي ظل الشكل الأساسي للحكم، أي الشكل الإلهي والشكل الشوروي.

٥.١-١. المبدأ الأول: تحديد الأهداف الكبرى في وضع السياسات الإسلامية

يجب أن يبدأ وضع السياسات في الحكم الإسلامي بتحديد الأهداف الكبرى. تُعرف هذه الأهداف، مثل العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان، كمحور أساسي للحكم. يؤكد الشهيد الصدر رحمه الله عليه على أن شرعية الوصاية في الحكم تستلزم التنفيذ الفعلي للشريعة وتوافق هيكل الحكومة مع المبادئ الإسلامية. هذا التصور متجذر أيضاً في الحديث الشريف «كُلُّكُم راعٍ وَكُلُّكُم مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (مجلسى، ج ۷۲، ص ۳۸) ويؤكد على أهمية تحمل المسؤولية ضمن إطار الشريعة (صدر، ۱۳۵۹، ص ۲۴-۲۶). في مؤلفات الشهيد الصدر، يشمل وضع السياسات الإسلامية جانبين رئيسيين: صياغة أحكام الشريعة وتنظيم القوانين الجزئية بما يتناسب مع الظروف الزمانية والمكانية. يؤكد على ضرورة تأسيس الإطار النظري بحيث يحافظ على المبادئ الدينية الثابتة، وفي الوقت نفسه يستجيب للتغيرات البيئية والاحتياجات الاجتماعية. هذا الإطار، بالإضافة إلى التوافق مع الأحكام الإلهية، يوفر الأدوات اللازمة لتنظيم العلاقات الاجتماعية وترتيب شؤون الحكم (المرجع نفسه، ص ۴۵-۴۷).

٥.١-٢. المبدأ الثاني: توافق القوانين مع الشريعة

من أبرز دلالات الحكم الإسلامي في مرحلة التنفيذ هو التناغم التام بين القوانين والسياسات مع مبادئ وقواعد الشريعة. يؤكد الشهيد الصدر رحمه الله عليه أنه لا يجوز لأي إجراء في النظام التنفيذي أن يتعارض مع الأوامر الشرعية. يستند إلى الآية ٤٩ من سورة المائدة التي تقول: «وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ» ويرى أن هذه الآية تؤكد وجوب توافق السياسات التنفيذية مع الشريعة (همو، ۱۳۹۹ الف، ص ۳۵). يشدد على أنه في الحالات التي لا يوجد فيها نص صريح في الشريعة، يجب على النظام التنفيذي أن يتخذ القرار الأفضل بالاستناد إلى الاجتهاد الفقهي والتشاور مع علماء الدين. يعتبر هذه العملية أداة لتحقيق التزامن بين الديناميكية التنفيذية وثبات المبادئ الثابتة للشريعة، ويؤكد أن هذا النهج يحقق التكامل بين مرونة الحكم وثبات المبادئ الشرعية (المرجع نفسه، ص ۳۷).

توافق السياسات مع الشريعة الإسلامية، كأحد الركائز الأساسية لوضع السياسات، يلعب دورًا محوريًا في إضفاء الشرعية على الحكم الإسلامي. يؤكد الشهيد الصدر(ره) على ضرورة الالتزام بتوافق الشريعة في جميع مراحل وضع السياسات، من الصياغة إلى التنفيذ. هذا الرأي هو الأداة الرئيسية للحفاظ على تماسك نظام الحكم ومنع انحرافه عن طريق العدالة والقيم الإلهية (صدر، ۱۳۵۹، ص ۸۰).

٥.١-٣. المبدأ الثالث: المرونة في مقتضيات الزمان

يرى الشهيد الصدر رحمه الله عليه أن الحكم الإسلامي هو حكم مرن يمكنه التكيف مع الظروف الزمنية والمكانية دون أن يبتعد عن مبادئ الشريعة. يشير إلى مفهوم منطقة الفراغ ويعتقد أن هذه المنطقة توفر فرصة مناسبة للنظام التنفيذي لوضع لوائح مؤقتة تلبي احتياجات المجتمع. من وجهة نظره، منطقة الفراغ تعني فضاءً لم تصدر الشريعة فيه حكمًا مباشرًا، ويجوز فيه الاجتهاد والمصلحة (همو، ۱۳۹۹ ب، ص ۴۱). ويؤكد على أهمية هذا المبدأ في وضع السياسات، مشيرًا إلى أن الحكم الإسلامي يمكنه وضع سياسات لإدارة الموارد بشكل أفضل، رغم كونها مؤقتة، لكنها تلبي الاحتياجات العاجلة للمجتمع ولا تنتهك مبادئ الشريعة. كمثال، يذكر السياسات الاقتصادية في الظروف الطارئة كأحد تطبيقات هذا المبدأ (المرجع نفسه، ص ۴۳).

