لمحة عن النشاطات السياسية للشهيدة بنت الهدى الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: گذری بر فعالیت‌های سیاسی شهید بنت‌الهدی صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: المقالة الحالية كُتبت بهدف الإجابة على هذه الأسئلة: من كانت بنت الهدى (آمنة صدر) وكيف أدت دورها السياسي في النضال ضد نظام البعث في العراق؟ لقد أدركت طبيعة الإسلام السياسية وكانت تتخذ مواقف تجاه الأحداث السياسية؛ بحيث كان لها أدوار داعمة فاعلة في نضالات أخيها، الشهيد صدر، مع نظام البعث، مثل: مستشارة، حارسة، وشريكة في معاناة الاعتقالات، وفي النهاية استشهدت إلى جانب أخيها على يد صدام حسين البعثي. كانت بنت الهدى الابنة الوحيدة لآية الله السيد حيدر صدر والسيدة المثقفة بتول آل ياسين. تصل شجرة نسبها عبر 31 واسطة إلى الإمام موسى بن جعفر(ع). تربت في أسرة علمية ومتدينة، وتلقت التعليم الديني العالي في الأدب العربي، التفسير، الفقه، تاريخ الإسلام، وغيرها على يد أخويها إسماعيل ومحمد باقر، وأكملت دراستها الأكاديمية عن بعد، وزادت من علمها بالمواظبة على قراءة الكتب المتنوعة. لقد شكّلت البساطة، الحجاب والعفة، كثرة العبادة، القراءة والكتابة، والأخلاق الفاضلة الفردية والاجتماعية أسلوب حياتها، وكانت نموذج المرأة الفاضلة، العفيفة والمؤثرة التي ظهرت في المجتمع العراقي المعاصر. أُنجز هذا البحث بطريقة توثيقية-ميدانية وبالاستفادة من الكتب المرجعية التي تحتوي على سيرة حياة وأنشطة هذه الشهيدة، وأُجريت مقابلات مع تلاميذها ورفاقها.

المؤلف: مائده رضایی

المصدر: پژوهش‌های نوین در گستره تاریخ، ثقافة وحضارة الشيعة، خريف وشتاء 1397، العدد 3، ص 37 إلى 72.

المقدمة

في رسالة الإسلام، تُعتبر المرأة إنسانًا مخاطبًا بالواجبات. إن الطبيعة الاجتماعية والثقافية والسياسية للإسلام تقتضي أن تشعر المرأة، إلى جانب الواجبات الفردية مثل الإيمان والعبادة، وتنقية النفس، واكتساب العلم، بالمسؤولية تجاه المجتمع وأن تؤدي دورها. تاريخ المرأة في الإسلام مليء بالنساء اللاتي استطعن أن يصبحن نموذجًا أسمى للإنسان الزاهد، الفاضل، والملتزم. بنت الهدى نموذج بارز من هؤلاء النساء اللواتي، بإيمان راسخ، نفس طاهرة، أخلاق حسنة، وعقل متفكر، ساعدت أخاها، مرجع التقليد وقائدها السياسي آية الله محمد باقر صدر، في المجتمع العراقي الذي كان يعاني من هيمنة النظام المستبد والمعادي للإسلام البعثي، واتبعت خطاه في تأييد ودعم نظام الجمهورية الإسلامية في إيران ومعارضة النظام الظالم للبعث، واستشهدت لتخلد في التاريخ.

إن التقدير لهؤلاء النساء وحاجة المجتمع إلى الاقتداء بهن تقتضي الحفاظ على ذكراهن بطرق مختلفة. كُتبت هذه المقالة لهذا الغرض، واستُفيد فيها من الكتب المرجعية التي تحوي سيرة حياة وأنشطة هذه الشهيدة، وكذلك من آثارها العلمية والأدبية، وأُجريت مقابلات شخصية وهاتفية مع تلاميذها ورفاقها. من بين الكتب يمكن الإشارة إلى: «الشهيدة بنت الهدى؛ سيرتها ومسيرتها» و«سنوات المحنة وأيام الحصار» للنعماني، «الشهيد محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة» للعالمي، «بطلة النجف» أم فرقان، وغيرها، ومن الأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات: النعماني، أم فرقان، أم معن، أم كوثر، وغيرهم. بناءً على ذلك، فإن منهج البحث هو منهج مكتبي-ميداني وصفي.

مولد بنت الهدى

بنت الهدى صدر هو أحد الأسماء المستعارة للسيدة الشهيدة آمنة صدر التي استخدمته في كتبها ومقالاتها. أما أسماؤها المستعارة الأخرى فهي «أم الولاء، أ.ح» (شهیدی، 1383، ج3، ص425). كانت الابنة الوحيدة لآية الله السيد حيدر صدر والسيدة المثقفة بتول آل ياسين، التي تصل شجرة نسبها عبر 31 واسطة إلى الإمام موسى بن جعفر(ع)[1]. كان جميع أسلافها من كبار العلماء والتقاة ورواد عصرهم. وُلدت في 19 محرم سنة 1356 هـ ق الموافق 12 نيسان 1316 في مدينة الكاظمية بالعراق. كانت تبلغ خمسة أشهر وثمانية أيام عندما فقدت والدها السيد حيدر صدر في 27 جمادى الآخرة 1356 هـ ق، وأصبحت تحت رعاية أعمامها وأخيها الأكبر السيد إسماعيل (عاملی‌، 1428هـ، ج1، ص103). نشأت على رزق حلال كان يوفّره لها تلميذ والدها الشيخ عبد الحسين البلداوي (المرجع نفسه، ص106).

لا شك أن تربية السيدة صدر كانت على أسس إسلامية، إذ وُلدت من أب فقيه ومعلم أخلاق، وأم متدينة، عفيفة، محتشمة، وكانت تحت رعاية علماء ورعين مثل آل ياسين والسيد إسماعيل صدر، وتعرفت على المبادئ العقائدية والرؤية العالمية والثقافة الإسلامية وآيات القرآن وسيرة المعصومين(ع) (نعمانی‌،1420‌ق، ص26‌).

المربون المثقفون

كان مربو بنت الهدى من أفراد العائلة وأعمامها الذين كانوا جميعًا من رواد عصرهم في العلم والأخلاق والدين. إن التعرف على هؤلاء الشخصيات يساعد في فهم أفضل لهذه السيدة الشهيدة.

الأم الفاضلة: والدة بنت الهدى، أم إسماعيل بتول، هي ابنة الشيخ عبد الحسين آل ياسين، من كبار الفقهاء والمجتهدين في الكاظمية، وقد أُقر اجتهادها من قبل السيد إسماعيل صدر، جد بنت الهدى. تزوجت العلوية بتول من تلميذ والد السيد حيدر صدر، وأنجبت ثلاثة أبناء هم إسماعيل، محمد باقر، وآمنة (بنت الهدى) (عاملی، 1428هـ، ص82).

كانت هذه الأم المثقفة في زمن كانت فيه معظم النساء محرومات من نعمة القراءة والكتابة، متعلمة في العلوم الإسلامية والإنسانية مثل: القرآن، الفقه، الأخلاق، تاريخ الإسلام والتشيع بمستوى جيد، وكانت تنقل هذه العلوم إلى أبنائها (ام‌فرقان، د.ت.، ص21)، وكانت عمليًا تتمتع بنفس طاهرة وأخلاق فاضلة، حتى وصفوها بأنها رفيقة العلم والتقوى (نعمانی، 1417هـ، ص39).

لا شك أن أم إسماعيل بفضل علمها وتقواها وعبادتها استطاعت أن تربي أبناء أصبحوا قادة دينيين في المجتمع الشيعي وقادة للإنسانية في العالم أجمع.

الأعمام: كانت للسيدة بنت الهدى ثلاثة أعمام عالمين وفقهاء مشهورين بأسماء: آية الله الشيخ محمدرضا آل ياسين، الشيخ راضي آل ياسين، والشيخ مرتضى آل ياسين (عاملی، 1428هـ، ج1، ص83)، وكانوا يزورون منزل أختهم أم إسماعيل باستمرار ويتفقدون أحوال أيتامها؛ ومن بينهم لعب الشيخ محمدرضا دورًا أكبر في تربية هؤلاء الأطفال. وكان من أساتذة دروس الخارج في الفقه والأصول للشهيد محمد باقر الصدر (نعمانی‌، 1417‌ق، ص46).

الإخوة: كانت لتلك السيدة العظيمة أخوان باسمَي إسماعيل ومحمد باقر، وهما من كبار علماء الحوزتين العلميتين في كاظمين والنجف. وُلد إسماعيل ومحمد باقر وآمنة جميعًا في كاظمين، وتلقوا دروسهم التمهيدية في تلك المدينة، وفي عام 1365 هـ ق هاجروا إلى النجف لمواصلة الدراسة في الحوزة العلمية هناك، واستقروا فيها، واستفادوا من كبار علماء تلك الحوزة مثل: جميع أعمامها الثلاثة، ومحسن الحكيم، وأبو القاسم الخوئي، ونالوا إجازة الاجتهاد من عبد الهادي الشيرازي. وقد ترك آثارًا كثيرة في العلوم الإسلامية خصوصًا: الفقه، الأصول، التفسير، والرجال (عاملی، 1428هـ، ص79)، وتوفي في عام 1388 هـ ق ودُفن بجانب صحن أمير المؤمنين (ع) (المرجع نفسه، ص80).

أما السيد محمد باقر، فإلى جانب دراسته عند تلك الأساتذة، نال شرف التلمذ على يد الإمام الخميني (قده) أيضًا، وحصل على إجازة الاجتهاد في سن المراهقة (21-22 سنة) من زعيم حوزة النجف المرحوم آية الله الخوئي (المرجع نفسه‌، ص183‌). وكان له باع طويل في علوم الحكمة والفلسفة، والفقه خصوصًا الاقتصاد الإسلامي، والتفسير، والتاريخ، وغيرها، وترك العديد من المؤلفات (نعمانی، 1417هـ، ص88).

هذان الأخوان اللذان كانا يوليان اهتمامًا خاصًا لتعليم أختهما الوحيدة، أبديا حماسًا واهتمامًا أكبر بعد دخولهما الحوزة العلمية في النجف، وكرسا وقتًا جادًا للتدريس والتعليم لها؛ خاصة بعدما لاحظا أن الأخت تملك موهبة وكفاءة واهتمامًا كبيرًا بالقضايا الفقهية والاجتماعية والسياسية، وأن ذوقها الشعري قد ازدهر (ام فرقان، 1404هـ، ص26). وبعد وفاة الأخ الأكبر إسماعيل في عام 1388 هـ ق، تولى الأخ الوحيد السيد محمد باقر مسؤولية تربية وتعليم بنت الهدى. وقد علّمها دروسًا في الفقه، والأخلاق، والتفسير، وولاية الفقيه، والأصول العقائدية. وذات يوم بدأ بتدريس كتاب «فلسفتنا» الذي وجدته بنت الهدى صعبًا ومعقدًا (المرجع نفسه، ص19-14).

