ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: کاربرد دلیل استقرایی در علم اصول در اندیشه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: في هذا المقال، يُبحث تطبيق الدليل الاستقرائي في علم الأصول بناءً على المنظومة الفكرية لـالشهيد الصدر. تُعتبر مسألة الاستقراء من المواضيع المنطقية المهمة جداً في فكره؛ بحيث إنه، كأحد قلة من الفلاسفة المسلمين، نقد مدارس العقلانية والتجريبية، وقدم رؤية جديدة قائمة على «حساب الاحتمالات» في هذا الخصوص. بعد توضيح أبعاد هذه المسألة، يستعرض المقال أهم تطبيقات الدليل الاستقرائي في علم الأصول من منظور الشهيد الصدر في تسعة محاور (التواتر، الإجماع والشهرة، السيرة المتشرعة، السيرة العقلائية، تحديد واضع الألفاظ، الاشتراك اللفظي والترادف، والإطراد). ويستند هذا البحث إلى علاقة علم الأصول بالمنطق التي تُحلل وتُوصف ضمن «فلسفة علم الأصول» والفلسفات المضافة (العلوم العقلية من الدرجة الثانية).
المؤلف: محمدعلی اسماعیلی
المصدر: مطالعات اصول فقه امامیه، ربيع وصيف 1395، العدد 5، ص 79 إلى 101.
المقدمة
يلعب علم الأصول دور المنطق في علم الفقه، ويحلل ويدرس العناصر المشتركة في استنباط الأحكام الشرعية (صدر، ١٤٢١: ٢٨). إن توضيح العلاقة بين العلوم وتغذيتها المتبادلة في توسيع المعارف البشرية أمر حيوي. يتبادل علم الأصول مع علوم متعددة، ويستفيد من الأسس الكلامية والفلسفية واللغوية وغيرها (المرجع نفسه: ١١٣).
كانت العلاقة بين علم المنطق وعلم الأصول، كعلمين محوريين في العلوم الإسلامية، سبباً في آثار وبركات كثيرة، منها التأثيرات العديدة للمنطق على مسائل الأصول والابتكارات التي قدمها علماء الأصول في المناقشات المنطقية، مثل الابتكار في رؤية «النماذج المنطقية» والإجابة على بعض مشكلات الفلاسفة المعاصرين (المرجع نفسه: ١٢١). ويُعد بحث العلاقة بين علم الأصول والمنطق من مسائل «فلسفة علم الأصول»، ويشكل فرعاً من «الفلسفات المضافة». الفلسفات المضافة هي فئة من العلوم العقلية من الدرجة الثانية التي تعتمد المنهج الوصفي-التحليلي لتحليل ودراسة الأسس والمبادئ والمنهج، وبشكل عام، الأركان الثمانية للعلوم المضافة إليها.
في فكر الشهيد الصدر، لم تكن المناقشات الفلسفية والمنطقية تحتل مكانة كبيرة في علم الأصول خلال المرحلتين الأولى والثانية من التفكير، ولم تُطرح تلك المناقشات، بل كان علم الكلام هو الذي يؤثر بشكل رئيسي في الأصول. أما في المرحلة الثالثة، فقد دخلت الفلسفة بشكل واسع وشامل في المناقشات الأصولية. ويعتبر من نماذج هذا التأثير تأثير مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية في مسألتين أصوليتين هما اجتماع الأمر والنهي وتعلق الأوامر بالطبائع والأفراد (المرجع نفسه: ١١٥). المرحلة الأولى هي عصر التمهيد ووضع بذور علم الأصول الأساسية، التي بدأت مع أبي عقيل وابن جنيد وانتهت بظهور الشيخ الطوسي. والمرحلة الثانية هي العصر الذي نضجت فيه تلك البذور وأثمرت، وتبلورت رؤية الفكر الأصولي، واستخدمت على نطاق واسع في المناقشات الفقهية. بدأت هذه المرحلة مع الشيخ الطوسي واستمرت مع ابن إدريس، المحقق الحلي، العلامة الحلي، الشهيد الأول وآخرين. أما المرحلة الثالثة فهي عصر الكمال، وبدأت في تاريخ علم الأصول في القرن الثاني عشر مع المدرسة الجديدة التي أسسها وحيد بهبهاني. جرت جهود واسعة في مجال الفقه والأصول بشكل متبادل، وتابعتها تلاميذهم وبلغت ذروتها (المرجع نفسه: ١١٠-١١١).
تُعتبر مسألة الاستقراء من المواضيع المنطقية المهمة جداً في المنظومة الفكرية للشهيد الصدر. فقد تناولها بالتفصيل، ونقد وجهة نظر المدرسة العقلانية والتجريبية، وقدم رؤية جديدة قائمة على حساب الاحتمالات. ومن خلال تأليفه كتاب الأسس المنطقيّة للاستقراء، طرح سلسلة من المناقشات الجديدة حول الاستقراء بهدف كشف الأسس المنطقية المشتركة بين العلوم الطبيعية والإيمان بالله. هنا، وبعد توضيح أبعاد هذه المسألة، نبيّن تطبيقها في مسائل الأصول. لقد تمسك الشهيد الصدر بمسألة الاستقراء في مناقشات مختلفة أصولية وفقهية كلامية فلسفية ومنطقية، ولها مكانة رفيعة في فكره.
يعتمد هذا المقال المنهج الوصفي-التحليلي في دراسة تطبيق الدليل الاستقرائي في علم الأصول في فكر الشهيد الصدر: أولاً، يوضح الدليل الاستقرائي، ثم يبين تطبيقاته.
توضيح مسألة الاستقراء
ينقسم الاستدلال من المعلوم إلى المجهول في تقسيم عام إلى نوعين: استدلال مباشر وغير مباشر. يشمل الاستدلال المباشر التناقض، العكس المستوي، العكس الناقض الموافق والمخالف، والنقض. أما الاستدلال غير المباشر فيشمل القياس، الاستقراء، والتمثيل. والتوضيح أن الاستدلال من المعلوم إلى المجهول لا يخرج عن أربع حالات:
أ. الاستدلال من العام إلى الخاص أو من الكلي إلى الجزئي؛ وهذا النوع من الاستدلال يسمى القياس المنطقي، مقابل القياس الفقهي الذي هو استدلال من الخاص إلى الخاص. المقصود بـ«القياس الفقهي» هو القياس المتداول بين أهل السنة، وهو مساوي للتمثيل المنطقي. ومع ذلك، أحياناً يُقصد بـ«القياس الفقهي» أي نوع من الاستدلال الذي يستخدمه الفقيه في المناقشات الفقهية (عبدالساتر، ١٩٩٦: ١/ ١١٠). هذا المصطلح أعم من المصطلح السابق ولا يقابل القياس المنطقي.
ب. الاستدلال من الخاص إلى العام؛ وهذا النوع من الاستدلال يسمى الاستقراء.
ج. الاستدلال من الخاص إلى الخاص؛ وهذا النوع من الاستدلال يسمى التمثيل.
د. الاستدلال من عام إلى عام أو السير من كلي إلى كلي؛ هذه الحالة أيضًا معقولة، لكنها ليست قسمًا مستقلاً مقابل الأقسام الثلاثة السابقة، لأن الكليين المذكورين إما متنافيان أو متساويان أو عام وخاص مطلق أو عام وخاص من وجه. من هذه الأقسام الأربعة، القسم الأول يدخل في التمثيل، لأن التمثيل لا يختص بالجزئي؛ فالانتقال من جزئي إلى جزئي يُسمى «تمثيل» لأنه انتقال من متنافي إلى متنافي. عندما يكون الكليان عام وخاص مطلق، إذا كان السير الذهني من الخاص إلى العام فهو يدخل في الاستقراء، وإذا كان من العام إلى الخاص فهو يدخل في القياس. أما إذا كان الكليان متساويين فهو يدخل في باب القياس، وإذا كان عام وخاص من وجه فهو يدخل في التمثيل (طوسی، ١٣٧٥: ٣٩).
بعبارة أخرى، في الفكر البشري يظهر نوعان من الاستدلال: الأول استدلال لا يكون توسع النتيجة فيه عن المقدمات أكثر؛ الثاني استدلال يكون توسع النتيجة فيه عن المقدمات أكثر. النوع الأول يسمى استنباطًا وقياسًا، والنوع الثاني يسمى استقراءً. السمة الأساسية لهذين النوعين هي أنه في النوع الأول، نفي النتيجة مع قبول المقدمات يستلزم تناقضًا، بينما في النوع الثاني، نفي النتيجة مع قبول المقدمات لا يستلزم تناقضًا.
