دراسة ضرورة المنهج الكلي في الاقتصاد بناءً على فكر الشهيد صدر

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی ضرورت رویکرد اقتصاد کلان بر اساس اندیشه مبنایی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: ضرورة المنهج الكلي في الاقتصاد بناءً على الفكر الأساسي لـالشهيد صدر(ره)، هو الموضوع الرئيسي لهذا المقال البحثي الذي يُنجز بطريقة وصفية – تحليلية. الاقتصاد الجزئي والكلي يشتركان في الأصل في هذا الأساس بأن السوق هو البيئة المناسبة لتحقيق الكفاءة، وأقصى إنتاج، وبالتالي أقصى رفاه اقتصادي. يتابع الاقتصاد الجزئي هذا الهدف من خلال فرضيات المنافسة الحرة في السعي وراء المصالح الفردية والتنسيق الأقصى لهذا المنفعة الشخصية مع المنفعة الجماعية بمساعدة اليد الخفية التي تتناغم عبر تدخلات الدولة الحد الأدنى؛ ومن ثم فإن النظرة الكلية في الاقتصاد الجزئي هي نظرة تجميعية تمامًا. قدم كينز، بنفيه للفرضيات السابقة، الاقتصاد الكلي غير التجميعي كنظرية اقتصادية تركز على الفرد والدولة. أما الشهيد صدر(ره) فقد قدم المذهب الاقتصادي الإسلامي، معترفًا بالسوق في إطار خاص؛ لكنه يفترض فرضيات تختلف عن الاقتصاد الجزئي النيوكلاسيكي، وفي الوقت نفسه يؤسس لقاعدة فكر الاقتصاد الكلي؛ ولكن ليس بفرضية تحليل عدم كفاءة السوق عند كينز، بل بفرضية تحقيق التوازن الاجتماعي من خلال تعظيم المنفعة الجماعية الدنيوية مقابل تعظيم المنفعة الفردية الأخروية. ومن هذا المنطلق، فإن الاقتصاد الإسلامي يحتاج حتمًا إلى منهج الاقتصاد الكلي. يتناول هذا المقال بطريقة وصفية – تحليلية وبالرجوع إلى الوثائق جانبًا من أساس وطبيعة الاقتصاد الكلي التقليدي والإسلامي وضرورة المنهج الكلي الإسلامي بناءً على رؤية الشهيد صدر(ره).

المؤلفان: حسين بحريني يزدي، علي رضا لشكري

المصدر: اقتصاد اسلامی، شتاء 1402، العدد 92، ص 5 إلى 28.

المقدمة

يشكل قطاع اقتصاد السوق بمعنى التبادل الحر والخاص بين الناس في النظام الاقتصادي، والذي غالبًا ما يؤدي إلى توسع الملكية الخاصة، موضوع اهتمام متفاوت في أنواع الأنظمة الاقتصادية. بالطبع، كان المذهب الاقتصادي الماركسي يصر على رفض التبادل الخاص. بعضهم، مثل المذهب الليبرالي الرأسمالي، يولي أقصى اهتمام لهذه الحرية في التبادل وتبعاتها، أي الملكية الخاصة القصوى، بينما يقبل المذهب الاقتصادي الإسلامي التبادل الخاص ضمن نطاق أضيق مقارنة بالليبرالية؛ ومن ثم فإن دور سلوك وأفعال الأفراد في الاقتصاد مهم. في الليبرالية، مع نطاق حرية أوسع، يتم التحليل الاقتصادي عبر فرعين علميين هما الاقتصاد الجزئي والكلي. ومن القضايا المهمة لتفريق الاقتصاد إلى جزئي وكلي، الحاجة إلى أسس جزئية. جذور هذا الأساس تكمن في السؤال: هل يمكن أن يؤدي احترام الحرية، وبالتالي المصالح الخاصة بأي معنى وبأي طريقة، إلى منفعة جماعية، وإلى تعاون وتنسيق اجتماعي مثل زيادة الاستثمار، والنمو، والتنمية، والرفاه الاجتماعي، والعدالة الاقتصادية، والقضاء على الفقر، بحيث يصبح ذلك حافزًا لتطوير الحريات؟ (Dow, 1998, p.85) كيف يحدث التماسك الاجتماعي، والتعاون، والتنسيق، ويستفيد الأفراد من عمل بعضهم البعض؟ إن نتيجة النقاش حول الأسس الجزئية في تحليل التوازن وعدم التوازن، ودخول موضوع التوقعات، والسياسات وغيرها، ذات أهمية كبيرة.

كان الكلاسيكيون والنيوكلاسيكيون غالبًا يرون أن سلوك وأفعال الأفراد في المجال الاقتصادي منطقية وعقلانية، وأن المخرجات الكلية لهذا السلوك متناسقة معها؛ بمعنى أنه إذا كان العقلاء يدخرون، فإن اليد الخفية تساعد على زيادة رؤوس الأموال الجديدة (الاستثمار)، وبالتالي ينمو رأس المال الكلي، ثم يزيد الإنتاج الكلي. إذًا، من بين نتائج التبادل الخاص التي تنبع من توسع الملكية والدافع الشخصي، يحدث تنسيق بين المصالح الشخصية والجماعية، أي النمو الاقتصادي، والسيطرة على التضخم والركود. والنتيجة الحتمية لهذا التنسيق هي تعزيز الإرادة الحرة وفكر “دعه يحدث” (آنیکین، 1358، ص ص. 253 و 256). أما ماندفيل، ومالثوس، وجون مينارد كينز، وشريحة واسعة من الاشتراكيين فقد أنكروا هذا التعاون، والتنسيق، والتعاون (بتعبيرات مختلفة في أسس مختلفة) بطرق متعددة. ونتيجة إثبات عدم التعاون، تظهر الحاجة إلى عامل خارجي عن السوق والإرادات الحرة للناس (مثل الدولة بأدواتها النقدية والضريبية أو المؤسسات القوية) ليحقق بدرجات متفاوتة التدخل في الاقتصاد ويجلب التنسيق (للمزيد من الدراسة راجع: Dow, 1998, pp.85, 106). والنقطة المهمة هي أن مسألة التناقض بين المصلحة الشخصية والجماعية في اقتصاد السوق الليبرالي معترف بها، وقد قُدِّمت بعد ذلك منهجان لحل هذا التناقض.

بعد تجاوز هذه الأسس، نشأت نظريتان: الاقتصاد الجزئي بمعنى التحليل الاقتصادي لسلوك أو فعل الفرد ثم تجميعه لفهم المخرجات الكلية المتناسقة، ونظرية الاقتصاد الكلي بمعنى دراسة الاقتصاد على المستوى الكلي بسبب التنسيق الأقصى أو الجزئي بين المخرجات الكلية والجزئية (رابینسون، 1358، ص105)، ومن هنا ولدت مدارس مختلفة في الاقتصاد الكلي.

في الفكر الاقتصادي الإسلامي، لم يُولَ هذا الموضوع اهتمامًا كافيًا من قبل كثير من المفكرين. وفي هذا السياق، أولى الشهيد صدر(ره) اهتمامًا لمبدأ التناغم أو عدم التناغم بين السلوكيات الجزئية والمخرجات الجماعية في المجتمع الإسلامي بدعوتين؛ أولًا، إن جذور عدم التناغم التي طرحت في الاقتصاد الليبرالي غير موجودة في الاقتصاد الإسلامي؛ ثانيًا، في الاقتصاد الإسلامي يلعب التناغم الناجم عن التوافق وأخذ المصالح الجماعية في الحسبان في دوافع السلوكيات الفردية دورًا مهمًا جدًا؛ ومن ثم فإن التناغم المتحقق في المجتمع الإسلامي أقوى*[1] (الصدر، 1424هـ، ص355).

لم يواصل الشهيد صدر(ره) النقاش، ولم يدخل في مسائل المنهج ثم العلم؛ لكن يمكن استخلاص فهم قوي من ما سبق، مفاده أنه بغض النظر عن الحاجة إلى الاقتصاد الجزئي ومنهجه التحليلي في الاقتصاد الإسلامي، فإن الأفراد وليس فقط الدولة يستفيدون بالتأكيد من المنهج الكلي لتحليل السلوكيات والتصرفات الاقتصادية في المجتمع الإسلامي. في هذا البحث، جُهد لتجنب التعبير عن علم الاقتصاد الكلي الإسلامي أو معرفة الاقتصاد الكلي الإسلامي؛ لأن النقاش حالياً يدور حول نتائج الاهتمام بأساس مهم بالطبع، ولا يزال هناك فرق حتى الوصول إلى علم الاقتصاد؛ لذلك في هذا المقال كله يُستخدم مصطلح «المنهج الكلي» للأدبيات الإسلامية.[2] إن مناقشة منهج صياغة هذا المنهج في السياق الإسلامي واختلافاته مع الاقتصاد الكلي التقليدي تتطلب دراسة أخرى.

