دراسة آراء الشهيد الصدر في موضوع الإجماع في كتاب دروس في علم الأصول (الحلقة الثانية)

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی نظرات شهید صدر(ره) در باب «اجماع» در کتاب «دروس فی علم الاصول»(حلقه ثانیه) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تهدف هذه المقالة إلى إعادة قراءة ونشر المناقشات الأصولية، حيث تتناول مقدمات وتحليلاً تفصيلياً لمسألة الإجماع من حيث المعنى اللغوي والمصطلحي، وتعريفات الفريقين (الإمامية وأهل السنة)، والدليلية، وأنواعه وكيفية كشفه، ثم تناقش الآراء الأصولية لآية الله الشهيد سيد محمد باقر الصدر. في القسم الأول، تم توضيح تعريفات علماء أهل السنة والشيعة، والأدلة ومنشأ توجه العامة إلى جانب المناقشات والاعتراضات التي طرحها الأصوليون الشيعة. في القسم الرئيسي، يتم تحليل وجهات نظر الشهيد الصدر المبتكرة حول الإجماع في الحلقة الثانية من كتاب «دروس في علم الأصول»؛ حيث يوضح من خلال مطابقة آلية الإجماع والتواتر على أساس المنطق الاستقرائي وحساب الاحتمالات أوجه الاشتراك والاختلاف بين الدليلين في طريق إثبات الحكم الشرعي. من منظور الشهيد الصدر، لا يمتلك الإجماع بحكم كونه إجماع حجية ذاتية، بل ترتبط قيمته المعرفية بمدى تراكم الاحتمالات في كشف الدليل الشرعي الصحيح؛ ومن ثم فإن وجود المخالف بحسب المكانة النوعية والعلمية للمجتمعين على الإجماع له تأثيرات مختلفة في الوصول إلى القطع أو اليقين. منهج هذه الدراسة مكتبي وقد أُعد في مجال تخصص أصول الفقه.

المؤلف: جلال منصوری

المصدر: سخن جامعه، صيف 1395، العدد 9، الصفحات 73 إلى 85.

المقدمة

كُتبت هذه المقالة لشرح آراء السيد الشهيد الصدر في موضوع الإجماع مع التركيز على الحلقة الثانية لديه، ولم يُرَ تقديم مقالة بعنوان مماثل من قبل. بالطبع، كُتبت مقالات حول الإجماع ومناقشة تعريفات أهل السنة والشيعة في موضوع الإجماع، وآرائه ومقالاته، لكن لم يُرَ مقال بعنوان “آراء السيد الصدر في موضوع الإجماع”.

ويجب القول إنه قد نوقشت مسائل حول الإجماع عند علماء أهل السنة مثل الإمام الغزالي… ولديهم تعريفات، وكذلك عند علماء الإمامية مثل الشيخ الأنصاري، والمرحوم مظفر، لديهم آراء مفصلة؛ لكننا هنا بصدد بيان آراء السيد الصدر في القسم الخاص بالحلقة الثانية في كتاب دروس في علم الأصول.

الإجماع

أ) الإجماع في اللغة

«الإجماع» في اللغة يعني العزم والاتفاق، كما يقول الله تعالى في القرآن: «فاجمعوا أمركم» (يونس ٧١)؛

أي عزموا على أمركم. وإذا أردنا مثلاً لمعنى آخر للإجماع وهو الاتفاق، نقول:

«اجتمع القوم على كذا»؛ أي اتفق القوم على شيء(هلال‌، ١٤٢٤‌، ١ /١٠و١١).

ب) الإجماع في الاصطلاح

«الإجماع» في الاصطلاح يُطلق على اتفاق خاص. ثم قام علماء ومفكرو أصول أهل السنة بتفسير وتبيين هذا الاتفاق الخاص بعبارات وصيغ مختلفة، منها: اتفاق فقهاء المسلمين على حكم شرعي؛ اتفاق أهل الحل والعقد من المسلمين؛ اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وآله في عصر معين على أمر ديني؛ اتفاق أهل الحرمين (مكة والمدينة)؛ اتفاق أهل مصرين (الكوفة والبصرة) وغيرها. أما الإجماع في اصطلاح علماء الشيعة: فهو اتفاق إجماعي من العلماء على أمر ديني يكون كاشفاً عن رأي المعصوم @.

