وهناك في مقابل ذلك احتمال أن يكون السلوك المذكور مبنيّاً على الغفلة عن الاستعلام، أو الغفلة في فهم الجواب على تقدير الاستعلام. غير أنّ هذا الاحتمال يضعف بحساب الاحتمال كلّما لوحظ شمول السيرة وتطابق عددٍ كبيرٍ من المتشرّعة عليها، و من هنا قلنا: إنّ سيرة المتشرّعة تناظر الإجماع؛ لأنّهما معاً يقومان في كشفهما على أساس حساب الاحتمال. غير أنّ الإجماع يمثّل موقفاً فتوائيّاً نظريّاً للفقهاء، و الآخر يمثّل سلوكاً عمليّاً دينيّاً للمتشرّعة.
وكثيراً ما تشكّل سيرة المتشرّعة بالمعنى المذكور الحلقة الوسيطة بين الإجماع والدليل الشرعيّ، بمعنى أنّ تطابق أهل الفتوى على حكمٍ مع عدم كونه منصوصاً في ما بأيدينا من نصوصٍ يكشف بظنٍّ غالبٍ اطمئنانيٍّ عن تطابق سلوكيٍّ وارتكازيٍّ من المتشرّعة المعاصرين لعصر النصوص، وهذا بدوره يكشف عن الدليل الشرعيّ.
وبكلمةٍ اخرى: أنّ الإجماع المذكور يكشف عن روايةٍ غير مكتوبة، ولكنّها معاشة سلوكاً وارتكازاً بين عموم المتشرّعة.
الإحراز الوجدانيّ للدليل الشرعيّ غير اللفظيّ:
مرّ بنا أنّ دليل السيرة العقلائيّة يعتمد على ركنين: أحدهما قيام السيرة المعاصرة للمعصومين من العقلاء على شيءٍ. والآخر سكوت المعصوم الذي يدلّ- كما تقدّم[1]– على الإمضاء.
والسؤال الآن: كيف يمكن أن نحرز كلّ واحدٍ من هذين الركنين؟ فإنّنا بحكم
[1] تقدم تحت عنوان: السيرة