يهدف هذا المقال إلى إثبات وضرورة المنهج الكلي الإسلامي بناءً على أساس الشهيد صدر(ره). ولهذا الغرض، يُستخدم تحليل وصفي – تحليلي مستند إلى مصادر مكتبية.

المنهج واتجاه النقاش في هذا البحث

تم تنظيم هذا المقال في قسمين: أولاً، يناقش أساس التناغم بين السلوكيات الفردية والمخرجات الاجتماعية وتأثيره في تبني أسس جزئية في الاقتصاد الكلي التقليدي، وثانياً، يُطرح رأي الشهيد صدر(ره) حول هذا الأساس.

في القسم الأول، توجد مصادر كثيرة وأدبيات واسعة من فلسفة علم الاقتصاد ومنهجية البحث وتقديم المنهج حتى إنشاء نظرية الاقتصاد الكلي؛ لكن في القسم الثاني، لا يكاد يوجد أي محتوى معتبر سوى كلمات وأبحاث الشهيد صدر(ره) في جانب الأساس.

كان مبدأ النقاش في نسب ضرورة المنهج الكلي الإسلامي إلى فكر الشهيد صدر(ره) هو أن يتم الفهم والتفسير الصحيح لقضية الشهيد صدر(ره) في الاقتصاد من خلال الرجوع الدقيق إلى أعماله والأبحاث التي أجراها الباحثون الآخرون في الاقتصاد الإسلامي حولها. ثم بناءً على هذا الفهم واتباع المسار الذي قدمه في جميع أعماله، يتم التوصل إلى نتيجة شاملة حول منهج التحليل الاقتصادي في نظره، ويتضح ما هي الطرق التي كان سيختارها لدراسة الظواهر الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، وما إذا كانت مخرجات ذلك نظرية اقتصادية جزئية أو كلية أو مزيج منهما أو متميزة عنهما. لكن في هذا البحث، أولى المؤلفون اهتمامهم لأجزاء نظرية الشهيد صدر(ره) وبناءً على أحد الأسس المهمة لنظريته التي تظهر في أعمال مختلفة منها المدرسة القرآنية (1421ب)، اقتصادنا (1424) و الاسلام يقود الحياة (1421 الف)، يقدمون تحليلاً ومراجعة حول الموضوع المطروح. ونظراً لأن هذا النقاش أساسي جداً، ولأن صاحب هذا الأساس وهو الشهيد صدر(ره) كان يمتلك ذهناً ونظرة منهجية، وسعى للحفاظ والدفاع عن أسسه، فإن اعتماد هذا المنهج في الاستنباط يبدو صحيحاً.

خلفية البحث

موضوع هذا البحث هو ضرورة المنهج الكلي الاقتصادي للاقتصاد الإسلامي، ولإثبات ذلك تم استخدام التحليل الأساسي للشهيد صدر(ره). لم يُعثر على بحث بهذا العنوان، لا عن أساس الشهيد صدر(ره) فقط، بل بشكل عام في الاقتصاد الإسلامي في الأدبيات الفارسية والعربية والإنجليزية. مع ذلك، يشير شودري في مقال منسق من مجموع أبحاثه ومحاضراته بعنوان «Islamic Macroeconomics?» في صيغة سؤال إلى هذا الموضوع (Choudhury, 2006). يسأل: [هل] يوجد اقتصاد كلي إسلامي؟ ثم تُطرح مناقشات أخرى لاحقاً؛ لكن فيما يتعلق بالأساس العلمي المستخلص من نظرية الشهيد صدر(ره) تحت عنوان هذا البحث أو عناوين قريبة منه، لم يُلاحظ وجود بحث.

في خلفية هذا البحث يمكن الإشارة إلى بعض الأعمال:[3]

أ) الخلفية الداخلية

درس ميرمعزي في كتاب الاقتصاد الكلي بنهج إسلامي (1396) النظام الاقتصادي الإسلامي بطريقة الاقتصاد الكلي. قالب الكتاب مشابه لكتاب النظرية الاقتصادية الاسلامية اتجاه تحليلي (1417هـ) بحث الزامل وابن جيلاني؛ ولكن مع تفصيل أكثر وإضافة دراسة العرض الكلي. يذكر المؤلف غرضه من تأليف هذا العمل بأنه «إثبات إمكانية» دراسة الاقتصاد الإسلامي بالطرق المتداولة في دراسة الأنظمة المحققة – مثل النظام الاقتصادي الليبرالي في بعض الدول الغربية – (میرمعزی، 1396، ص19). ويشير في المقدمة إلى أنه «بتعريف الاقتصاد الكلي وبيان منهج هذا العلم في دراسة النظام الاقتصادي المحقق، شرحنا كيف يمكن استخدام هذا المنهج في دراسة نظام الاقتصاد الإسلامي الذي لم يتحقق وهو نظام وصفي» (المرجع نفسه، ص17). من المواضيع المهمة الأخرى التي تم التأكيد عليها في هذا الكتاب أكثر من كتاب زامل وابن جيلاني، هو موضوع الدافع في السلوكيات الاقتصادية في الإسلام وبالتالي العقلانية الإسلامية: «أحد الميول الفطرية للإنسان هو الميل إلى اللذة والابتعاد عن الألم، ودافع كل نشاطاته هو تعظيم اللذة وتقليل الألم» (المرجع نفسه، ص43). وفيما بعد، وبالنظر إلى الثنائية في الإنسان (الجسد والروح) والاهتمام بالحياة الأبدية، يستنتج: «دافع كل سلوكيات الإنسان الإسلامي هو تعظيم اللذات الدنيوية والآلام الأخروية وتقليل الآلام الدنيوية والأخروية مع تقدم اللذات والآلام الأخروية على اللذات والآلام الدنيوية» (المرجع نفسه، ص44). رغم أن المؤلف في جميع مواضيع الكتاب والرسوم البيانية والمعادلات يولي اهتمامًا لهذا التعظيم، إلا أنه في أي موضع من الكتاب لم يناقش كيفية تحقيق ذلك وعلاقته بضرورة التفكير الكلي في الاقتصاد. ويقول في شرح السلوك العقلاني للإنسان: «السلوك العقلاني هو سلوك يتضمن اختيارًا متوافقًا ومنطقيًا مع الأخذ في الاعتبار القيود وبهدف تعظيم المنفعة الشخصية» (المرجع نفسه، ص63). بهذا التعبير، النقطة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها لضرورة تحليل الاقتصاد الإسلامي الكلي هي دراسة أداء نظام الاقتصاد الإسلامي ككل. وفهم كلي هذا النظام ليس بسبب المناقشات الفلسفية حول أولوية الفرد والمجتمع، بل من خلال تبني أساس منهج التفكير النظامي (میر معزی، 1381، ص ص. 26 و 27).

يقول إسلاملويان (1399) في كتاب الاقتصاد الكلي المتقدم بنهج إسلامي عن منهج النقاش: «وجهة نظر المؤلف هي أن فهم المناهج الإسلامية في الاقتصاد الكلي غير ممكن بدون معرفة الاقتصاد التقليدي؛ لأن المنهج السائد بين الاقتصاديين المسلمين هو إسلامة نظريات الاقتصاد السائدة» (اسلاملوئیان، 1399، ص1). ويدعي المؤلف أن الاقتصاديين المسلمين في جميع أو غالب أعمالهم لم يتبعوا منهجًا سوى الرجوع إلى نظريات الاقتصاد التقليدي، وأن هذه النظريات هي التي تم إسلامتها؛ وليس أنه تم تقديم نظرية إسلامية بناءً على أسس منهجية خاصة.

بعض الأعمال الأخرى مثل مقالات «العقلانية في الاقتصاد الإسلامي» (دادگر و عزتی، 1382) أو «نقد ومراجعة مسار تطور فكر الإنسان الاقتصادي في الاقتصاد التقليدي» (علم الهدی و توکلی، 1394) أشارت إلى الأصل الإنساني في النقاش؛ لكنها لم تتناول الجانب المنهجي وضرورة الاقتصاد الكلي أو الجزئي الإسلامي.