وبالنظر إلى اختلاف التعبيرات الموجودة في تعريف الإجماع التي تم الاطلاع عليها، يمكن القول إن الإجماع يعني اتفاق جماعة على حكم شرعي بحيث يكون هذا الاتفاق نافذاً في إثبات ذلك الحكم. وبهذا التعريف يمكن الجمع بين آراء علماء أهل السنة والشيعة وبيان تعريف جامع وكامل(مرکز اطلاعات ومدارک اسلامی، ١٣٨٩، ١/ ٨٥‌).

دراسة دليلية الإجماع عند أهل السنة والشيعة

الآن ندرس دليلية الإجماع التي تحمل ثلاثة معانٍ، وفي إطار هذه المعاني نعرض آراء علماء أهل السنة والشيعة، وهي:

١- الإجماع يقع في طول الكتاب والسنة؛ أي إذا عجزنا عن إيجاد حكم في الكتاب والسنة، يجب أن نلجأ إلى الإجماع.

٢- الإجماع في عرض المصحف الشريف (القرآن) والسنة؛ أي كما أن الكتاب والسنة يعتبران دليلاً مستقلاً بذاتهما، فإن الإجماع أيضاً يعتبر دليلاً مستقلاً.

٣- أن الإجماع لا يُعتبر دليلاً لا بالطول ولا بالعرض، بل هو كشف عن رأي ونظر المعصوم، فالأصل والحجة الذاتية أولاً هي رأي المعصوم ونص السنة، ونحن بفضل الإجماع نصل إلى السنة وقول المعصوم.

بعد توضيح هذه المعاني الثلاثة، نعرض رأي أهل السنة والشيعة: نحن في الشيعة لا نقبل أن نضع الإجماع في عرض الكتاب والسنة؛ لكن علماء أهل السنة والجماعة ذهبوا أكثر إلى هذا الاتجاه واعتبروا الأمة معصومة، وقالوا: إذا اجتمعت الأمة على مسألة فهي لا تخطئ(موسوی بجنوردی‌، ٢٩‌/١).

يعتقد أهل السنة أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قال: «لا تجتمع أمتي على خطأ»؛ أي أن أمتي لا تجتمع وتتفق على خطأ. فإذا اتفقوا على مسألة فهي بالتأكيد صحيحة.

وبحسب هذا الحديث، فإن جميع الأمة ككل تدخل في حكم النبي الأكرم ويكونون معصومين من الخطأ؛ ورأي جميع الأمة بمثابة قول النبي، وجميع الأمة مجتمعون عند

توحيد الرأي يكونون معصومين؛ أما الأمة الشيعية فترفض هذا الرأي من ثلاثة جوانب:

١- الشيعة لا يعتبرون الحديث المدلول لأهل السنة مسلماً به.

٢- يعتقد الشيعة أنه صحيح أنه من المستحيل أن تتفق جميع الأمة على الضلالة والضلال؛ لكن ذلك لأن هناك دائماً فرداً معصوماً بين الأمة، وهذه المسألة أن مجموعة الأمة معصومة ومحفوظة ليست لأن مجموعة «غير المعصومين» تشكل «معصوماً»، بل لأن هناك فرداً معصوماً من بين أفراد الأمة.

٣- عادةً قد لا يكون من الممكن أن يكون جميع الأمة مخطئين معًا؛ ولكن ما يُسمى بـ«الإجماع» في كتب الفقه والكلام ليس إجماع الأمة، بل هو إجماع جماعة، ومع ذلك فهو جماعة معينة من علماء الأمة أهل الحل والعقد، وليس اتفاق جميع علماء الأمة، بل علماء فرقة من الأمة (مطهری، ١٤٣٢، ٤٥/٣و٤٦).

علماء الشيعة يرون الأدلة والبراهين التي استشهد بها علماء العامة على حجية الإجماع بذاته من حيث الدلالة ناقصة ومشكوك فيها، وقالوا: الإجماع بذاته ليس بحجة، بل حجّيته بسبب كونه كاشفًا عن قول المعصوم، وإلا فمجرد كونه إجماعًا لا يُعد حجة (گرجی، ٢٧٧/١٣٨٥).

هذا الاعتقاد عند أهل السنة الذين يضعون الإجماع في مرتبة الكتاب والسنة ويعتبرونه حجة بذاته، ينبع من أن البيعة للخلافة لأبي بكر كانت بسبب إنكار الغدير الذي هو النص المتعلق بالغدير حول نصب الإمام، ونظرًا لأن جماعة معينة لم يبايعوا أبي بكر بطريقة خاصة، اضطروا إلى البحث عن دليل، ولأنه حتى ذلك الوقت كل ما كان موجودًا هو الكتاب والسنة، ولم يكن هناك كتاب يتحدث عن خلافة أبي بكر ولا سنة، لذلك قالوا يجب طرح مسألة الإجماع ومسألة الاختيار لكي يتم تثبيت خلافة أبي بكر.