الأخلاق الفاضلة

كل من رآى بنت الهدى صدر عن قرب، وتفاعل معها لفترات قصيرة أو طويلة، وذكرها في كتاباته أو مقابلاته، وصفها بأسمى الفضائل الأخلاقية. فـ أم جنان النجفي[2]، من جيران السيدة، تعتبر من أبرز صفاتها التواضع، وترى أنها تجسيد لأخلاق الأئمة المعصومين (ع) (ام جنان نجفی، مصاحبه‌ حضوری‌، 4/7/1397). وأم فرقان[3]، التي كانت من تلاميذها المقربين، في كتاب «بطلة النجف: بطل النجف» الذي كتبته في مدح ورثاء أستاذها الشهيد، ذكرت في جميع فصوله احترامها لها ووصفتها بصفات مثل: الإيثار، والتواضع، والصبر، والاستقامة، والصدق، والثبات، والبراءة، والإخلاص، وحسن الوجه، وغيرها، وعرّفت أخلاقها الاجتماعية بأنها مماثلة لأخلاق الأئمة الطاهرين (ع) وأتباعهم الصالحين (المرجع نفسه‌، ص14‌).

أم عباس التبريزيان[4] تعتبر ابتسامتها وتواضعها من الصفات البارزة والعوامل التي جعلتها محبوبة اجتماعياً (ام عباس، مصاحبه، 1/5/1397). كما وصفها أم أحمد علاق[5]، أم عمار يادآور[6]، أم معن حيدري[7]، أم كوثر حيدري[8] وآخرون بأنها مزينة بالكمالات الأخلاقية (ام‌ احمد‌، ام عمار، مصاحبه، 6/1397). محمدرضا نعماني، تلميذ الشهيد صدر ورفيق أيام معاناتهم، الذي كان شاهداً عينياً على جميع مشاهد حياتهم بسبب إقامته في منزلهم، يكتب في وصف أخلاقها: «من السمات البارزة للشهيدة بنت الهدى، كان خصيصة أخلاقها» (نعمانی،1420هـ، ص50). من وجهة نظره، كانت أخلاق الشهيدة قائمة على أسس علمية؛ لذلك لم تنحرف بتغير الظروف الزمنية والمكانية والأجواء وغيرها (المرجع نفسه). يعتبرها السيدة جامعاً لصفات الإنسان الرفيعة ويثني على صفات مثل: التواضع، الابتسامة، الوقار، الكلام بوقار، الخير، الحرص على هداية الناس، التقوى والزهد، الحياة البسيطة، الابتعاد عن العيب، الغيبة، السخرية، الحقد، الحسد، الكبرياء، التسليم لمقادير الله، ضبط النفس، كرامة النفس، طهارة الروح، علو الهمة، نقاء الفطرة، التضحية، السبق في الخيرات، الابتسامة وغيرها (المرجع نفسه، ص 58 و 74؛ انیسی، 1391، ص32). كان ورعها وتقواها شديدين إلى حد أن النساء المتدينات كنّ يقلدنها في الصلاة (انظر: المرجع نفسه، ص74‌). كانت موضع ثقة كبار الفقهاء في زمانها مثل أخيها الشهيد صدر وزعيم الحوزة العلمية في النجف، المرحوم آية الله الخوئي، في تأسيس وتمويل مدارس الزهراء.

أسلوب حياة بنت الهدى

كانت السيدة صدر ملتزمة بأن تتوافق مع الثقافة الإسلامية (نعمانی،1420هـ، ص23). ولهذا السبب، كانت الحياة البسيطة، الانشغال بالعبادة، طلب العلم، وخدمة الناس هي سمات حياتها طوال سنوات عمرها من الطفولة حتى منتصف العمر والاستشهاد. يجب النظر إلى أسلوب حياتها من خلال جودة علاقاتها الثلاث مع الله والآخرين.

1. الحياة التعبدية

العبادة جزء من جوهر كل مسلم، وقد تجلت بشكل واضح في حياة هذه السيدة. كانت ميراثها من أسلافها هو العبادة والكمال في الانقطاع إلى الله (انیسی‌، 1391‌، ص38). كانت تصلي كثيراً، وتدعو، وتقرأ القرآن. كانت تحاول أن تؤدي العبادة بإخلاص وبعيداً عن الرياء. خصصت غرفة صغيرة لهذا الغرض. وأحياناً كانت تنشغل بالزيارة والعبادة في حرم أمير المؤمنين علي (ع). كما حجّت إلى بيت الله الحرام عدة سنوات. في المسجد الحرام كانت تختار زاوية وتستمر في الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن لساعات طويلة وهي متجهة إلى الحائط (نعمانی،1420هـ، ص52). كانت تصوم كثيراً صياماً مستحباً، وعلى الرغم من مرضها الدائم بالتهاب اللوزتين في الشتاء والصيف، كانت تصوم في الأجواء الحارة وبدون أجهزة تكييف (انیسی،1391‌، ص38‌). ووفقاً لشهود عيان، كانت عبادتها مصحوبة بفهم عميق ووعي، بحيث كان انعكاس ذلك يظهر في أخلاقها وسلوكها. يمكن رؤية ذلك في صمودها وثباتها السياسي في مواجهة نظام البعث العراقي المستبد. تلك المشاهد الصعبة والمخيفة التي أخرج فيها أشجع الرجال من ساحة المعركة إلا أخاها، لم تمنعها من الصمود حتى الاستشهاد (انظر: نعمانی،1420هـ، ص53). ووفقاً لشهود عيان، كانت قد كرست حياتها كلها لله (المرجع نفسه). بنت الهدى، بسبب شدة إخلاصها وكثرة عبادتها، كانت غارقة في محبة الله. وهذا الأمر زاد من طهارة وعظمة روحها إلى درجة أنها كانت تتحمل كل صعوبة وتعتبر كل محنة سهلة لكي تبلغ رضا الله. هذه الروحانية تظهر في مناجاتها العرفانية مع المحبوب. كانت الشهيدة دائماً تقرأ الأدعية والأذكار والمناجاة، خصوصاً مناجاة الإمام السجاد (ع) بعد صلاة الليل، وكانت ملتزمة أيضاً بأدعية أيام الأسبوع والمناسبات خلال النهار.

كانت هذه البطلة تطلب الروح الحماسية من ربها هكذا:

«فاجعل حياتي، يا ربي، وردة رضا، واجعل أعمالي، يا إلهي، جهاداً، واجعل روحي، يا سيدي، نوم الأمل والرجاء، حتى يرن صوت مغفرتك، ويشتاق السفر إليك، ويعشقك ويهوى قربك. آمين» (ام فرقان، 1404هـ، ص86-84). لم تكن تترك الذكر والعبادة حتى في أصعب المشاهد السياسية (عاملی، 1428هـ، ص109). لقد منحتها العبادة قوة زينبية، ولهذا استطاعت أن تكون زينب زمانها.

2. الحياة الفردية

كانت الشهيدة بنت الهدى تعيش حياة بسيطة جداً. ولكن بالرغم من بساطتها، كانت سيدة أنيقة وذات مظهر جميل تهتم بمظهرها الخارجي (نعمانی،1420‌ق، ص33‌). كانت دائماً ترتدي ملابس بسيطة تتألف من بلوزة وتنورة طويلة (حتى القدم) وشال عربي على شكل حجاب، لكنها كانت ترتدي العباءة والنقاب والجوارب السوداء أمام الرجال غير المحارم، وتظهر بمظهر مغطى بالكامل ولباس أسود (ام عباس، مصاحبه، 5/1397). بالطبع، أحياناً كانت الظروف تقتضي أن تترك الوجه والكفين مكشوفين شرعياً أمام بعض الرجال غير المحارم المقيمين في منزلهم والموثوق بتقواهم، مثل نعماني (نعمانی، مصاحبه، 8/1397). كانت تبتعد عن الترف والتنوع في الملابس، لكنها في بعض الحالات كانت تحتاج إلى ارتداء ملابس فاخرة لساعات أمام نساء الطبقة الميسورة بهدف جذبهن، لكنها كانت تعود فوراً إلى مظهرها البسيط بعد اللقاء (نعمانی،1420هـ، ص53). كان لديها ثوبان باللون الأخضر كانت ترتديهما غالباً في تجمعات النساء والاجتماعات (عاملی، 1428هـ، ص107).

كان يطبق هذه البساطة في تربية بنات أخيه أيضًا، وكان يقول لتلك الفتيات المراهقات والصغيرات: «الإنسان يحظى بالاحترام أمام الله وأمام الناس بسبب إيمانه وأعماله الصالحة وأخلاقه، لا بسبب ملابسه أو الذهب والمجوهرات التي يرتديها» (المرجع نفسه، ص41).

3. الحياة الأسرية

بالرغم من نشاطها الاجتماعي والثقافي الواسع، لم تغفل السيدة بنت الهدى عن أسرتها، وبما أنها كانت تعيش مع والدتها في منزل أخيها الشهيد محمد باقر صدر، فقد كانت تساعد مع أم جعفر زوجة الشهيد صدر في تربية الأطفال، وإدارة المنزل، واستقبال الضيوف المترددين. وكانت تتولى بنفسها رعاية والدتها وخدمتها. بالإضافة إلى ذلك، كانت تؤدي يوميًا المهام المتنوعة التي كلفها بها أخوها مثل: التدريس للنساء، والإشراف على مدارس الزهراء الدينية، والاجتماعات النسائية المنزلية (نعمانی،1420هـ، ص39)، وحماية أخيها (المرجع نفسه، ص93). وكانت تعامل جميع أفراد الأسرة بأخلاق حسنة. وكانت تساعد زوج أخيها في أعمال المنزل وتربية الأطفال. ولم تشتكِ أبدًا من نقص في الحياة. وكانت مجتهدة في القناعة، والتوفير، والاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، والحفاظ عليها (انظر: انیسی، 1391، ص ص. متعدد).

الأنشطة السياسية لبنت الهدى

كانت السيدة بنت الهدى امرأة مجتهدة، نشيطة، فاعلة، وتمتلك حسًا قويًا بالمسؤولية الدينية. تألقت في ثلاثة مجالات: الاجتماعية، والثقافية، والسياسية. لم تحصر نفسها في حيها أو مدينتها، بل كانت شخصية يقظة، واعية، وذات فكر منفتح. كانت تتابع بدقة الأحداث والقضايا المحيطة، والوقائع الفكرية والاجتماعية والسياسية، وكانت تؤثر فيها باستمرار (المرجع نفسه، ص107). فيما يلي نورد جزءًا من أنشطتها السياسية:

يرتبط الدور السياسي للشهيدة بنت الهدى ارتباطًا وثيقًا بنضالات أخيها الشهيد محمد باقر صدر. كانت رفيقة ورفيقة درب أخيها في الكفاح ضد نظام حزب البعث العراقي، لا سيما مع شخص صدام حسين. لا يمكن تحديد بداية نضالات الشهيد صدر بدقة؛ لأنه كان قد أدرك منذ شبابه، بنظرة عميقة إلى القرآن، والسنة، وتاريخ الإسلام، والفقه الشيعي، وما إلى ذلك، الجوهر السياسي للإسلام؛ لذا شرع منذ شبابه في كتابة الكتب والمقالات حول شمولية الإسلام، ومكانة الجهاد، ودور الأئمة (ع) في حماية الإسلام، وغيرها. وكانت بنت الهدى، التي كانت تعتبر أخاها قائدها ومرجع تقليدها وقدوتها (ام فرقان، 1404هـ، ص28)، تتبع خطاه، وبالنظر العميق في المصادر الأصيلة للإسلام، أدركت الجوهر السياسي لهذا الدين الشامل. لذا نظمت العديد من القصائد في الدفاع عن الإسلام والتضحية في سبيله.