ب) الخلفية الخارجية

كتاب النظرية الاقتصادية الإسلامية: اتجاه تحليلي الذي كتبه الزامل وابن جيلاني في عام 1417هـ (1996م/ 1375ش) وترجمه خليلي تيرتاشي بعنوان الاقتصاد الكلي بنظرة إسلامية، لا يمكن من خلاله بيان سبب اختيار نموذج كينزي من قبل هؤلاء المؤلفين، ولا توضيح النقاط التي تفضله على النظرية الكلية النيوكلاسيكية وحتى النيوكينزية. يشير المؤلفون ضمنيًا إلى سبب واحد: «تشابه بعض مكونات النموذج النظري لنظرية كينز مع المبادئ والأسس الإسلامية» (زامل و بن جیلانی، 1417هـ، ص20). وترجمة نص كتابهم هي: «بافتراض تساوي القطاع العام والقطاع الحكومي وقبول جزء من الاستهلاك كجزء أساسي، يصبح تحليل التوازن [في الاقتصاد الكلي الإسلامي] – مثل نموذج كينز – محصورًا في الاستثمار والادخار في القطاع الخاص». في أي مكان آخر من هذا الكتاب لم يُذكر سبب آخر لاختيار نموذج كينزي أو الاقتصاد الكلي بشكل عام. لا يجيبون عن سبب استنتاجهم من المفاهيم المشتركة بين النظام الاقتصادي التقليدي والاقتصاد الإسلامي أنه يمكنهم استخدام نفس النماذج والأساليب والأدوات بالضبط لتحليل الاقتصاد الإسلامي. تمامًا مثل العديد من الأعمال الأخرى في الاقتصاد الإسلامي، يتحدث هذا الكتاب أيضًا عن مفهوم العقلانية: «نظرًا لأن مبدأ العقلانية يوضح البنية الفوقية التي تحدد السلوك الاستهلاكي في مجتمع معين، يجب علينا تحليل مبدأ العقلانية الإسلامية لاستخلاص القواعد التي تبنى عليها نظرية سلوك المستهلك المسلم» (المرجع نفسه، ص43). خلاصة الأمر أن الفلاح ليس مجرد مسألة مادية مثل المتعة من الاستهلاك، ولذلك يجب أيضًا قياس تأثيرات الاستهلاك في الآخرة. بالطبع، هذا لا يعني أن الملكية الخاصة تُلغى تمامًا أو أن الملكية العامة تتوسع بشكل كبير وينخفض دور الدخل في الاستهلاك (المرجع نفسه، ص44). في النهاية، لا يقدم هذا النص تفسيرًا للعلاقة بين العقلانية والمنفعة الاجتماعية.

تشودري (2006) في مقاله بعنوان «هل يوجد اقتصاد كلي إسلامي؟» ينتقد الاقتصاد الكلي التقليدي من خلال طرح النقاش الأخلاقي حول تعارض المصلحة الشخصية والجماعية ودخوله في مسائل الإنسان المعرفي. يذكر تشودري «تجميع التفضيلات» كمنهجية للاقتصاد الكلي التقليدي، ويبين أن هذا التجميع لا يمكنه تحقيق الأهداف الأخلاقية والاجتماعية التي يهدف إليها الاقتصاديون مثل سميث وكينز لأسباب متعددة. يبدأ بالإشارة إلى داخلية التفضيلات في الاقتصاد الليبرالي، ويعتبر النقود والسياسات الحكومية والأخلاق الليبرالية الخاصة عوامل خارجية مهمة. يسعى تشودري في التحليل الإسلامي، من خلال عملية الشورى مثلاً في موضوع السياسة النقدية، إلى الوصول إلى تفضيل داخلي. سبق لتشودري أن ناقش بالتفصيل في مقاله «الاختيار الاجتماعي في إطار الاقتصاد الإسلامي» (1991) عملية الشورى وخصائصها. ويقول إن بنية المعرفة في الاقتصاد الإسلامي من مستوى الإبستمولوجيا إلى الإطار النظري تروّج لنوع من السلوك الحكيم الذي لا يؤدي إلى التنافر أو الأهداف الاجتماعية على المستوى الأخلاقي والكفاءة.

الأساس في حجة تشودري في هذا المقال هو رفض المنهجية الاقتصادية في التمييز بين الاقتصاد الجزئي والكلي، وهو ما تم قبوله في الأعمال الاقتصادية الإسلامية الموجودة. يوضح عدم إمكانية هذا الانقسام من خلال طرح ثلاثة وجهات نظر: التوجيه الأخلاقي (العلم) على فرض وحدة المعرفة، المصدر القانوني للإسلام، والنظام الكوني الذي نشأ من خلال التفاعل والتقارب الديناميكي له على أساس وحدة المعرفة في إطار الشريعة الإسلامية.

تؤدي هذه العوامل الثلاثة إلى ظهور عملية حوارية أولية كعملية مشاركة واسعة بين الفرد والمجتمع والمؤسسة والنظام الوظيفي، وهي ذاتها عملية الشورى (Choudhury, 2006,p,160).

وفقاً لبحث الباحثين في هذا التحقيق، فإن أول عمل في الأدب الإسلامي يتناول مسألة تنسيق السلوك أو الفعل الفردي أو الخير الجمعي هو كتاب اقتصادنا ثم بعض الأعمال الأخرى للشهيد صدر(ره). وسيتم التطرق إلى هذا الموضوع لاحقاً. الشهيد صدر(ره) يتناول بوضوح العديد من النقاط على مستوى المنهجية، ولكن لا يزال بالإمكان من خلال دراسة دقيقة لأعماله الوصول إلى طبقات خفية من هذه المناقشات؛ من بينها إثبات ضرورة المنهج الكلي الإسلامي بناءً على رأيه. تهدف هذه المقالة إلى إثبات هذه المسألة.

اقتصاد السوق الحر والمنفعة الشخصية مقابل المنفعة الجماعية

اقتصاد السوق الحر يعني اقتصاداً وطنياً يمكن للجماهير أن تحصل فيه، إلى جانب عملها، على فرص نمو الثروة بل وكل نوع من قدراتها. كان هذا رد فعل على الاقتصاد التقليدي المدبر في الغرب. غالباً ما كان الملوك يديرون الاقتصاد الوطني كما لو كان شركة خاصة، وكانت جميع عوائده تذهب إلى البلاط وبعض التجار والنبلاء، وغالباً لم يكن للجماهير حصة كبيرة سوى الكفاف. مع ظهور اقتصاد السوق الحر، تم الاعتراف تماماً بمصلحة الناس في السعي وراء مصالحهم الشخصية. وطرح فوراً سؤال أخلاقي: هل ترك الناس أحراراً في متابعة مصالحهم الشخصية يؤدي إلى المنفعة الجماعية بمعنى الإنتاج والاستهلاك الأقصى، وبالتالي الرفاهية وفي النهاية العدالة الاجتماعية؟ في كتابه الأخلاقي، يرد آدم سميث على هذا السؤال نقداً لما نادى به ماندفيل في أسطورة النحل بطريقة تشكل تمهيداً لكتابه الاقتصادي. يرى ماندفيل أن الإنسان الحر في السوق يفكر فقط في مصلحته الشخصية ويتصرف بناءً عليها؛ ولذلك، رغم أنه قد يحقق خيراً شخصياً – ولو مؤقتاً – إلا أنه لا ينشأ من ذلك خير عام (Common Good). ويعتبر هذا السلوك غير أخلاقي [تدبيري] (Mandeville, 1724,p.2)، لكن آدم سميث كفيلسوف أخلاق (Moral philosopher) اعتقد أنه يمكن الوصول إلى مجتمع جيد (أخلاق تدبيرية) دون تزكية النفس (أخلاق تزكية)؛ مع إضافة أنه أدخل هذا الأساس في العلم الاجتماعي. يشرح بمساعدة مفهوم اليد الخفية الخير العام من داخل السعي وراء المصلحة الشخصية. يوضح حجم التبادلات الاجتماعية الهائلة التي جمعت أفراد المجتمع معاً وأدت إلى تلبية الاحتياجات والتنسيق والتعاون الاجتماعي قائلاً: «ليس من أجل إحسان الجزار أو … أو الخباز الذين يهيئون لنا عشاءنا، بل من أجل مصالحهم الشخصية» (Smith,2005,p.19). رغم أن آدم سميث كان عالماً في الأخلاق ذو هم اجتماعي، إلا أن الأداة التي يراها مناسبة لتنسيق المجتمع هي ترك الأفراد لأنفسهم والاعتراف بالمصلحة الشخصية وملحقاتها من حرية، ومنافسة، وملكية خاصة، وغيرها من التغيرات المؤسسية والسياسية. في الواقع، هو فردي مؤسسي (ایمان و غفاری نسب، 1391، ص7). كان يرى التماسك الاجتماعي في تعاطف وتنسيق الأفراد؛ لكن بعد فترة من وفاته تعززت الفكرة بأن المجتمع لا ينهار حتى بدون تعاطف وتعاون الأفراد؛ لأن المجتمع في جوهره شيء مفيد (مینی، 1375، ص110). على أي حال، القراءة الأساسية لآدم سميث هي أن هذا الخير يحدث بشكل شامل من الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في الاقتصاد ككل، وإذا لم تكن هناك مسائل حوكمة، لما كانت هناك حاجة للدولة التي تذكرنا بالتدبير الاجتماعي. انكب الاقتصاديون على ترسيخ المصلحة الشخصية في التحليل الاقتصادي، وتدريجياً أُزيلت من علم الاقتصاد مناقشات الخير العام والأخلاق الاجتماعية. وكان هذا تمهيداً للسلوكية في الاقتصاد أيضاً. لم يعد تحليل الفعل الاقتصادي والمناقشات النفسية ذات أهمية، وبرز مفهوم «الإنسان الاقتصادي» الذي يجمع بين السعي وراء المصلحة عند سميث واللذة عند بنتام، ويُعرّف نفسه بالحساب والاختيار (علم الهدی و توکلی، 1394، ص41). في أواخر القرن التاسع عشر، تبين أن اليد الخفية لا تستطيع توفير كل الخير العام الذي ادعاه سميث بسبب ظهور الاحتكار والآثار الخارجية، ويجب على الدولة المدبرة التدخل في إعادة التوزيع، وتوفير السلع العامة، والتغلب على مشكلة الآثار الخارجية لكي تصل المنافع الاجتماعية بشكل متوازن إلى جميع الأفراد. وهذه كانت أولى التنازلات عن تحليل سلوك الإنسان الاقتصادي أو العقلانية الاقتصادية نحو تحليل سلوك الدولة.