٥.٢. الخطوة الثانية: مرحلة التنظيم (النظامي)

في شرح الحكم الإسلامي، يقدم الشهيد الصدر رحمه الله عليه مرحلة التنظيم كأحد المكونات الأساسية لهذا النظام. تتحمل هذه المرحلة مسؤولية إنشاء الهياكل والمؤسسات التي، بالإضافة إلى التوافق الكامل مع مبادئ الشريعة، توفر الأدوات اللازمة لتحقيق العدالة والمساءلة والشفافية. يبدأ التنظيم في هذا الإطار بتصميم أنظمة نظامية وعمليات تنفيذية، ويلعب دور الوسيط بين وضع السياسات وتنفيذ الحكم.
في هذا الإطار، يذكر الشهيد الصدر(ره) هدفين رئيسيين للتنظيم في الحكم الإسلامي:

  1. بيان الأحكام الثابتة للشريعة: وهي الأحكام المستمدة من مصادر قطعية مثل القرآن والسنة والتي لا تقبل التغيير في أي ظرف.
  2. وضع اللوائح المتغيرة: وهي اللوائح التي تُصاغ وفقًا للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ضمن إطار مبادئ الشريعة الثابتة. يجب أن تُبنى هذه اللوائح، مثل قوانين الضرائب أو النظام التعليمي، بطريقة تلبي احتياجات المجتمع المتغيرة (صدر، ۱۳۵۹، ص ۴۵-۴۷). هذا الإطار، بالإضافة إلى خلق التماسك في وضع السياسات والتنظيم، يتيح المرونة والاستجابة للتغيرات الاجتماعية.

٥.٢-١. المجالس والعدالة المؤسسية؛ أدوات تحقيق الشفافية والمساءلة

في فكر الشهيد الصدر رحمه الله عليه، تلعب المجالس والمؤسسات الاستشارية دورًا محوريًا في عملية التنظيم. هذه المؤسسات هي أدوات فعالة لتعزيز المشاركة العامة ومراقبة الأداء الحكومي. يؤكد على أن المجالس يجب أن تُبنى على أساس مبادئ الشريعة وأن تعمل بطريقة تضمن الشفافية والعدالة والمساءلة على جميع المستويات الحكومية. مشاركة الناس عبر المجالس تضمن شرعية وتماسك الحكم الإسلامي وتساعد على تعزيز العلاقة بين الدولة والشعب (المرجع نفسه، 57).

أحد المبادئ الأساسية للتنظيم في فكر الشهيد الصدر رحمه الله عليه هو التأكيد على العدالة المؤسسية. يعتقد أن العدالة يجب أن تُراعى ليس فقط في محتوى القوانين، بل في الهياكل والعمليات التنفيذية أيضًا. العدالة المؤسسية هي أساس الشرعية والثقة العامة وتمنع انحراف الحكم الإسلامي. ويصرح بأنه إذا حدث انحراف في القوانين أو الأداء الحكومي، فإن إصلاحه ليس فقط واجبًا مؤسسيًا حكوميًا، بل هو واجب المجتمع الإسلامي (المرجع نفسه، ص ۷۰-۷۲).

٥.٢-٢. العدالة كمحور في التنظيم؛ التماسك بين النظرية والتطبيق

العدالة، كجوهر للحكم الإسلامي، يجب أن تظهر في نظر الشهيد الصدر رحمه الله عليه ليس فقط في محتوى السياسات، بل في الهياكل والعمليات التنفيذية أيضًا. يؤمن بأن الحكم العادل يحتاج إلى إنشاء مؤسسات شفافة ومسؤولة يمكنها تلبية احتياجات المجتمع ضمن إطار مبادئ الشريعة. العدالة المؤسسية، من وجهة نظره، لا تضيف فقط إلى شرعية النظام، بل تعزز الثقة العامة وتقلل من الانحرافات الهيكلية والوظيفية. هذا الرأي يحول الحكم الإسلامي إلى نظام ديناميكي وفعال قادر على الاستجابة للاحتياجات المعاصرة. ويقدم المجالس والمؤسسات الرقابية كأدوات حيوية في عملية التنظيم تلعب دورًا أساسيًا في ضمان الشفافية والعدالة. يؤكد على أن إنشاء هذه المؤسسات يجب أن يكون على أساس مبادئ الشريعة وبهدف تحقيق العدالة والمساءلة على جميع المستويات الحكومية. المشاركة النشطة للشعب عبر المجالس تضمن شرعية وتماسك الحكم الإسلامي وتعزز العلاقة بين الدولة والشعب (المرجع نفسه، ص ۵۷).

٥.٢-٣. التنظيم والنظام في الحكومات غير الإسلامية

في تحليل الفروق بين الحكم الإسلامي وغير الإسلامي، يؤكد الشهيد الصدر رحمه الله عليه أن شرعية وكفاءة وتماسك الهيكل الحكومي الإسلامي تنبع من الارتباط بين الشريعة والاحتياجات الاجتماعية. يشرح هذه الأفضلية بعدة حجج عقلية ونقلية:

أولًا، وفقًا للتعاليم الإسلامية، تُعتبر السلطة في الإسلام أمانة إلهية، بينما في الأنظمة العلمانية تُعرف الشرعية عادةً على أساس العقود الاجتماعية أو سلطة الأغلبية. يؤمن الشهيد الصدر رحمه الله عليه بأنه بدون دعم إلهي، لا يوجد مصدر ثابت للعدالة والقيم الدائمة (المرجع نفسه، ص ۷۰-۷۲).

