ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نوآوریهای علامه شهید صدر در علم اصول به مثابه نظریه استنباط ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تُعدّ ابتكارات العلامة الشهيد صدر في علم الأصول كنظرية استنباط من الموضوعات المهمة في منهجية الفقه وفلسفة الفقه. تُظهر دراسة آثار الشهيد صدر الفقهية من منظور منهجي أنه نظم منهج الفقه في مرحلتين: «النظرية» و«التطبيق»؛ فالمقصود بالنظرية هو العناصر المشتركة، وبالتطبيق العناصر الخاصة في عمليات الاستنباط. فتحت إبداعاته وابتكاراته في مجال العناصر المشتركة آفاقًا جديدة في تحليل المسائل الفقهية، ويؤدي توضيح هذه الابتكارات إلى إعادة النظر في أبعاد رؤيته المنهجية. قدم الشهيد صدر لبناء مكانة العناصر المشتركة في الاستنباط الفقهي هيكلًا مبتكرًا ونظامًا محتوائيًا جديدًا، وتناول في البعد المحتوائي موضوعات مثل الحقيقة ومراتب الحكم، التضارب الحفظي، النسبة التحليلية في المعنى الحرفي، السيرة العقلائية، حساب الاحتمالات وحق الطاعة. يعتمد هذا المقال في مرحلة المعالجة على المنهج الوصفي-التحليلي، وفي جمع المعلومات على الطريقة المكتبية.
المؤلف: علی رحمانی، احمد مبلغی، مجتبی الهی خراسانی
المصدر: جستارهای فقهی و اصولی، ربيع 1402، العدد 30، ص 9 إلى 38.
المقدمة
لا توجد سوى مصادر مكتوبة وشفوية قليلة تتعلق بـ«منهجية الفقه». تختلف هذه المصادر في «حقيقة المنهجية» و«نطاق مسائلها». ويُظهر هذا الاختلاف أنه لم يتشكل تصور مشترك وموحد للمنهجية في أذهان الباحثين. يمكن النظر إلى المنهجية من منظورين: «فلسفة العلم» و«الإبستمولوجيا». إن ظهور مسائل ونتائج مختلفة في المنهجية هو نتيجة هذين النوعين من النظرات إلى مجال المنهج. إن تشابه المناقشات المنهجية في الفلسفات المضافة يمهد الطريق لانتقال المناقشات المماثلة من فلسفة العلم إلى فلسفة الفقه.
السيد محمد باقر صدر هو فقيه متتبع ومتأمل، ذو دراسات واسعة ومنظومة فكرية مترابطة (صدر، 1428هـ، 1/44؛ حکیم، 1428هـ، 134-35، 2/101؛ نعمانی، 1421هـ، 1/72-73). في فكره، يُعتبر علم الفقه للفقهاء مصدرًا للعديد من العلوم (صدر، 1434ق، 25-27). يمكن تتبع دراساته الفقهية في ثلاثة مجالات: الفقه الاستدلالي، الفقه النظري، والفقه الفتوي، وكل منها مصحوب بأعمال متنوعة. طرح الشهيد صدر منهج الفقه في مرحلتين: «النظرية» و«التطبيق». ونظرًا لتمييز مكونات المنهجية في ميادين الفقه ومراحله من وجهة نظر الشهيد صدر، يركز هذا المقال على منهجية الفقه الاستدلالي لديه، الذي هو من نوع المنهج المركب، ويحلل مبادئه وأبعاده ونتائجه.
النقطة المحورية في هذا التحليل هي الوصول إلى كيفية إثبات المسائل الفقهية في مرحلة النظرية، مع الاعتماد على ابتكارات الشهيد صدر في العناصر المشتركة. ويتطلب هذا المنظور تشكيل مسائل فقهية مختلفة وتغيرها في مدرسة صدر. ما معنى المنهجية، وبالتبعية المنهجية الفقهية، ما هي مكونات وأبعاد منهج الفقه عند الشهيد صدر، وما النتائج المختلفة التي تترتب على هذه المنهجية، كلها أسئلة سيتم الإجابة عليها في هذا المجال.