ولكن إذا عرفنا النشاط السياسي بأنه المواجهة مع النظام الحاكم البعثي، فيجب اعتبار بداية صعود هذا الحزب العفلقي الصليبي في عام 1968م. لأن أهدافه كانت قمع الإسلام ونشر القومية العربية. لذا قام بإجراءات معادية للدين مثل: اتهام السيد مهدي حكيم بالتجسس، وإعدام عبد الصاحب دخيل، وطرد الطلاب غير العراقيين، وتدمير المساجد والحسينيات، وقتل علماء بارزين آخرين، وإلغاء الأذان وصلاة الجمعة من الإذاعة، وغيرها (نعمانی، 1417هـ، ص189-191).

كان الشهيد صدر يؤمن بأن المرجع يجب أن يكون في الصف الأول في مواجهة الطاغوت والفساد (بقش، 1427هـ، ص165). لذا أسس حزب الدعوة الإسلامية في ربيع الأول عام 1377هـ ق (1975م)، وانضم إليه العديد من طلابه؛ لكن اتباعًا لأمر المرجعية آنذاك، آية الله السيد محسن حكيم، الذي أمر بخروج الطلاب والعلماء من الأحزاب والحفاظ على سيادة الحوزة على المجتمع والأحزاب الدينية، طلب الشهيد صدر من الطلاب الخروج من الحزب المذكور، باستثناء عدد قليل ممن كانوا ضروريين لإدارة الحزب (عاملی‌، 1428‌، ج2، ص424). وفي عام 1958م أسس جماعة العلماء لتعريف الإسلام كقوة علمية وسياسية (نعمانی، 1417هـ، ص155).

أما المواجهة الأولى للشهيد صدر مع حزب البعث فكانت بدعوة الناس والطلاب والعلماء في الحوزة لدعم السيد مهدي حكيم ورفض اتهامات التجسس التي وجهها له حزب البعث. وكانت هذه أول جريمة للشهيد صدر من وجهة نظر حكومة البعث. وبعد التجمع الكبير للاحتجاج في صحن أمير المؤمنين، منع حزب البعث أي حركة في منزل آية الله حكيم؛ لكن الشهيد صدر كان أول من ذهب بشجاعة إلى منزله وكسر الحصار (بقش، 1427هـ، ص194).

بعد تصاعد ضغوط حزب البعث الظالم على الناس وخاصة على الحوزة العلمية، سافر الشهيد صدر إلى لبنان لطلب العون من علماء الدول الإسلامية الأخرى، وبمساعدة السيد موسى الصدر، شكا من ظلم نظام البعث أمام كبار السياسيين والعلماء وكشفهم (المرجع نفسه، ص195‌).

بعد وفاة آية الله محسن حكيم في عام 1390هـ ق، أصبح الشهيد صدر أحد مراجع التقليد وتوسع نشاطه السياسي. ومنذ ذلك الحين، التي كانت بنت الهدى تتعاون علميًا مع أخيها العالم، أصبحت من أتباعه، وكانت تعتبر أوامره كحكم الله، وتعتبر نصرة أخيها واجبًا كأنها تنصر نائب الإمام المهدي (عج). لذا كانت تساعده في كل الأمور والمهام التي لا يستطيع الطلاب التعاون معه فيها. وتزايد هذا التعاون يومًا بعد يوم حتى تولت مسؤولية رعاية شؤون أخيها في تقسيم العمل بينه وبين زوجته الشهيدة. تقول أم جعفر زوجة الشهيد: «تولت الشهيدة بنت الهدى رعاية الشهيد صدر. وكانت مكملة لدوره السياسي والثقافي وتنقل رسالته إلى النساء المؤمنات» (المرجع نفسه، ص129).

وقد وصلت تعاونها مع ولي الفقيه وقائدها إلى حد التضحية، وكانت تملك شجاعة وبسالة مثل أخيها في مواجهة نظام البعث وتمردها على تهديداته.

من بين أنشطة الشهيد الصدر، كتابة مقالات حول أبعاد الإسلام السياسية في مجلة الأضواء تحت عنوان «رسالتنا: رسالتنا» (الأضواء‌، 1960‌م، ش1، ص1) والتي تعرضت لهجوم من قبل رجال الدين الموالين للنظام أو المتزمتين (نعمانی، 1417هـ، ص156). وبالطبع، كان اليقظة الإسلامية في الحوزة العلمية في النجف تجاه حكم البعث قد تحققت قبل الإجراءات الثورية للشهيد الصدر؛ لأن وحشية هذا الحزب وكونه قومياً قد أصبحت واضحة لهم؛ لذا رأوا ضرورة إيصال الطبيعة السياسية للإسلام إلى الناس.

ومن الإجراءات الأخرى للشهيد الصدر، تأليف كتاب «فلسفتنا» في رد المبادئ الفكرية للماركسية، والذي يتمتع بأسلوب وأدلة قوية ومتينة. وإجراء آخر له هو التحول في النظام التعليمي للحوزة بتأسيس مدرسة العلوم الإسلامية (الدورة) بمساعدة آية الله سيد محسن الحكيم. وقد واجه الشهيد الصدر في هذين الإجراءين أيضاً عراقيل من بعض رجال الدين عديمي البصيرة.

بعد رحيل المرجع الكبير، المرحوم آية الله سيد محسن الحكيم (قدس سره)، رأت حكومة البعث في العراق، التي وفرت أسباب وظروف قمع المرجعية بل الحوزة العلمية والحركة الإسلامية، أن الفرصة مناسبة جداً لتحقيق أهدافها الخبيثة. وكان الشهيد الصدر، الذي كان منذ بداية سيطرة حزب البعث (1368هـ) على أهدافهم واعياً، قلقاً جداً من وصولهم إلى السلطة؛ لذا رأى ضرورة اختيار مرجع واحد وقوي، ولم يرَ مثالاً خارجياً لذلك إلا في آية الله سيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره). لذلك اختاره مرجعاً لتقليده وشجع الآخرين على تقليده. وكان توقع الشهيد الصدر من المرجع أن تقدم مصالح الإسلام والأمة الإسلامية على المصالح الشخصية. وبلا شك، كان حزب البعث الديكتاتوري يحمل مبادئ وأداءً معادياً للإسلام ويسعى إلى إضلال الأمة الإسلامية بل إلى إبادة وتشريد الشيعة وتقليل نسبتهم السكانية مقارنة بإجمالي سكان العراق؛ لذا كان عضوية هذا الحزب محرمة وفق فتوى كل مجتهد ومرجع تقليد شيعي. وكان الشهيد الصدر، ببصيرته وبعد نظره، يرى ضرورة كشف هذه الفتوى؛ لأنه في حالة التقية، كانت العضوية في هذا الحزب الظالم أمراً طبيعياً بل فخراً للأجيال القادمة. وفي هذا المثال، فإن مساعدة الحاكم الجائر تعني إضلال المجتمع الإسلامي. لذا لم يرَ الشهيد التقية في هذه الفتوى مصلحة للإسلام والمسلمين، وتحمل بشجاعة العواقب الوخيمة لكشفها، وبذلك تولى منصب المرجعية. وبالطبع، كانت الفتوى العلنية السبب الرئيسي لاستشهاده.

مع انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (قدس سره)، رأى التجسيد الملموس لهذه المرجعية في شخصه؛ لذا كان يقول دائماً في جلسات خاصة مع طلابه المقلدين: «المعيار، العلاقة بي كمرجع تقليد يجب أن تكون لمصلحة الإسلام، فإذا كان مرجع آخر يستطيع خدمة الإسلام وتحقيق أهدافه، يجب أن تتبعوه وتدافعوا عنه وتذوبوا فيه. فإذا، على سبيل المثال، حقق مرجعية الإمام الخميني تلك الأهداف، فلا يجوز أن تمنع علاقتكم بي من الذوبان في مرجعيته» (نعمانی، 1417هـ، ص163).

وكان هو نفسه يعلن مراراً استعداده لمساعدة الإمام الخميني (قدس سره) في النظام الإسلامي في إيران، ويقول:

«إذا أمرني السيد الخميني بأن أخدم الإسلام في إحدى قرى إيران، فلن أشك في ذلك أبداً، لأن السيد الخميني حقق ما كنت أسعى لتحقيقه» (المرجع نفسه، ص164).

ومن بين أنشطة الشهيد الصدر السياسية بعد توليه منصب المرجعية، إصدار بيانات ضد حكومة البعث ودعوة الناس إلى الثورة. ولهذا السبب والأسباب السابقة، كان دائماً تحت المراقبة المباشرة وغير المباشرة لقوات الأمن التابعة لنظام البعث.

المشاركات السياسية لبنت الهدى

1. دعم وجهات النظر السياسية للشهيد الصدر

كما ذُكر، وصلت بنت الهدى إلى مستوى علمي رفيع بتلمذها في حضرة شقيقيها إسماعيل ومحمد باقر، وكانت دائماً تجري مناقشات وحوارات علمية مع شقيقها الشهيد. وكانت مثل إخوانها تتخذ مواقف تجاه الأحداث السياسية، ومن بينها حادث إعدام الشيخ عارف بصري وأربعة من رفاقه [9] الذي تم بأمر من الرئيس أحمد حسن البكر ورئيس وزرائه صدام حسين. وبعد صدور حكم الإعدام، أرسل العديد من مراجع التقليد رسائل إلى أحمد حسن البكر تطالب بإلغاء هذا الحكم. في ذلك الوقت، رفعت بنت الهدى يديها بالدعاء وطلبت من الله أن يأخذ روحها بدلاً من أرواح هؤلاء الخمسة: «يا رب… أرجو أن تعوض أرواح هؤلاء الخمسة بروحي» (عاملی، 1428هـ، ج3، ص75).

وعندما وصل الشهيد الصدر إلى مقام المرجعية، اختارته مرجعاً لتقليدها؛ لذا تقلدت جميع فتاواه، بما في ذلك ضرورة دعم الإمام الخميني (قدس سره) والثورة الإسلامية في إيران وفتوى تحريم العضوية في حزب البعث والتعاون مع هذا الحزب الضال. ووفقاً لتلامذتها، كانت تؤكد دائماً في جلسات النساء على كلام شقيقها حول الذوبان في الإمام الخميني (قدس سره) وضرورة الاقتداء بالأمة الإيرانية في الثورة الإسلامية وتأسيس الحكم الإسلامي في العراق (ام عباس، مصاحبه 5/1397؛ ام فرقان، مصاحبه 6/1397). وبسبب تأميم المدارس من قبل حزب البعث، استقالت من الإشراف على مدارس الزهراء. وعلى عكس إصرار وزارة التربية والتعليم في نظام البعث على تولي إدارة المدارس، رفضت قبول هذا المنصب وأجابت في سطر واحد: «هدفي كان نشر المعارف الإسلامية في المدارس، وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه بتأميم المدارس» (الحسون، 1421هـ، ص79).