ثانيًا، من وجهة نظره، الأنظمة العلمانية أكثر عجزًا في توفير العدالة المستدامة؛ لأن المؤشرات الأخلاقية المتغيرة ومصالح جماعات السلطة تؤثر على السياسات. في المقابل، يمكن للحكم الإسلامي، بالاعتماد على المبادئ الثابتة للشريعة والمرونة في منطقة الفراغ، أن يوازن بين الاستقرار القيمي والتكيف مع الظروف المتغيرة (المرجع نفسه، ص ۷۲).

ثالثًا، يرى أن الرقابة المستمرة هي أحد أركان الحكم الإسلامي. ويستدل على أنه في الأنظمة غير الإسلامية، غياب الالتزام الديني بالمساءلة يزيد من فرص الفساد، بينما في الحكم الإسلامي، الرقابة الشرعية والاجتماعية تضبط سلوك الحكام وتمنع الاستبداد (المرجع نفسه، ص ۷۰-۷۲).

من وجهة نظر الكاتب، رغم أن رؤية الشهيد الصدر رحمه الله أساسها قوي في الفلسفة السياسية الإسلامية، إلا أنه يمكن دراسة ما إذا كان الحكم الإسلامي في العالم المعاصر قد تمكن عمليًا من تحقيق هذه المبادئ؛ فمثلاً، تحديات تحقيق العدالة الاجتماعية في الحكومات الإسلامية المعاصرة، وقضية قابلية تفسير القوانين الشرعية، وآليات الرقابة والمساءلة على المستوى التنفيذي، كلها مسائل تحتاج إلى مزيد من الدراسة؛ لذلك، رغم أن نظرية الشهيد الصدر(ره) من الناحية الدينية والفلسفية قابلة للدفاع، فإن الفحص التجريبي لأدائها في الحكومات الإسلامية اليوم يمكن أن يؤدي إلى فهم أعمق لنقاط القوة والضعف فيها.

فكر الشهيد الصدر(ره) في تحليل الفروق بين الحكم الإسلامي والحكومات غير الإسلامية يعبر عن ارتباط جوهري بين الأسس النظرية، والبنية النظامية، وأساليب التنظيم في هذين النظامين. وهو يؤمن بأن شرعية، وتماسك، وقدرة الحكم الإسلامي على المساءلة تكمن في التوافق الكامل مع مبادئ الشريعة والقيم الإلهية. ويستند هذا الادعاء إلى عدة حجج أساسية:

مصدر الشرعية: يرى الشهيد الصدر(ره) أن شرعية الحكم الإسلامي تنبع من حق السيادة الإلهي، لا من مجرد العقود الاجتماعية أو سلطة الأغلبية. ومن وجهة نظره، الأنظمة غير الإسلامية بسبب افتقارها إلى مصدر ثابت ومقدس للشرعية، تتعرض لتقلبات مستمرة ونسبية في القيم، بينما يتمتع الحكم الإسلامي بثبات قيمي ومعاييره قائمة على الوحي والاجتهاد العلمي (المرجع نفسه، ص ۴۵-۴۷).

التماسك البنيوي: يؤكد الشهيد الصدر(ره) أن الحكم الإسلامي، بسبب دمج مبادئ الشريعة مع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية عبر «منطقة الفراغ»، يتمتع بمرونة في صنع السياسات. في المقابل، العديد من الأنظمة غير الإسلامية، بسبب اعتمادها على أيديولوجيات مادية أو نسبية، تعاني من عدم توافق بين القيم الأخلاقية والسياسية والاقتصادية (المرجع نفسه، ص ۴۶).

المساءلة والعدالة: في رؤية الشهيد الصدر(ره)، المساءلة في الحكم الإسلامي ليست فقط عبر آليات الرقابة المدنية، بل جذورها في التعاليم الدينية. وهو يرى أن الالتزام الديني بالمساءلة، من خلال مفاهيم مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرقابة العامة، يهيئ الأرضية لمواجهة الفساد والظلم (المرجع نفسه، ص ۴۷). في المقابل، في الأنظمة العلمانية، تعتمد المساءلة أكثر على الآليات القانونية والرقابة الشعبية التي قد تتأثر بمصالح جماعات خاصة.

من وجهة نظر الكاتب، تشكل هذه الحجج الأسس الفكرية لرؤية الشهيد الصدر(ره)، لكن من حيث الدراسة التجريبية، يجب النظر فيما إذا كانت الحكومات الإسلامية المعاصرة قد تمكنت من تطبيق هذه المبادئ عمليًا. رغم أن نظريته تقدم إطارًا قويًا لإضفاء الشرعية على الحكم الإسلامي، إلا أن مدى تحقيق العدالة والمساءلة والتماسك في هذه الحكومات يحتاج إلى دراسة مقارنة وفحص التحديات التنفيذية؛ لذلك يجب استكمال هذا الادعاء بالدراسات التاريخية والفحص التجريبي للحكومات الإسلامية.