فيما يتعلق بمنهجية الشهيد صدر من منظور عام، كُتبت أعمال مثل «السيد محمد باقر الصدر، دراسة في المنهج» لنزيه الحسن و«منهج الشهيد محمد باقر الصدر في تجديد الفكر الإسلامي» لعبد الجبار الرفاعي، وكتب محمد الحسيني «المنهج الفقهي عند الإمام الشهيد الصدر» عن منهجيته الفقهية. في عمله، تناول الحسيني بشكل عام عناصر مثل العقل، العرف، مرجعية القرآن، ومكانة المعرفة البشرية في إدراك الموضوعات المستحدثة. ومع ذلك، لم يُلاحظ أي عمل يتعلق بمنهجية الفقه عند الشهيد صدر مع التركيز على رؤيته في مرحلة النظرية.
1. ماهية منهجية الفقه
المنهجية التي تُسمى في العربية «المنهجية» هي ترجمة[1]، وتُعتبر معرفة «الدرجة الثانية». المعرفة من الدرجة الأولى تتعلق بالواقع المادي أو الإنساني، أما موضوع المعرفة من الدرجة الثانية فهو العلم والمعرفة البشرية، سواء كانت هذه المعرفة من الدرجة الأولى أو الثانية (پارسانیا، 1383، 41). اعتبر بعضهم المنهجية علماً، وسمّوها «علم المناهج» (بدوی، 1977م، 7). لكن في آراء بوبر، لاكاتوش وفايرابند، ترتبط المنهجية ارتباطًا وثيقًا بـ«فلسفة العلم». ففي هذا السياق، تم بحث «الصراع مع المنهج» ضمن إطار «تفسير كيفية التكوين التاريخي للعلم» (حقی، 1381، 24-25).
تُعد فلسفة الفقه من الفلسفات المضافة والمعرفة من الدرجة الثانية، وهي في طور التكوين والتشكل (خسروپناه، 1385، 1/341). وقد قُدمت تعريفات مختلفة لهذه المعرفة. اعتبرها بعضهم مسائل عقلية قبل فقهية، ورآها كثيرون كلامية. واعتبرها آخرون مقولات تتعلق بالمبادئ التصورية والتصديقية، الغاية وتقسيمات الفقه. وسمى بعضهم دراسة الفرضيات المسبقة للفقه والاجتهاد بـ«فلسفة الفقه»، التي تبحث في نوعين من المسائل: النوع الأول يتعلق بالكلية الفقهية، مثل نطاق الفقه، علاقة الفقه بالزمان، أهداف الفقه، مصادر الفقه، منهجية الفقه، وعلاقة الفقه بالعلوم الأخرى؛ والنوع الثاني يتعلق بعملية الفقه والفقهاء، ويركز على كيفية عمل المجتهد، مثل العوامل المؤثرة في الاجتهاد، إبستمولوجيا الاجتهاد، وأسباب اختلاف الفقهاء (خسروپناه، 1385، 1/345-356، 2/115-116).
بعيدًا عن التقلّب الذي يُرى في هذه التعريفات، وعلى الرغم من أن غالب هذه التعريفات تتضمن منهجية الفقه، إلا أنه قد تمّ التغاضي عن نقطة مهمة جدًا وهي مقام الحكم على الفلسفات المضافة. فالفلسفة المضافة لا تهدف فقط إلى وصف أو تقرير ما يجري في العلم المضاف إليه وصفًا محضًا، كما أن تعريف التأمل بمعنى ماهية كل من العناوين أو التحليل بمعنى بيان الفرضيات وتأثيرها على مسائل العلم لا يمكن أن يكون وحده المقصود من الفلسفة المضافة، وفي المبحث الحاضر، فلسفة الفقه، بل إن النقد وقياس أبعاد ومسائل الفقه بهدف تحديد عقلانيتها من المنظور الفلسفي هو ما يستدعي الفيلسوف الفقهي. لذلك، فلسفة الفقه هي منهج عقلاني تجاه الفقه لتبيين وقياس أبعاده الوجودية والأنطولوجية. ومن هنا، في منهجية الفقه يُعالج أسلوب إثبات الأحكام الفقهية وطريقة الوصول إلى النتائج عبر هذه الأساليب.
فيما يتعلق بالعلاقة بين منهجية الفقه وأصول الفقه، هناك رأيان مطروحان. الرأي الأول يعتبر “نتيجة مباحث أصول الفقه” “جزءًا من منهج الفقه”. لذلك، لتحديد منهجية الفقه، يُؤكّد على ما ثبت حجّيته. وربما يمكن نسب هذا الرأي إلى شهيد صدر (الصدر، 1421هـ، 22-36؛ الصدر، 1434هـ، 78).