ينقسم الاستقراء إلى ناقص وتام: الاستقراء التام يفيد اليقين، أما الاستقراء الناقص فهو محل خلاف. الموضوع الرئيسي لكتاب الأسس المنطقية للاستقراء هو الاستقراء الناقص. في الاستقراء الناقص، السير من الخاص إلى العام وتستنتج نتيجة كلية. حسب رأي الشهيد الصدر، في الاستقراء التام، السير الفكري ليس من العام إلى الخاص، وإذا فسّرنا الاستقراء بأنه «السير من الخاص إلى العام» فإن الاستقراء التام لا يشمل تعريف الاستقراء، لأن في الاستقراء التام، النتيجة والمقدمات متساوية (صدر، ١٤٢٦: ٢٦، ٣٢).
صحة الاستنتاج في الاستقراء الناقص تعتمد على إثبات ثلاثة أمور مهمة هي:
أولاً: استحالة الصدفة المحضة؛ الظواهر المعنية ليست واجبة الوجود بالذات ولا ممتنعة الوجود بالذات، بل ممكنة الوجود. البحث عن سببها يعتمد على قبول هذه المسألة أن كل ممكن الوجود له سبب. لذلك، يجب أولاً إثبات السببية والعلية العامة واستحالة الصدفة المحضة.
ثانيًا: استحالة الصدفة الخاصة؛ عندما تثبت السببية العامة يجب أيضًا إثبات السببية الخاصة، لأن السببية العامة تثبت فقط أن تمدد الحديد، كونه ممكن الوجود، له سبب، لكن أن يكون السبب خصوص الحرارة يحتاج إلى إثبات، لأنه محتمل أن يكون سبب التمدد شيئًا آخر.
ثالثًا: التعميم؛ عندما تثبت السببية العامة والخاصة، يجب إثبات صحة تعميم نتيجة الاستقراء أيضًا ليتم تطبيقها على جميع الحالات (المرجع نفسه: ٤٢).
دراسة وإثبات هذه الأمور الثلاثة هي مفتاح حل مشكلة مسألة الاستقراء. وقد حاول أصحاب الرأي من مختلف المدارس العقلية والتجريبية إثبات هذه الأمور الثلاثة، وقدموا إجابات مختلفة لها. الكاتب في كتابة أخرى بيّن وجهات النظر المختلفة (اسماعیلی،١٣٩١: ٧ – ٤٢). هنا نكتفي بعرض وجهة نظر المذهب الذاتي للشهيد الصدر.
المبادئ المنطقية للاستقراء في فكر الشهيد الصدر
الفرق الأساسي بين التجريبيين والعقليين في مسألة الاستقراء هو أن التجريبيين يعتبرون التجربة والاختبار الحسي المصدر الوحيد للمعرفة، ويرون الإنسان فاقدًا لأي معرفة سابقة وعقلية. في المقابل، يصر العقلانيون على المعارف المستقلة عن الحس والتجربة. الشهيد الصدر في كتاب فلسفتنا قبل المنهج العقلاني (صدر، ١٤٢٧: ٨٤)، لكنه من خلال بحوثه في كتاب الأسس المنطقية توصل إلى وجهة نظر أخرى في تفسير المعارف البشرية وأسماها «المذهب الذاتي». هذه الرؤية تتفق مع العقلانيين في أن الإنسان يمتلك معارف مستقلة عن الحس والتجربة. الاختلاف الجوهري بينهما في تفسير نمو المعارف الإنسانية: المذهب العقلي يطرح طريقًا واحدًا فقط وهو التوالد الموضوعي والحقيقي لزيادة المعرفة وتعدد المعلومات، أما الشهيد الصدر فبالإضافة إلى التوالد الموضوعي يلجأ إلى طريقة أخرى تسمى التوالد والولادة الذاتي والشخصي، ويعتقد أن الجزء الأكبر من معارف الإنسان يُكتسب بهذه الطريقة (صدر، ١٤٢٦: ١٦٠). والتوضيح أن التوالد والولادة من المجهول إلى المعلوم يتم بطريقتين:
الطريقة الأولى: التوالد الموضوعي أو الحقيقي. التوالد الموضوعي يقوم على وجود تلازم بين المجهول والمعلومات السابقة. هذا التوالد هو أساس كل استنتاج قياسي يُولد معرفة جديدة بناءً على التلازم بين القضايا. مثلاً: «خالد إنسان، وكل إنسان يموت، إذًا خالد يموت». في هذا المثال، يوجد تلازم بين المقدمات والنتيجة (المرجع نفسه: ١٦١).
الطريقة الثانية: التوالد الذاتي. الولادة الذاتية والشخصية تعني ولادة معرفة من معرفة أخرى دون وجود تلازم حقيقي بين موضوعي هاتين المعرفتين (القضيتين)، مع أنه لا يوجد تلازم بين القضايا نفسها، لكن يوجد تلازم بين المعرفة التي تتعلق بهما. لذلك، التوالد الموضوعي يقوم على وجود تلازم بين القضايا نفسها، بينما التلازم الذاتي يقوم على وجود تلازم بين المعرفة بالقضايا (المرجع نفسه، ص 161).
من منظور الشهيد صدر، المعارف البشرية تنقسم إلى ثلاثة أنواع: ١. المعارف الأولية والعقلية والقبلية التي تشكل أساس المعارف البشرية مثل مبدأ عدم التناقض؛ ٢. المعارف الثانوية التي تولدت من المعارف الأولية بطريقة التولد الحقيقي، مثل مسائل الهندسة الإقليدية النظرية؛ ٣. المعارف الثانوية التي تحققت من المعارف الأولية بطريقة التولد الذاتي والشخصي، مثل التعميمات الاستقرائية التي لا يوجد بينها وبين مجموعة الأدلة التجريبية ارتباط منطقي، وإنما تم استنتاجها بواسطة التولد الذاتي والشخصي (المرجع نفسه: ١٦٣). وهو يؤمن بأن محاولة المنطق الأرسطي لإضفاء الصفة الاعتبارية على الاستدلال والتعميم الاستقرائي بناءً على التولد الحقيقي غير مكتملة، ولا يمكن إثبات قابلية التعميم في الاستقراء إلا بواسطة طريقة التولد الذاتي (المرجع نفسه: ١٦٦). والتولد الذاتي لا يعني استنتاج كل قضية من أي قضية أخرى، كما في استنتاج شروق الشمس من موت زيد، بل هو تولد قانوني. وشرح ذلك أن كل معرفة ثانوية يكتسبها العقل بناءً على التولد الذاتي تمر بمرحلتين: أولاً تمر بمرحلة التولد الحقيقي والواقعي بمساعدة حساب الاحتمالات، حيث تزداد درجة الاحتمال فقط ولا تتحول إلى يقين. ثم تبدأ في المرحلة الثانية مرحلة التولد الذاتي (المرجع نفسه: ١٦٦-١٦٨). ومسألة الاستقراء التي تتم بناءً على التولد الذاتي يجب أن تمر بهاتين المرحلتين. ولهذا السبب نعرض تفسير الاستقراء في مرحلتي التولد الموضوعي والتولد الذاتي:
المرحلة الأولى: تفسير الاستقراء في مرحلة التولد الموضوعي
في هذه المرحلة، وبناءً على قواعد حساب الاحتمالات، تزداد درجة الاحتمال في القضية الاستقرائية بشكل تصاعدي؛ حيث يتم نمو الاحتمال في هذه المرحلة بطريقة رياضية وموضوعية، دون ارتباط بالحالة النفسية للشخص (المرجع نفسه: ١٦٨). ولهذا السبب، يتناول الشهيد صدر دراسة حساب الاحتمالات. مصطلح الاحتمال يُستخدم كثيرًا في حياتنا اليومية ويحمل معنى واضحًا. أما حساب الاحتمالات فهو مجال علمي في الرياضيات والمعرفة. وقد قُدمت تفسيرات مختلفة للاحتمال، وبعد دراسة تفسيرين للاستقراء، يقدم الشهيد صدر تفسيره المفضل المبني على العلم الإجمالي: المقصود بالعلم الإجمالي هنا هو المصطلح الأصولي وليس الفلسفي، وهو يعني البساطة، وهو أعلى من العلم التفصيلي. إذن، العلم الإجمالي هو العلم الذي يكون موضوعه غير محدد، على عكس العلم التفصيلي الذي يكون موضوعه محددًا (المرجع نفسه: ٢٢٩).
العلم الإجمالي نوعان:
أ. العلم الإجمالي الذي تكون أطرافه متنافية مع بعضها البعض، بمعنى أنه لا يمكن اجتماعها، مثل أن تعرف أن واحدًا فقط من أصدقائك الثلاثة سيزورك.