2. استشارة الشهيد الصدر

كان اكتمال شخصية الشهيد بنت الهدى في الجوانب العقلية والعلمية والأخلاقية سبباً في أن يجعلها شقيقه الشهيد مستشارته في القرارات المهمة (نعمانی، مصاحبه تلفنی ، 26/8/97)، وفي زمن المرجعية وكثرة تنقل النساء المقلدات، كانت أفضل حلقة وصل بين آية الله محمد باقر الصدر والنساء (بقش، 1427هـ، ص129). بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك أمور تستدعي التنسيق بين الشهيد الصدر وبنت الهدى، مثل مواعيد اللقاءات الهاتفية بين قوات الأمن والمخابرات التابعة لنظام البعث مع الشهيد الصدر، والتي غالباً ما كانت تُنقل إليه عبر بنت الهدى (انظر: نعمانی، 1417هـ، ص315).

بسبب أن مكتب الاتصالات الاجتماعية كان خارج منزل الشهيد صدر، كانت بنت الهدى تُطلع على مجريات الأمور ومحتوى الحوارات في وقت قصير بواسطة أخيها، وتعبر عن رأيها الذي كان يُقبل أو يُرفض من قبل الشهيد. رغم أن عادة مراجع التقليد كانت دائمًا عدم إشراك نساء العائلة في النشاطات الاجتماعية والسياسية، إلا أن الشهيد صدر، بسبب عدم وجود أبناء ذكور بالغين وناضجين، وحصار المنزل والاختناق السائد في النجف، وعدم إمكانية تعاون الطلبة معه، اضطر إلى الاستعانة بأخته الفاضلة والمضحية. وبالطبع كان تلميذه الأمين والمخلص الشيخ محمدرضا نعماني، الذي بقي إلى آخر لحظة اعتقال الشهيد المؤدي إلى إعدامه، يتعاون معه في المكتب (الخارجي). في الأيام الأخيرة، كانت ظروف الحصار الصعبة وتنقلات القوات الأمنية تقتضي تنسيق الأمور بين الشهيد وبنت الهدى ونعماني، وكانت تلك السيدة المظلومة تتعاون بحجاب كامل وعفة ورزانة (نعمانی، مصاحبه تلفنی، 26/7/97‌). على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى وجهة نظر نعماني وبنت الهدى بشأن قبول العرض الأخير لممثل صدام الخاص ورفض الشهيد صدر له؛ لأن الشهيد لم يكن يشك في خبث نظام البعث، خصوصًا صدام، وأعلن فقط استعداده للشهادة (نعمانی‌، 1417‌ق، ص320).

3. شريكة الآلام السياسية للشهيد صدر

اعتُقل الشهيد صدر أربع مرات من قبل نظام البعث، وبقي مع عائلته، أي الزوجة وخمسة أطفال مراهقين وصغار، والأم العجوز والهرمة، وأخته بنت الهدى، محتجزين ومحاصرين في المنزل لمدة تسعة أشهر إجمالًا، محرومين من جميع الحقوق، حتى الحقوق الأساسية مثل الطعام والماء والكرامة الإنسانية. للأسف، كان جو الخنق سائداً على جميع طبقات النجف؛ لذلك لم يجرؤ أحد على زيارة هؤلاء العزل ومواساتهم ومساعدتهم، وإذا وجد اثنان أو ثلاثة أشخاص شجعان، فإنهم في النهاية كانوا يُساقون إلى السجن ويتعرضون لأنواع العقوبات والتعذيب والطرد والإعدام؛ لكن هذا الوضع المؤلم لم يضعف صلابة هذه العائلة، وظلوا ثابتين على إيمانهم بضرورة إقامة النظام الإسلامي في العراق.

لم تكن بنت الهدى الشهيدة شريكة هذه الآلام فحسب، بل كانت أيضًا معزية للأم والأطفال وزوج الأخ. في بداية الحصار، جاء أحد التلاميذ لزيارتها ورأى أن نظرة الأم الشهيدة كانت مضطربة. وضعت السيدة صدر، التي كان عليها الاعتناء بالضيوف، ورقة أمام الأم مكتوب عليها الآية: «فَاصْبِرْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» (ام احمد علاق، مصاحبه، 6/1397).

كانت بنت الهدى شريكة آلام أخيها في الاعتقالات والحصار. رغم أنها اعتُقلت فقط في الاعتقال الرابع مثل أخيها، وتعرضت للتعذيب وأُعدمت معه، إلا أن آلام الاعتقالات الثلاثة الأولى لأخيها أضرت بروحها الرقيقة.

3.1. ألم الاعتقال الأول للأخ

في عام 1392 هـ ق، كان نظام البعث يواجه مواجهة شديدة مع حزب الدعوة الإسلامية، مما أدى إلى اعتقال مئات أعضائه، من بينهم الشهيد السيد محمد باقر الحكيم. عندما سمع الشهيد صدر باعتقاله، مرض، وأخذ دواءً بجرعة زائدة عن الحد المسموح به، مما تسبب في تسممه. بنت الهدى التي كانت تعتني به أخبرت أحد الطلبة عن تسمم أخيها؛ فبأمر الطبيب، نُقل إلى مستشفى النجف. وبعد ساعة ونصف، اعتقلته قوات الأمن التابعة لنظام البعث وهو على سرير المرض في المستشفى. في اليوم التالي، نُقل إلى مستشفى الكوفة ومنع من أي زيارة؛ لكن الشهيد بنت الهدى وأم جعفر زوجة الشهيد زاراهما من الباب الخلفي للمستشفى. قال الشهيد صدر عند رؤيته لبنت الهدى معبراً عن عواطفه: «ليس له أخ أو أخت غيري، وليس لي أخ أو أخت غيرها» (انظر: عاملی، 1428هـ، ج2، ص476-470). على كل حال، وبعد احتجاجات الحوزة والناس، اضطر النظام إلى إعادته إلى مستشفى النجف وأفرج عنه بعد ثلاثة أيام. وخلال هذه الفترة كانت بنت الهدى تعتني بأخيها (المرجع نفسه، ص478).

3.2. ألم الاعتقال الثاني للأخ

بعد خمس سنوات من الاعتقال الأول، اعتُقل الشهيد صدر للمرة الثانية. سبب الاعتقال كان أن نظام البعث في ذلك العام أعلن حظر مسيرة الأربعين إلى جانب غيرها من المظاهر الدينية. لكن الناس عصوا هذا المنع وأقاموا هذا الهدف الديني، ورددوا شعارات ضد النظام على طول الطريق. اعتقلت قوات الأمن عددًا منهم، لكن الناس استمروا في المسيرة؛ لذا اضطر النظام إلى الاستعانة بالعلماء ومراجع التقليد لإخماد الشعارات المناهضة للنظام. تبعًا لزعيم الحوزة العلمية في النجف، أرسل الشهيد صدر ممثلين إلى الزائرين المشاة ليهتفوا بشعارات حسينية بدلاً من الشعارات المناهضة للنظام. بعد ذلك، وبخداع ونفاق نظام البعث المناقض لتعهداته للشهيد صدر بالإفراج عن العلماء والطلبة المعتقلين، اعتقل ممثليه وكذلك الشهيد صدر نفسه بتهمة أنه دفع الناس إلى العصيان وكان مسؤولًا عن كل الأحداث (بقش، 1427هـ، ص206). وهكذا وقع الاعتقال الثاني للشهيد صدر في 18 صفر 1397 هـ ق الموافق 1977 م، وخلاله تعرض لتهديد شديد من وزير الداخلية عزت الدوري وتعذيب قاسٍ وتهديد بالإعدام من مدير أمن بغداد. قال الشهيد لاحقًا: «كنت أُخفي التعذيب الذي تعرضت له حتى لا يفقد الذين لا صبر لهم وقوة مقاومة شجاعتهم ولا يخافوا». أُفرج عنه في نفس اليوم وتابعته السلطات (عاملی، 1428هـ، ج3، ص329).

كانت أيام اعتقال الشهيد الصدر الثاني أيامًا حرجة في تاريخ النجف. كان الخوف والرعب يعمّان كل مكان. كانت القوات العسكرية تعتقل كل من يقع في أيديها؛ لكن بنت الهدى كانت بطلة لا تعرف الخوف والرهبة، وقفت بثبات وشجاعة عجيبة حتى تحرير أخيها (نعمانی،1420هـ، ص117).

3. 3. معاناة الاعتقال الثالث للأخ

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أرسل الشهيد الصدر رسالة تهنئة إلى الإمام الخميني(ره) وزاد من نشاطاته السياسية والنضالية، وأعاد تأييد حزب الدعوة وأصدر إذنًا بانضمام طلاب الحوزة العلمية في النجف وغيرهم إلى هذا الحزب. كان يعقد العديد من الاجتماعات السرية مع الطلاب الموثوقين في منزله (عاملی، 1428هـ، ج4، ص54). كما زاد نظام البعث من ضغوطه القمعية على الإسلاميين، وقام بتجهيز منزل الشهيد الصدر بأجهزة التنصت. كما استغل بعض رجال الدين الجواسيس للتجسس في منزل الشهيد الصدر وأعضاء وأتباع حزب الدعوة، حتى تم اعتقال الشهيد الصدر للمرة الثالثة في الساعة السادسة صباحًا من يوم الثلاثاء 17 رجب 1399 هجري قمري، بينما كان الناس لا يزالون نائمين، تحت إجراءات أمنية مشددة بدأت من الليلة السابقة، وفي وسط حشود من السيارات العسكرية، من قبل مدير أمن محافظة النجف (أبو سعد) بحجة دعوة زعيم حزب البعث (صدام حسين) له، وتم نقله إلى المديرية العامة للأمن في بغداد (نعمانی، 1417هـ، ص214-213). وكان ذريعة اعتقاله اتهامه بالاتصال بالإمام الخميني(ره) (اللقاء قبل النفي من النجف وتهنئة انتصار الثورة الإسلامية) وفتوى تحريم الانتماء إلى حزب البعث (المرجع نفسه، ص229-228).