الشيخ الأنصاري له بيان تأملي في هذا النوع من الإجماع حيث يقول: «الذي هو الأصل لهم وهم الأصل له»؛ الأصل في الإجماع هم هؤلاء السادة، والأصل لهؤلاء السادة هو الإجماع نفسه الذي أرسى وأقام عملهم وخلافة أبي بكر. ومن الأساس، من الذي أوجد الإجماع إلا هؤلاء السادة أنفسهم الذين قالوا إن الإجماع له دلالة على الحكم الشرعي (موسوی بجنوردی، ٢٩/١ و٣٠).

هناك ثلاثة أقوال بين علماء الشيعة في بيان كاشفية الإجماع عن رأي المعصوم، نعرضها فيما يلي:

١- قول القدما

خلاصة قول القدما: إذا اتفق بين العلماء والمثقفين عنصر واحد، حتى لو كان شخصًا مجهولًا بينهم، على فتوى واحدة (وفقًا لهذا القول الذي يرى أنه لا يخلو عصر من وجود معصوم)، يتحقق القطع واليقين بأن أحد هؤلاء المتفقين هو المعصوم نفسه؛ لذلك، حتى وإن لم نقطع بوجود المعصوم بين العلماء، إلا أنه وفقًا للعبارة داخل القوس، المعصوم الذي كان بينهم محسوس. ولهذا السبب يُسمى هذا الطريق بـ«طريق الحس».

٢- قول الشيخ الطوسي

خلاصة كلام الشيخ: إذا اتفق علماء العصر على حكم واحد، فلا بد أن يكون حكمًا إلهيًا، وإن لم يكن كذلك، فإن (اللطف) من الإمام الذي هو حافظ ومبلغ حكم الرب ضروري، بحيث لا يترك الإجماع معطلاً، بل ينقل حكم الله إلى الناس. وهذا الطريق يسمى بـ«طريق اللطف» (شهابی خراسانی، ١٣٤٤، ١١٧/١٦٦/١).

٣- قول المتأخرين

خلاصة هذا القول: إذا كان لدى العلماء رأي وحكم واحد في مسألة ما، وبما أن منهجهم في الفتوى هو عدم قول شيء من أنفسهم والسعي للحصول على رأي المعصوم، واستنادهم إلى أقوال وأحاديث أئمة الدين، فإن من يصادف هذا الاتفاق لديهم، حسب العادة أو الصدفة، يتولد لديه الظن بأن هذه الفتوى موافقة لقول المعصوم، ومن خلال الظن، وهو من اليقينيات الستة ومن مقدمات البرهان، يتحقق اليقين بحكم ورأي المعصوم. ولهذا السبب يسمى هذا الطريق بـ«طريق الظن» (المرجع نفسه، ١١٧).

أقسام الإجماع

«الإجماع» سواء بالشكل الذي يقبله أهل السنة أو بالشكل الذي قبله الإمامية والشيعة، ينقسم إلى قسمين:

١- المحصل:

الإجماع الذي يحصل عليه المجتهد بنفسه من خلال البحث والتنقيب في تاريخ آراء ومعتقدات صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحابة الأئمة (ع) أو الناس القريبين من عصر الأئمة بشكل مباشر.

٢- المنقول:

الإجماع الذي لا يكون المجتهد على اطلاع مباشر عليه، بل ينقله الآخرون بأنه إجماع، مثل عالم عاش في عصر يمكن فيه تحصيل الإجماع وادعى تحصيله ونقله، مثل ادعاء الشيخ الصدوق إجماعًا على حكم معين ونقله، فإذا صادف عالم في العصور اللاحقة هذا الإجماع المنقول للشيخ الصدوق، فإنه يصادف إجماعًا منقولًا ولم يحصل عليه بنفسه، بل نقله آخرون (الشيخ الصدوق)، وهذا العالم يصادف إجماعًا حصل عليه مجتهد آخر ويستفيد منه (مطهری‌، ٤٧/١٤٣٢).