وفي السياق نفسه، يؤكد الشهيد الصدر رحمه الله أن في الحكومات المتعارضة مع الإسلام، مثل الأنظمة الرأسمالية والشيوعية، التنظيم لا يبتعد فقط عن الشريعة، بل يواجهها بشكل منهجي. وهذا الوضع لا يؤدي فقط إلى إضعاف العدالة والشفافية، بل يقضي أيضًا على شرعية الحكم. ويشير في تأييد هذا الرأي إلى دور المؤسسات الحكومية في هذه الأنظمة، ويعتقد أن كل الهياكل مبنية لمواجهة أي قيمة إسلامية (المرجع نفسه، ص45-47/ Kaufmann, 1999, p652, Bevir, 2021, p173).

فئة أخرى من الحكومات غير الإسلامية تشمل أنظمة مثل الأنظمة الاستبدادية والاستعمارية التي تُدار بناءً على الإرادة الفردية أو المصالح الجماعية. التنظيم في هذه الأنظمة يفتقر غالبًا إلى مبادئ ثابتة ويُبنى على تأمين مصالح القوى الحاكمة. يرى الشهيد الصدر رحمه الله أن هذه الأنظمة تفتقر أيضًا إلى الشرعية الإسلامية ويؤكد أن المؤسسات التنفيذية أو الاستشارية في مثل هذه الأنظمة ما هي إلا أدوات للحفاظ على السلطة. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى ضعف في العدالة والمساءلة، بل يضعف أيضًا العلاقة بين الدولة والشعب بشكل كبير (صدر، 1359، ص57/ Pierre & peters, 2021, p47/ Ansell & Torfing, 2022, p47).

٥.٢-٤. الحكم الإسلامي؛ نظام تنظيمي قائم على الشريعة

الحكم الإسلامي، من وجهة نظر الشهيد الصدر رحمه الله، يقوم على أسس الشريعة الإسلامية مع التأكيد على العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان. الاختلاف الجوهري لهذا الحكم عن الأنواع الأخرى يكمن في تأسيس نظام تنظيمي يقوم بالكامل على المبادئ الثابتة للشريعة والأنظمة المتغيرة بناءً على الظروف الاجتماعية. التنظيم النظامي في هذا الحكم يشمل ثلاثة محاور رئيسية:

  1. إنشاء هياكل رقابية؛ لضمان تنفيذ أحكام الشريعة ومنع الانحراف الحكومي.
  2. تصميم آليات استشارية؛ لتسهيل المشاركة العامة وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرار؛
  3. مرونة الأنظمة: للاستجابة لاحتياجات المجتمع المتغيرة ضمن إطار المبادئ الثابتة للشريعة (صدر، 1359، ص70-72).

الخاصية البارزة للحكم الإسلامي هي التناغم الكامل بين المؤسسات التنفيذية ومبادئ الشريعة. يُبنى هذا التناغم بحيث يضمن استمرارية وشرعية النظام، ويمنحه القدرة على التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية. في هذا النظام، يجب أن تُستمد أي أنظمة أو سياسات من جوهر الشريعة وفي إطار أهدافها الكبرى، ومنها العدالة الاجتماعية. لهذا السبب، يمكن وصف الحكم الإسلامي كنظام شريعة ديناميكي يتكيف باستمرار مع الظروف الزمنية.

٥.٣. الخطوة الثالثة. مرحلة التيسير (التنفيذ)

في المقال «لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران» الذي هو ترجمة لرسالة كتبها الشهيد الصدر (ره) ردًا على طلب عدد من علماء لبنان وشرحًا وتفسيرًا لأفكاره الفقهية المتعلقة بالدستور الإسلامي للجمهورية الإسلامية في إيران، وبعد عرض وصف الثورة الإسلامية، ودور القيادة تحت عنوان «المرجعية الرشيدة» وخصائصها – التي يمكن أن تُطلق عليها الحاكم – تُعرض الأفكار الأساسية في مسودة الدستور، وطرق ممارسة السيادة من قبل الشعب، وكذلك شروط وخصائص الشخص الذي يتحمل مسؤولية المرجعية (همو، ۱۳۹۹ ج، ص ۲۶). نضع هنا طرق ممارسة السيادة في مرحلة تنفيذ عمليات الحكم. في نهاية هذه الرسالة، يقدم الشهيد الصدر نظريته الفقهية المختصرة فقط كاقتراح قابل للدراسة والتنفيذ (عابدی، ۱۳۸۲، ص ۸).

شهيدصدر(ره)، في إطار الحوكمة الإسلامية، يُعرّف مرحلة تنفيذ القوانين والسياسات كواحدة من أبرز المراحل في نظام الحوكمة. من وجهة نظره، تُعد هذه المرحلة أرضية لتحقيق المبادئ الأساسية للحكم الإسلامي مثل العدالة الاجتماعية، الشفافية، والمرونة في مواجهة مقتضيات الزمان والمكان. وهو يؤمن بأن الهيكل التنفيذي في الحكم الإسلامي يجب أن يكون مزيجًا من الالتزام بمبادئ الشريعة والقدرة على إدارة المتغيرات الاجتماعية، بحيث يضمن المصالح العامة والأهداف السامية للإسلام (صدر، ۱۳۹۹ الف، ص ۲۷).