قبل اعتقاله، أدان الشهيد الصدر بشجاعة واستعداد للشهادة، مدير أمن النجف بشدة سلب حرية وكرامة الشعب العراقي على يد نظام الديكتاتور البعثي (المرجع نفسه، ص215-214‌). وبعد التحقيق، كانوا ينوون إعدامه (المرجع نفسه، ص227-214)، لكن صراخ السيدة بنت الهدى واستغاثتها من الناس أدى إلى مظاهرات واعتراضات شعبية في النجف، وانتشار الخبر في وكالات الأنباء العالمية وخاصة إذاعة طهران، ومن هناك إلى باقي مدن العراق، مما أدى إلى احتجاجات شاملة. ولهذا السبب، تراجع نظام البعث في نفس اليوم عن استمرار اعتقال الشهيد الصدر (المرجع نفسه‌، ص223‌) وأطلق سراحه (المرجع نفسه، ص225)، وبعد ذلك بدأ باعتقالات واسعة بين الناس وحاصر منزل الشهيد بقوات أمنية مسلحة بالكامل، حيث تحملت جميع أفراد العائلة (الأم التي تبلغ من العمر ثمانين عامًا، الزوجة، الأطفال الصغار وأخته بنت الهدى) مع ذلك العالم المجاهد مظلمة الحصار (ام جعفر، 1427هـ، ص209-220).

كان لبنت الهدى في هذا الاعتقال ثلاثة مواقف تاريخية: الخطاب، التعبئة الشعبية، والتقرير إلى الشخصيات خارج العراق.

3. 3. 1. الخطاب التاريخي

عند الاعتقال الثالث للشهيد الصدر، ذهبت بنت الهدى بهدف مساعدة أخيها المظلوم حسين زمان، زينب-like، إلى وسط القوات الأمنية المسلحة بالكامل وسياراتهم العسكرية، وألقت خطابًا تاريخيًا وحاولت إيقاظ الضمائر الغافلة لأولئك المسحوقين المغرر بهم. بلا شك، لو لم تكن بطونهم ممتلئة من لقيمات محرمة، لكانوا استيقظوا جميعًا ووضعوا أسلحتهم على الأرض. لماذا بنت الهدى التي استدعتهم إلى محكمة ضمائرهم وقالت:

«انظروا، أخي وحيد بلا سلاح ولا مدافع ولا رشاش. وأنتم مئات المسلحين. هل تساءلتم لماذا هذا العدد الكبير من الأشخاص وهذه الأسلحة؟

أجيبكم… والله لأنكم خائفون، ولأن الرعب قد سيطر على قلوبكم. والله أنكم خائفون؛ لأنكم تعلمون أن أخي ليس وحيدًا. كل العراقيين معه. لقد رأيتم ذلك بأعينكم، وإلا فلماذا تعتقلون شخصًا وحيدًا لا يملك جيشًا ولا سلاحًا بهذا العدد الكبير؟ أنتم خائفون، وإن لم تكنوا كذلك فلماذا اخترتم هذا الوقت المبكر للاعتقال؟ لماذا جئتم لاعتقاله حين يكون الناس نائمين؟ ممن تخافون؟ من ماذا ترتعبون؟ اسألوا أنفسكم».

ثم توجهت إلى أخيها وقالت: «اذهب يا أخي، فالله حافظك ونصيرك. هذا هو طريق أجدادك الطاهرين» (نعمانی‌، 1417‌ق، ص217‌-216‌).

3. 3. 2. التعبئة الشعبية

بعد الاعتقال الثالث للشهيد الصدر، ذهبت بنت الهدى فورًا إلى الحرم الشريف لأمير المؤمنين(ع) الذي كان على بعد خطوات من منزلهم، لكنها عادت بسبب قلة الناس. وبعد ساعات عادت إلى الحرم، وتمسكت بضريح الإمام(ع) وصرخت بصوت عالٍ: «صرخة، صرخة… يا ملجأي، يا جدي، يا أمير المؤمنين، لقد اعتقلوا ابنك الصدر، يا جدي، أشكو إلى الله وإليك الظلم والضغط الذي وقع علينا».

ثم توجهت إلى الزائرين والخدم وقالت: «أيها الكرام المؤمنون، هل ستصمتون بينما يُسجن ويُعذب قائدكم؟ ماذا ستقولون غدًا يوم القيامة إذا سأل جدي أمير المؤمنين عن سبب صمتكم وترككم نصرة [الصدر]؟ اخرجوا واحتجوا» (المرجع نفسه‌، ص220).

ظل عدد من القوات الأمنية المسلحة واقفين عند باب منزل الشهيد الصدر ليروا رد فعل جريمتهم. وبعد انتشار خبر اعتقال الشهيد الصدر في المدينة، بدأت التظاهرات الشعبية في الساعة العاشرة صباحًا من حرم أمير المؤمنين(ع). كما تجمع النساء بقيادة أم فرقان، أقرب تلميذات بنت الهدى في الصحن العلوي، ورددن شعارات تطالب بإطلاق سراح الشهيد الصدر (ام فرقان، 1404هـ، ص115-113 و مصاحبه 8/6/1397).

أما للأسف، فقد كان النظام الجائر البعثي يرد على هذه التظاهرات السلمية بقبضة من حديد وبالقتل والجرح والاعتقال للرجال والنساء (المرجع نفسه). أما فرقان، الذي كان شاهداً على الأوضاع، فقد روى لنا مشاهد مؤلمة (ام فرقان، مصاحبه، 6/1397).

3. 3. 3. تقرير خبر الاعتقال إلى خارج العراق

لم تكتفِ بنت الهدى بالتعبئة الشعبية، بل كلفت إحدى السيدات بالاتصال هاتفياً ببيت الإمام خميني (ره) لإبلاغهم بخبر اعتقال الشهيد صدر (المرجع نفسه). كما قامت بنفسها عبر اتصال هاتفي مع ممثلي الشهيد صدر في عدة دول عربية بإطلاعهم على مجريات الأمور (ام فرقان‌، ‌‌1404‌ق، ص114).

تحرير الشهيد صدر

أثمرت مناشدات بنت الهدى بعد يوم واحد، وأجبرت النظام البعثي الذي كان يعتبر التظاهرات الشعبية الشاملة في العراق احتجاجاً على اعتقال آية الله محمد باقر صدر نوعاً من الثورة ضد حكمه (نعمانی، 1417هـ، ص294)، على التراجع وإطلاق سراحه. لكن هذا الإفراج كان مشروطاً بالحجر المنزلي. فقد حُرم ذلك المرجع المظلوم وجميع أفراد عائلته من أي حركة أو اتصال مع الناس (المرجع نفسه)، وتحملوا آلاماً نفسية بالغة لدرجة أن بنت الهدى كانت تصف تلك الأيام بأيام المحنة (ام فرقان، 1404هـ، ص122).

معاناة أشهر الحصار

بدأ الحصار المنزلي لآية الله محمد باقر صدر من قبل القوات الأمنية المسلحة بالكامل التابعة للبعث في 18 رجب 1399 هـ ق، واستمر لمدة عشرة أشهر كاملة حتى استشهاد بنت الهدى (نعمانی، 1417هـ، ص295). وبحسب ذكريات بنت الهدى، فقد حُرم سكان المنزل خلال هذه الفترة من حقوق أساسية مثل الغذاء، والعلاج، والشعور بالأمن، والكرامة، والتعليم، والحرية، وحتى من هواء سطح المنزل (ام فرقان، 1404هـ، ص126-123؛ نعمانی، 1417هـ، ص296). حتى عامل المنزل حاج عباس مُنع من شراء وحمل الطعام اليومي لتلك العائلة المظلومة، والشباب الشجعان مثل سيد قاموسي الذين كانوا يمدونهم بالطعام عبر أسطح جيرانهم، تم اعتقالهم واستشهدوا (ام‌فرقان، 1404هـ، ص123). وكان عناصر البعث يهددون أفراد العائلة مراراً باغتيال الشهيد صدر (نعمانی، 1417هـ، ص234-230). وفي إحدى المرات، فتحوا قناة مياه بالقرب من منزل الشهيد صدر بغية تدمير المنزل على ساكنيه، لكن بفضل الله ورحمته، وعلى الرغم من غمر القبو تحت الأرض وتعليق أعمدة المنزل، بقي البناء صامداً (المرجع نفسه، ص233). تحمل جميع أفراد العائلة هذه المعاناة من أجل نصرة الإسلام، وأصبحوا أكثر إصراراً على الحركة الإسلامية (المرجع نفسه، ص297).

لقد أضعفت المعاناة والتهديدات أجساد أفراد العائلة بشدة (ام فرقان، 1404هـ، ص125)، لكنها لم تمس إيمانهم وإنسانيتهم بأي ضرر (المرجع نفسه، ص126). فقد علمت تلك العائلة بقيادة الشهيد صدر، بقيم الإيثار، فقدموا ماءهم في حرارة الصيف لعناصر الأمن المخدوعين، حتى اضطر النظام البعثي إلى استبدال الحراس بمجموعة من المحافظات البعيدة التي لم تكن تعرف الشهيد صدر (عاملی، 1428هـ، ج4، ص229).

كانت الشهيدة بنت الهدى خلال هذه الفترة تحرس أخاها وقائدها. ومنعت مرة دخول طبيب أرسله النظام البعثي إلى المنزل، إذ لم يكن مستبعداً أن يكون هدفه اغتيال آية الله صدر (نعمانی، 1417هـ، ص284).

حتى أن النظام البعثي أرسل امرأة جاسوسة إلى منزل الشهيد صدر، رغم أن تلك المرأة قدمت نفسها في البداية كلاجئة، إلا أن بنت الهدى سرعان ما أدركت أهدافها الاستخباراتية، لذا كانت تحذرها بلطف (المرجع نفسه، ص284).

رفع الحصار لفترة قصيرة

كما ذُكر، كان إطلاق سراح الشهيد صدر بعد الاعتقال الثالث مشروطاً بالحجر المنزلي. لكن النظام، خوفاً من قيام ثورة شعبية، وأيضاً بهدف التعرف على مؤيدي آية الله محمد باقر صدر، رفع الحصار لفترة قصيرة بعد شهر ونصف (من 18 رجب إلى 30 شعبان 1399 هـ ق)، وأبلغ مدير أمن النجف بنت الهدى بالخبر هاتفياً (نعمانی، 1417هـ، ص300).

زار مجموعات شعبية كثيرة من محافظات العراق الشهيد صدر وعائلته. وكان تلاميذ بنت الهدى الذين حُرموا من لقاء والدتهم الروحية لمدة خمسين يوماً، يستغلون فرصة الحرية ولا يغادرون منزل الشهيد صدر. وكان آية الله محمد باقر صدر يستقبل الرجال، وبنت الهدى تستقبل النساء. وكانت أهم الأخبار التي يروونها هي شهادات وأسر رفاق الشهيد صدر، وكانت بنت الهدى تدعوهم إلى الصبر والثبات، وتواسيهم بدموعها، وتسأل عن أحوال الغائبين (مصاحبه با‌ شاگردان‌ و همسایگان بنت الهدی؛ ام عباس‌ تبریزیان‌، 5/97‌؛ ام فرقان، ام‌ جنان‌، 6/97؛ ام احمد علاق‌، 7/97‌).

عندما كانت القوافل تعود إلى مدنها، كان يتم ملاحقتها واعتقالها وفي النهاية إعدامها. أوقف الشهيد صدر اللقاءات حفاظًا على أرواحهم وأرواح المجاهدين المؤمنين، واستمر في مسيرته الجهادية بقيادة الثورة، متحملًا الحصار وصادرًا البيانات المناهضة لنظام البعث، ومتمسكًا بالصمود (نعمانی، 1417هـ، ص301 و 304).