أما الرأي الثاني، فيعتبر أصول الفقه مؤثرًا في الاستنباط الفقهي، لكن منهج الفقه يُبحث عنه في دراسة تجارب الفقهاء. عبد الهادي الفضلي يرى أن مجموعة القواعد الأصولية، الفقهية، الحديثية، الرجالية، الأدبية، التفسيرية، تاريخ الفقه والقرائن المؤثرة في فهم النصوص الشرعية تشكل مادة الفقه، لكن هناك فرقًا بين هذه المادة ومنهج الفقه. وهو في سعيه لاكتشاف هذا المنهج، استخلص مراحل وعملية من الجهد العلمي لفقهاء الإمامية تبدأ بمواجهة الموضوع، وتنتهي عبر الانتباه إلى مراتب الأدلة إلى كيفية الاستفادة من قواعد العلوم المختلفة في الفقه (فضلی، 1412هـ، 96).
بالنظر إلى الرأيين السابقين، يجب الإجابة على سؤال مهم: هل علم أصول الفقه هو ذاته منهج الفقه ومنهجية الفقه أم أنهما حقائق مختلفة؟ يبدو أنه إذا نظرنا إلى منهج الفقه في مرحلة البحث مع مراعاة عملية التحقيق في المسألة، تتشكل قضايا وصفية تُسمى منهج البحث الفقهي، وفيها يظهر “المهارة” أكثر من تحقق مفهوم “العلم”، وإذا دققنا فيها من منظور فلسفي تُسمى منهجية الفقه؛ أما أصول الفقه، بسبب قياس صحة الأدلة الفعالة في الفقه، فهي ليست منهج البحث الفقهي ولا منهجية الفقه. لذلك، مع قبول اختلاف هذه الثلاثة، لا يمكن الموافقة على الرأي الذي يساوي بينها.
يتابع شهيد صدر عملية استنباط الحكم الشرعي، التي تُعدّ مهمة الفقيه، في مرحلتين. في المرحلة الأولى التي تدخل فيها العناصر المشتركة في الاستنباط، يسميها “مرحلة النظرية” ويعتبر علم الأصول مسؤولًا عنها. وفي المرحلة الثانية يطرح تدخل العناصر الخاصة، ويسميها “التطبيق” ويعرّف علم الفقه كمزود لموادها. في رأي شهيد صدر، دمج هاتين المرحلتين يُتمّم “عملية الاستنباط”. وبناءً عليه، لا يوجد عامل مؤثر آخر في ميدان الفقه سوى هاتين المجموعتين من العناصر (الصدر، 1421هـ، 22-36؛ الصدر، 1434ق، 78؛ الصدر، 1417هـ، دروس فی علم الاصول، 1/146).
2. اعتماد منهج الفقه على مرحلة النظرية
منهجية الفقه عند شهيد صدر هي منهج مركب يتألف من مرحلتي النظرية والتطبيق. في مرحلة النظرية، يدرس كيف تؤثر العناصر المشتركة على الاستنباط الفقهي (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 1/31-34) في ضوء النظام البنيوي والمحتوى. الاستنباط الفقهي لا يستفيد من كل المسائل المطروحة في علم الأصول. مسائل هذا العلم من حيث التطبيق في الفقه أثرت أكثر على مرحلة النظرية مقارنةً بالتطبيق. لذلك، فإن معرفة هذه المرحلة وتأثيرها في منهج الفقه مشروطة بالاطلاع على النظام البنيوي والمحتوى المقترح من قبل شهيد صدر.
3. التحليل والابتكار في بنية العناصر المشتركة للفقه
المقصود بالبنية هو العناصر والتركيبات التي يُعرض فيها محتوى العلم ضمن هذا الإطار. لكل من هذه العناصر والأجزاء دور ووظيفة متصورة تبرر وجود هذا العنصر في البنية. على سبيل المثال، الذين يعطون قيمة ومكانة للنظرية والمنهج المبني على تنظيم العلم، يرونها جزءًا من بنية العلم ويعتبرونها من مكوناته، في حين أن المؤمنين بعدم تنظيم العلم ينكرون هذه الصورة للعلم (حقی، 1381، 24-26، 35).
عرف الشهيد صدر العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي؛ واعتبرها دليلاً على الحكم الشرعي الكلي (الصدر، 1417ق، بحوث فی علم الاصول، 1/31). يمكن دراسة العناصر المشتركة من منظورين: أولاً، باعتبار نوع الدلالة وعموميتها التي تصاحب صورة تجريدية من الفقه ونظرة منهجية؛ وثانياً، تطبيق وتوسيط هذه العناصر في الفقه. من هذه المرحلة يُستخلص مفهومان «تجريدي» و«تطبيقي» يشكلان معيار تشكيل البنية من منظوره. «المعيار التجريدي» بالنظر إلى علم الأصول، دون مراعاة تطبيقه على الفقه، يُعتبر أول بنية مقترحة، و«المعيار التطبيقي» مع مراعاة استفادة الباحثين الفقهية، يُعد البنية الثانية المقترحة. بعد وصف الرأي الشائع بناءً على تقرير تحقيق الخوئي من بنية علم الأصول وبيان المآخذ الموجهة إليه، يعرض الشهيد صدر رأيه الخاص (الصدر، 1428هـ، 1/56-57؛ الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 1/54-67).
أ. البنية التجريدية لعلم الأصول
مسائل الأصول باعتبارها أدلة مشتركة في الاستدلال الفقهي متنوعة. هذا التنوع يتعلق بنوع الدلالة ونوع الدليل. المراد بنوع الدلالة هو كونها لفظية، عقلية أو شرعية، فإذا كانت مكشوفة من الواقع تُسمى علامة، وإلا فهي أصل. والمراد بنوع الدليل هو ارتباطه وصدوره من الشارع ونوعه من حيث السببية، العلمية، الإلزامية أو الواجب الشرعي. هذان الاعتباران مرتبطان بالأصل الموضوعي لحجية القطع واعتبار تدخلهما في استنباط الحكم الشرعي، ويعتمدان على افتراضات حول الحكم الشرعي، حقيقته وتقسيمه إلى واقعي، ظاهري، تكليفي، وضعي… (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 1/57). يرى الشهيد صدر أنه يمكن التوصل إلى بنيتين لعلم الأصول بعد بيان تمهيدات حول هذه المسائل السابقة. البنية الأولى تعتمد على التقسيم من حيث نوع الدلالة. في هذا التقسيم، يُعتبر نوع الدلالة من حيث اللفظي والعقلي والتعبدي محور تصنيف مسائل الأصول، وهي كما يلي:
1. مسائل الألفاظ التي تتضمن الدلالة اللفظية وكيفية تمييز الظواهر اللغوية والعرفية؛
2. مسائل الاستلزام العقلي التي تتضمن الدلالة العقلية البرهانية غير الاستقرائية. وتنقسم هذه المسائل إلى نوعين:
العقليات غير المستقلة: قواعد عقلية تُضاف إلى مقدمة شرعية تؤدي إلى استنباط الحكم الشرعي؛
العقليات المستقلة: قواعد تحتوي على حكم شرعي دون الحاجة إلى إضافة مقدمة شرعية. قاعدة ملازمة حكم العقل وحكم الشرع للحسن والقبح التي تبدأ بحكم العقل ثم تبيّن قاعدة الملازمة تُعد من عناوين هذا القسم؛
3. مسائل الدليل الاستقرائي: تتناول الإجماع، السيرة، والخبر المتواتر، وتُبنى دلالتها على حساب الاحتمالات والاستقراء؛
4. الحجج الشرعية: تتناول الأدلة التي ثبتت دلالتها بالجعل الشرعي، وتشمل هذه الأدلة الأمارات والأصول العملية؛
5. الأصول العملية العقلية: قواعد يحدد العقل بها في حالة الشك في الحكم الشرعي في حالات الشك الأولي أو المقرون بالعلم الإجمالي، بين المتباينين أو الأقل والأكثر؛
6. تعارض الأدلة: في الختام، يُعرض نظرًا لتضاد الأدلة ويشمل أحكام التعارض (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 1/57-59).
ب. البنية التطبيقية لعلم الأصول
البنية الثانية التي يقترحها الشهيد صدر تعتمد على نوع الدليل (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 1/5961). وقد درس الأدلة الشرعية في ثلاثة اتجاهات وفق التقسيم التالي:
1. تحديد دلالة الدليل الشرعي؛
2. إثبات الصغرى؛ أي صدور الدليل من الشارع؛
3. حجية هذه الأدلة.
في الاتجاه الأول، يُميز بين الدليل الشرعي اللفظي وغير اللفظي (الفعل والتقرير). بالنسبة للدليل اللفظي، توجد مقدمة تتضمن مسائل الوضع، الهيئات، الدلالة اللغوية والمجازية. تحت الدليل اللفظي الشرعي، تُعرض الضوابط العامة للأدلة مثل صيغة الأمر، النهي، مادتها، الإطلاق، العموم، المفاهيم. أما في مدلول الفعل والتقرير، فيُذكر من خلال الضوابط العامة مثل الظهور العرفي أو القرينة العقلية الناشئة عن عصمة الشارع. في الاتجاه الثاني، يُعرض إثبات التواتر، الشهرة، الإجماع، والخبر الواحد. في الاتجاه الثالث، تُطرح هذه المسائل: حجية الدلالة، جواز الاعتماد على ظهور الكتاب والسنة، الأدلة الأخرى المرتبطة بالأقوال، وكذلك تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقة.
المباحث المتعلقة بالدليل العقلي تشمل كل قضية عقلية يمكن من خلالها استنباط الحكم الشرعي بوساطة أو بدونها. العقليات المستقلة، غير المستقلة، الملازمات والاقتضائات من أمثلة هذا النوع من الدليل. من حيث الصغرى، يتناول البحث صحة القضية العقلية ودرجة تصديق العقل لها، ومن حيث الكبرى، يشمل حجية إدراك العقل في مقام استنباط الحكم الشرعي.
ينطلق بحث الأصول العملية من مباحث عامة في الأصول، مثل لسان الأصول، والفرق بينها وبين الأدلة، ومدى إثبات وعدم إثبات مدلول الالتزام بواسطة الأصول، ثم يستمر في بيان الواجب المقرر في الشبهة غير المقترنة بالعلم الإجمالي، مثل البراءة والاستصحاب، وبعد ذلك يتناول الشبهة المقترنة بالعلم الإجمالي، وينتهي إلى الأقل والأكثر. وفي نهاية هذا البناء، يقع تعارض الأدلة وأقسامه وأحكامه.
ج. مقارنة بين البناء التجريدي والبناء المقارن
يقارن الشهيد الصدر بين هذين النوعين من التقسيم ويذكر لهما فروقًا. ويعتبر التقسيم الثاني أسلوبًا تقليديًا في دروس الأصول. ففي هذا التقسيم، يُبحث في حجية الخبر الواحد تحت عنوان السنة باعتبارها عارضًا لها، أي ما يُثبِت الدليل الشرعي، أما التقسيم الأول فيراه أكثر توافقًا مع الأسلوب الجديد في دروس الأصول. ومن الفروق الأخرى، تمتع التقسيم الثاني بتقسيم مجموعي واجتماع أنواع مختلفة من الأدلة المتوافقة مع الاستدلال الفقهي. فالقواعد العامة الأصولية للدليل اللفظي، مثل البحث في الأوامر والنواهي في مرحلة التطبيق، لا تُعتبر منفصلة عن القواعد الأصولية المتدخلة في إثبات السند، مثل حجية الخبر الواحد، والإجماع، والتواتر، والسيرة؛ لأن الفقيه عند استنباط الحكم من الدليل اللفظي يولي اهتمامًا متزامنًا للدلالة والسند ويطبق القواعد المتوافقة مع كل منهما. وفي التقسيم الثاني، يُراعى هذا الجانب وتُجمع هذه القواعد تحت الدليل الشرعي مع النظر إلى مرحلة التطبيق والاستدلال الفقهي، بينما في التقسيم الأول، تُفصل مباحث الظواهر والألفاظ عن حجية الخبر الواحد وحتى عن حجية الظهور، مع أن الظهور وحجيته في مرحلة الاستناد عنصران ملازمان في الاستدلال الفقهي.
أما التقسيم الأول، الذي يُنظم على أساس نوع الدليلة، فيعود إلى تجميع قواعد من نفس النوع اللفظي والعقلي والبرهاني والاستقرائي والتعبدي في إطار مستقل. هذا الأسلوب في بحث دليلة كل صنف يُسهل إطارها ومنهجها وضوابطها العامة التي تُعد علامة مشتركة للقواعد الأصولية. على سبيل المثال، تتيح أدلة الاستقرائي إمكانية البحث في أصل الاستقراء، كما أُتيحت في حجج الشرع مجال الحديث عن أصل حجية التعبد وتحليله. وبهذا الشكل، يُبحث المنهج والمنطق الحاكم على كل صنف، في حين أن شروط البحث عنها بهذا المستوى غير ممكنة في التقسيم الثاني، لأن القاعدة التي تتمتع بدلالة لفظية واستقرائية وتعبدية وتشارك في الاستدلال الفقهي عبر دليل واحد وُضعت في صنف واحد (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 1/61).
4. التحليل والابتكار في محتوى العناصر المشتركة
إلى جانب إبداء آراء مختلفة في بناء علم الأصول، أحدث الشهيد الصدر ابتكارات في النظام المضموني لهذا العلم على مستوى المفاهيم والمسائل والعلاقات بين المسائل وكذلك النظريات. تُعد العناصر المشتركة، والعناصر الخاصة، ومنطق الفقه، والنظرية والتطبيق، والواقع العموم، والقرن الأكيد، والنسبة التحليلية بمعنى حرفي، والنسبة الإرسالية بمعنى هيئة الأمر، وحق الطاعة، والتزاحم الحفظي، والتحفظ، وحساب الاحتمالات، والاستقراء، وغيرها من مكونات النظام الفكري الأصولي الجديد لديه. إن ضم هذه المكونات إلى العناصر المتداولة الأخرى يؤدي إلى ظهور نظام مضموني متميز في نظر الشهيد الصدر. إن التطور المضموني لعلم الأصول، بالإضافة إلى اتساع هذا العلم وعلاقاته بين المسائل، يؤثر إجمالًا على تحليل القضايا الفقهية. وفي هذا السياق، يُحلل جانب من النظام المضموني لفكر الشهيد الصدر في علم الأصول وتأثيره على منهجه الفقهي. تُعرض هذه الجوانب في فرعين: «النظريات» و«الآراء» الأصولية. والفرق بين النظريات والآراء الأصولية هو أن النظريات مسائل عامة تأسيسية، بينما الآراء هي نتائج اختياره مقابل اختيارات الآخرين.
العامل المهم الذي يستوجب الانتباه إليه في المنهجية الفقهية للشهيد الصدر هو بناء النظريات. يتم التحليل المنهجي للنظريات الأصولية بالاعتماد على «الهيكل المقارن». هذا الهيكل، نظرًا لمحورية الأدلة في إثبات الحكم الشرعي، يتسم بأسلوب تنظيم وتقديم مختلف، ويركز أكثر على تطبيق مسائل الأصول في الاستنباط الفقهي. وبالنظر إلى اتساع نظريات الشهيد الصدر الأصولية، يتم تحليل أهمها التي تؤثر أكثر على المنهجية الفقهية. هذه النظريات هي: «حقيقة ومراتب الحكم الشرعي»، «تزاحم حفظي»، «حق الطاعة ومنجزية الانكشاف»، «النسبة التحليلية في المعنى الحرفي»، «تنوين تنكير وتمكين»، «دلالة السيرة» وغيرها… وفقًا للهيكل المقارن، تُقسم هذه النظريات إلى خمسة أقسام: النظريات المتعلقة بالحكم الشرعي، النظريات المتعلقة بالأدلة، النظريات المرتبطة بالدليل الشرعي اللفظي، النظريات المتعلقة بالدليل الشرعي غير اللفظي، وكذلك النظريات المطروحة في باب الأصول العملية.