هذه المقدمات التي ذكرناها، والتي تشمل: (دراسة معنى الإجماع لغويًا واصطلاحيًا، دلالته، تعريفات الشيعة وأهل السنة في باب الإجماع، من أين جاء، طرق كاشفيته عن رأي المعصوم وتقسيماته) كانت بهدف خلق إطار ذهني في هذا النقاش والتعرف النسبي على الإجماع، ثم التعرف على نظر الشهيد الصدر في الحلقة الثانية وشرحه وتبيينه.

الإجماع في بيان الشهيد الصدر

في البداية، يقدم الشهيد تعريفًا للإجماع يقول فيه: «الإجماع» هو توافق عدد كبير من أهل النظر والفتوى على حكم، إلى حد يحقق إثبات الحكم الشرعي (صدر، ١٤٣٢، ٢٧٣/١).

ويضيف في الاستمرار: هذا لأن فتوى الفقيه في مسألة ذات جانب شرعي فقط، هي إخبار ظني عن الدليل الشرعي؛ لأن الفقيه لا يصدر فتوى دون التوصل إلى الدليل، والإخبار الظني يعني ذلك الإخبار المبني على الرأي، أي الاستدلال والاجتهاد، مقابل الإخبار الحسي المبني على الأدلة الحسية (كالسمع أو البصر)، وكما أن الإخبار الحسي في إثبات مدلوله (أي المخبر عنه) له قيمة احتمالية، فإن فتوى الفقيه أيضًا تحمل هذه الصفة كونها إخبارًا ظنيًا يتضمن احتمال الصواب واحتمال الخطأ معًا (في إثبات مدلولها الظني وهو وجود الدليل الشرعي، لها قيمة احتمالية). وكما أن تعدد الإخبارات الحسية يؤدي بحسب حساب الاحتمالات إلى زيادة احتمال المطابقة وضعف احتمال المعارضة، فإن الحالة نفسها تنطبق على الإخبارات الظنية حتى يصل عدد الفتاوى إلى حد يضعف ويقلل احتمال الخطأ في حق جميع الفقهاء، وبالتالي يؤدي إلى زوال هذا الاحتمال عمليًا أو واقعيًا، وهذا ما يسمى بالإجماع (المرجع نفسه).

وكما تلاحظون، الشهيد يستند إلى قوانين الاحتمالات في إبداء الرأي ويعتبر وجه تشابه بين الإخبار الظني والحسي، ويقول: إن الإخبار الظني أو الحسي يكتسبان الاعتبار عندما يؤديان إلى زيادة احتمال المطابقة وضعف احتمال المعارضة، ثم يواصل القول:

فالإجماع والإخبار المتواتر في طريقة الإثبات يقومان على حساب الاحتمالات، والكشف في كل منهما قائم على هذا الحساب، لكنهما يختلفان في مقدار الكشف والفرق بينهما؛ لأن زيادة احتمال الموافقة وضعف احتمال المعارضة في التواتر أسرع حركة من الإجماع، وذلك لعدة أسباب يمكن تلخيص أهمها في النقاط التالية.

١ – القيمة الاحتمالية للمفردات في الإجماع؛ أي أن القيمة الاحتمالية لهذه الفتوى أو تلك أقل من القيمة الاحتمالية لهذا الخبر أو ذاك؛ لأن نسبة وقوع الخطأ في الظنيات أكبر من نسبة وقوع الخطأ في الحسيات.

٢ – الخطأ المحتمل في مفردات الإجماع محدد وله مركز واحد؛ أي أنه عادةً ما يُتصور وجود مركز واحد للخطأ في الإجماع، بينما الخطأ في الأخبار الحسية عادةً ما يكون مركّزًا في مركز واحد.

وبناءً عليه، عندما يفتي العديد من الفقهاء بوجوب غسل الشعر في غسل الجنابة، ويخطئون في هذه الفتوى مثلاً.

قد يكون خطأ أحدهم ناتجًا عن اعتماده على رواية غير موثوقة أو غير كاملة السند، وخطأ آخر ناتج عن اعتماده على رواية غير تامة الدلالة لا تدل على الحكم الشرعي، وخطأ ثالث ناتج عن اعتماده على شيء لا ينبغي الاعتماد عليه في تلك المسألة، مثل: أصالة الاحتياط، وهكذا فإن خطأ الجميع ليس له مركز واحد، بل في مسار الاستنباط ومرحلته، كل منهم وقع في زلة في مكان مختلف. على عكس الأخبار الحسية التي إذا أخطأ جميع رواتها، فعادةً ما يكون مركز الخطأ واحدًا (المرجع نفسه، ٢٧٤)؛

فمثلاً، عندما يخبر جمع ما بقتل زيد، إذا افترضنا أن الجميع أخطأوا، فعادةً يكون الخطأ في مركز واحد مستقر؛ أي أنهم جميعًا أخطأوا في المخبر عنه نفسه – وهو قتل زيد. فإذا كان مركز الخطأ المحتمل واحدًا أو إذا تصور تعدد المراكز، فهذه المراكز على الأقل قريبة من بعضها، فإن احتمال تراكم الأخطاء على ذلك المركز الواحد أضعف (المرجع نفسه).