بنت الهدى الوسيطة الشعبية للشهيد صدر

بعد توقف اللقاءات الشعبية، شرع نظام البعث في قمع المقاومين بعد تحديد هويتهم، وأعاد حبس الشهيد صدر في منزله. هناك خلاف حول السماح للناس بالتردد على منزل الشهيد، لكن من مجموع الأدلة يتضح أنه لم يُفرض منع جديد على التردد الشعبي، إلا أن حركة الدخول والخروج كانت تحت رقابة شديدة؛ لذا نادرًا ما تجرأ الناس على الذهاب إلى منزل الشهيد صدر، باستثناء عدد قليل ممن كانوا ينجحون في اللقاء عبر تطبيق مبادئ التمويه مثل التظاهر بالشيخوخة، وخداع قوات الأمن… ومن أمثلتهم أم فرقان، التلميذة الشابة لبنت الهدى، التي كانت تزورهم يومًا واحدًا في الأسبوع وتحضر لهم بعض الاحتياجات مثل الطعام وألعاب الأطفال والدواء… (ام فرقان، مصاحبه، 6/97). بنت الهدى، بسبب الخطر الذي كانت تشعر به على أم فرقان، اتفقت معها على اللقاء مرة في الأسبوع في حرم أمير المؤمنين (ع). كان بعض المعارف يمنعونها خوفًا من أذى قوات الأمن، لكنها كانت تقول: «أريد أن يعلم الجميع أنني في حرم أمير المؤمنين (ع) حتى يتمكن كل من يهتم بالنهضة الإسلامية لسيد (صدر) من إرسال أخته أو زوجته إليّ، فأكون وسيطة؛ لأن هناك مسائل مهمة جدًا قد تُطرح تصب في مصلحة هذه الحركة» (نعمانی،1420هـ، ص137).

محاولة إنقاذ الشهيد صدر

في أعقاب تشديد الحصار على المنزل، وضع العديد من تلاميذ الشهيد صدر خططًا لإنقاذ مرجعهم وأستاذهم ونقله خارج العراق؛ لكنه لم يعطِ أي اهتمام لهذه الخطط، وكان يؤكد على اختياره الوحيد وهو الشهادة. كما أن بنت الهدى، التي رأت أن الظروف صعبة، شاركت في بعض جلسات تلاميذ الشهيد صدر. وكانت تعتقد أن أخاها إذا نُقذ سيظل قلقًا على عائلته. لذا قالت له يومًا:

«أخي، إذا كان قلقك علينا يمنعك من قبول هذه الخطة فلا تقلق. أقسم بالله أننا لا نخاف. لا تفكر بنا، نحن مستعدون أن نموت من أجلك، هذا طريقنا».

تذكر الشهيد صدر المجاهدين الذين استشهدوا في هذا الطريق، وأجابها كما أجاب الإمام الحسين (ع) بني هاشم بعد استشهاد مسلم بن عقيل، وقال: هل نفكر في الحياة والأمان بعد سيد قاسم شبّر والمؤمنين أمثاله؟ اليوم هو يوم التضحية والفداء، رؤيتي واضحة. اختياري هو الشهادة. هذه آخر خدمة يمكنني أن أقدمها للإسلام» (نعمانی، 1417هـ، ص304).

الاستعداد لمرافقة الأخ في خطة القيادة النيابية

كان آية الله محمد باقر صدر قد أدرك أن نظام البعث لن يرحم دمه. ولهذا فكر في خطة القيادة النيابية. في هذه الخطة، اختار أربعة من تلاميذه البارزين الذين كانوا خارج العراق كخلفاء له، وقرر أنه في حال موافقتهم، سيذهب إلى صحن أمير المؤمنين (ع) رغم منع قوات الأمن، ويلقي خطابًا علنيًا يدين فيه نظام البعث ويعرف الناس بخلفائه. كان متيقنًا من أن جلادي البعث سيغتالونه في هذه الحالة، لكن النضال سيستمر. رغم أن هذه الخطة رُفضت من قبل المرشحين للقيادة النيابية، إلا أنها كانت اختبارًا ناجحًا لتفاني بنت الهدى. فقد أدركت من هذه الخطة أن أخاها لن يتراجع عن قرار الشهادة؛ لذا استعدت لمرافقته في حال ذهابه إلى حرم أمير المؤمنين (ع). لأنها كانت تعتقد أن شهادتها إلى جانب أخيها ستكون مؤثرة جدًا. وبيّنت سببها لحجة الإسلام محمد رضا نعماني قائلة: «لم يكن قتل زينب (س) صعبًا على ابن سعد، لكنه لم يقتلها؛ لأنه كان يعلم أن دمها سيكشف الحقائق للناس تمامًا، وسيوقظ الجاهلين على غفلتهم وعظمة جريمة وخطيئة يزيديين. وهو كان يعلم أن نظام البعث أكثر وحشية من أن يلتزم بمبادئ أخلاق الجاهلية الأموية، وبلا شك سيقتله بتهمة مرافقة أخيه؛ ثم أضاف: «أريد أن أخدم الإسلام بدمي» (نعمانی،1420‌ق، ص145‌).

4. معاناة الاعتقال الرابع للأخ واستشهاده

يوم السبت 19 جمادى الأول سنة 1400 هـ ق، يوم مشؤوم محفور في ذاكرة جميع العراقيين، يذكرنا بالاعتقال الأخير للشهيد صدر. مع كل من أجرينا معه مقابلة من شهود التاريخ، كان بلا شك وبدون خطأ يذكر هذا اليوم بالذات، 19 جمادى الثاني، الذي اعتقل فيه قوات الأمن الشهيد صدر وأعدموه.

كانت ضغوط نظام البعث العراقي على عائلة آية الله محمد باقر الصدر تتزايد يوماً بعد يوم، وكانت جهود أصدقاء الشهيد الصدر لإنقاذه داخل العراق وخارجه تبوء بالفشل. لقد جعل نظام البعث أجواء العراق، وخصوصاً النجف، مرعبة للغاية من خلال قمع المعارضين وإعدام الكثيرين؛ ممهداً بذلك الطريق لإعدام آية الله محمد باقر الصدر. قبل أيام قليلة من الاعتقال الرابع، حسب قول إحدى جارات ذلك الشهيد التي تُدعى أم إبراهيم النجفي، أجبر نظام البعث جميع سكان حي الشهيد على مغادرة منازلهم. ومع ذلك، بقي بعض الأشخاص في منازلهم، لا سيما النساء أو المرضى، في صمت تام وتقية. كما أُجبر التجار على إغلاق محلاتهم تحت ضغط نظام البعث الظالم. وفي المقابل، امتلأ الحي بقوات مسلحة بالكامل. حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم، وهو 19 جمادى الأولى 1400 هـ (ام جنان نجفی‌ دختر‌ ام ابراهیم‌، مصاحبه‌، 7/1397‌).

اللقاء الأخير لأم فرقان مع بنت الهدى

كانت بنت الهدى، التي كانت دائماً تعتني بالمنزل وسكانه، تطل صباح يوم السبت 19 جمادى الأولى 1400 هـ لتتفقد الوضع. كانت القوات الأمنية قد ازدادت عدة أضعاف. طلب آية الله الصدر منها أن تبدو الأمور طبيعية، وأن تذهب إلى السوق بعد زيارتها المعتادة، ثم تعود بسرعة. ذهبت بنت الهدى إلى حرم أمير المؤمنين (ع) في الساعة الحادية عشرة صباحاً. هناك رأت تلميذتها أم فرقان التي كانت تنتظرها، وكانت علامات القلق والخوف واضحة على وجهها وكلامها، وأخبرتها بتشديد الحصار ومنعتها من العودة إلى منزلها، وحددت موعد لقاء يوم الخميس مساءً، وأعطتها مبلغ صدقة، ثم عادت إلى منزلها بعد الوداع. شعرت أم فرقان أن هذا اللقاء هو الأخير، فتبعتها والدموع في عينيها، وتمكنت من النجاة رغم ملاحقة القوات الأمنية (ام فرقان، مصاحبه، 6/97، 1404هـ، ص99).

الوداع الأخير مع الأخ

في الساعة 14:30 من نفس اليوم، جاء أبو سعد، مدير قسم أمن مرقد النجف القاسي القلب، برفقة معاون قاسٍ يُدعى أبو شيما إلى منزل آية الله محمد باقر الصدر لاعتقاله ونقله إلى بغداد. طلب الشهيد فرصة ليودع عائلته. كانت بنت الهدى، التي كانت قلقة سابقاً من التهديدات المتكررة من القوات الأمنية بالتعرض لنساء العائلة، قد طلبت من أخيها أن يوصي المرجعية في النجف بحمايتهم. فقام هو أيضاً بالاتصال بالمرجع وأخبره بخبر اعتقاله وطلب منه العناية بعائلته. ثم توضأ للقتل، وأدى ركعتين من الصلاة، وودع أفراد عائلته وداعاً مؤلماً. ثم توجه نحو باب الحديقة للخروج، فوجد بنت الهدى تنتظره ممسكة بالقرآن. مر تحت القرآن وقبله بهدوء، ثم خرج. قال ذلك الشهيد المظلوم مبتسماً لمدير الأمن: «لنذهب إلى بغداد». وهكذا غرب وجهه القمري إلى الأبد أمام عيني أخته (عاملی‌، 1428هـ، ج4، ص271-273).

إيقاظ الضمائر الغافلة

بعد نقل ذلك العالم الرباني إلى بغداد، قطعت القوات الأمنية سلك الهاتف في المنزل حتى لا تتمكن بنت الهدى من الاتصال بأحد (المرجع نفسه‌، ص272). ولم تذكر المصادر المطبوعة الموجودة أي كلمة عن احتجاج أو استغاثة بنت الهدى أثناء الاعتقال الرابع لأخيها. في مقابلة هاتفية مع الشيخ محمد رضا نعماني سألت عن ذلك، فقال: «كان الجو الأمني في المنزل والحي مخيفاً للغاية. لم يكن لأحد الجرأة على الكلام أو التحرك بأي شكل، لأن القتل كان فورياً. كان باب المنزل محاطاً بالقوات المسلحة، وكانوا يقولون إن مدير أمن بغداد ينوي مقابلة السيد الصدر» (مصاحبه تلفنی، 8/1397). ولهذا السبب لم يخرج نعماني من المنزل وظل مختفياً عن القوات الأمنية.