٥.٣-١. المبدأ الأول: العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد بشكل متساوٍ

أحد المبادئ الأساسية التي يؤكد عليها شهيدصدر رحمه‌الله‌عليه في مرحلة التنفيذ هو العدالة الاجتماعية. يوضح أن العدالة ليست فقط مبدأً أخلاقيًا، بل هي أساس شرعية الحوكمة. وهو يرى أن الحكم الإسلامي يجب أن يعمل في مرحلة التنفيذ بطريقة لا تُحرم أي فئة من المواطنين من حقوقها بسبب موقعها الاجتماعي أو الاقتصادي أو العقائدي. هذا المبدأ مستمد من الآية ٩٠ من سورة النحل: «إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ». ومن وجهة نظر شهيدصدر، إن تطبيق العدالة هو عمود بقاء أي نظام حكومي؛ لأنه يعزز الثقة العامة ويحافظ على شرعية النظام (المرجع نفسه، ص ۲۹). كما يؤكد على أن تحقيق العدالة الاجتماعية يفرض على الحكومة تبني سياسات قائمة على الإنصاف والشفافية في توزيع الموارد والفرص، لا سيما في مجالات الخدمات العامة والتعليم والصحة. بالإضافة إلى ذلك، في الحالات التي يحتمل فيها سوء استخدام أو تهديد للمصالح العامة، يجب على النظام التنفيذي استخدام أدوات الرقابة والقيود، بشرط أن تكون هذه الإجراءات ضمن إطار الشريعة (المرجع نفسه، ص ۳۱).

٥.٣-٢. المبدأ الثاني: الرقابة والمساءلة في النظام التنفيذي

من وجهة نظر شهيدصدر رحمه‌الله‌عليه، الرقابة الدقيقة على أداء الأجهزة التنفيذية ليست فقط أحد أركان الحوكمة الإسلامية الأساسية، بل ترتبط بشكل مباشر بثقة الناس في الحكومة. وهو يؤكد على أهمية الشفافية في الرقابة ومنع الفساد، مبينًا أنه كلما جعل المسؤولون الحكوميون أدائهم متاحًا للناس وخضعوا للتقييم المنتظم، زادت الثقة العامة وتعززت شرعية النظام. وقد ورد هذا المعنى في قول الإمام علي عليه‌السلام: «مَنْ وَلّيَ الأُمُورَ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالضُّعْفِ وَالْمَظْلُومِ أَغْلَقَ اللَّهُ بَابَ الرَّحْمَةِ دُونَهُ» (نهج‌البلاغه، نامه ۵۳)، وهو ما تم التأكيد عليه أيضًا. يشير شهيدصدر رحمه‌الله‌عليه، مستندًا إلى هذا الحديث وسيرة الإمام علي عليه‌السلام، إلى أن الرقابة والشفافية في أداء الأجهزة التنفيذية، بالإضافة إلى منع الفساد، تؤثر بشكل مباشر على مستوى ثقة الناس وبالتالي على شرعية النظام الحكومي (صدر، ۱۳۹۹ الف، ص ۴۷). كما يوضح كيف أن الرقابة الدقيقة وتطبيق القوانين بعدل يمكن أن يضمنا بقاء النظام وشرعيته، مستشهداً بموقف قضاء الإمام علي عليه‌السلام أمام مواطن يهودي، حيث حضر الإمام عليه‌السلام كطرف في الدعوى أمام القاضي، واعتبر هذا الفعل نموذجًا للعدالة في النظام التنفيذي (المرجع نفسه، ص ۵۱).

الخاتمة

  1. تقدم فكر الحوكمة الإسلامية لدى شهيدصدر رحمه‌الله‌عليه كنظام معرفي شامل وديناميكي، قائم على دمج المبادئ الثابتة للشريعة مع مقتضيات المجتمع والثقافة في فترات مختلفة، إطارًا نظريًا وعمليًا للحوكمة الإسلامية. ويعتمد هذا النظام الحوكمي بشكل خاص على ثلاثة أركان رئيسية هي: صنع السياسات، التنظيم، والتيسير، حيث يلعب كل منها دورًا أساسيًا في تأسيس وتثبيت العدالة الاجتماعية وشرعية الحكم.
  2. في مجال صنع السياسات، يؤكد شهيدصدر رحمه‌الله‌عليه على التوافق الكامل بين القوانين واللوائح التنفيذية مع الشريعة، لا سيما في موضوع العدالة الاجتماعية، ويرسم نموذج الحوكمة الإسلامية على أساس المبادئ الدينية الثابتة والاحتياجات الاجتماعية المتغيرة. كما يقدم مفهوم «منطقة الفراغ» الذي يسمح للحكم الإسلامي بالاجتهاد في المجالات التي لا توجد فيها أحكام قطعية من الشريعة، مما يمكنه من الاستجابة لمقتضيات الزمان والمكان دون التنازل عن المبادئ الأساسية للشريعة.
  3. في مرحلة التنظيم، يؤكد شهيدصدر(ره) على إنشاء مؤسسات وهياكل تتمتع بالقدرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع المتغيرة ضمن إطار الشريعة. ويبرز دور المجالس والمؤسسات الاستشارية كأدوات أساسية لتعزيز المشاركة العامة والشفافية في اتخاذ القرارات الحكومية. هذه المؤسسات لا تقتصر على دور رقابي على تنفيذ القوانين والسياسات، بل تعمل كضامن للعدالة المؤسسية التي تقلل من الانحرافات الهيكلية والوظيفية في الحوكمة الإسلامية.