كينز في مقدمة عمله الخاص، أي النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود، وبالطبع في أعمال أخرى، بالإضافة إلى نقده لأسس النيوكلاسيكية، يتوجه أيضاً إلى أسس الكلاسيكيين. فقد انتقد صراحةً اليد الخفية وقانون سي باعتبارهما قاعدة الاقتصاد الكلي للكلاسيكيين ورفضهما (اليد الخفية مكسورة)؛ كما أنه وجه نقداً للمساواة النيوكلاسيكية في سوق العمل (آربلاستر، 1377، ص452). كان ملاحظته أن الطمع المفرط لنقابات العمال والخوف أو عدم المخاطرة من قبل مجموعة الرأسماليين تجاه المستقبل الاقتصادي هما من العوامل الرئيسية للأوضاع الاقتصادية الحرجة في عقد 1930، أي انخفاض الاستهلاك الكلي والاستثمار الكلي. ومن هذا المنطلق، تم تقديم نظرية سي على أنها غير فعالة، واعتُبر التحليل الجزئي مفيداً فقط في حالات التوازن المحدودة أو القريبة من التوازن. اختار كينز تأسيس تحليل المتغيرات الكلية مثل الإنتاج الكلي، والاستهلاك الكلي، والاستثمار الكلي، ومعدلات الكلية المتعلقة بها مثل تغيرات المستوى العام للأسعار الكلية (معدل التضخم) وغيرها. ونتيجة لذلك، عادت الجوانب الأخلاقية للاقتصاد إلى الحياة مرة أخرى، وحل تحليل العامل وصاحب العمل محل الإنسان الاقتصادي (O Donnell,1989, p.158). لم يعد زمام الاقتصاد في يد الإرادات الحرة، بل أصبحت الدول من خلال تدخلها في الطلب تهيئ آفاقاً أفضل للمستثمر. كان الربح المركب، ومعدلات الفائدة العالية، والرغبة الكبيرة في الادخار في نظر كينز من العوامل الرئيسية للركود والبطالة وبؤس طبقة العمال، ولعلاج ذلك كان لا بد إلى حد ما من تعزيز الأفكار الدينية وغير الدينية لمكافحة الربا: «نحن نمنح لأنفسنا الحق.. في العودة إلى بعض أصول ديننا وفضيلتنا التقليدية الأكثر يقيناً وثقة – أن الطمع والحرص نوع من الرذيلة، وأن أخذ الربا نوع من المخالفة، وأن حب المال مذموم، وأن الذين يسيرون حقاً في طريق الحكمة والفضيلة هم أقل الناس تفكيراً في الغد. سنقدر مرة أخرى الغايات أكثر من الوسائل، وسنفضل الخير على المفيد» (مولر، 1400، ص571).

نلفت الانتباه مرة أخرى إلى أن كينز، مثل جميع أنصار الحرية، يؤمن بتوسيع الملكية الخاصة وتقليل التدخلات العامة في الإرادات الفردية؛ لكن هدفه المهم هو توسيع هذا النظام ولا يعتبر الإرادات الفردية وحدها كافية لهذا المطلب.

التحليل المنهجي لدور الأسس الجزئية في الاقتصاد الجزئي والكلي

لم تبقَ المناقشات الفلسفية والأخلاقية عند هذا المستوى فقط، بل أدت من قبل مقدميها أو من تبعهم إلى المستوى المنهجي وإنتاج العلم [4]. التفسير الأخلاقي للحرية باعتبارها مضمونة لمصالح جميع البشر، والعقلانية كمنارة للبشرية، إلى جانب اتباع المنهج الطبيعي عبر الزمن مع مراعاة التطورات، أتاح تحقيق الاقتصاد الجزئي النيوكلاسيكي والتحليل الشامل لوالراسي في السوق. على المستوى الكلي، كان الدعم الأساسي لهذا الاقتصاد هو نظرية سي. كان الاقتصاد الجزئي مصحوباً بتنظيم صارم وشكلانية شديدة في مجال العلم، وكان يفسر ويتنبأ بسلوك كل عامل اقتصادي في السوق من خلال تفسيرات ميكانيكية، وفي النهاية كان واثقاً من المخرجات النهائية حتى على المدى الطويل. كان البشر الحاسبون، من خلال تعظيم مصالحهم، على خط النمو والارتقاء الاقتصادي، ولم يكن لهذا منظور سوى نمو الاقتصاد الكلي؛ لذلك كانت كل التحليلات تُعرض بشكل جزئي، ولم يكن هناك حاجة إلى التحليل الكلي. من بين التعبيرات المحدودة للكلي في تلك الحقبة، كانت نظرية كمية النقود لفيشر التي طرحت فعلياً الطلب الكلي النيوكلاسيكي. كان هذا الفكر أساسياً في المجال الثقافي والاجتماعي أيضاً، وكان من العوامل الرئيسية للنمو السريع للاقتصادات الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. تحول المنفعة من مفهوم ذهني إلى واقع موضوعي للنمو الاقتصادي. إذا تحقق النمو الاقتصادي حتى وإن لم يتحقق الشعور بالمنفعة أو الربح أو الرفاه، فقد حدث الطمع النيوكلاسيكي. في هذا المنظور، يعني التحليل الاقتصادي الاستفادة من الأسس الجزئية، أو بعبارة أخرى، أن كل شيء ينتهي إلى التحليل التفصيلي للسوق. رغم أن علم الاقتصاد يتحدث عن اقتصاد المجتمع، إلا أنه يجب أن يمر عبر الأسس الجزئية ليكون موثوقاً ومقبولاً. كما أن فصل العلم عن الأخلاق ساعد كثيراً في تعزيز هذا المنظور على المستوى العلمي، وMoral Science [5] من Science في فكر العديد من الاقتصاديين اختلفت.

الوجه الآخر للعملة هو الاقتصاد الكلي الكينزي. رغم أن كينز من مؤيدي الحرية ويؤيد المصلحة الذاتية،[6] إلا أنه لا يعتبرها كافية في التحليل الاقتصادي. فقد انتقد كينز تجاهل حقيقة مهمة تُسمى الإرادة الإنسانية، والروح الحيوانية، وقضايا معرفته الذاتية، والخوف والأمل، وبشكل عام التوقعات ودورها في الاختيارات والأفكار وفق المنطق الإنساني لا المنطق الرياضي أو الإحصائي، مع الأخذ في الاعتبار الزمن وقيوده على الإنسان، وبصفة عامة نقد تجميد الإنسان. هنا تعمل القوانين الأخلاقية لا القوانين الطبيعية (Carabelli, 1988, p, 100). كل ما سبق يؤدي إلى ظهور مشكلات مثل الكفاءة الاقتصادية والخروج من التوازن، والعدالة الاجتماعية، وتقليل الحريات الفردية بشكل مركب (اسنودان و وین، 1392، ص17). في هذه الظروف، يبتعد الناس عن بعض الأعمال التي يجب القيام بها إما لعدم الرغبة أو لعدم القدرة[7]، وهذا “الواجب” يفتح المجال لشخصية أخرى تُدعى “الدولة”؛ ومن هنا يعيد كينز إحياء العلم الأخلاقي (O Donnell,1989, chapter 8) ويعترف بالتحليل الجزئي المبني على المصلحة الفردية و”رؤية السوق” لكل التفاعلات فقط في حالة واحدة من بين عدد لا يحصى من الحالات الممكنة في الواقع الاقتصادي، وهي الحالة التي يكون فيها الاقتصاد في حالة توازن (پسران و لاوسون، 1376، ص200). هذا لا يعني أن كينز لم يكن مدركًا للأساس الجزئي، بل أعاد التعقيد إلى الاقتصاد وكسر بساطة النماذج النيوكلاسيكية. وكان من المسلم به لديه أيضًا أن كل حركة في المجتمع تتحقق في النهاية بواسطة “كل فرد” من المجتمع؛ لكن اختلاف وجهة نظره كان في أنه لم يكن متفائلًا بالتجميعات البسيطة، وللهروب من عيوبها طرح التحليل الكلي. لقد حظي تحليل الأسس الجزئية عند كينز باهتمام في جميع مدارس الاقتصاد الكلي؛ فمثلاً ميل كينز للاستهلاك في دالة الاستهلاك انتقد لاحقًا فريدمان في دالة الاستهلاك المبنية على الدخل الدائم؛ ومع ذلك لا يزال العديد من الباحثين يسعون إلى إصلاح هذه العيوب في نظرية كينز. الأساس الجزئي مهم لديهم لأنه يؤيد بل ويُعد دليلاً قويًا على النماذج الكلية، ويمكنه كشف الجوانب الخفية لنظرية الاقتصاد الكلي؛ بغض النظر عما إذا كان كل تحليل جمعي يحتاج إلى أساس جزئي أم لا.[8]