أما جار منزل الشهيد فقد قال في مقابلة: «قبل أيام من الاعتقال الأخير، أجبر النظام جميع الجيران على مغادرة منازلهم، لكن أمي [أم إبراهيم النجفي] بقيت في المنزل. بعد اعتقال الشهيد صدر، روى لي أنه في يوم التاسع عشر من جمادى الآخرة [1400هـ ق] كنت أنظر إلى الزقاق من خلال ثقب النافذة. رأيت أن جانبي الزقاق مليئان بالقوات المسلحة بالكامل، وكان الضباط العسكريون في حالة تأهب. خرج آية الله محمد باقر صدر، وكانوا يرافقونه مثل الملك ويأخذونه نحو سياراتهم. رأيت بنت الهدى قد خرجت وكانت تمشي باستمرار بين الوحدات اليمنى واليسرى في الزقاق وتقول: “فكروا قليلاً، لماذا تعتقلون أخي؟ ما ذنبه الذي يستحق أن تُقبضوا عليه؟ تعالوا إلى رشدكم، كونوا على ضمير. أطلقوا سراحه و…” (ام جنان نجفی، مصاحبه، 6/1397) لكن لم تلين قلوب هؤلاء القساة بزَمْزَم الهداية التي كانت تنبع من تلك السيدة، بل سجلوا هذه الصرخة القليلة كجريمة عظيمة للاعتقال في اليوم التالي.

سبب عدم حشد الناس

يتساءل كثير من الباحثين لماذا لم تحشد بنت الهدى الناس ضد النظام بعد الاعتقال الرابع لأخيها؟ والجواب هو أن نظام البعث بعد اعتقال الشهيد صدر أخلّى جميع قواته من تلك المنطقة. نظرت بنت الهدى إلى الزقاق فلم ترَ أحداً، وظنت أن هناك نية سيئة أخرى تجاه هذه العائلة التي بلا حماية. وبسبب التزامها برعاية أطفال أخيها بقيت في المنزل ولم تقم بأي تحرك للحشد العام كما في الاعتقال الثالث. كما كانت تعلم أن النظام وحشي للغاية وسيقوم بمجزرة بين الناس. خلال أشهر الحصار لم تكن هناك جهود واسعة ومستدامة من الشخصيات العلمية والسياسية داخل العراق وخارجه، وبشكل عام كان نظام البعث الجائر قد خلق مجتمعاً مرعباً ومكبوتاً. علماء حوزة النجف، الذين تم طرد أكثر من نصفهم من العراق وأُعدم كثير منهم وسُجن، لم يرَ الباقون أن الحل في المزيد من الثورة وإراقة الدماء. حتى لو قامت بنت الهدى بالثورة والصرخة، كان من غير المرجح أن تقوم من ينجدها. في ذلك اليوم كانت تستعد فقط للشهادة.

اعتقال بنت الهدى

بعد يوم من الاعتقال الرابع للشهيد صدر، في الساعة الثالثة بعد ظهر يوم 20 جمادى الآخرة 1400هـ ق، جاء نائب مدير الأمن والمخابرات في النجف مع مجموعة من القوات المسلحة الأمنية لاعتقال بنت الهدى إلى باب منزل الشهيد صدر. قالت بنت الهدى: ماذا تريدون؟ قالوا: السيد قال تعالي للإجابة على بعض الأسئلة. قالت بنت الهدى: «إذا كان طلب أخي حقاً فأنا تحت أمره. لا تظنوا أنني أخاف من الإعدام. والله في هذه الحالة سأكون سعيدة لأن هذا هو طريقي وطريق أجدادي». قال لها العقيد في إدارة الأمن: «لا سيدتي، أقسم بشرفي أن الشهيد صدر طلب منك أن تذهبي إليه». بنت الهدى التي كانت تعرف هؤلاء الجلادين جيداً سخرت منه وقالت: «أنت تقول الحقيقة، ولهذا السبب تحاصر قوات جلادت منزلنا». ثم قالت: «دعوني قليلاً، سأعود سريعاً. لا تقلقوا، لن أهرب». أغلقت الباب ودخلت المنزل. أوصت نعماني الذي كان رفيق وحدتها الوحيد، وقالت: «أخي قام بواجبه، وأنا أيضاً سأذهب لأقوم بواجبي. نهايتنا حسنة. أوصيك بأمي وأطفال أخي، ليس لديهم أحد غيرك. رعايتهم على عاتق أمنا السيدة فاطمة(ع). حفظك الله».

نعماني الذي كان يعلم أن نهايتها مع هؤلاء الجلادين ستكون الإعدام، قال: «لا تذهبي معهم». قالت بنت الهدى: «أقسم بالله أنني في كل الميادين أشارك أخي، حتى في الشهادة» (نعمانی، 1417هـ، ص326).

لم يمنع استعدادها للاعتقال بنت الهدى من التفكير في حفظ أرواح بقية أفراد المنزل ورفاق الشهيد صدر في جميع أنحاء العراق. لهذا السبب أعطت دفتر مذكرات المحنة إلى نعماني ليحرقه ويدمره (نعمانی، 1420هـ، ص146). ودعت بنت الهدى والدتها، التي أصرّت على مرافقتها، لكن أبو شيماء القاسي هدد تلك المرأة العجوز برميها من السيارة (بقش‌، 1427‌ق، ص224). ودعت أيضاً أم جعفر زوجة أخيها، وأرادت أم جعفر مرافقتها لكنها لم تسمح لها. قرأت أم جعفر آية الحفظ «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ» (قصص/85) في أذنيها وشعرت أن بنت الهدى لا تأمل في العودة (عاملی، 1428هـ، ج4، ص274). وقعت تلك السيدة اليتيمة في قبضة أولئك الظالمين الذين اختطفوها كالسارقين وأخذوها معهم (بقش، 1427هـ، ص224).

استشهاد بنت الهدى

نقل نائب مدير الأمن في النجف مع جلاديه بنت الهدى إلى إدارة الأمن في بغداد. هناك تعرضت لتعذيب شديد، ثم نُقلت إلى قصر رئاسة الجمهورية لصدام حسين، حيث تعرضت أيضاً لتعذيب قاسٍ. قالت خالدة عبد القادر، السكرتيرة الخاصة لصدام، عن استشهاد تلك السيدة المظلومة: «أحضر أخو صدام الأكبر بنت الهدى إلى قصر رئاسة الجمهورية، ثم بدأ بضربها ضربات قوية على رأسها ووجهها. ثم نقلوها إلى غرفة السكرتير الأول لصدام، وهناك أيضاً تعرضت للضرب والتعذيب. في تلك الأثناء سمعت الآية الكريمة: “ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها…” (فاطر/2) ثم دخل صدام. قرأت بنت الهدى آية أخرى أثارت غضب ذلك الطاغية، فبدأ بضربها بيديه» (عاملی، 1428هـ، ج4، ص281).

تولى صدام بنفسه التحقيق مع الشهيد الصدر وتعذيبه. كان يكرر مطالبه منه باستمرار. صمود الشهيد الصدر دفع ذلك الفاسد القاسي إلى تعذيبه نفسيًا، ولهذا السبب أمر بأن تُسحب بنت الهدى التي أُغمى عليها جراء التعذيب على الأرض وتُلقى أمام الشهيد الصدر. تأثرت مشاعر ذلك الشهيد بحالة أخته المظلومة المؤلمة، ووبخ صدام على هذه الجريمة. ثم بدأ صدام بعنف شديد يجلد بنت الهدى التي فقدت وعيها، وأمر بتمزيق صدرها. ازداد غضب الشهيد الصدر على صدام الشرير. ورأى صدام نفسه مهزومًا أمام ذلك الجبل الراسخ والينبوع المتدفق من الغيرة، فأطلق النار من مسدسه على رؤوس هذين الأخوين، ثم غادر الغرفة وهو يسب ويلعن (نعمانی‌،1420‌ق، ص156) وهكذا استشهد آية الله السيد محمد باقر الصدر وأخته آمنة الصدر (بنت الهدى) على يد ذلك الشخص الشرير صدام الملعون في 23 جمادى الآخرة 1400 هـ، جنبًا إلى جنب. وفي النهاية دُفن جسد الشهيد الصدر الطاهر والمليء بالدماء وجسد الشهيدة بنت الهدى في وادي السلام في النجف (نعمانی، 1417هـ، ص326).

النتيجة

كانت بنت الهدى (آمنة الصدر) الابنة الوحيدة لآية الله السيد حيدر الصدر والسيدة الفاضلة بتول آل ياسين، وترجع شجرة نسبها بـ31 واسطة إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام). كانت تحت رعاية علماء ورعين مثل آل ياسين والسيد إسماعيل الصدر، وتعرفت على المبادئ العقائدية والرؤية الكونية والثقافة الإسلامية وآيات القرآن وسيرة المعصومين (عليهم السلام). كل من رآها عن قرب أو تعامل معها لفترات قصيرة أو طويلة وصفها بأسمى الفضائل الأخلاقية. كانت حياتها كلها من الطفولة حتى منتصف العمر والشهادة متشربة بالتقشف، والانشغال بالعبادة، واكتساب العلم، وخدمة الناس. كانت بنت الهدى امرأة مجتهدة، نشيطة، فاعلة، وتمتلك حسًا دينيًا قويًا بالمسؤولية في جميع المجالات، بما في ذلك الساحات السياسية.

يرتبط الدور السياسي للشهيدة بنت الهدى ارتباطًا وثيقًا بنضالات أخيها الشهيد محمد باقر الصدر. كانت رفيقة دربه وزميلته في الكفاح ضد نظام حزب البعث العراقي، وخاصة ضد شخص صدام حسين. تشمل مشاركات بنت الهدى السياسية ما يلي:

دعم وجهات نظر الشهيد الصدر السياسية (ومنها ضرورة دعم الإمام الخميني (رض) والثورة الإسلامية في إيران، وفتوى تحريم الانتماء إلى حزب البعث والتعاون معه)، تقديم المشورة للشهيد الصدر، كونها حلقة الوصل بين النساء والشهيد الصدر، وغيرها.

المشاركة في معاناة الشهيد الصدر السياسية (اعتقاله أربع مرات وحصار دام عشرة أشهر)، تعبئة الجماهير وإطلاق سراح الشهيد الصدر بعد الاعتقال الثالث، السعي لإنقاذ الشهيد الصدر والاستعداد لمرافقته في خطة القيادة النيابية خلال أشهر الحصار، تحفيز ضمائر قوات الأمن النائمة خلال الاعتقال الرابع للشهيد الصدر، وفي النهاية الاعتقال وتحمل التعذيب والاستشهاد على يد صدام حسين البعثي إلى جانب أخيها في 23 جمادى الآخرة 1400 هـ. وفي النهاية دُفن الجثمانان الطاهران المليئان بالدماء للشهيد محمد باقر الصدر والشهيدة بنت الهدى في وادي السلام في النجف.

الاقتراحات

1. نظرًا لأن الشهيدة بنت الهدى من شهداء العصر الحديث ولا يزال شهود العيان من أقاربها وتلامذتها وجيرانها ورفاقها على قيد الحياة، يُنصح بأن تقوم إدارة الثقافة والإرشاد الإسلامي أو الحوزات العلمية بالتعاون مع وزارة الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعراق بإعداد قائمة بأسمائهم وبياناتهم وعناوينهم وطرق الاتصال بهم، ودعوتهم تباعًا لإجراء مقابلات، وحفظ هذه الإنجازات كوثائق أصلية في مكتبات موثوقة مثل المكتبة الوطنية، ومرقد قدس الرضا، والمدارس العلمية الكبرى، وجامعات العلوم الإنسانية، وغيرها.

