لاعلى التكليف الواقعيّ ولا على وجوب الاحتياط كانت تلك الروايات رافعةً لموضوع البراءة المجعولة فيه؛ باعتبارها بياناً لوجوب الاحتياط. وإن كانت البراءة في دليلها مجعولةً في حقّ من لم يتمّ عنده البيان على التكليف الواقعيّ فروايات الاحتياط لا ترفع موضوعها، ولكنّها تعارضها، ومع التعارض لا يمكن أيضاً الاعتماد على أدلّة البراءة.
ومثال النحو الأوّل من أدلّة البراءة: البراءة المستفادة من قوله تعالى: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»[1]، فإنّ الرسول اعتُبر كمثالٍ لمطلق البيان وإقامة الحجّة، وإقامة الحجّة كما تحصل بإيصال الحكم الواقعيّ كذلك بإ يصال وجوب الاحتياط.
فروايات وجوب الاحتياط بمثابة بعث الرسول، وبذلك ترفع موضوع البراءة.
ومثال النحو الثاني من أدلّة البراءة: [البراءة] المستفادة من حديث الرفع أو الحجب، فإنّ مفاده الرفع الظاهريّ للتكليف الواقعيّ المشكوك، ومعنى الرفع الظاهريّ: عدم وجوب الاحتياط، فالبراءة المستفادة من هذا الحديث وأمثاله تستبطن بنفسها نفي وجوب الاحتياط؛ وليست منوطةً بعدم ثبوته.
ونستعرض في ما يلي جملةً من الروايات التي تدّعى دلالتها على وجوب الاحتياط، وسنرى أ نّها لا تنهض لإثبات ذلك:
فمنها: المرسل عن الصادق عليه السلام قال:
«من اتّقى الشُبهات فقد استبرأ لدينه»[2].
[1] الإسراء: 15
[2] وسائلالشيعة 27: 173، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 64، وفيه: عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم