الاعتراضات على أدلّة البراءة:
ويوجد هناك اعتراضان رئيسيّان على أدلّة البراءة المتقدّمة:
أحدهما: أنّ هذه الأدلّة إنّما تشمل حالة الشكّ البدويّ، ولا تشمل حالة الشكّ المقترن بعلم إجماليّ، كما تقدّم في الحلقة السابقة[1]، والفقيه حينما يلحظ الشبهات الحكميّة ككلٍّ يوجد لديه علم إجماليّ بوجود عددٍ كبير من التكاليف المنتشرة في تلك الشبهات، فلا يمكنه إجراء أصل البراءة في أيّ شبهةٍ من تلك الشبهات.
والجواب: أنّ العلم الإجماليّ المذكور وإن كان ثابتاً ولكنّه منحلٌّ؛ لأنّ الفقيه من خلال استنباطه وتتبّعه يتواجد لديه علم تفصيليّ بعددٍ محدّدٍ من التكاليف لا يقلّ عن العدد الذي كان يعلمه بالعلم الإجماليّ في البداية، ومن هنا يتحوّل علمه الإجماليّ إلى علمٍ تفصيليٍّ بالتكليف في هذه المواقع، وشكٍّ بدويٍّ في التكليف في سائر المواقع الاخرى. وقد تقدّم في حلقةٍ سابقةٍ[2] أنّ العلم الإجمالي إذا انحلّ إلى علمٍ تفصيليٍّ وشكٍّ بدويٍّ بطلت منجّزيّته، وجرت الاصول المؤمّنة خارج نطاق العلم التفصيلي.
والاعتراض الآخر: أنّ أدلّة البراءة معارضة بأدلّةٍ شرعيّةٍ ورواياتٍ تدلّ على وجوب الاحتياط، وهذه الروايات: إمّا رافعة لموضوع أدلّة البراءة، وإمّا مكافئة لها، وذلك أنّ هذه الروايات بيان لوجوب الاحتياط، لا للتكليف الواقعيّ المشكوك. فدليل البراءة إن كانت البراءة فيه مجعولةً في حقّ من لم يتمّ عنده البيان
[1] مضى الحديث عنه تحت عنوان: منجزية العلم الإ جمالي
[2] مضى في الحلقة الاولى تحت عنوان: انحلال العلم الإ جمالي