ب. العلم الإجمالي الذي تكون أطرافه متوافقة مع بعضها البعض، بمعنى أنه يمكن اجتماعها، مثل أن تعرف أن واحدًا على الأقل من أصدقائك الثلاثة سيزورك، مع احتمال أن يأتي اثنان منهم معًا أو الثلاثة معًا (المرجع نفسه: ٢٣٠).
العلم الإجمالي الذي يُؤخذ في تعريف الاحتمال هو النوع الأول وليس الثاني. مع ذلك، يشير إلى أنه يمكن تحويل النوع الثاني إلى النوع الأول بحيث تصبح أطرافه متنافية. وشرح ذلك أن العلم الإجمالي من النوع الثاني، مثل أن تعرف أن واحدًا على الأقل من أصدقائك الثلاثة سيزورك، مع احتمال أن يأتي اثنان أو الثلاثة معًا، يمكن تقديمه أيضًا على النحو التالي: العلم الإجمالي هو وقوع أحد الحالات التالية:
أ) أحمد فقط سيزورني؛
ب) محمود فقط سيزورني؛
ج) سعيد فقط سيزورني؛
د) أحمد ومحمود فقط سيزورانني؛
هـ) أحمد وسعيد فقط سيزورانني؛
و) محمود وسعيد فقط سيزورانني؛
ز) أحمد ومحمود وسعيد سيزورونني؛
إذا صوّرنا أطراف العلم الإجمالي بهذه الصورة، فإنها ستكون متنافية (المرجع نفسه: ٢٣٠ – ٢٣١). وهذا التصور للعلم الإجمالي الذي قدمه الشهيد صدر هو في الحقيقة تحويل للعلم الإجمالي من النوع الثاني إلى النوع الأول.
لذا، في العلم الإجمالي المعني نواجه عدة أمور:
أ. العلم غير المحدد كليًا؛
ب. مجموعة أطراف العلم الإجمالي؛
ج. مجموعة احتمالات عددها يساوي عدد أطراف مجموعة العلم الإجمالي؛
د. التنافي بين أطراف العلم الإجمالي (المرجع نفسه: ٢٣١).
وفي ضوء الشرح السابق حول العلم الإجمالي، يقدم الشهيد صدر تعريف الاحتمال: كل احتمال يمكن تحديد قيمته هو عضو في مجموعة الاحتمالات التي تظهر في العلم الإجمالي، وقيمته تساوي ناتج قسمة عدد اليقين على عدد أعضاء مجموعة أطراف ذلك العلم الإجمالي. الاحتمال وفق هذا التعريف ليس علاقة خارجية بين الحوادث، ولا مجرد تكرار لمجموعة أخرى، بل هو تصديق على درجة معينة من الاحتمال (المرجع نفسه: ٢٣٣).
يرى الشهيد صدر أن القضية الاستقرائية في مرحلة التوالد الموضوعي يجب أن تتصف بميزتين: الأولى أن يكون المجموع الذي يتم فيه الاستقراء ذا مفهوم واحد وخصائص مشتركة، وألا يكون اجتماعهم ناتجًا عن تراكم أعمى وغير بصير. والميزة الثانية أن لا يُلاحظ انفصال الأفراد الذين تشملهم التجربة عن غيرهم في خاصية مشتركة أخرى (المرجع نفسه: ٣٩٧). والخلاصة أن درجة الاحتمال في القضية الاستقرائية في مرحلة التوالد الذاتي تزداد بشكل متزايد وفقًا لضوابط حساب الاحتمالات، ويتم استنتاج هذه الدرجة العالية من التصديق بطريقة استنباطية. فإذا لاحظنا بواسطة عملية الاستقراء في حالات كثيرة أنه كلما حدث حركة كان هناك حرارة تتبعها، يمكننا بتكرار هذه العملية الحصول على درجة عالية من التصديق بأن الحركة سبب الحرارة، وعندما يتحقق التصديق على العلية المذكورة، يتحقق بنفس الدرجة التصديق على تعميم هذه القضية (المرجع نفسه: ٣٠٥). هذا الاستنتاج قائم على الاستنتاج الاستنباطي، لكن هناك فرق بين الاستنباط في الاستقراء والاستنباط في غير الاستقراء، لأن النتيجة التي تُستخلص في الحالات الأخرى تدل على واقع خارجي، مثل هذا الاستنباط: «العالم متحرك وكل متحرك حادث، فالعالم حادث». فحدوث العالم هو واقع يُستنتج بواسطة هذا الاستنباط، بينما النتيجة التي تُستخلص في الاستقراء لا تدل على واقع خارجي، بل تدل على درجة التصديق المستقرة لمضمون الاستقراء (المرجع نفسه: ٤٠٩؛ الحیدری، ١٤٢٦: ٥٠).
المرحلة الثانية: تفسير الاستقراء في مرحلة التوالد الذاتي
في المرحلة السابقة، يزداد الاحتمال بشكل متزايد، أما في هذه المرحلة فنهدف إلى تحويل درجة الاحتمال المذكورة إلى يقين. واليقين المقصود هنا، الذي يتحول إليه الاحتمال، ليس يقينًا منطقيًا أو ذاتيًا، بل يقين موضوعي. والتوضيح أن اليقين في تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:
أ. اليقين المنطقي أو الرياضي: وهو اليقين القائم على الجزم بثبوت المحمول للموضوع مع الجزم باستحالة نفي المحمول عن ذلك الموضوع. وبالتالي، هذا اليقين مركب من جزمين، ولا يتحقق إلا إذا أضيف الجزم الثاني إلى الأول؛ ولهذا يسمى «اليقين المضاعف». وهذا اليقين هو ثمرة القياسات المنطقية والاستدلالات الرياضية، والمقصود باليقين بالمعنى الأخص في المنطق الأرسطي هو هذا اليقين (ابن سینا، ١٤٠٤: ٥٤؛ صدر، المرجع نفسه: ٤١٠ – ٤١١).
ب. اليقين الذاتي أو الشخصي: وهو اليقين القائم على جزم الإنسان وقطعه بقضية بحيث لا يرافقه أي شك أو احتمال معاكس؛ مثل إنسان يرى خطًا يشبه كثيرًا خط صديقه ويتيقن أنه خط صديقه، لكنه في الوقت نفسه لا يشعر بأي استحالة في أن يكون الخط لشخص آخر، رغم أنه لا يحتمل ذلك، لأن احتمال ذلك يعني زوال يقينه. ولكن حسب تصريح الشهيد صدر، عدم الاحتمال لا يعني الاستحالة، وبالتالي عدم الاحتمال متوافق تمامًا مع عدم الاستحالة (صدر، المرجع نفسه: ٤١٢).
ج. اليقين الموضوعي: لفهم معنى هذا اليقين يجب التمييز بين أمرين في كل يقين: أولًا، القضية التي تحقق اليقين بها، وثانيًا، درجة التصديق التي يمثلها اليقين. فعندما نجد في أنفسنا يقينًا بموت الجار، نواجه قضية تعلق بها اليقين وهي «فلان مات». ومن جهة أخرى، نواجه درجة معينة من التصديق التي يمثلها هذا اليقين، لأن التصديق له درجات تمتد من أدنى درجات الاحتمال إلى الجزم، واليقين يمثل أعلى درجة في هذه السلسلة. وعندما نفرق بين القضية التي تعلق بها اليقين ودرجة التصديق التي يمثلها اليقين، يمكننا أن ندرك وجود نوعين من الصحة والخطأ في المعارف البشرية:
١. الصحة والخطأ من حيث الأول، أي القضية التي تعلق بها اليقين، والتي معيارها مطابقة أو عدم مطابقة القضية للواقع الخارجي.