الاقتصاد الإسلامي والمصلحة الشخصية والجماعية في فكر الشهيد الصدر(ره)

الشهيد الصدر(ره) هو من القلائل من الاقتصاديين، بل هو الاقتصادي الوحيد الذي تناول الأساس المهم للتناغم بين المصلحة الفردية والجماعية. النقطة المهمة جدًا هي أنه لم يستخدم هذا الأساس في الإطار الفكري الغربي التقليدي، بل كما يقول هو في الإطار الفكري الإسلامي، وغيّر بذلك أرضية النظرية بشكل جيد.[9] والأهم من ذلك أن الشهيد الصدر استخدم هذا الأساس في سبيل حل المسألة التي كانت تشغل باله، وهي انهيار النظام الاجتماعي في البلدان الإسلامية في مواجهة الهجوم الفكري-الثقافي للتجديدية (Modernism) أو منتقديها مثل الماركسية (الصدر، 1424هـ، ص9/ همو، 1421ب، ص15). من المهم التدقيق في هذه النقطة أن هذا القلق يطرحه في إطار مسألة الإنسانية، بما في ذلك الإنسان والمجتمع الإسلامي.

يشير الشهيد الصدر في مؤلفاته المتعددة إلى التناقض بين المصالح الشخصية والجماعية في المجتمعات ذات الاقتصاد الحر، ثم ينقل عن الماركسية توقعها بانهيار الليبرالية؛ لكنه بنفسه يرفض ادعاء الماركسية أولاً، ويشير ضمنيًا إلى انهيار النظام الماركسي في العالم قبل الليبرالية (انظر: الصدر، 1421ج، ص162). حاليًا، شرح هذه الأمور ليس هدف هذا المقال.

بعد ذلك يناقش الشهيد أن الليبرالية والماركسية لا تستطيعان حل هذا التناقض في المصالح (الصدر، 1424هـ، ص352- 355)؛ رغم أن العديد من الباحثين منذ زمن آدم سميث وحتى الآن ناقشوا هذا التناقض.[10] ومن الضروري أيضًا الانتباه إلى أن نقاش الشهيد الصدر(ره) ليس حول فهم ماهية المصلحة الجماعية أو تناقضها مع المصلحة الفردية والجماعية، وهو ما يركز عليه البعض ويرون أن مهمة الأديان تكمن هنا؛ بل مسألة الشهيد هي تجاوز هذا التناقض وحله (المرجع نفسه، ص350).

وفي المرحلة الأخيرة يبيّن أنه لا يوجد أساسًا تناقض بين المصالح الفردية والجماعية في الاقتصاد الإسلامي. وسيُشرح هذا الأمر لاحقًا:

يبيّن بدقة وجمال أن التناغم أو عدم التناغم بين مخرجات السلوك أو الفعل الفردي والمخرجات الجماعية هو مسألة الدين، وهو تعبير عن حقيقة إنسانية وُضعت لهدف نجاح البشرية، والعلم أداة لاكتشاف تلك الحقيقة والتحرك نحوها، و«العلم لا يمكنه إلا أن يكشف جزءًا من الحقيقة؛ لكنه لا يستطيع أن يغيرها» (المرجع نفسه، ص370). يعبّر الشهيد الصدر عن دافع جميع الأنشطة الاقتصادية بل والاجتماعية للإنسان بطريقة تُرضي فطرته الساعية للمنفعة، والجمال، والكمال. وفقًا لعقيدته، الإسلام من خلال توعية المجتمع الإسلامي وتغيير الطبقة الثقافية، يغير مكانة المصالح الشخصية من العالم المادي إلى الآخرة؛ لكنه يثبت مكانة المصالح الجماعية في هذا العالم. لا محالة الإنسان كائن نافع وأناني – إلا من بلغ مقام الفناء في الله، والذي بالتأكيد الغالبية العظمى من البشر لم تبلغ هذا المستوى من التزكية – الإسلام يعلم الإنسان أن إشباع هذا الميل في الدنيا يكون بشكل ناقص ومؤقت، وله القدرة أساسًا على أن يؤدي السعي الدنيوي له إلى تدمير هذه الدنيا نفسها. من وجهة نظر الإسلام، الطريق الصحيح هو توفير فضاء خاص لإشباع هذا الميل يخلو من أضرار النقص، الزوال، والتدمير. الإسلام يعرّف بحق سراء السعادة في الآخرة؛ لكنه يرى أن طريق الوصول إلى هذه السعادة والكمال هو تأمين مصالح الجماعة الدنيوية (الصدر، 1424هـ، ص355)؛ بمعنى أن الأفراد يجب أن يؤدوا نفقاتهم الواجبة والمستحبة، ويسعوا في عمران الدنيا، وبكلمة واحدة يحققوا العدالة في التوزيع والاهتمام بالإنتاج[11]. بهذه المعطيات، لا مكان للفردية في الفكر الإسلامي، وتُعرّف الحرية ضمن إطار أضيق، والملكية الخاصة لا تنمو من باب توسيع المنفعة الشخصية بل من جهة كون الفرد وكيلاً عن المجتمع في حفظ المصالح الجماعية؛ بمعنى أنه إذا استطاع الأفراد أن يعمروا الدنيا ويؤدوا حقوق المجتمع، تُعترف بملكية هؤلاء[12] (الصدر، 1421الف، ص37).[13] بعبارة أوضح، الإسلام لا ينظر إلى الملكية كسلطة مطلقة بلا منازع، بل كنوع من الحق في الوصاية المسؤولة (المرجع نفسه، ص341). بهذا التوصيف تتغير مفاهيم القيمة، والتبادل، والسوق، والتوازن، ويتحول نوع الاقتصاد الإسلامي في كيفية الإنتاج والتوزيع.[14]

بالنظر إلى ما سبق، فإن تعظيم المنفعة الفردية الأخروية عبر تعظيم المنفعة الجماعية الدنيوية هو الدافع الأهم للأفراد المسلمين في الفعل الاقتصادي. من الضروري التنبه إلى أن هذه الخُلُق موجودة في غالبية أفراد المجتمع الإسلامي، وإلا لما اعتُبر ذلك المجتمع إسلاميًا؛ لذلك، رغم احتمال عدم بلوغ جميع أفراد المجتمع هذا المستوى من التزكية، إلا أنه يمكن اعتبار المجتمع إسلاميًا فقط إذا كان غالبية أفراده يحملون هذا التربوي.[15] بمعنى آخر، في الفكر الإسلامي، كمال المجتمع مرتبط بتحقيق هذا التربوي.[16] لذا، فإن هذا الفعل يحتاج إلى وعي بحالة المصالح الجماعية الدنيوية.

المنهجية المعرفية في فكر الشهيد الصدر

من الضروري التنبه إلى أن مجموعة مناقشات الشهيد الصدر في «اقتصادنا» وكتبه الأخرى تدور حول مواجهة الأنظمة الثلاثة الماركسية – الليبرالية – الإسلامية، وهو في الأصل لا يدخل ميدان علم الاقتصاد إلا بقدر ما يلزم لشرح ومقارنة المذهب الاقتصادي الماركسي أو الليبرالي – الرأسمالي – الديمقراطي. تم طرح مزيج من مناقشات أساسية في الاقتصاد – السياسة – القانون في هذه المرحلة من كتابات الشهيد الصدر؛ لذلك تهدف هذه المقالة إلى الانتقال من المرحلة التحليلية للمذهب والنظام الاقتصادي الإسلامي إلى مرحلة علم الاقتصاد في آثار الشهيد الصدر.