تتمتع بالقدرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع المتغيرة ضمن إطار الشريعة. ويبرز دور المجالس والمؤسسات الاستشارية كأدوات أساسية لتعزيز المشاركة العامة والشفافية في اتخاذ القرارات الحكومية. هذه المؤسسات لا تقتصر على دور رقابي على تنفيذ القوانين والسياسات، بل تعمل كضامن للعدالة المؤسسية التي تقلل من الانحرافات الهيكلية والوظيفية في الحوكمة الإسلامية.

٤. في مجال التيسير، يؤكد الشهيد الصدر رحمه الله عليه على ضرورة الرقابة الدقيقة والمستمرة على أداء الأجهزة التنفيذية، ويعتبرها أحد الركائز الأساسية للشفافية ومواجهة الفساد. ويشير إلى أحاديث أهل البيت عليهم السلام وسيرة الحكام العادلين، مبينًا أن الرقابة المستمرة على أداء المسؤولين التنفيذيين لا تمنع فقط الفساد والانحرافات المحتملة، بل تعزز الثقة العامة، وبالتالي تحافظ على شرعية النظام الحاكم.

٥. بشكل عام، تُظهر هذه النتائج البحثية أن فكر الحكم عند الشهيد الصدر رحمه الله عليه ليس فقط نموذجًا متماسكًا للحكم الإسلامي قائمًا على الشريعة والعدالة الاجتماعية، بل هو أيضًا نموذج مرن يمكنه التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية ليُستخدم كنموذج لإدارة المجتمعات الإسلامية في العصر الحديث. هذا المنهج يمكنه تلبية الاحتياجات المتغيرة للمجتمعات ضمن إطار المبادئ الدينية والإنسانية، بالإضافة إلى تعزيز الشرعية، يعزز العدالة والشفافية في جميع المستويات التنفيذية والسياسية.

في الحقيقة، هذه المقالة تمثل نقطة انطلاق ودعوة لتوسيع البحوث المعمقة في مجال الحكم الإسلامي على أساس فكر الشهيد الصدر رحمه الله عليه. الأُطُر المقدمة، رغم اعتبارها خطوة أولى في توضيح مبادئ وأُسس حكمه، إلا أنها بحاجة إلى دراسات متعددة التخصصات ومقارنات أوسع لتطبيقها وتطوير النظرية في سياق المجتمعات المعاصرة. يمكن للأبحاث المستقبلية أن تستفيد من الأساليب التحليلية والتجريبية لتوضيح قدرات هذا الفكر في مواجهة التحديات الحديثة والاستجابة للاحتياجات الاجتماعية المتغيرة.

تطبيق هذا النموذج الحاكم في المجتمعات المعاصرة يتطلب إعادة قراءة وتحليل معمق للمفاهيم التي قدمها الشهيد الصدر رحمه الله عليه، ومطابقتها مع التحولات الاجتماعية والتحديات الجديدة. النموذج الذي يقدمه يمكن أن يُطرح كنموذج عالمي للحكم العادل والمسؤول؛ لأنه، رغم التزامه بالمبادئ الإلهية، يمتلك المرونة اللازمة للاستجابة لتعقيدات المجتمعات الحديثة.

تطبيق هذا النموذج الحاكم في المجتمعات المعاصرة يتطلب إعادة قراءة وتحليل معمق للمفاهيم التي قدمها الشهيد الصدر رحمه الله عليه، ومطابقتها مع التحولات الاجتماعية والتحديات الجديدة. النموذج الذي يقدمه يمكن أن يُطرح كنموذج عالمي للحكم العادل والمسؤول؛ لأنه، رغم التزامه بالمبادئ الإلهية، يمتلك المرونة اللازمة للاستجابة لتعقيدات المجتمعات الحديثة.

المصادر والمراجع

۱. بی‌نیاز، علیرضا و محمدمهدی باباپور و منصور میر احمدی (۱۴۰۰). آشنایی با اندیشه سیاسی شهیدصدر رحمه‌الله‌عليه. قم: نشر المصطفی.

۲. پرچم، اعظم و مریم باقرپور (۱۳۹۳). «بررسی دیدگاه آیت‌الله محمدباقر صدر رحمه‌الله‌عليه در زمینه سنت‌های اجتماعی در قرآن». دانشنامه علوم قرآن و حدیث. ش ۱۰. بهار و تابستان. ص ۱۳–۳۷.

۳. پرچم، اعظم و مریم باقرپور (۱۳۹۳). «بررسی دیدگاه آیت‌الله محمدباقر صدر رحمه‌الله‌عليه در زمینه سنت‌های اجتماعی در قرآن». دانشنامه علوم قرآن و حدیث. ش ۱۰. بهار و تابستان. ص ۱۳–۳۷.