٢. الصحة والخطأ من حيث الثاني، أي درجة التصديق التي تحققت. فقد يكون يقين من حيث الأول صحيحًا، لكنه من حيث الثاني غير صحيح. على سبيل المثال، إذا علمنا أن في مكتبة كبيرة تضم مئة ألف مجلد كتاب يوجد كتاب به نقص في الصفحات، فإذا جزمنا بمجرد النظر إلى كتاب معين أنه هو ذلك الكتاب، رغم صحة ذلك في الواقع، نواجه اعتراضًا لماذا اعتقدنا ذلك، ونسأل عن رأينا في الكتاب الثاني والثالث، لأن احتمال نقص كل كتاب متساوٍ (١٠٠٠٠٠/ ١). ومن هنا نصل إلى فكرة التمييز بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي: اليقين الذاتي هو التصديق بأعلى درجة ممكنة، سواء كان هناك مبرر لهذا الاعتقاد أم لا؛ أما اليقين الموضوعي فهو التصديق بأعلى درجة ممكنة بشرط أن تكون هذه الدرجة من التصديق متوافقة مع درجة التصديق التي تقتضيها المبررات الواقعية والدوافع الموضوعية. وبعبارة أخرى، اليقين الموضوعي هو أن تكون الدرجة التي تقتضيها المبررات الموضوعية جازمة. لذلك، أحيانًا يتحقق يقين ذاتي دون يقين موضوعي، كما في المثال السابق، وأحيانًا يتحقق يقين موضوعي دون يقين ذاتي، أي أن الدرجة التي يجب أن تتحقق بناءً على المبررات الموضوعية والمبررات الواقعية هي درجة الجزم، لكن إنسانًا معينًا لا يصل إلى الجزم بسبب الحالة غير الطبيعية التي يعيشها. ومن هنا ندرك أن اليقين الموضوعي له صفة موضوعية ومستقلة عن الحالة النفسية والمحتوى النفسي الذي يعيشه الإنسان، بينما اليقين الذاتي يعبر عن الجانب النفسي المعرفي (المرجع نفسه: ٤١٢ – ٤١٥؛ هادوي تهراني، ١٣٧٠: ١٣٥؛ صدر، ١٤٢١ق (أ): ٥٢).
بالنظر إلى الأنواع الثلاثة المذكورة أعلاه، ما يسعى إليه الشهيد الصدر في مرحلة التولّد الذاتي ليس اليقين المنطقي، لأن الاستقراء لا يمكن أن يفيد اليقين المنطقي، إذ إن قبول المقدمات وإنكار نتيجة الاستقراء لا ينطوي على أي تناقض، وقبول المقدمات ليس سببًا كافيًا لقبول النتيجة. ومن هنا يتضح أن الإشكال الذي طرحه بعض الفلاسفة المعاصرين القائل بأن جهوده عاجزة عن تحقيق اليقين المنطقي (مصباح، ١٣٧٤: ١/ ١٠١) هو إشكال غير مبرر، لأن أساسًا هو لا يسعى إلى تحصيل اليقين المنطقي. واليَقين الذاتي أيضًا خارج محل النقاش، لأن حصول اليقين الذاتي بواسطة الاستقراء ليس محل خلاف كبير، إذ إن حصول اليقين الذاتي بواسطة الاستقراء مقبول عند أكثر الناس (الحیدری، ١٤٢٦: ٨٢ – ٨٣). لذلك، ما يُراد في هذه المرحلة هو الحصول على اليقين الموضوعي.
اليقين الموضوعي في الدليل الاستقرائي يتحقق عندما نستخدم مبدأً أوليًا موضوعًا في النظام المعرفي للإنسان. ويصوغ الشهيد الصدر هذا المبدأ الأولي على النحو التالي: «كلما تجمّع عدد كبير من القيم الاحتمالية في محور واحد، حصل هذا المحور نتيجة لذلك على قيمة احتمالية كبيرة، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحول ضمن شروط معينة إلى يقين» (صدر، ١٤٢٦: ٤٢٣). ومضمون المبدأ الأولي هو أنه إذا حصل محور على قيمة احتمالية كبيرة نتيجة تراكم كمية كبيرة من القيم الاحتمالية، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحول إلى يقين بوجود شروط معينة. وهو يرى أن هذا المبدأ متأصل في البُعد المعرفي للبشر، وبموجبه لا يُعير اهتمامًا لاحتمال صغير يقف إلى جانب احتمال كبير. زوال الاحتمال الصغير ليس نتيجة عوامل يمكن التغلب عليها، بل هو مطابق للحركة الطبيعية للمعرفة البشرية، ولذلك فإن زوال الاحتمال الصغير لا يشبه زوال بعض الاحتمالات بسبب عوامل نفسية مثل التنبؤ السيء أو الجيد، التي تتعلق بالشخص نفسه ويمكن إزالتها (المرجع نفسه: ٤٢٣ – ٤٢٤). ومن المهم الانتباه إلى أنه كما أن درجة صغر الاحتمال لإنشاء اليقين الذاتي تختلف بين الناس، فإن درجة صغر الاحتمال لإنشاء اليقين الموضوعي تختلف أيضًا، لذلك لا يمكن وضع معيار موحد لدرجة الاحتمال الصغير؛ المهم هو صياغة المبدأ نفسه ولا حاجة لتحديد درجة الاحتمال الصغير (المرجع نفسه: ٤٢٥).
المبدأ الأولي المذكور قابل للتطبيق بشرط واحد: وهو أن زوال قيمة الاحتمال الصغير لا يستلزم زوال قيمة الاحتمال الكبير. وإلا، فإن زوال الاحتمال الصغير يؤدي إلى زوال الاحتمال الكبير أيضًا. فمثلاً، إذا كان لدينا علم إجمالي بنقص في كتاب واحد من مكتبة تحتوي على مئة ألف مجلد، فإن احتمال نقص ذلك الكتاب يساوي ١/١٠٠٠٠٠، واحتمال سلامة كل كتاب أكبر بمقدار ٩٩٩٩٩، لكن هذا التراكم لا يمكن أن يحول الاحتمال الكبير إلى يقين، لأن إذا أراد الاحتمال الكبير أن يبيد الاحتمال الصغير، فإن هذا الإبادة لا تخرج عن حالتين: إما أن تبيد الاحتمال الصغير في كل جوانب العلم الإجمالي، وهذا الاحتمال باطل لأنه ينفي العلم الإجمالي بنقص كتاب في المكتبة، أو تبيده في محور معين فقط، وهذا الاحتمال غير مقبول لأن المفروض أن كل جوانب العلم الإجمالي لها قيمة احتمالية متساوية، فلا يمكن افتراض اختلاف نتائجها. والنتيجة أن زوال الاحتمال الصغير معقول فقط إذا لم يستلزم زوال قيمة الاحتمال الكبير (المرجع نفسه: ٤٢٦- ٤٢٧). ثم يقدم الشهيد الصدر طريقتين معقولتين لتحويل قيمة الاحتمال الكبير إلى يقين موضوعي (المرجع نفسه: ٤٢٩).
خلاصة البحث في هاتين المرحلتين أن الشهيد الصدر في مرحلة التولّد الذاتي يستعين بالمبدأ الأولي المذكور ويطبقه على الدليل الاستقرائي ليحول القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين موضوعي.
تطبيق الدليل الاستقرائي في علم الأصول
الدليل الاستقرائي له تطبيقات كثيرة في العلوم المختلفة. بعد أن اجتاز الشهيد الصدر مراحل متعددة أدت إلى تأليف كتاب الأسس المنطقية للاستقراء وطرح رؤية تفصيلية للمذهب الذاتي، شرع في تقديم تطبيقات هذه الرؤية وشرح تطبيقاتها في مجالات مختلفة من العلوم، منها مجال المعرفة، وعلم الكلام، وعلم الأصول، وعلم الفقه، وعلم الرجال. ولا تقع مسؤولية شرح هذه التطبيقات على عاتق هذا البحث، لذا سنكتفي بتوضيح التطبيقات الأصولية فقط.
تناول الشهيد صدر في كتبه المختلفة في أصول الفقه تطبيق الدليل الاستقرائي على أساس حساب الاحتمالات في بعض المسائل الأصولية. بل إن بذرة رؤيته قد بزرت أولاً في درس الخارج في الأصول في مبحث حجية الدليل العقلي (ابوزید، ١٤٢٤: ١/ ١٦٨)، وأول انعكاس لهذا الفكر يظهر في كتاب المعالم الجديدة للأصول. في هذا الكتاب خصص جزءًا خاصًا للدليل الاستقرائي وناقشه في فصلين (صدر، ١٤٢١: ٢٠٠ – ٢١٤). يبدأ في هذا الكتاب بتقسيم الدليل الاستقرائي إلى دليل استقرائي مباشر وغير مباشر. في الدليل الاستقرائي المباشر يُستدل على الحكم الشرعي نفسه. في قسم الدليل الاستقرائي المباشر يشير إلى دور الدليل الاستقرائي في الأحكام الشرعية ويعتبره دليلاً على إثبات بعض القواعد الفقهية. كمثال، يشير إلى قاعدة «معذورية الجاهل» التي أثبتها الشيخ يوسف البحراني بطريقة استقرائية (المرجع نفسه: ٢٠٣). ثم يتناول تقسيم الاستقراء إلى استقراء قطعي وغير قطعي، ويعتبر الاستقراء القطعي حجة، ومع اعتبار عدم حجية الاستقراء غير القطعي يذكر أن القياس، رغم كونه داخلاً في الدليل الاستقرائي، لا يفيد القطع وهو ساقط عن الحجية (المرجع نفسه: ٢٠٥). المقصود بالقياس هنا ليس القياس المنصوص العلة أو المستنبط العلة، إذ إنهما يفيدان اليقين في هذين الحالتين. في الفصل الثاني يتناول الدليل الاستقرائي غير المباشر. في الدليل الاستقرائي غير المباشر لا يُستدل على الحكم الشرعي نفسه، بل يُستدل على إثبات وجود دليل لفظي على الحكم الشرعي. إذًا يُستدل على الحكم الشرعي بواسطة واسطة (المرجع نفسه: ٢٠٧). في هذا القسم يبحث عدة أمثلة من مصاديق الدليل الاستقرائي غير المباشر ويناقش التواتر، الإجماع، الشهرة، السيرة المشرعية والسيرة العقلائية. نحن أيضًا سنوضح هذه المسائل ومسائل أخرى تتعلق بمباحث ألفاظ علم الأصول، ونبدأ بدراسة هذه المسائل التي لها أهمية أكبر في فكر الشهيد صدر.