حتى الآن، تبين أن إدراك المنفعة الجماعية ليس مهمًا فقط للدولة الإسلامية[17] بل للفرد المسلم أيضًا ويُعد من مبادئ فعله في المجتمع الإسلامي. يشير الشهيد الصدر في مواضع متعددة من مؤلفاته إلى نقطتين مهمتين في تحليل البيانات الجماعية: أولًا، كل فرد في المجتمع الإسلامي مسؤول عن رفع متغيرات جماعية معينة مثل الإنتاج الكلي، والاستهلاك الكلي، والاستثمار الكلي؛[18] ثانيًا، لا يحق لأي فرد في مثل هذا المجتمع، بحجة المنفعة الشخصية، أن يضعف أو يضر بهذه المتغيرات.[19] يُفترض أن الأسواق الإسلامية تعمل والدولة الإسلامية تؤدي واجباتها الاقتصادية. في هذه الحالة، عدم الالتزام بأي من النقطتين السابقتين يؤدي إلى الكفران في المجتمع الإسلامي. كما أن ارتباط مؤسسة المال الإسلامية بمجموعة الأنشطة الاقتصادية الحقيقية هو ركن آخر من أركان التحليل الكلي الإسلامي. تحريم أمور مثل الإسراف في السلع والخدمات أو كَنز المال بدافع المنفعة الذاتية والأنانية، هو في إطار مراعاة الحقوق العامة. من الضروري التنبه إلى أن كل ما سبق يمكن تحليله أيضًا على المستوى الجزئي؛ لكن وفقًا لما ذُكر أعلاه، يُدعى إلى أن الجانب الكلي أيضًا يحظى بالاهتمام.

من الضروري هنا أن نولي اهتمامًا لحجة شودري في رفض الاقتصاد الكلي الإسلامي.[20] في مقاله «الاقتصاد الكلي الإسلامي؟» (2006) الذي يُعد تلخيصًا وتجميعًا لآراء شودري، يتناول مسألة تنسيق السلوكيات الفردية مع الأهداف الاجتماعية. ينتقد شودري في مقاله الاقتصاد الكلي التقليدي ويشير إلى «تجميع التفضيلات» (Preferences Aggregation) كمنهجية للاقتصاد الكلي التقليدي، ويبيّن أنه لأسباب متعددة لا يمكن لهذا التجميع أن يحقق الأهداف الأخلاقية والاجتماعية التي يراها الاقتصاديون مثل سميث وكينز. يبدأ شودري بالإشارة إلى عدم وجود التفضيلات كعوامل داخلية في الاقتصاد الليبرالي، ويعتبر بشكل خاص أن المال والسياسات الحكومية والأخلاق الليبرالية الخاصة عوامل خارجية مهمة. ثم يسعى شودري إلى الوصول من خلال عملية شورى، على سبيل المثال في موضوع السياسة النقدية، إلى تفضيلات داخلية في الاقتصاد الإسلامي. وفقًا لبيان شودري، فإن عملية الشورى تستند إلى المعرفة الوحيّة وليست مبنية على العقل البشري؛ وبالتالي فإن التنسيق بين العلاقات الفردية والاجتماعية مُدرَج فيها. ولتوضيح هذا الادعاء يستدل بالآية: «تسبيحٌ له ما في السماوات والأرض ومن فيهن، وهو العزيز الحكيم. لا تسبح هؤلاء جميعًا إلاّ لا تعلمون تسبيحهم، إنه كان حليمًا غفورًا» (اسراء: 40). طريقة الاستدلال نوع من القياس؛ بمعنى أن الله خلق نظام الخلق والطبيعة بدقة وتنظيم بحيث تبقى كثير من دقائقه مخفية عن الرؤية التجريبية إلى الأبد ولا يمكن ملاحظتها أو اختبارها. وكذلك في النظام الاجتماعي هناك قواعد وعلاقات بأمر الله يعلمها هو خير من الجميع. هذا النظام الفريد للمعرفة يقتضي تدخل الله تعالى في تدبير المجتمع. الحل الإلهي لتنسيق السلوكيات الاجتماعية هو الشورى (المرجع نفسه, p, 173). بعد ذلك يعرض شودري رؤية سياسية حول استخدام نموذج كلي أخلاقي-اقتصادي بتفضيلات ديناميكية وتجميع متعلق بمنهجية عملية الشورى في موضوع المال (Lbid, p. 180). يعرض شودري الفكرة الأصلية ونظرية الاقتصاد الجزئي بشكل عام في حوالي صفحتين (المرجع نفسه, pp. 180-183). ما يقصده بعملية الشورى – في مؤسسة المال – هو أن جميع المشاركين يتفاعلون ثنائيًا مع بعضهم البعض ولا توجد علاقة طولية بينهم؛ بينما في الاقتصاد التقليدي في المجال النقدي توجد علاقة أحادية الاتجاه بين البنك المركزي، البنك التجاري، وطالب المال، حيث تتحرك الفائدة من طالب المال إلى البنك التجاري ثم عبر آلية سعر الخصم إلى البنك المركزي. في هذه العملية، دافع البنك المركزي هو الحفاظ على المصلحة الاجتماعية، ودافع البنك والعميل هو تعزيز المصلحة الشخصية؛ وهو نوع من الانفصال في الدوافع؛ لكن في العلاقة الشورية التي يعرّفها شودري، البنك التجاري الإسلامي هو مجرد وسيط بين البنك المركزي والعملاء ويكتفي برسومه من الطرفين، ولا يحدث خلق نقدي أو مضاربة بالأوراق المالية… بهذا الوصف، ينشأ مسار تحول إسلامي. هذا التحول يتطلب اعتماد طريقة ديناميكية للتغيير وإحداث تنوع في المخاطر والإنتاج باستخدام الأدوات المالية الإسلامية التي تدور حول آليات المشاركة؛ عملية تعاون ورد فعل متبادل بين البنك المركزي، البنك الإسلامي وطالب رأس المال. هذه هي عملية الشورى التي ترتبط تدريجيًا بمستويات أوسع من أنواع مماثلة من عمليات الشورى في جميع النظام العالمي الإسلامي (المرجع نفسه,pp.180-183). في نقد كلام شودري يمكن القول:

1. رغم أن شودري يتحدث عن قضايا مطروحة في فلسفة العلم مثل نظام وحدة المعرفة ومن ثم العمل الشوري، إلا أنه في النهاية يصل إلى نفس المسألة الاقتصادية وإجابة كينز التي تتمثل في تفضيل الإنفاق والسياسة المالية التوسعية على الادخار والسياسة النقدية الانكماشية. بعبارة أوضح، رغم أن شودري لم يتطرق إلى التحولات المذهبية والإطار النظري والإسلامية للعلوم الإنسانية، إلا أنه كرر نفس الأمر على مستوى أعلى في الأسس البارادايمية. ومع أنه أسس الشورى على وحدة المعرفة الوحيّة، إلا أنه لم يتمكن من توضيح مشكلته وكرر مسألة كينز. لا يعني ذلك بالضرورة أن مسألة مفكريْن أو منهجيْن علمييْن يجب أن تكون مختلفة، لكن عندما يُنتقل من أساسين ومنهجين مختلفين إلى الدراسات الاجتماعية، يجب أن يُوضح سير النقاش كيف تتحول مشكلة اجتماعية في كلا الجهازين الفكريين إلى مسألة واحدة. أساسًا، لا يشرح شودري لماذا، عندما يتشكل المجتمع الإسلامي وتتشكل علاقاته الاقتصادية وفقًا للنموذج الذي يطرحه، يجب أن يكون الإنفاق والتكاليف محور الدراسة. هل يواجه الاقتصاد الإسلامي أيضًا مشكلة الركود وانخفاض الإنفاق؟ من ظاهر كلام شودري يبدو أن الاقتصاد الإسلامي، لأنه يستخدم نموذج الشورى والنظام النقدي القائم على معدل احتياطي 100%، لا يواجه مشكلة نقص الإنفاق أو تخصيص غير أمثل للموارد وبالتالي الركود، ومن ثم لا يمتلك مسألة علمية.

2. لا يوضح بشكل دقيق ما المقصود بالتفضيلات الفردية وتجميعها في إطار المنفعة الجماعية.[21] من ظاهر كلام شودري في هذا المقال أن هذه المفاهيم تتماشى مع أدبيات الاقتصاد الحر التقليدي؛ كما أن في فكره يجب أن يكون الاقتصاد أخلاقيًا بالمعنى الذي طرحه سميث أو كينز؛ لكن شروحات شودري حول أخلاقية الاقتصاد لا تتجاوز القول إنه بما أن أسس الاقتصاد والمدرسة تستخدم القواعد الشرعية، فالاقتصاد الإسلامي أخلاقي أي مطابق للشريعة. لا يقصد بذلك التأكيد على الجانب التدبيري والعملي للاقتصاد الإسلامي ومتابعة السلوكيات العقلائية الفردية لتحقيق الخير العام. بمعنى آخر، هناك نوع من الخلط في تفسير شودري مقارنة بالاقتصاد التقليدي.