أ. حقيقة ومراتب الحكم الشرعي
تُعدُّ مباحث الحكم الشرعي من مبادئ الأحكام (النائینی، 1438هـ، 1/27). فمبادئ الأحكام إلى جانب المبادئ التصورية والتصدقية، هي من المبادئ الثلاثة لعلم الأصول (الخمینی، 1418هـ، 1/51). وقد عرّف هذا المصطلح بأنه دراسة الأحكام المنسوبة إلى الشارع (السبزواری، د.ت.، 1/9) أو معرفة الأحكام الشرعية. وقد اعتُبر تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي، وتضاد الأحكام التكليفية، وانتزاع أو استقلال الأحكام الوضعية (البجنوردی، د.ت.، 1/28)، ومقدمة الواجب، والنهي عن الضد، وكذلك اجتماع الأمر والنهي من مبادئ الأحكام (النائینی، 1352، 1/8). وقد قُدمت دراسة الحكم الشرعي، حالاته وعوارضه في كتب الأصوليين حسب الموضوعات في فصول مختلفة (البجنوردی، د.ت.، 1/28). أما الشهيد الصدر فقد طرحها بشكل مستقل وكمبحث سابق. وهذه الرؤية، بالاعتماد على الهيكل المقارن، نظمت أقسام الحكم الشرعي بحسب حقيقته إلى أقسام واقعية، ظاهرية، تكليفية، وضعية وغيرها (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 1/57). وقد ذُكرت حقيقة الحكم الشرعي في عبارات الأصوليين المتأخرين تبعًا لبيان مراتب الحكم. والعلاقة بين هذه المراتب والحكم هي علاقة مبادئ أو مقدمات ومقومات.
يُعدّ آخوند خراساني أول من بيّن مراتب الحكم في قالب مبادئ بشكل منقح. ومن وجهة نظره، للحكم أربع مراتب هي: «الاقتضاء»، «الإنشاء»، «الفعليّة» و«التنجز» (الخراسانی، 1410هـ، 71؛ الخراسانی، 1407ق، 81).
بعد آخوند خراساني، تعرضت المراتب المذكورة وحقيقة الحكم للنقض والإبرام من قبل أصوليين آخرين. فبعضهم قبل المراتب الثلاثة (الاصفهانی، 1429هـ، 3/27) واعتبر «الإنشاء بداعي البعث والتحريك» أو «الإنشاء بداعي جعل الداعي» حقيقة الحكم (الاصفهانی، 1429هـ، 3/88). وآخرون حصروا مراتب الحكم في الإنشاء والفعليّة فقط (النائینی، 1352، 1/127؛ الخمینی، 1382، 1/241؛ الخویی، 1422، 1/49) واعتبروا حقيقة الحكم هي نفس «البعث والزجر» (الخمینی، 1415هـ، 2/353) أو «الاعتبار» (النائینی، 1352، 4/384؛ الخویی، 1422ق، 1/71، 2/92).
أما الشهيد الصدر فقد طرح مراتب الحكم في مرحلتين: «الثبوت» و«الإثبات». وقسم مرحلة الثبوت إلى ثلاثة أقسام: الملاك، الإرادة، والاعتبار. واعتبر الملاك مقياس المصلحة والمفسدة، ورآه العامل في بروز الإرادة المناسبة مع المصلحة والمفسدة المدركة. وهو يعتقد أن الشارع بنى إرادته في قالب اعتباري مزيف، ويحدد الفعل الحاصل على الملاك على عاتق المكلف. ومن بين المراتب الثلاثة المذكورة، لا يعتبر مرتبة الاعتبار عنصرًا ضروريًا في هذه المرحلة، وبالنظر إلى استفادة المشرعين والعقلاء من الاعتبار لتنظيم القوانين، يرى الشارع أيضًا مستندًا إلى هذا الأسلوب. ويعدّ مرحلة الإثبات ذات المرتبة الوحيدة التي تتمثل في التعبير بصيغة جملة إنشائية أو إخبارية (الصدر، 1417هـ، دروس فی علم الاصول، 2/162-163). وفي موضع آخر استخدم بدلًا من مصطلح «الاعتبار» كلمة «الجعل»، واعتبرها أحيانًا مجرد إظهار للملاك والإرادة، وأحيانًا حسب ظاهر الدليل الذي يثبت الجعل، اعتبرها دافعًا للبعث والتحريك. وبعد هذه المرتبة أضاف «الإدانة» بمعنى المسؤولية و«التنجز»، وكذلك استحقاق العقاب كمرتبة رابعة إلى المراتب السابقة (الصدر، 1417هـ، دروس فی علم الاصول، 3/205).