2. لا شك أن مصداقية أي بحث تعتمد على مدى أصالة مصادره. سيكون العمل البحثي الذي يحصل على الوثائق والمستندات الأصلية ذا أعلى درجات المصداقية والصحة. ومن أجل تقديم عمل موثوق عن بنت الهدى، من الضروري استعلام الوثائق الشخصية (شهادة الميلاد، بطاقات الهوية، جواز السفر، شهادة الدفن، وغيرها) والعلمية والإدارية والسياسية (أوامر الاعتقال والإعدام) الخاصة ببنت الهدى من الجهات العراقية.

3. يجب أن تُدرس حياة الشهيدة بنت الهدى (آمنة الصدر) من جوانب تاريخية وثقافية وسياسية واجتماعية وأدبية وعلمية متنوعة، وأن تُقدم كنموذج للمرأة الفاضلة الناشطة في كل هذه الجوانب.

4. ينبغي إنتاج أعمال مثل: كتابة موسوعة، إقامة مؤتمر دولي، أفلام ووثائقيات، تنظيم معارض، طباعة ونشر مؤلفات، إنشاء قنوات ومجموعات في الفضاء الإلكتروني، وغيرها، حول حياة وأنشطة تلك الشهيدة العظيمة.

5. يجب الكشف عن مرقد الشهيدة بنت الهدى الصدر المجهول بالتعاون مع فرق البحث عن شهداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبالتنسيق مع الحكومة العراقية.

المصادر والمراجع

*القرآن الكريم

1. ام فرقان؛ نوشته‌ی بطلة النجف الشهیدة العلوية بنت‌الهدی، عراق، المجلس الاعلی للثورة الاسلامیه، ۱۴۰۴ قمری.

2. انیسی، فریبا؛ دختری از تبار هدایت، تهران، مرکز امور زنان و خانواده دفتر ریاست جمهوری، ۱۳۹۱ شمسی.

3. بقش، امل؛ وجع الصدر و من وراء الصدر ام جعفر، قم، اجتهاد، ۱۴۲۷ قمری.

4. بنت‌الهدی؛ صوت المرأة المسلمه، أختاه، مجله‌ی الاضواء، نجف، العدد ۱، ۱۵ ذی‌الحجه ۱۳۷۹ قمری.

5. جماعة العلماء؛ مجله الاضواء، شماره‌های ۱ تا ۳۴، از ذی‌الحجه ۱۳۷۹ تا شوال ۱۳۸۱ قمری.

6. الحسّون، محمد و مشکور، ام علی؛ اعلام النساء المؤمنات، تهران، اسوه، ۱۴۲۱ قمری.

7. خفاجی، جاسب؛ نشریه الایمان النجفیه، (قابل دسترسی در: uokufa.edu.iq).

8. شهیدی، عبدالحسین؛ بنت‌الهدی، دائرةالمعارف تشیع، تهران، نشر شهید سعید محبی، ۱۳۸۳ شمسی.

9. صدر، آمنه (بنت‌الهدی)؛ المجموعة القصصیة الکاملة، بیروت، دارالتعارف، دون تاريخ (دون تاريخ).

10. العاملی، محمد عبدالله ابوزید؛ الشهید محمد باقر الصدر: السیرة و المسیرة، بیروت، العارف، ۱۴۲۸ قمری.

11. قصص بنت‌الهدی، serage.net

12. نعمانی، محمدرضا؛ الشهید الصدر سنوات المحنه و ایام الحصار، قم، العلمیه، ۱۴۱۷ قمری.

13. الشهیده بنت الهدی، سیرتها و مسيرتها، قم، اسماعیلیان، ۱۴۲۰ قمری.

14. یعقوبی، موسی؛ نشریه الایمان النجفیه، www.nosiriaelc.com

مصاحبه

۱. تبریزیان، ام‌عباس؛ مصاحبه حضوری، مشهد، مؤسسه علمی – تحقیقی مکتب نرجس، مرداد ۱۳۹۷.

۲. حیدری، ام‌معن؛ مصاحبه حضوری، مشهد، مؤسسه علمی – تحقیقی مکتب نرجس، مهر ۱۳۹۷.

۳. حیدری، مکارم (ام‌کوثر)؛ مصاحبه تلفنی، مشهد، مؤسسه علمی – تحقیقی مکتب نرجس، شهریور ۱۳۹۷.

۴. علاق، ام‌احمد؛ مصاحبه حضوری، مشهد، مؤسسه علمی – تحقیقی مکتب نرجس، شهریور ۱۳۹۷.

۵. نجفی، ام‌جنان؛ مصاحبه حضوری، مشهد، مؤسسه علمی – تحقیقی مکتب نرجس، مهر ۱۳۹۷.

۶. نعمانی، محمدرضا؛ مصاحبه تلفنی، مشهد، مؤسسه علمی – تحقیقی مکتب نرجس، آبان ۱۳۹۷.

۷. یادآور، ام‌عمار؛ مصاحبه حضوری، مشهد، مؤسسه علمی – تحقیقی مکتب نرجس، شهریور ۱۳۹۷.

[1] شجرة نسب بنت الهدى(عاملی، 1428هـ، ج1، ص5و6).

[2] أم جنان النجفي، ابنة المرحوم حجة الإسلام الشيخ شبير النجفي الهندي من تلامذة وجيران الشهيد محمد باقر الصدر في النجف. كانت أم جنان تبلغ من العمر 19 عامًا وقت استشهاد الشهيد الصدر وبنت الهدى، ولديها معرفة وثيقة بهما بسبب الجوار. هاجرت مع عائلتها إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية هربًا من ظلم نظام البعث العراقي. هي امرأة ربة منزل، مؤمنة ومحتشمة، وقد ربّت بناتها تربية دينية، وكلتاهما حصلتا على دراسات عليا في العلوم الإسلامية.

[3] أم فرقان، تعرفت على بنت الهدى عن طريق أحد الجيران وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وتعلمت منها الدروس الدينية، وبفضل بنت الهدى تزوجت من شاب من طلبة العلوم الدينية ومن عائلة حكيم. قربها من الشهيد ازداد بهذا الزواج، حتى أصبحت من المداومين على زيارة منزل الشهيد الصدر ومن أسرار تلك السيدة. هي امرأة شجاعة جدًا. بعد الاعتقال الثالث للشهيد الصدر ونداء بنت الهدى في حرم أمير المؤمنين (ع)، قامت أم فرقان بتعبئة النساء وتنظيم تظاهرات احتجاجًا على اعتقال الشهيد الصدر والمطالبة بإطلاق سراحه، وكانت تزور منزل الشهيد خلال أشهر الحصار المتكررة وتوفر لهم بعض الاحتياجات قدر الإمكان. كانت ترتب لقاءات في حرم أمير المؤمنين (ع) مع بنت الهدى تنقل خلالها أخبار أتباع الشهيد الصدر. بعد استشهاد بنت الهدى وأخوها، هاجرت أم فرقان إلى إيران في سن العشرين، وكرست نفسها للدعوة، والإنشاد الديني لأهل البيت (ع)، وأسست وأدارت عدة مدارس علمية وحسينيات ومكتبات خاصة بالنساء. وهي الآن عضو وناطقة رسمية في مجلس الأعلى الإسلامي العراقي.

[4] أم عباس التبريزيان، تعرفت على بنت الهدى عن طريق زوجة أخيها، ودرست عندها لمدة عامين. كانت من جيران منزل الشهيد الصدر في الكوفة. زوجها دعا التجار إلى إغلاق محلاتهم احتجاجًا على اعتقال الشهيد الصدر، فاعتقلته سلطات البعث، وبعد العفو في عام 1358 هـ شُرّدت مع عائلتها إلى إيران. منذ ذلك الحين، انخرطت أم عباس في الدعوة الدينية والإنشاد لأهل البيت (ع). بعد زواج جميع أبنائها، تنظم دروسًا دينية للنساء في منزلها، وتختار من بينهن المعلمات من ذوات الخبرة التعليمية. هي والدة آية الله التبريزيان، والد الطب الإسلامي.

[5] أم أحمد علاق، كانت من تلميذات مدرسة الزهراء في كاظمين التي كانت بنت الهدى تشرف عليها، ودرست فيها لمدة عام واحد فقط في سن 14 عامًا قبل أن تُغلق المدرسة. هي الآن مؤسسة مدرسة عقيلة زينب وحسينية في كربلاء.

[6] أم عمار يادآور، ابنة حجة الإسلام يادآور، كانت تقيم في بيت والدها في بغداد أثناء فترة بنت الهدى وكانت طالبة محاسبة. بدافع من مبدأ ابنة الشهيد الصدر دُعيت إلى جلسات بنت الهدى في منزل مرام في كاظمين، وهذه هي الذكرى الوحيدة التي تحتفظ بها عن الشهيدة، حيث تحدثت فيها عن كيفية الحجاب الواجب. تعرضت أم عمار للاستجواب من قبل إدارة الأمن في بغداد لكنها لم تعترف بأي شيء بفضل نصائح أحد أصدقائها، وأُطلقت سراحها في النهاية. هاجرت مع عائلتها إلى إيران، ودرست في مدرسة آية الله آصفي في طهران والحوزة العلمية فاطمة الزهراء (س) الخاصة بالنساء العربيات في مشهد. تمارس منذ سنوات الإنشاد لأهل البيت (ع) وتدريس التفسير في جلسات منزلية. تزوجت في إيران من رجل تقي ولديها ثلاثة أولاد.

[7] أم معن حيدري، كانت من تلميذات مدرسة الزهراء في كاظمين ودرست فيها ثلاث سنوات، ثم شاركت في جلسات بنت الهدى وظلت على تواصل معها لمدة ثماني سنوات. بعد حصار منزل الشهيد الصدر، أصبح من المستحيل على بنت الهدى التنقل إلى كاظمين. كانت أم معن في كاظمين وقت استشهادها. هاجرت مع عائلتها إلى إيران، وهي امرأة ملتزمة بالحجاب وذات أخلاق فاضلة، وربّت أولادها على تعاليم الشهيدة بنت الهدى.

[8] أم كوثر حيدري، ابنة آية الله حيدري، مؤلف كتاب أصول الاستنباط. كانت تقيم في بيت والدها في كاظمين، ودرست في مدرسة الزهراء في كاظمين لمدة ثلاث سنوات، ثم أصبحت معلمة فاضلة بعد مطالعة مكثفة للكتب الدينية، وكانت قادرة على التدريس في المدارس العلمية. درّست لمدة عامين في مدرسة فاطمة الزهراء العلمية في مشهد، حيث كانت تدرس تربية الأطفال الإسلامية، والأخلاق، والتفسير. هي الآن ربة منزل ولديها ابنتان وعدة أحفاد، وزوجها حجة الإسلام أبو رائد حيدري من نواب آية الله السيستاني.

[9] سيد عماد الدين طباطبائي، سيد عز الدين حسن القبانچي، نوري محمد حسين طعمة، حسين كاظم جلوخان (عاملی‌، 1428‌ق، ج3، ص75‌)