التطبيق الأول: التواتر
مبحث التواتر من المباحث المهمة في علم الأصول وعلم الدراية، وقد نوقش من جوانب مختلفة، منها تبرير الاعتماد على الروايات المتواترة. اعتمد الشهيد صدر على تطبيق حساب الاحتمالات على الروايات المتواترة لتبرير الثقة بها، ويعتبر التواتر من وسائل إثبات الدليل الوجداني من جانب الشارع المقدس، واليقين الناتج عنه هو يقين موضوعي استقرائي بناءً على حساب الاحتمالات، خلافًا للمشهور الذي يعتبر اليقين الناتج من التواتر يقينًا عقليًا أي يقينًا موضوعيًا استنباطيًا.
التواتر في اللغة يعني تتابع عدة أشياء بفاصل زمني. أما في مصطلح علم المنطق وعلم الأصول، فالتواتر يعني تعدد المخبرين عن واقعة بحيث يتحقق اليقين بعدم تواطؤهم على الكذب. بعبارة أخرى، هو الأخبار المنفصلة من مجموعة عن واقعة بحيث يعلم السامع بالواقعة ولا يحتمل احتمال تواطؤهم على الكذب (حلی، ١٣٧١: ٣١٢؛ رازی،١٣٨٤: ٤٥٧؛ صدر، ١٤٢٦هـ: ٤٨٤). إذًا، التواتر صفة للخبر، ويُسمى الخبر الذي يحمل هذه الصفة خبرًا متواترًا.
القضايا المتواترة في المنطق الأرسطي تستنتج من الكبرى العامة «يمتنع اتفاق عدد كبير من الناس على الكذب». هذه القضية نفسها تُعتبر من القضايا الأولية (صدر، ١٤٢١ق (ألف): ١٥١ – ١٥٢). أما في المنطق الذاتي، فتُعتبر هذه القضية من القضايا الاستقرائية، وبالتالي لا يمكن أن تكون أساسًا لباقي القضايا المتواترة. القضايا المتواترة، مثل القضايا التجريبية والحدسية في المنطق الذاتي، تُعد من القضايا الثانوية والمستدل بها التي تُحقق درجة احتمال كبيرة بطريقة التوالد الموضوعي، وبطريقة التوالد الذاتي تتحول هذه الدرجة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين موضوعي. تطبيق قوانين حساب الاحتمالات على مسألة التواتر يتم في ضوء مرحلتين: التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي.
في مرحلة التوالد الموضوعي، بالاعتماد على قرائن مختلفة، يزداد احتمال صدور الرواية المذكورة. أهم العوامل التي تؤثر في زيادة أو نقصان الاحتمال هي العوامل الخارجية والعوامل النفسية: العوامل الخارجية مثل: أ. وثاقة وذكاء المخبرين. ب. بعدهم عن بعضهم من حيث ظروف الحياة والظروف الفكرية، فكلما اختلفت ظروفهم قل احتمال تواطؤهم على الكذب. ج. نوع القضية المتواترة من حيث الغرابة وعدم الغرابة. د. نوع القضية المتواترة من حيث الوضوح والخفاء. العوامل النفسية مثل: أ. اختلاف طبيعة الإنسان في الانتباه إلى الاحتمالات الضعيفة. ب. الافتراضات السابقة للإنسان التي أحيانًا تمنع زيادة أو نقصان درجة الاحتمال. ج. الإدراكات العاطفية للإنسان التي تؤثر في زيادة أو نقصان درجة الاحتمال. يمكن إضافة عوامل أخرى (المرجع نفسه: ١٥٣ – ١٥٤). وجود هذه العوامل أو عدمها يؤثر مباشرة في زيادة أو نقصان درجة الاحتمال. لذلك، في هذه المرحلة، مع مراعاة العوامل المذكورة، تزداد درجة الاحتمال.
في مرحلة التولد الذاتي باستخدام الأصل الأوّل في نظام المعرفة الإنسانية الذي ذكرناه سابقًا، يتحول هذا الاحتمال الكبير إلى يقين موضوعي. لذلك، بتطبيق قواعد حساب الاحتمالات على القضايا المتواترة، تكون هذه القضايا مفيدة لليقين الموضوعي (المرجع نفسه: ١٥١-١٥٣؛ همو، ١٤٢٦: ٤٨٤؛ همو، ١٤٢١: ٢٠٨ – ٢٠٩). كما أن تطبيق حساب الاحتمالات على الخبر الواحد الذي يستند إلى قرائن أخرى غير كثرة عدد الرواة، مثل ورع وتقوى الراوي، يكون مشابهًا لتطبيقه على الخبر المتواتر (همو، ١٤٢١: ٢٠٨).
التطبيق الثاني والثالث: الإجماع والشهرة
حول حجية الإجماع وبيان كيفية كشف الإجماع من الدليل الشرعي توجد خلافات. فقد استدل بعضهم على حجية الإجماع بالتمسك بقاعدة اللطف. كما ادعى بعض أهل السنة وجود أحاديث تدل على صحة ومطابقة الإجماع للواقع؛ فالتمسك بالحديث «لا تجتمع أمتي على خطأ» أو: «على ضلالة» (حرانی، ١٤٠٤: ٤٥٨؛ مفید، ١٤١٣: ٢٣٩؛ ابن ابیالحدید، ١٤٠٤: ٨/ ١٢٣) في هذا السياق (صدر، ١٤٢١ق (أ): ١٥٨ – ١٥٩). يدعي الشهيد صدر، بتطبيق قواعد حساب الاحتمالات على الإجماع، أن الإجماع أيضًا مفيد لليقين الموضوعي. والتوضيح أن في مرحلة التولد الموضوعي، بالاعتماد على قرائن مختلفة، يزداد احتمال استناد المجمعين إلى الدليل الشرعي. فإذا أفتى فقيه في مسألة فقهية، فهناك احتمالان في فتوائه: إما أن يكون الفتوى مستندة إلى دليل لفظي أو لا. وإذا أفتى فقيه آخر بنفس الفتوى، يزداد الاحتمال الأول قيمة احتمالية، وكلما زادت هذه الفتاوى ازداد قيمة الاحتمال. وعندما يفتي جميع الفقهاء بنفس الفتوى، يزداد الاحتمال بشكل ملحوظ. في زيادة أو نقصان درجة الاحتمال في الإجماع، تؤثر عوامل منها:
أ. نوع العلماء الذين أجمَعوا من ناحية علمية، هل هم من علماء الطراز الأول، ومن ناحية قربهم الزمني من عصر النصوص. ولهذا السبب، كلما اقترب المجمعون من زمن النصوص، كان إجماعهم في كشف الدليل الشرعي أكثر مصداقية.
ب. طبيعة المسألة التي أُجمِع عليها، من حيث هل هي من المسائل التي يُتوقع ورود نص خاص فيها، أو من التفصيلات والفروع التي لا يُتوقع وجود نص خاص بشأنها.
ج. مدى ابتلاء الناس بتلك المسألة وظروفها الاجتماعية، من حيث أن المسألة أحيانًا تكون بحيث إذا لم يكن الحكم المجمع عليه ثابتًا في الشريعة، فإن هناك دوافع وظروفًا مناسبة لنشر الحكم المضاد. مثلاً، البيع المعاطاتي هو محل ابتلاء كثير من الناس، وإذا لم يكن الإجماع على جوازه صحيحًا، فيجب أن يصلنا نفي الجواز بطريقة ما.
د. أسلوب كلام المجمعين في مقام الاستدلال على الحكم، ونسبة الاحتمال المتعلقة بارتباط موقفهم بالأدلة الضعيفة (صدر، ١٤٢٠: ١٢٣).