وبالتالي، يتحقق العلم بسرعة أكبر وبعدد أقل من المفردات، وعلى العكس، كلما تصور تعدد المراكز وبُعدها عن بعضها البعض – كما قلنا في الإجماع – يتحقق العلم ببطء وبعدد أكبر من المفردات.

٣ – احتمال تأثير الخبر الأول على الخبر الثاني موجود في الأخبار الظنية، لكنه عادةً غير موجود في الأخبار الحسية؛ أي قد يتأثر مجتهد بآخر في إصدار فتوى، ويؤدي خطأ أحدهما إلى خطأ الآخر، كما كان كبار المجتهدين مثل شيخ الطوسي وشيخ الأنصاري يؤثرون لفترة طويلة على مجتهدي الأجيال اللاحقة، وكان من الصعب إصدار فتوى مخالفة لفتواهم. لكن عادةً لا يمكن أن يتأثر مخبر ثقة بمخبر آخر، وفي أمر حسي لا يتأثر أحدهما بخطأ الآخر بحيث يخطئ أو يسمع خطأً.

وهذا يعني أن احتمال الخطأ في الخبر الأول في دائرة الظنيات، أي في الفتوى الأولى، يتضمن احتمال خطأ في الخبر الثاني (المرجع نفسه)؛ لأن فتوى خطأ قد تؤثر في خطأ فتوى أخرى، فمثلاً إذا كان احتمال خطأ المجتهد الأول ٥٠٪، فإن احتمال خطأ المجتهد الآخر ليس ٥٠٪ فقط، لأنه بالإضافة إلى احتمال خطأه الخاص، هناك احتمال تأثره بخطأ الآخر. فاحتمال خطأ المجتهد الثاني مثلاً يصبح ٦٠٪، واحتمال خطأ المجتهد الثالث ٧٠٪، وعند حساب احتمال خطأ الثلاثة معًا يكون ٢١٪. بينما في دائرة الأخبار الحسية، إذا كان احتمال خطأ الراوي الأول ٥٠٪، فإن احتمال خطأ الراوي الثاني يعتمد على نفسه، وخطأ الأول عادةً لا يؤثر فيه، لذلك إذا حسبنا احتمال خطأ الراوي الثاني والثالث ٥٠٪، فإن احتمال خطأ الثلاثة في الخبر المشترك يصبح ٥/١٢٪. وهكذا في الأخبار الحسية، احتمال كذب الجميع مع المفردات أكبر ويزول أبطأ. بينما في دائرة الظنيات، احتمال خطأ الشخص الأول مقابل احتمال أن يكون الثاني مخطئًا أو مصيبًا لا فرق؛ أي أن احتمالًا لا يؤثر في احتمال آخر، بل كل منهما مستقل عن الآخر ومحايد (المرجع نفسه)؛

٤- احتمال الخطأ في القضية الحسية، عادةً ما يكون مصحوبًا بتحقق مقتضى الاصابة، أي سلامة الحواس والفطرة؛ وبعبارة أخرى، فإن خطأ كل راوٍ عادةً لا ينشأ عن ضعف البصر أو السمع أو قوة الذاكرة، بل عادةً ما يتحقق أن الراوي من هذه الجوانب سليم وفي مستوى عادي ومألوف، وإذا كان الخطأ محتملاً، فهو ينبع من احتمال وجود مانع، مثل: حادثة جانبية أخرى تسبب اضطراب خاطر الراوي فلا يسمع كلام الإمام بشكل صحيح أو لا يرى حركات الإمام بشكل صحيح مع أن أذنه وعينه سليمتان وعاديتان (المرجع نفسه)؛

أما احتمال الخطأ في القضية النظرية الحدسية، مثل الفتوى، فقد يحمل احتمال عدم وجود مقتضى الاصابة؛ أي ناتج عن ضعف قوة الاستنباط وانخفاض المستوى العلمي وعدم الإحاطة ببعض الأدلة، وباختصار ما يدل على عدم وجود مقتضى، وهذا يعني احتمال أن يكون عدم الوصول إلى الواقع ناتجًا عن قصور، لا عن مانع مثل الغفلة أو اضطراب الخاطر.