3. في نموذج شودري للبنك المركزي، يُذكر بدون قيد إسلامي؛ في حين يُشار إلى البنك التجاري بوصفه إسلامياً. يُصر شودري على إظهار أن السلوك بين البنك المركزي والبنك التجاري والعميل يتوافق مع الشريعة، وهذا بمثابة سلوك طبيعي للفرد العاقل. يشير شودري إلى تفضيلات الفرد المسلم، لكنه يربطها بقوة بالمؤسسة النقدية مع القيود الشرعية. لا يوضح نسبة أهمية الاهتمام بالتفضيلات من جهة وتعزيز المؤسسة من جهة أخرى بدقة. متجاوزاً هذه النقطة، يشير لاحقاً إلى ضرورة تعليم البنوك ومسؤوليها للتفاعل بشكل شورى (المرجع نفسه,p.182). ومن هذا البيان يتضح أن شودري لم يستطع، وفقاً لأساس التنسيق أو عدم التنسيق بين المصلحة الفردية والجماعية، الوصول إلى هدف إنكار الاقتصاد الكلي الإسلامي.

وظيفة المنهج الكلي الإسلامي

السؤال المهم الآخر في هذا البحث هو: ما هي في النهاية وظيفة المنهج الكلي في الاقتصاد الإسلامي؟ هل يعاني الاقتصاد الإسلامي مثل الاقتصاد الليبرالي الرأسمالي من مشكلة نقص الطلب الفعّال والركود، أم يعاني من تضخم مفرط، أم يواجه مشكلات في جانب العرض، ويتناول الاقتصاد الكلي تحليل هذه القضايا لأن التوازن الكلي يتعرض للمشاكل؟ وفقاً لأساس الشهيد الصدر، لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بهذه الطريقة؛ لأن مسائل علم الاقتصاد تظهر عندما تتشكل المجتمع الإسلامي بكل مؤسساته وسلوكياته الإسلامية، وعلى المستوى الثقافي تتحقق المعتقدات والمفاهيم والعواطف التي يهدف إليها الإسلام (الصدر، 1424هـ، ص338). ويرى الشهيد أن التفسير العلمي يقوم على ركيزتين: الأولى جمع الملاحظات من الحياة التجريبية للمجتمع الإسلامي – التي لم تتحقق بعد – والثانية بدء البحث العلمي من فرضيات مسلم بها، من بينها هذا الأساس المتعلق بتنسيق المصلحة الفردية الأخروية مع المصلحة الجماعية الدنيوية (المرجع نفسه، ص 363). ونتيجة لذلك، لا يزال من غير الواضح للباحثين في الاقتصاد الإسلامي أنه مع افتراض تحقق نظام الاقتصاد الإسلامي، لن تنشأ أزمات اقتصادية؛ لكن موضوع البحث الحالي لا ينظر إلى الاقتصاد الكلي من هذه الزاوية، بل ينظر إلى ما إذا كان التحليل الكلي يمكن أن يحفز دافع الإنسان المسلم أم لا.

الخلاصة والاستنتاج

أساس التنسيق بين المصلحة الشخصية والمصالح الجماعية في السلوكيات والتصرفات الاقتصادية هو من أهم المواضيع ومقدمة للاقتصاد الكلي وتوظيف الأسس الجزئية. الشهيد الصدر هو من بين القلائل، بل الوحيد من مفكري الاقتصاد الإسلامي الذين أولوا هذا الموضوع اهتماماً. ويصل إلى نتيجة مفادها أن الإسلام ينقل ميدان النقاش النظري من المصلحة الفردية المادية – الدنيوية إلى المصلحة الفردية الأخروية، ويُعرّف طريق تحقيق ذلك بتأمين المصالح الجماعية الدنيوية. وبذلك، يحتاج كل فرد مسلم في تصرفه الاقتصادي إلى التحليل الكلي. بالإضافة إلى أن التدبير الأخلاقي للدولة الإسلامية يحتاج أيضاً إلى التحليل الكلي. وبالطبع، هذا النقاش لا ينفي أن الاقتصاد الجزئي أو مزيج من الاقتصاد الكلي والجزئي أو أي نوع آخر من التحليل العلمي في الاقتصاد الإسلامي يحظى بالاهتمام. إن نقاش التنسيق أو عدم التنسيق، أو نقاش المذهب الاقتصادي، هو نقاش في فضاء الاقتصاد الإسلامي، وللوصول إلى مرحلة علم الاقتصاد لا يزال هناك حاجة إلى الاستفادة من أسس متعددة ومنهج علمي.

المصادر والمراجع

1. آربلاستر، آنتونی (1377). لیبرالیسم غرب: ظهور و سقوط. ترجمة عباس مخبر. تهران، نشر مرکز.

2. آنیکین، آندری ولادیمیروویچ (1358). جوانی یک علم، تاریخ علم اقتصاد. ترجمة ناصر گیلانی. تهران، تیرنگ.

3. اسلاملوئیان، کریم (1399). اقتصاد کلان پیشرفته با رویکرد اسلامی. تهران، سازمان مطالعه و تدوین کتب علوم انسانی دانشگاه‌ها (سمت)، مرکز تحقيق و توسعه علوم انسانی.

4. الزامل، یوسف بن عبدالله و بن جیلانی، بوعلام (1417ق). النظریة الاقتصادیة الاسلامیة اتجاه تحلیلی. ریاض، دار عالم الکتب للطباعة والنشر والتوزیع، فهرسة مکتبة الملک فهد الوطنیة.

5. اسنودان، برایان وهوارد وین (1392). اقتصاد کلان جدید؛ منشأ، سیر تحول و وضعیت فعلی. ترجمة منصور خلیلی عراقی و علی سوری. تهران، سازمان مطالعه و تدوین کتب علوم انسانی دانشگاه‌ها (سمت).

6. دادگر، یدالله و عزتی، مرتضی (1382)و عقلانیت در اقتصاد اسلامی. فصلنامه پژوهش‌های اقتصادی، 9 و 10، 1-23.

7. الصدر، سید محمد باقر (1424ق). اقتصادنا (موسوعة الشهید الصدر، ج3). قم، مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر.

8. _________ (1421 الف). الاسلام یقود الحیاة (موسوعة الشهید الصدر، ج5). قم، مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر.

9. _________ (1421ب). المدرسة الاسلامیة (موسوعة الشهید الصدر، ج5). قم، مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر.

10. ________ (1421ج). المدرسة القرآنیة (موسوعة الشهید الصدر، ج19). قم، مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر.

11. ایمان، محمد تقی و غفاری نسب، اسفندیار (1391). بررسی فردگرایی روش شناختی و چالش‌های آن در علوم اجتماعی. جامعه شناسی کاربردی دانشگاه اصفهان، 23 (45)، 1-18.

12. بحرینی یزدی، حسین (1400). تبیین روش شناسانه علم اقتصاد کلان اسلامی در آثار موجود در مقایسه با علم اقتصاد کلان متعارف. أطروحة دكتوراه. قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.

13 پسران، هاشم و لاوسون، تونی (1376). بررسی جنبه‌های روش شناختی اقتصاد کینز. ترجمة غلامرضا آزاد. تهران، نشر دیدار.

14. جمعی از اقتصاددانان مسلمان (1376). مباحثی در اقتصاد خرد: نگرش اسلامی. تهران، دانشگاه تربیت مدرس، مؤسسه تحقیقات اقتصادی.

15. رابینسون، جون (1358). فلسفه اقتصادی. ترجمة بایزید مردوخی. ج2، تهران، شرکت سهامی کتاب‌های جیبی.

16. علم الهدی، سید ناصر و توکلی، محمد جواد (1394). نقد و بررسی سیر تحول اندیشه انسان اقتصادی در اقتصاد متعارف. معرفت، 24 (218)، 29- 46.

17. کرمی اسفه، محمد حسین و بحرینی یزدی، حسین (1400). جایگاه مفهوم و نظریه تعادل در اقتصاد اسلامی (مقایسه اجمالی کاربرد این مفهوم در اقتصاد متعارف و نظر شهید صدر در کتاب اقتصادنا). جستارهای اقتصادی. 18 (36)، 17-31.

18. کینز، جان مینارد (1348). نظریه عمومی اشتغال، بهره و پول. تهران، مؤسسه تحقیقات اقتصادی دانشکده اقتصاد دانشگاه تهران.

19. مولر، جری (1400). ذهن و بازار، جایگاه سرمایه داری در تفکر اروپای مدرن. ترجمة مهدی نصر اله زاده. چ5، تهران، نشر بیدگل.