هناك عوامل أخرى تؤثر أيضًا. في مرحلة التولد الذاتي، باستخدام الأصل الأوّل في نظام المعرفة الإنسانية الذي ذكرناه سابقًا، يتحول هذا الاحتمال الكبير إلى يقين موضوعي. لذلك، بتطبيق قواعد حساب الاحتمالات على الإجماع، يكون الإجماع مثل التواتر مفيدًا لليقين الموضوعي بوجود دليل لفظي شرعي يدل على مضمون الإجماع (صدر، ١٤٢١ق (أ): ١٦٠؛ نفسه، ١٤٢١: ٢٠٨) أو على الأقل مفيدًا لليقين الموضعي برأي الإمام(ع).
أما الشهرة، فهي في مجال تطبيق قواعد حساب الاحتمالات مثل الإجماع، مع اختلاف أن درجة الاحتمال في الشهرة أقل من الإجماع (صدر، ١٤٢١ق (أ): ١٦٥؛ نفسه، ١٤٢١: ٢٠٨). يكتب الشهيد صدر: «فالإجماع والشهرة على ضوء مفهومنا الخاص عن الدليل الاستقرائي دليلان استقرائيان على وجود دليل مسبق على الحكم قام على أساسه الإجماع أو الشهرة» (همو، ١٤٢١: ٢٠٨). لذلك، معيار قبول الإجماع والشهرة في علم الأصول هو أنه إذا كان هذان مفيدان للعلم، فلهما الحجية ويُستخدمان في عملية استنباط الأحكام الشرعية. وبالنظر إلى تطبيق حساب الاحتمالات، فهما مفيدان لليقين، وبالتالي لهما الحجية (المرجع نفسه: ٢٠٨).
التواتر والإجماع، إلى جانب اشتراكهما في إفادة اليقين الموضوعي، لهما عدة فروق تؤثر بشكل مباشر في زيادة أو نقصان درجة الاحتمال في مرحلة التولد الموضوعي. وقد تناول الشهيد صدر هذه الفروق، وتفسيرها كما يلي:
الفرق الأول: القيمة الاحتمالية للمفردات في الإجماع أقل من القيمة الاحتمالية للمفردات في التواتر، لأن نسبة وقوع الخطأ في الحدسيات أكبر من نسبة وقوع الخطأ في الحسيات.
الفرق الثاني: الخطأ المحتمل في مفردات الإجماع غير محدد بمركز واحد، بينما الخطأ في الأخبار الحسية عادةً ما يكون مستقرًا على مركز واحد. لذلك، عندما يفتي العديد من الفقهاء بوجوب غسل الشعر في الغسل الجنابي، وإذا كانوا مخطئين في هذه الفتوى، فقد يكون خطأ أحدهم ناتجًا عن اعتماده على رواية غير تامة السند، وخطأ آخر ناتج عن اعتماده على رواية غير تامة الدلالة، وخطأ ثالث ناتج عن اعتماده على أمر لا ينبغي الوثوق به في تلك المسألة، مثل أصالة الاحتياط، وهكذا فإن خطأ الجميع ليس له مركز واحد، بل في مسار الاستنباط ومرحلته، كل منهم وقع في زلة في مكان مختلف. على عكس الأخبار الحسية، حيث إذا أخطأ جميع الرواة، عادةً يكون مركز الخطأ واحدًا. وإذا كان مركز الخطأ المحتمل واحدًا، أو إذا كانت المراكز المتعددة متقاربة، فإن احتمال تراكم الأخطاء على ذلك المركز الواحد يكون أضعف. ونتيجة لذلك، يتحقق العلم بسرعة أكبر وبعدد أقل من المفردات. وعلى العكس، كلما كانت المراكز متعددة وبعيدة عن بعضها، كما في الإجماع، يتحقق العلم ببطء وبعدد أكبر من المفردات.
الفرق الثالث: احتمال تأثير الخبر الأول على الخبر الثاني موجود في الأخبار الحدسية، لكن عادةً في مجال الأخبار الحسية لا يوجد مثل هذا الاحتمال، أي قد يصدر من مجتهد متأثر بمجتهد آخر فتوى، ويؤدي خطأ الآخر إلى أن يخطئ هو أيضاً، كما كان المجتهدون من الطراز الأول مثل شيخ الطوسي وشيخ الأنصاري يؤثرون لفترة طويلة على مجتهدي الأجيال اللاحقة، وكان من الصعب إصدار فتوى مخالفة لفتواهم. لكن عادةً لا يمكن أن يتأثر مخبر ثقة بمخبر آخر، وفي أمر حسي لا يتأثر بخطأ ذلك الشخص، فلا يخطئ هو أو يسمع خطأً. لذلك، احتمال الخطأ في الفتوى الأولى في دائرة الحدسيات يتضمن احتمال خطأ في الفتوى الثانية، لأن فتوى الخطأ قد تؤثر في خطأ فتوى أخرى؛ مثلاً إذا كان احتمال خطأ المجتهد الأول خمسين بالمئة، فإن احتمال خطأ المجتهد الثاني لا يكون خمسين بالمئة فقط، لأنه بالإضافة إلى احتمال خطأه الخاص، هناك احتمال تأثره بخطأ الآخرين. فمثلاً احتمال خطأ المجتهد الثاني يصبح ستين بالمئة، واحتمال خطأ المجتهد الثالث سبعين بالمئة، وعندما ندرس احتمال خطأ الثلاثة، يكون واحداً وعشرين بالمئة. أما في دائرة الأخبار الحسية، إذا كان احتمال خطأ الراوي الأول خمسين بالمئة، فإن احتمال خطأ الراوي الثاني يعتمد على نفسه، وخطأ الراوي الأول عادةً لا يؤثر فيه. لذلك، إذا حسبنا احتمال خطأ الراوي الثاني والثالث أيضاً خمسين بالمئة، فإن احتمال خطأ الثلاثة في خبر نقلوه معاً يصبح اثني عشر ونصف بالمئة. وهكذا في الأخبار الحسية، احتمال كذب الجميع مع المفردات يزول أكثر وببطء. بينما في دائرة الحدسيات، احتمال خطأ الشخص الأول مقابل أن يكون الشخص الثاني مخطئاً أو مصيباً يكون غير مبالٍ.
الفرق الرابع: احتمال الخطأ في القضية الحسية عادةً يكون مع تحقق مقتضى الاصابة، أي سلامة الحواس والفطرة. بمعنى آخر، خطأ كل راوي عادةً لا ينشأ عن ضعف في البصر أو السمع أو قوة الذاكرة، بل عادةً يتحقق أن الراوي من هذه الجوانب سليم وفي المستوى العادي والمتعارف، وإذا كان الخطأ محتملاً، فهو ناتج عن احتمال وجود مانع، مثل حادثة جانبية أخرى تسبب اضطراب ذهن الراوي فلا يسمع كلام الإمام جيداً أو لا يرى حركاته جيداً مع أن أذنه وعينه سليمتان وعاديتان. أما احتمال الخطأ في القضية النظرية الحدسية مثل الفتوى، فقد يحمل احتمال عدم وجود مقتضى الاصابة، أي ناتج عن ضعف قوة الاستنباط وانخفاض المستوى العلمي وعدم الإحاطة ببعض الأدلة، وباختصار كل ما يدل على عدم وجود مقتضى.
الفرق الخامس: الأخطاء المحتملة في مجموعة الأخبار الحدسية قد تنشأ من نقطة مشتركة، مثل ضعف المستوى العلمي في فقهاء فترة معينة، لكن بالنسبة للأخطاء المحتملة في مجموعة الأخبار الحسية، عادةً لا يُفترض وجود احتمال أن جميعها نشأت من نقطة مشتركة، لأن منشأ مشترك لخطأ الجميع في أمر حسي عادةً غير موجود، بل هذه الأخطاء في كل مخبر مرتبطة بالظروف الزمنية والمكانية وغيرها من الخصائص الخاصة لذلك المخبر (همو، ١٤٢٠: ١٢٢؛ اسلامی، ١٣٨٧: ٢/ ٣٥٣).