أحيانًا يكون خطأ المفتي ناتجًا عن الغفلة عن المبدأ الصحيح في المسألة. وباختصار، في الخبر الحسي، الخطأ عادةً ما يكون مستندًا إلى وجود مانع، بينما في الخبر الحدسي قد يكون مستندًا إلى فقدان مقتضى وأحيانًا مستندًا إلى وجود مانع، ونعلم أنه كلما تصور لعاملين للخطأ، كان احتمال وجود الخطأ أكبر من حينما يُتصور عامل واحد للخطأ.

لذلك، يمكن اعتبار النقطة الرابعة فرعًا من فروعات النقطة الأولى؛ أي أن أحد الأسباب التي تجعل الخطأ في الحدسيات أكثر من الحسيات هو هذا الأمر. في الحدسيات، عوامل الخطأ أكثر، بينما في الحدسيات، عامل الخطأ عادةً هو وجود مانع.

٥- الأخطاء المحتملة في مجموعة الأخبار الحدسية قد تنبع من نقطة مشتركة. مثل: ضعف المستوى العلمي في فقهاء فترة معينة؛ لكن بالنسبة للأخطاء المحتملة في مجموعة الأخبار الحسية، عادةً لا يُحتمل أن تكون كلها من نقطة مشتركة، لأن مصدرًا مشتركًا لخطأ الجميع في أمر حسي عادةً لا يوجد؛ بل هذه الأخطاء في كل راوٍ مرتبطة بظروفه الخاصة، أي الظروف الزمنية والمكانية والخصائص الخاصة لذلك الراوي. مثلًا: ضعف البصر أو ثقل السامع الذي يسبب الخطأ في كل من المبلغين مرتبط بظروفه الخاصة ولا علاقة له بضعف بصر أو ثقل سامع الآخرين(المرجع نفسه، ٢٧٥).

لذا، خطأ كل واحد ينبع من نقطة خاصة به. هنا إذا وُجد احتمال لنقطة مشتركة، فإن احتمال المجموع، أي احتمال الخطأ في مجموع الأخبار أقرب من احتمال المجموع، أي احتمال الخطأ في مجموع الأخبار في حالة عدم وجود نقطة مشتركة (المرجع نفسه).

وبما أن مصدر الأخطاء في الأخبار الحدسية يمكن أن يكون شيئًا واحدًا، فإن احتمال خطأ جميع المجتهدين أقوى وهذا الاحتمال يزول أبطأ. من جهة أخرى، بما أن مصدر الأخطاء في الأخبار الحسية متعدد وعادةً احتمال النقطة المشتركة فيها قليل، فإن احتمال خطأ جميع المبلغين أضعف وهذا الاحتمال يزول أسرع. هذا الأمر مختلف عما قلناه في النقطة الثانية. هنا الحديث عن مصدر وسبب الخطأ، أي ما يتعلق بشخصية المبلغين، مثل: ضعف البصر أو ثقل السامع في الخبر الحسي، وضعف قوة الاستنباط في الخبر الحدسي، بينما هناك الحديث عن مركز الخطأ؛ أي دور الخبر وبعبارة أخرى المبلغ عنه، مثل: مقتل زيد الذي هو أمر واحد وأخبر به الجميع، فإذا أخطأ الجميع، فإن خطأ الجميع من شيء واحد؛ عادةً يُتصور له مراكز متعددة. وباختصار، في الخبر الحسي عادةً مركز الخطأ واحد ومنشأ الخطأ متعدد، وفي الخبر الحدسي عادةً مركز الخطأ متعدد ومنشأ الخطأ يمكن أن يكون شيئًا واحدًا.

أما الآن، فإن الشهيد يعتبر حساب الاحتمال في الإجماع متأثرًا بعوامل متعددة. كما أن كل تواتر نوعية المبلغين وخصائص المبلغ عنه وعوامل أخرى مؤثرة في حصول العلم من التواتر، وهي:

– من بينها نوعية العلماء الذين اتفقوا على حكم معين. من الناحية العلمية، هل هم من علماء الطراز الأول أم لا؟ ومن ناحية قربهم من عصر النصوص، وهو عصر حضور المعصومين. ولهذا السبب، كلما كان المجمعون أقرب إلى زمن النصوص، كان إجماعهم في كشف الدليل الشرعي أكثر صحة؛ لأن العديد من الأدلة الشرعية كانت في متناول المجتهدين في ذلك الزمن، لكنها بعد ذلك فُقدت (المرجع نفسه).