۴. پناهی ارسنجانی، سجاد (۱۳۸۷). «تأثیر اندیشه‌های علامه سیدمحمدباقر صدر در قانون اساسی ج.ا.». انسان‌پژوهی دینی. ش ۱۷، پاییز و زمستان، ص ۱۹۳–۱۷۳.

۵. پورفرد، مسعود (۱۳۸۶). «بازخوانی اندیشه سیاسی شهیدصدر رحمه‌الله‌عليه». پگاه حوزه. اردیبهشت، ش ۲۰۶.

۶. جمشیدی، محمدحسین (۱۳۹۴). «نظریه دولت در اندیشه سیاسی علامه صدر رحمه‌الله‌عليه». دولت پژوهی. ش ۱. بهار، ص ۸۶–۱۰۹.

۷. حسینی حائری، سیدکاظم (۱۳۷۵). زندگی و افکار شهیدصدر رحمه‌الله‌عليه. تهران: وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی.

۸. رحیمیان، جمال و محمدجواد جاوید (۱۴۰۱). «بررسی تطبیقی “اصل پاسخ‌گویی حکومت” در اندیشه شهیدصدر و آیت‌الله خامنه‌ای». مطالعات حقوق عمومی. ش ۳۵. پاییز، ص ۱۱۸۵–۱۱۵۹.

۹. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳۵۹). اسلام راهبر زندگی. قم: دارالتعارف للمطبوعات.

۱۰. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳۵۹). انسان مسئول و تاریخ‌ساز از دیدگاه قرآن. ترجمة محمدمهدی فولادوند. تهران: نشر میزان.

۱۱. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳۸۲). «نگرشی فقهی و مقدماتی به پیش‌نویس قانون اساسی جمهوری اسلامی ایران.» ترجمة امین‌رضا عابدی‌نژاد داورانی. اندیشه صادق. ش10. بهار. ص11-12.

۱۲. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳۹۳). اقتصاد ما. ترجمة سیدابوالقاسم حسینی ژرفا. قم: پژوهشگاه علمی تخصصی شهیدصدر(ره).

۱۳. صدر، سیدمحمدباقر  (۱۳۹4). امان اهل‌بیت علیهم‌السلام مرزبانان حریم اسلام. قم: منشورات دارالصدر.

۱۴. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳97). بارقه‌ها، مقالات، سخنرانی و یادداشت‌ها. ترجمة سیدامید مؤذنی. قم: دارالصدر؛ دوم.

۱۵. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳98). انسان و عبادت. ترجمة نرگس خسروی. قم: دارالصدر.

۱۶. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳۹۹ الف). سنت‌های تاریخی در القرآن الكريم. ترجمة سیدجلال میراقایی. قم: دارالصدر.

۱۷. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳۹۹ ب). پژوهشی درباره امام مهدی عجل‌الله‌تعالی‌فرجه. ترجمة سیدابوالقاسم حسینی. قم: دارالصدر.

۱۸. صدر، سیدمحمدباقر (۱۳۹۹ ج). آموزه‌های وحی، گفتارها و نوشتارهای قرآنی. قم: دارالصدر.

۱۹. صدر، سیدمحمدباقر (۱۴۰۰). لمحة فقهیة تمهیدیة عن مشروع دستور الجمهوریة الإسلامیة فی ایران. قم: نشر خیام.

۲۰. صدر، سیدمحمدباقر (۱۴02). علوم قرآن. ترجمة سیدجلال میراقایی. قم: مؤسسه نابغة آل‌صدر.

۲۱. صدر، سیدمحمدباقر (۱۴0۷). رسالتنا. تهران: نشر توحید.

۲۲. عالی، محمدباقر، غضنفری، مهدی، پورصادق ناصر، پورعزت، علی‌اصغر (۱۴۰۳). «تعریف حکمرانی؛ فراتریکب چیستی حکمرانی». حکمرانی متعالی. سال پنجم، ش ۱۸: تابستان، ص ۶۳–۸۹.

۲۳. قاسمی اصل، محمدجواد (۱۳۹۸). جایگاه استقرار در روش شهیدصدر در اقتصاد اسلامی. قم: منشورات مؤسسه امام خمینی(ره).

۲۴. قریبی، سیدمحمدجواد (۱۳۹۹). نظریه دولت در مکتب کلامی و فقهی علامه شهیدمحمدباقر صدر(ره). تهران: مرکز اسناد انقلاب اسلامی.

۲۵. کریم‌میان، زهرا و مهدی محمدی و سیدسپهبر قاضی نوری و محمدمهدی ذوالفقارزاده کرمانی (۱۳۹۸). «طبقه‌بندی و ویژگی‌های حکمرانی از طریق شبکه‌های خط‌مشی با استفاده از روش فراترکیب». مدیریت دولتی، ش ۳، پاییز: ص 3۷۷–402.

۲۶. مجلسی، محمدباقر (۱۴۰۳ ق). بحارالانوار، ج ۷۲. داراحیاء التراث‌العربی، بیروت: لبنان.

