وعلى خلاف ذلك الاصول العمليّة تنزيليّةً أو غيرها، فإنّها لمّا كانت مبنيّةً على ملاحظة نوع المؤدّى- كما تقدّم- فلا يمكن أن يستفاد من دليلها إسراء التعبّد إلى كلّ اللوازم إلّابعنايةٍ خاصّةٍ في لسان الدليل.
ومن هنا قيل: إنّ الاصول العمليّة ليست حجّةً في مثبتاتها[1]، أي في مدلولاتها الالتزاميّة، وسيأتي تفصيل الكلام عن ذلك في أبحاث الاصول العمليّة[2] إن شاء اللَّه تعالى.
تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّة:
عرفنا أنّ الأمارات حجّة في المدلول المطابقيّ والمدلول الالتزاميّ معاً، والمدلول الالتزاميّ: تارةً يكون مساوياً للمدلول المطابقيّ، واخرى يكون أعمَّ منه، ففي حالة المساواة إذا علم بأنّ المدلول المطابقيّ باطل فقد علم ببطلان المدلول الالتزاميّ أيضاً، وبذلك تسقط الأمارة بكلا مدلولَيها عن الحجّية. وأمّا إذا كان اللازم أعمّ وبطل المدلول المطابقيّ فالمدلول الالتزاميّ يظلّ محتملًا.
ومن هنا يأتي البحث التالي، وهو: أنّ حجّية الأمارة في إثبات المدلول الالتزاميّ هل ترتبط بحجّيتها في إثبات المدلول المطابقيّ، أوْ لا؟
فالارتباط يعني أ نّها إذا سقطت عن الحجّية في المدلول المطابقيّ، للعلم ببطلانه- مثلًا- سقطت أيضاً عن الحجّية في المدلول الالتزاميّ، وهو معنى التبعيّة.
وعدم الارتباط يعني أنّ كلّاً من الدلالة المطابقيّة والدلالة الالتزاميّة حجّة ما لم يعلم ببطلان مفادها بالخصوص، ومجرّد العلم ببطلان المدلول المطابقيّ لا يوجد
[1] فوائد الاصول 4: 487
[2] سوف يأتي ضمن بحث الاستصحاب، تحت عنوان: مقدار ما يثبت بالاستصحاب