– ومن بينها طبيعة المسألة التي اتفقوا على حكمها، وهل هي من المسائل التي يُرتقب ورود نص خاص فيها أم من التفصيلات والفروع التي لا يُرتقب وجود نص خاص بها، بل يستنبط المجتهد حكمها بناءً على القواعد العامة؛ مثل: الزواج المؤقت وجوازه الذي كان من المسائل المهمة والأساسية والتي كانت محل نقاش طويل، أما مسألة الطهارة أو النجاسة فهي من الفروع الأقل أهمية. في المسألة الأولى، مع عدد أقل من المجمعين، نعلم بوجود دليل شرعي على الجواز، على عكس المسألة الثانية (المرجع نفسه).

– ومن بينها مدى ابتلاء الناس بتلك المسألة وظروفها الاجتماعية. ولهذا السبب، يحدث أحيانًا أن تكون المسألة بحيث إذا لم يكن الحكم المتفق عليه ثابتًا في الشريعة، فإن الدوافع والظروف المناسبة لنشر الحكم المضاد ستكون كثيرة. مثلًا: البيع المعاطاتي، هو محل ابتلاء كثير من الناس، وإذا كان الإجماع على جوازه غير صحيح، فيجب أن يصلنا عدم الجواز بطريقة ما (المرجع نفسه).

– ومن بين ذلك، أسلوب كلام هذين الجمعين، في مقام الاستدلال على الحكم والمقدار والنسبة الاحتمالية التي توجد بشأن ارتباط موقفهما بالأدلة النظرية الضعيفة، مثلاً: في مسألة البيع المعاطاتي يقول أحد المفتين: «انه جائز وتدل عليه الروايات» ويقول آخر: «والعمومات تدل علي جوازه» ويقول ثالث: «جوازه مستفاد من الدلاله الشرعيه» وهكذا يفتون الآخرون بجوازه ويصرحون بوجود دليل أو لا يشيرون إلى دليل. ومن مجموع هذه الفتاوى يتكون إجماع محصل، وهذا الإجماع إما دليل أو محتمل الدليل. ونقاط أخرى وخصائص بعضها ذُكر ضمن المقارنة بين الأخبار الحسية والأخبار الظنية، منها مثلاً: مدى تأثير فتوى واحدة في فتاوى الآخرين، أو ملاحظة أن من النادر أن يكون مركز الخطأ جميعهم، مثلاً، خبر اعتبره الجميع تام السند (المرجع نفسه).

ومن حيث إن كشف الدليل الشرعي من الإجماع مرتبط بحساب الاحتمال، فإن الإجماع كإجماع، أي اتفاق جميع المجتهدين دون وجود معارض في حصول هذا الكشف، لا يكون موضوعياً، لذلك يمكن هنا طرح الشهرة أي الشهرة الفتوية كأحد الطرق (المرجع نفسه).

فأحياناً يكون هذا الكشف صحيحاً حتى مع وجود معارض، أي مجتهد له فتوى مخالفة للآخرين، في حالة أن معارضته لا تؤثر على حساب احتمال الطرف الآخر الذي هو الأغلبية، وهذا يعتمد إلى حد كبير على تشخيص نوعية المعارض وزمانه ومدى انغماسه في الخط العلمي وموقعه (المرجع نفسه).

مثلاً، معارضة العامة لإجماع مجتهدي زمانهم في مسألة المنزوحات البئرية تبطل إجماعهم إلى حد كبير؛ لأن الكم العددي للطرف المعارض لا يُعتد به مقابل جودة هذا الطرف، كما أن أحياناً بناءً على حساب الاحتمال، وجود الإجماع وحده لا يكفي لكشف الدليل الشرعي؛ أي أن الملاحظة العددية للمجتهدين غير كافية؛ لأن مثلاً دليلهم معلوم أو يحتمل الاستناد إلى ذلك الدليل.

لذا يُضاف إلى الإجماع قرائن احتمالية أخرى، بحيث من مجموعها، أي عدد المخبرين والقرائن المضافة، يظهر شيء يقتضي كشف الدليل حسب حساب الاحتمال (المرجع نفسه، ص ٢٧٦).