التطبيق الرابع: السيرة المتشرعة
السيرة في اللغة تعني العادة والطريقة، وفي اصطلاح علم الأصول تعني استمرار طريقة وسلوك عام وتوافقهم على القيام أو ترك عمل ما. إذا كان المقصود من الناس جميع العقلاء، يسمى ذلك «السيرة العقلائية» أو «بناء العقلاء». وإذا كان المقصود منهم جميع المسلمين، يسمى «السيرة المتشرعة». السيرة المتشرعة التي هي ذاتها طريقة وسلوك المتدينين، من خلال تطبيق حساب الاحتمالات المفيد لليقين الموضوعي تدل على وجود دليل شرعي في المسألة. لأنه إذا قام أحد المتدينين بعمل ما، فهناك احتمال أنه أخذه من الشارع واستند إلى دليل شرعي في ذلك، كما أن هناك احتمالاً مقابلاً أن يكون السلوك المذكور مبنياً على الغفلة عن الاستعلام أو الغفلة عن فهم الجواب في فرض الاستعلام. لكن كلما اتسعت هذه السيرة وتناسق عدد كبير من المتشرعين في العمل بها، ضعف احتمال عدم استناد فعلهم إلى بيان الشارع. حتى أنه بملاحظة نوعية وكمية أهل السيرة، ينخفض احتمال المعارضة إلى الصفر تقريباً. لذلك، السيرة المتشرعة في هذا المجال تشبه الإجماع، لأن كلاهما قائم على كشفية حساب الاحتمال، مع الفرق أن الإجماع يظهر موقف الفقهاء في مقام النظر والفتوى، بينما السيرة المتشرعة تظهر سلوك المتشرعين الديني في العمل. لذلك، السيرة المتشرعة في ضوء تطبيق حساب الاحتمالات في مرحلة التوالد الموضوعي تدل على احتمال متزايد لوجود دليل لفظي، وفي مرحلة التوالد الذاتي يتحول هذا الاحتمال الكبير إلى يقين موضوعي (صدر، ١٤٢١: ٢١٠؛ همو، ١٤٢٠: ١٢٤؛ اسلامی، ١٣٨٧: ٢/ ٣٦٤).
التطبيق الخامس: السيرة العقلائية
السيرة العقلائية أيضاً من خلال تطبيق حساب الاحتمالات مفيد لليقين الموضوعي، لكن مع الفرق أن سلوك العقلاء وحده لا يدل على يقين بوجود دليل شرعي، بل سلوك العقلاء مع سكوت الشارع (طبعاً في الحالات التي يكون فيها عدم السكوت والردع ممكنين ولا يكون هناك تقية) الذي يعني إقرار السيرة منهم، يدل على يقين موضوعي بالحكم الشرعي. لذلك، في حجية السيرة العقلائية هناك خاصيتان ضروريتان: الأولى قيام السيرة من قبل العقلاء، والثانية سكوت الشارع الذي يعني التأييد والإقرار. كلما زاد عدد العقلاء الذين يقومون بعمل ما، وزاد سكوت الشارع تجاه عملهم، زاد احتمال تأييد عملهم من قبل الشارع المقدس حتى يصل إلى درجة ضعف احتمال المعارضة كثيراً. وفي مرحلة التوالد الذاتي أيضاً، من خلال تطبيق الأصل المعرفي المذكور سابقاً، يتحول هذا الاطمئنان إلى يقين (صدر، ١٤٢١: ٢١٠).
نقطة جديرة بالاهتمام أن السيرة المتشرعة في عدة محاور تختلف عن السيرة العقلائية:
الفرق الأول أن السيرة المتشرعة تُعد دليلاً شرعياً بحد ذاتها، على عكس السيرة العقلائية التي لا تكشف بمفردها عن موقف الشارع، لأن العقلاء ليسوا ملزمين بما يلتزم به العقلاء الآخرون بأن يجعلوا سلوكهم مطابقاً لتوجيهات الشارع، بل إنهم أحياناً يتأثرون بكبارهم وأحياناً يتبعون البيئة وأحياناً يسعون وراء مصالحهم الشخصية. ولهذا السبب، فإن السيرة العقلائية لا تدل بذاتها، وإنما تدل فقط بسبب سكوت الشارع الذي يدل على الإقرار، فتكون السيرة العقلائية دالة على موقف الشارع وموافقته (المرجع نفسه: ٢١٠؛ همو، ١٤٢٠: ١٢٤).
الفرق الثاني أنه في الاستدلال بالسيرة المتشرعة، بالإضافة إلى إثبات استقرار بناء المتشرعة على فعل أو ترك شيء، من الضروري إثبات تطبيق تلك السيرة من قبل أصحاب الأئمة(ع) والأجيال المعاصرة لهم، لكي يمكن العمل بها كدليل. أما في بناء العقلاء فلا يلزم ذلك. بمعنى أنه بعد إثبات أن الطبيعة العقلائية إذا تُركت لحالها ولم يكن هناك ردع، تقتضي العمل والاستدلال بها، ولا تحتاج إطلاقاً إلى إثبات تطبيقها في زمن الأئمة(ع) أو قريب منه. بعبارة أخرى، في الاستدلال والعمل بالسيرة، الإقرار ضروري، أما في العمل والاستدلال على بناء العقلاء، فعدم وجود ردع كافٍ (شاهرودی، ١٤١٧: ٤/ ٢٤٧).
الفرق الثالث أنه متى ما توافرت شروط حصول السيرة المتشرعة كاملة، يصبح احتمال وجود ردع منها بلا معنى، لأن السيرة المتشرعة هي نفسها كاشفة عن البيان الشرعي، وذلك على نحو كشف المعلول عن السبب. على عكس بناء العقلاء الذي عند استقراره يحتمل وجود ردع، لأن إبرام بناء العقلاء ليس معلول بيان شرعي، بل معلول قضية عقلائية يحتمل وجود ردع شرعي فيها (المرجع نفسه: ٤/ ٢٤٧).
الفرق الرابع أن المفردات التي تثير الاحتمال في مجال السيرة المتشرعة هي أفعال المتدينين أنفسهم، أما في مجال السيرة العقلائية فالأفعال مصحوبة بسكوت الشارع، وأفعالهم وحدها لا تشكل احتمالاً إيجابياً.
التطبيق السادس: تحديد واضع الألفاظ
يذكر الشهيد صدر في مسألة تحديد الواضع، نقاطاً تضعف وجهة نظر بشرية الواضع للألفاظ. ومن هذه النقاط التي يذكرها: إذا فسرت وجهة نظر بشرية الواضع للألفاظ على أن لفظاً خاصاً يخطر في ذهن جميع الناس مقابل معنى معين، وبالتالي فإن ذلك اللفظ وُضع من قبل جميع الناس على ذلك المعنى، فإن هذا التفسير لكون الواضع بشرياً غير مقبول ويتعارض مع حساب الاحتمالات، لأن احتمال أن يخطر ذلك اللفظ الخاص في ذهن الفرد الأول مقابل ذلك المعنى الخاص هو واحد على اثنين، وهذا الاحتمال بالنسبة للفرد الثاني أيضاً واحد على اثنين، لكن احتمال تزامن واتحاد هذين الاحتمالين هو واحد على أربعة، وكلما زاد عدد الأفراد، ينخفض هذا الاحتمال حتى يقترب من الصفر وفق قوانين حساب الاحتمالات، وبموجب ما قيل في مرحلة التولد الذاتي، يتحقق اليقين الموضوعي ببطلان هذا الاحتمال عند تطبيق الأصل المعرفي المذكور (حائری، ١٤٣٣: ١/ ١٠٩؛ شاهرودی، ١٤١٧: ١/ ٨٥؛ عبدالساتر، ١٩٩٦: ٢/ ٦٧).
التطبيق السابع والثامن: الاشتراك اللفظي والترادف
حول الاشتراك اللفظي، تُطرح نقاشات حول إمكانية ووقوع الاشتراك اللفظي. بعضهم لا يعتبر الاشتراك اللفظي ممكناً فقط، بل ضرورياً وواجباً، ويستدلون بأن الألفاظ محدودة والمعاني غير محدودة، لذلك الألفاظ لا تكفي لتغطية المعاني، ويجب أن يحدث اشتراك لفظي وتوضع بعض الألفاظ لأكثر من معنى (خوئی، ١٤٣٠: ١/ ٢٢٦؛ شاهرودی، ١٤١٧: ١/ ١١١).
قام الشهيد صدر بتبيين مسألة الاشتراك اللفظي وطرح عدة احتمالات في تفسير ضرورة الاشتراك اللفظي. من هذه التفسيرات أن المقصود من ضرورة الاشتراك اللفظي هو أن اللغة لها مسار طبيعي، وبما أن الألفاظ كانت توضع حسب الحاجات التي كانت تطرح في كل قبيلة، ومن جهة أخرى كان التواصل اللغوي بين القبائل والمجموعات محدوداً جداً، فقد يحدث أن تضع قبيلة لفظاً لمعنى معين، وتضع قبيلة أخرى نفس اللفظ لمعنى مختلف، وينتج عن ذلك اشتراك لفظي. وهذا المسار يتوافق مع قوانين حساب الاحتمالات، لأن احتمال أن يحكم نظام لغوي واحد على جميع القبائل، وبالتالي ألا يحدث اشتراك لفظي، ضعيف جداً ويمكن تقريبه إلى الصفر بتطبيق قواعد حساب الاحتمالات. لذلك يمكن تفسير ظاهرة الاشتراك اللفظي وفق حساب الاحتمالات. ومسألة الترادف تفسر بنفس الطريقة (شاهرودي، (1417:1/114-115.