20. میر معزی، سید حسین (1381). ساختار کلان نظام اقتصادی اسلام. تهران، مؤسسه فرهنگی دانش و اندیشه معاصر.

21. _________ (1396). اقتصاد کلان (با رویکرد اسلامی). تهران، پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی.

22. مینی، پیرو (1375). فلسفه و اقتصاد، مبادی و سیر تحول نظریه اقتصادی. ترجمة مرتضی نصرت و حسین راغفر. تهران، شرکت منشورات علمی و فرهنگی.

23. Carabelli, Anna M (1988). On Keynes’s methodNew. York, Palgrave Macmillan.

24. Choudhury, Masudul Alam (2006). Islamic macroeconomics? Interational Journal of Social Economics (IJSE), 33 (2), 86-160.

25. Dow Sheila C. (1998). The Methodology of Macroeconomic Thought: A Conceptual Analysis of Schools of Thought in Economics. Edward Elgar.

26. Mandevill, Bernard de. (1724). Th fable of the Bees . London.

27. O’Donnell, R. M. (1989). Keynees: Philosophy, Economics and Politics: The philosophical Foundations of Keynes’s Thought and Their influence on His E conomics and Politicals. Palgrave Macmillan UK.

28. Smith Adam (1976). The Theory of Moral Sentiments. Liberty Fund.

29. __________(2005). The Wealth of Nations. The Pennsylvania State University.

[1] الشهيد الصدر يرى أن كل دافع يؤدي إلى الانهيار الاجتماعي (الصدر، 1421ب، ص129).

[2] بالطبع كلمة “نهج” تحمل دلالة معنوية خاصة قريبة من معنى “بارادايم”، ونظرًا لأن هذه المقالة لم تتجاوز بعد مستوى الأساس، فقد استُخدمت هذه الكلمة. في الواقع، هذا الاستخدام غير دقيق ومقتصر على هذه المقالة فقط.

[3] معظم المواد مأخوذة من الفصل الثالث لأطروحة دكتوراه بعنوان «تبيين المنهجية العلمية لعلم الاقتصاد الكلي الإسلامي في الأعمال الموجودة مقارنة بعلم الاقتصاد الكلي التقليدي» (1400) من تأليف حسين بحريني يزدي في مركز بحوث الحوزة والجامعة.

[4] على سبيل المثال، استخدم جون لوك في القرن السابع عشر الموقف الطبيعي بشكل جميل في كتاب “ملاحظات حول انخفاض الفائدة وزيادة قيمة النقود” وأظهر الجانب المنهجي للطبيعية كنموذج، أو قدم دادلي نورث في القرن السابع عشر القياس العملي في التحليلات الاقتصادية في كتاب “خطاب في التجارة” (آنیکین، 1358، ص 165-166)؛ وهذا بالضبط هو النقطة المطلوبة في أدبيات الاقتصاد الإسلامي؛ أي الانتقال من مستوى الأسس إلى مستوى النظريات.

[5] تعبير Moral Science ورد في عبارة جون مينارد كينز، والتعبير الأكثر استخدامًا وشيوعًا هو Moral philosophy الذي ورد في كلمات غالبية الكلاسيكيين من بينهم ديفيد هيوم وآدم سميث.

[6] يصرح صراحةً بأن «شرور الإنسان الخطيرة [في المجتمع] يمكن تحويلها بطريقة مفيدة إلى وظيفة نسبية غير ضارة للنقود» (کینز، 1348، ص438). كينز صرح بأنه لا يحتاج إلى الاستفادة من الأساس المهم للنفعية والنفع في هذا التعبير.

[7] يوجد أدبيات مماثلة في الفقه الإسلامي بمفهوم الأمور الحسبية.

[8] في هذا السياق، يرى مذهب النمساويين أن الاقتصاد الكلي والتحليلات الجماعية لا معنى لهما، وأن المستخدم الوحيد له هو الحكومات التي تسعى لإقناع الناس. هم لا يهتمون أساسًا بأساس تنسيق المصالح الفردية والجماعية، ويرددون شعار «دع الأمور تحدث» لأنهم يرون أن الأفراد دائمًا في طريق إصلاح الماضي والتقدم المستمر (Dow, 1998, p, 88). مقابل هذا الرأي تمامًا، يوجد الماركسية التي تتبع فقط النظرة الكلية.

[9] الشهيد الصدر يولي اهتمامًا خاصًا لهذا المفهوم خاصة في بداية كتاب المدرسة الإسلامية (الصدر، 1421ب، ص9).

[10] للنقاش المختصر انظر: (Dow, 1998.p.85). هذا الجزء ليس محور اهتمام هذه المقالة؛ لكنه نقاش مهم جدًا في الاقتصاد السياسي، وهو نقاش الملكية الخاصة وفي علم الاقتصاد في نقاش التوازن الاقتصادي.

[11] بالطبع الشهيد الصدر يناقش أيضًا العلاقة بين الإنتاج والعدالة في “اقتصادنا” (الصدر، 1424هـ، ص719).

[12] الشهيد الصدر يتناول هذا الأساس جيدًا في نقاش التوزيع قبل الإنتاج في موضوع الأرض ومواردها.

[13] هنا استخدم الشهيد الصدر في نقاش الملكية أساس الخلافة: انظر: (المرجع نفسه، ص35) وللنقاش الأساسي انظر (الصدر، 1421ج، ص105). متابعة هذا النقاش وبيان علاقته بالمصلحة الفردية والجماعية يتطلب مقالة منفصلة، ومن المناسب جدًا مقارنة أساسه مع اعتباريات العلامة الطباطبائي.

[14] مثلاً في نقاش التوازن في الاقتصاد الإسلامي في فكر الشهيد الصدر انظر: (کرمی اسفه و بحرینی یزدی، 1400).

[15] هذا نقاش مهم جدًا ويقف في مقابل آراء سميث الذي يرى أن غالبية البشر غير مهذبين، ويعتقد إما بيأس من التهذيب أو بعدم ضرورة التهذيب، ويؤمن بعمل اليد الخفية بين هذا الإنسان غير المهذب الباحث عن المصلحة في هذا العالم؛ انظر: (Smith, 1976, p,9).

[16] يمكن ملاحظة المنهج الثقافي والديني بوضوح في (الصدر، 1424هـ، ص355). الشهيد الصدر يشير في مؤلفاته بشكل موجز ولكن متماسك إلى الجانب الأخلاقي للاقتصاد الإسلامي ودور الدولة، وبالتالي إلى أهمية التحليلات الكلية (الصدر، 1424هـ، ص332).

[17] يمكن ملاحظة المناهج الثقافية والدينية بوضوح في (الصدر، 1424هـ، ص355). الشهيد الصدر يشير في مؤلفاته بشكل موجز ولكن متماسك إلى الجانب الأخلاقي للاقتصاد الإسلامي ودور الدولة، وبالتالي إلى أهمية التحليلات الكلية (الصدر، 1424هـ، ص332).

[18] في بعض مؤلفات الشهيد الصدر، من بينها “اقتصادنا” (الصدر، 1424هـ، ص380)، تحت نقاش آيات 32 إلى 34 من سورة إبراهيم المباركة في شرح ظلم الإنسان وجحوده في هذا العالم، و”الإسلام يقود الحياة” (الصدر، 1421 الف، ص83-108) تحت نقاش علاقات الإنتاج – التوزيع – الاستهلاك – التبادل، يشير إلى أهمية بعض النظرات الكلية للفرد المسلم. يجب الانتباه إلى أن كلامه يحتوي على جوانب تحليلية جزئية وكلية، وفصلها ضروري.

[19] غالبًا ما يُطرح هذا النقاش تحت قصة ثمرة بن جندب وتفاعل النبي الكريم (ص) معه؛ مثلاً في “اقتصادنا” (الصدر، 1424هـ، ص712) تحت عنوان «التحديد من سيطرة المالك على الانتفاع» وهو مرتبط تمامًا بنقاش هذه المقالة.

[20] كل هذه المواد مأخوذة من الفصل الرابع لأطروحة دكتوراه بعنوان «تبيين المنهجية العلمية لعلم الاقتصاد الكلي الإسلامي في الأعمال الموجودة مقارنة بعلم الاقتصاد الكلي التقليدي» (1400) من تأليف حسين بحريني يزدي في مركز بحوث الحوزة والجامعة.

[21] بعضهم مثل منذر قحف في بعض كتاباته يشير إلى النجاح الفردي بدلاً من المصلحة الفردية، ويعني به: مفهوم النجاح هو توافق السلوك مع القيم الأخلاقية. انظر: (جمعی از اقتصاددانان مسلمان، 1376، ص119). ومع ذلك، هو والعديد من الاقتصاديين المسلمين لم يتناولوا صراحة مفهوم معادل المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية وكيفية ارتباطهما (المرجع نفسه).