النتيجة

الإجماع في اللغة يعني العزم والاتفاق، وفي الاصطلاح يعني اتفاقاً خاصاً، وقد فُسّر بطرق مختلفة منها: اتفاق أهل الحل والعقد، اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وآله في عصر معين على أمر ديني، اتفاق أهل الحرمين… ومن وجهة نظر الشيعة، الإجماع يعني: اتفاق جماعة من العلماء على أمر ديني يكون كاشفاً عن رأي المعصوم.

وكانت دلالة الإجماع بثلاث معانٍ هي: ١- الإجماع عرضي على الكتاب والسنة، فيكون حجّة مستقلة بذاتها؛ ٢- الإجماع طولي على الكتاب والسنة، فإذا يئسنا من الكتاب والسنة نلجأ إلى الإجماع؛ ٣- أن الإجماع لا يكون حجّة لا عرضياً ولا طولياً، بل هو كشف عن رأي المعصوم ويصبح حجّة عندما يكشف عن نظر المعصوم (وهذا هو رأي الشيعة أيضاً).

وفيما بعد بيّنّا أن قولهم في تعريف الإجماع يستند إلى رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن علماء الشيعة يرون أن منشأ هذا التفكير عند أهل السنة وسبب تمسكهم بهذه الرواية هو تبرير خلافة أبي بكر (لأنه لم يكن لديهم تبرير أو دليل آخر للإجماع في خلافة أبي بكر، لذا تمسكوا بهذا القول).

ثم بيّنّا أن طرق كشفية الإجماع ثلاث: ١- قول القدماء ٢- قول الشيخ الطوسي ٣- قول المتأخرين، وأن الإجماع نفسه ينقسم إلى قسمين: إجماع منقول وإجماع محصل؛ فالإجماع المنقول هو الذي لا يكون للمجتهد اطلاع مباشر عليه، بل ينقله الآخرون بأن هذه المسألة إجماع. أما الإجماع المحصل فهو الذي يحصل عليه المجتهد بنفسه من خلال البحث في التاريخ وآراء الصحابة أو أصحاب الأئمة أو الناس القريبين من عصر الأئمة.

والآن نلخص آراء الشهيد الصدر التي قال فيها:

الإجماع هو اتفاق مجموعة كبيرة من الفقهاء على حكم واحد بحيث يؤدي إلى إثبات الحكم الشرعي.

الإجماع والتواتر في طريقة إثبات الدليل الشرعي على أساس حساب الاحتمالات متشابهان؛ مع الفرق أن التواتر يؤدي إلى العلم بأقل المفردات وبسرعة أكبر، على عكس الإجماع.

هناك عوامل نوعية أخرى تؤثر في سرعة أو بطء حصول العلم من الإجماع بناءً على حساب الاحتمالات، منها طبيعة المسألة المتفق عليها ومدى ابتلاء الناس بها ولحن المجمعين على الإجماع. في حجية الإجماع بناءً على حساب الاحتمالات، الإجماع بما هو إجماع غير معتبر، ولذلك وجود معارض في حجية الكشف عن وجود الدليل الشرعي أحياناً يكون ضاراً وأحياناً غير ضار، وهذا يعتمد على شخصية المجمعين وشخصية المعارض أو المعارضين وأمور نوعية أخرى.

قائمة المراجع

١- القرآن الكريم

کتابنامه فارسی

٢-شهابی‌ خراسانی‌، محمود، (١٣٤٤ش)، تقریرات اصول، تهران: دانشگاه تهرانک‌، چ ٧، ج ١.

٣-گرجی‌، ابوالقاسم، (١٣٨٥ش)، ادوار الاصول فقه، تهران: منشورات میزان، چ ١، ج ١.

٤-مرکز اطلاعات ومدارک اسلامی، (١٣٨٥ش‌)، فرهنگ‌ نامه اصول فقه: پژوهشگاه علوم‌ وفرهنگ‌ اسلامی، معاونت‌ پژوهش‌ دفتر‌ تبلیغات اسلامی حوزه علمیه قم، چ ١، ج ١

٥-مطهری‌، مرتضی‌، (١٤٣٢ق)، کلیات علوم اسلامی: اصول فقه – فقه، قم چ ٣٧، ج ٣.

٦-موسوی بجنوردی، محمد‌، مقالات‌ اصولی، فصل نامه حق.

کتابنامه عربی

١-صدر، سید محمد باقر‌، (١٤٣٠ق‌، ) دروس فی علم الاصول، قم‌: موسسه‌ نشر اسلامی، چ ٨، ج ١.

٢-هلال، میثم، (١٤٢٤ق)، معجم مصطلح الاصول، بیروت: دارالجلیل، چ ١، ج ١.