التطبيق التاسع: الإطراد
من علامات التمييز بين الحقيقة والمجاز الإطراد. يذكر الشهيد صدر أربعة تفسيرات للإطراد: أ. إطراد التبادر؛ ب. إطراد الاستعمال (مع قرينة)؛ ج. إطراد التطبيق؛ د. إطراد الاستعمال بدون قرينة (حائری، ١٤٣٣: ١/ ٢٧٥ – ٢٧٨؛ شاهرودی، ١٤١٧: ١/ ١٦٩-١٧١؛ عبدالساتر، ١٩٩٦: ٢/ ٢١٦).
المقصود من «اطراد تبادر» هو أنه عندما يخطر في ذهن الإنسان معنى من لفظٍ ما، يُطرح احتمال أن يكون هذا الخطران المعنوي مستندًا إلى قرينة حالية أو مقالية، ولكن كلما تكرر هذا التبادر، يقل هذا الاحتمال ويضعف، ووفقًا لقواعد حساب الاحتمالات، يتحول إلى الصفر. لذلك، المقصود من اطراد التبادر هو هذا التكرار للتبادر الذي يؤدي إلى ضعف الاحتمال. ومن ثم، فإن اطراد ليس علامة مستقلة إلى جانب التبادر. هذا الأمر ينطبق أيضًا على اطراد في الاستعمال. والمقصود من اطراد الاستعمال هو أنه مع تكرار استعمال اللفظ في معنى خاص، يصبح واضحًا أن هذا الاستعمال ليس مستندًا إلى قرينة. يمكن تفسير التفسير الرابع (اطراد الاستعمال بدون قرينة) أيضًا في ضوء حساب الاحتمالات، بحيث عندما يُستعمل لفظ بدون قرينة في معنى ما، يوجد احتمال أن هذا الاستعمال ليس علامة على الحقيقة، وأن غرض المستعمل هو الإيجاز، ولكن كلما تكرر هذا الاستعمال، يقل هذا الاحتمال ويتحول إلى الصفر (حائری، ١٤٣٣: ١/ ٢٧٥ – ٢٧٨؛ شاهرودی، ١٤١٧: ١/ ١٧١-١٦٩؛ عبدالساتر، ١٩٩٦: ٢/ ٢١٦).
النقطة الختامية هي أن الشهيد الصدر في مسائل أخرى من علم الأصول تناول تطبيق الدليل الاستقرائي، والبحث في ذلك سيطيل هذه المقالة.
النتيجة
صحة الاستنتاج في الاستقراء تعتمد على إثبات ثلاثة مبادئ: أ. استحالة الاتفاق المطلق؛ ب. استحالة الاتفاق الخاص؛ ج. تبرير التعميم. وقد حظي إثبات هذه المبادئ باهتمام المدارس المختلفة في باب الاستقراء، حيث بذل أنصار العقلانية الأرسطية والتجريبية جهودًا في هذا المجال. وقد قدم الشهيد الصدر برؤية جديدة تسمى الرؤية الذاتية في كتابه القيّم الأسس المنطقية للاستقراء نقدًا ودراسة لرؤية العقلانية الأرسطية والتجريبية. في رؤية الشهيد الصدر، الاستقراء الناقص مفيد لليقين الموضوعي، ويُحصل على اليقين الموضوعي عبر مرحلتين: تولد موضوعي وتولد ذاتي. في المرحلة الأولى يزداد الاحتمال المعني، وفي المرحلة الثانية يتحول إلى يقين موضوعي. وقد استند الشهيد الصدر في مباحثه المختلفة في الأصول والفقه والكلام والفلسفة والمنطق إلى مسألة الاستقراء، وهذه المسألة تحتل مكانة رفيعة في فكره.
قائمة المراجع
ابن ابی الحدید، عبدالحمید، شرح نهج البلاغۀ، مکتبۀ آیۀ الله المرعشی النجفی، قم، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ق.
ابن سینا، عبدالله، الشفاء، المنطق، قم، مکتبۀ آیۀالله المرعشی، ١٤٠٤ق.
ابوزید، احمد عبدالله، مدخلٌ الی نظریۀ الاحتمال مع تطبیقاتها فی المدرسۀ الفقهیۀ للشهید السید محمد باقرالصدر، فقه اهل البیت(ع)، السنۀ الثامنۀ، رقم ٢٩، ٣٠، ٣١، قم، مؤسسۀ دائرة معارف الفقه الاسلامی طبقاً لمذهب اهل البیت(ع)، ١٤٢٤ق.
اسلامی، رضا، قواعد کلی استنباط (ترجمة و شرح دروس فی علم الأصول)، قم، بوستان کتاب، الطبعة الخامسة،.1387
اسماعیلی، محمدعلی، مبانی منطقی استقرا و تطبیقات معرفت شناختی آن در اندیشه شهید صدر، معارف منطقی، ١٣٩١.
حائری، سید کاظم، مباحث الاصول، قم، دارالبشیر، الطبعة الثالثة، ١٤٣٣ق.
حرانی، حسن بن علی، تحف العقول عن آل الرسول(ص)، قم، جامعه مدرسین، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ق.
الحلی، الجوهر النضید، قم، بیدار، الطبعة الخامسة، ١٣٧١.
حیدری، سید کمال، المذهب الذاتی فی نظریۀ المعرفۀ، قم، دارفراقد، الطبعۀ الثانیۀ، ١٤٢٦ق.
خسروپناه، عبدالحسین، منطق استقرا از دیدگاه شهید صدر، فصلنامه تخصصی ذهن، تهران، العدد ١٨، تابستان ١٣٨٣.
خوئی، سید ابوالقاسم، محاضراتٌ فی اصول الفقه، مؤسسۀ الخویی الإسلامیۀ، چهارم، ١٤٣٠ق.
دینانی، غلامحسین، قواعد کلی فلسفی در فلسفه اسلامی، پژوهشگاه علوم انسانی و مطالعات فرهنگی، تهران، الطبعة الثالثة، ١٣٨٠.
رازی، قطب الدین، تحریر القواعد المنطقیۀ فی شرح الرسالۀ الشمسیۀ، قم، بیدار، الطبعة الثانية، ١٣٨٤.
سبزواری، ملاهادی، شرح المنظومۀ، تهران، نشر ناب، الطبعة الثانية، ١٣٨٤.
شاهرودی، سید محمود، بحوث فی علم الأصول، قم، موسسه دائره المعارف فقه اسلامی، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ق.
صدر، محمدباقر، الأسس المنطقیۀ للإستقراء، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر، الطبعة الثانية، ١٤٢٦ق.
صدر، محمدباقر، الفتاوی الواضحۀ، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر، الطبعۀ الاولی، ١٤٢٣ق.
صدر، محمدباقر، المعالم الجدیدة للأصول، قم، مرکز الابحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر، الطبعۀ الاولی، ١٤٢١ق.
صدر، محمدباقر، بحثٌ حول المهدی(عج)، مرکز الغدیر للدراسات الاسلامیۀ، الطبعۀ الاولی، ١٤١٧ق.
صدر، محمدباقر، بحوث فی شرح العروة الوثقی، قم، مرکز الابحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر، الطبعۀ الاولی، ١٤٢١ق.
صدر، محمدباقر، دروس فی علم الأصول، قم، دارالعلم، الطبعۀ الاولی، ١٤٢٠ق.
صدر، محمدباقر، فلسفتنا، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر، الطبعۀ الثانیۀ، ١٤٢٧ق.
طباطبایی، محمدحسین، نهایۀ الحکمۀ، قم، مؤسسه آموزشی امام خمینی، ١٣٨٥.
طوسی، نصیرالدین، شرح الاشارات و التنبیهات، قم،نشر البلاغۀ، الطبعة الأولى، ١٣٧٥.
عبدالساتر، حسن، بحوث فی علم الأصول، بیروت، الدارالإسلامیۀ، الطبعۀ الأولی، ١٩٩٦.
مصباح، محمدتقی، آموزش فلسفه، تهران، نشر سازمان تبلیغات اسلامی، الطبعة الثانية، ١٣٧٤.
مفید، محمد بن محمد، الفصول المختارة، قم، کنگره شیخ مفید، الطبعة الأولى، ١٤١٣ق.
هادوی تهرانی، مهدی، معضل استقرا از نگاه شهید صدر، کیهان اندیشه، العدد ٣٦، ١٣٧٠.