۲۷. موسوی خمینی، سیدروح‌الله (۱۳۷۴). ولایت فقیه. تهران: مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی(ره).

۲۸. نعمانی، محمدرضا (۱۳۹۹). شرح صدر، سیری در زندگی، زمانه و اندیشه استاد شهیدمحمدباقر صدر(ره). قم: دارالصدر.

۲۹. یوسفی، محمدرضا (۱۳79). «بررسی روش آیت‌الله شهیدصدر در کشف مکتب اقتصاد اسلامی و ارتباطات آن». مطالعات اقتصاد اسلامی، پاییز و زمستان، ص ۱۱۳–۱۲۸.

  1. Talib M. Aziz (1991). “The Islamic Political Theory of Muhammad Baqir Al-Sadr of Iraq”. Middle Eastern Studies/Political Science. Canada: The University of Utah.
  2. Ansell, Christopher & Torfing, Jacob (Eds.). Handbook On Theories of Governance. Cheltenham, UK. Northampton, MA, USA: Edward Elgar Publishing Limited.
  3. Bevir, Mark (2009). Key Concepts in Governance. California: Sage Publication.
  4. Bevir, Mark (2021). Governance. Encyclopedia Britannica. USA: Encyclopedia Britannica.
  5. Bevir, Mark (Editor) (2007). Encyclopedia of Governance. California: Sage Publication.
  6. Colebatch, H.K. (2014). “Making sense of governance”. Policy and Society. 33 (4). pp. 307-316.
  7. Farazmand, Ali (2004). Sound Governance: Policy and Administrative Innovations. USA: Praeger Publisher.
  8. Jreisat, Jamil (2004). “Governance in a Globalizing World”. Internatinal journal of pubic administration. 27(13&14). Pp.1003-29.
  9. Kaufmann, Daniel and Kraay, Aart and Zoido, Pablo (1999). Governance Matters. Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=188568.
  10. Matters. Policy Research Working Papers. World Bank. https://doi.org/10.1596/1813-9450-2196.
  11. Machiavelli, Niccolò (1513). The Prince. Translated by Harvey C. Mansfield. Chicago: University of Chicago Press.
  12. Mishra, J., & Attri, V. (2020). “Governance, Public Service Delivery and Trust in Government”. Studies in Indian Politics. 8(2). pp. 186-202.
  13. Nikolić, Jelena & Zlatanovic, Dejana (2018). “Corporate Governance and Corporate Social Responsibility Synergies: A Systemic Approach”. Naše gospodarstvo/Our economy. 64(3). pp. 36-46.
  14. Pierre, John and Peters, B. Guy (2021). An Advanced Introduction to Governance. Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing Limited.
  15. Radnor, Z., Osborne, S., & Glennon, R. (2022). Public management theory. In Handbook on Theories of Governance (pp. 43-56).
  16. Rhodes, R. (1996). “The New Governance: Governing without Government”. Political Studies. XLIV. pp. 652-667.
  17. Rhodes, R. A. W. (2000). “Governance and Public Administration”. In Jon Pierre, Debating Governance, Authority, Steering and Democracy. Oxford: Oxford University Press.
  18. Rhodes, R. A. W. (2003). Understanding Governance: Policy Networks, Governance, Reflexivity and Accountability. England: Open University Press.
  19. Salamon, Lester M. (2011). “The New Governance and the Tools of Public Action: An Introduction”. Fordham Urban Law Journal. 28 (5). pp. 1611-1674.
  20. Weiss, Thomas G. (2000). “Governance, Good Governance and Global Governance: Conceptual and Actual Challenges.” Third World Quarterly, 21(5), 795–814. DOI: 10.1080/713701075.
  21. World Bank (2007a). Strengthening the World Bank Group Engagement on Governance and Anticorruption. Strategic Document, March. cited in Gisselquist.
  22. Rachel, M. (2012). Good Governance as a Concept, and Why This Matters for Development Policy. Working Paper (2012/30, 1-36).
  23. Stoker, Gerry (1998). “Governance as Theory: Five Propositions”. International Social Sciences Journal, 50 (1), pp. 17-28.
  24. Malik, Maszlee (2017). Foundations of Islamic Governance, A Southeast Asian Perspective. London: Routledge. Political Studies, XLIV, 652-667.
  25. Kooiman, Jan (1993). Modern Governance, New Government-Society Interactions. London: Sage Publications.
  26. Lynn, Jr, Laurence, Heinrich, Carolyn and Hill, Carolyn (2000). “Studying Governance and Public Management: Challenges and Prospects”. Journal of Public Administration research and theory. 10(2). Pp. 233-262.
  27. Merriam-Webster. (n.d.). Function. In Merriam-Webster.com dictionary. Retrieved December 3, 2023, from https://www.merriam-webster.com/dictionary/function
  28. Salamon, Lester M. (2011). “The New Governance and the Tools of Public Action: An Introduction”. Fordham Urban Law Journal, 28 (5). pp. 1611-1674.
  29. Colebatch, H.K. (2014). “Making sense of governance”. Policy and Society. 33 (4), pp. 307-316.