من وجهة نظر الشهيد الصدر، الحكم الشرعي هو «تشريع صادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان» (الصدر، 1417ق دروس فی علم الاصول، 2/162). وعبارة «التشريع الصادر من الله تعالى» التي تُعتبر فعلًا إلهيًا، تتوافق مع «الجعل والاعتبار». وقد رافق اختيار الجعل والاعتبار كحقيقة الحكم تصريح بعض تلامذته (الصدر، 1428هـ، 4/202). ومع ذلك، فقد عرّف «الملاك والإرادة» كحقيقة وروح الحكم (الصدر، 1417هـ، دروس فی علم الاصول، 2/162)، وفي الدورة الثانية من دروس الخارج في الأصول، اعتبر الإرادة المبرزة حقيقة الحكم (الصدر، 1417ق، بحوث فی علم الاصول، 2/191-192). وقد استخدم الشهيد الصدر في مباحث مختلفة هذين التفسيرين لتبيين المسائل؛ مثل تضاد الأحكام التكليفية (الصدر، 1417هـ، دروس فی علم الاصول، 2/164)، تعريف الواجب النفسي وغيره (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 2/225)، الواجب المشروط (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 2/187)، استحالة التكليف بالغير الممكن (الصدر، دروس فی علم الاصول، 1417هـ 3/205)، النهي عن الضد (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 2/318)، اجتماع الأمر والنهي (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 3/39)، الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 4/194)، والاستصحاب التعليقي (الصدر، 1428هـ، مباحث الاصول، 5/404).
وقد ذُكر مثال لتطبيق هذه النظرية في الفقه تحت مسألة «إثبات النجاسة وحرمة الخمر» في قالب الاستصحاب التعليقي «حرمة عصير العنب بعد الغليان، بعد الشك في حرمة عصير الزبيب المغلي» (الصدر، 1391، 3/426). وفي مقام نقد اعتراض المحقق العراقي على رأي المحقق النائيني في نفى الاستصحاب التعليقي، مع قبول مبدأ استحالة تفريق الجعل عن المجعول، لم يرِ الشهيد الصدر هذا الاعتراض قابلًا للحمل على رأي المحقق النائيني. وبقبوله إحالة الاستصحاب التعليقي إلى حقيقة الحكم وعودة هذه المسألة إلى المبادئ المطروحة في «إمكان الواجب المشروط»، وبناءً على «الوجود اللفظي» الذي هو مصحح الواجب المشروط (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 2/187-195)، اعتبر المجعول حملًا شائعًا، وهو نفس الجعل.
به هذا الشكل فإن نسبة المزوَّر إلى التزوير، هي نسبة الموجود إلى الإيجاد. لذلك، يقوم الشارع بوضع الحكم مع مراعاة الموضوع وأجزائه وقيوده، لأن «حقيقة الحكم» التي هي «إرادة وصفة نفسية» تتوافق مع شيء من جنسها، وهو في هذه المرحلة «مراعاة الموضوع». في هذا المقام، المزوَّر بالذات ليس إلا نفس التزوير. ونتيجة لذلك، فإن استدلال المحقق النائيني بعدم فعليّة المزوَّر ليس بلا وجه. وهكذا، التزوير فعلٌ ولا شك في بقائه، وما هو مشكوك فيه هو بقاء حكم التحريم بالنسبة للذبيب بعد الغليان، والذي يعود الشك فيه إلى التزوير الزائد، ولكن إذا كان المزوَّر وصفًا موضوعيًا خارجيًا، فلا يتحقق فعليًا حتى يتحقق الموضوع بكل أجزائه في الخارج ليكون قابلاً للاستصحاب (الصدر، 1417هـ، بحوث فی علم الاصول، 6/286).
ب. تزاحم حفظي
يعرف الشهيد صدر «التزاحم الحفظي» بأنه حينما يصل الغرض إلى درجة من الأهمية بحيث يكون الحفاظ عليه في حالات الخطأ أوجب من غرض آخر، يقوم الشارع بتوسيع دائرة التحريك لتحقيق ذلك (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/205). وقد قدم هذا الرأي في مبحث «الجمع بين الحكم الحقيقي والظاهري». هذا الموضوع مرتبط بحقيقة الحكم الشرعي، المزوَّر في الأمارات والأصول، إيجابيات الأمارات والأصول، التنافي بين الأحكام الظاهرية، كونه أمارة أو أصلاً للاستصحاب، وغيرها (الصدر، دروس فی علم الاصول، 1417هـ، 3/15-26). وقد ذكر الأصوليون بعد وحيد بهبهاني هذا في مبحث «إمكانية التعبد بالظن». في مقابل نموذج إمكانية التعبد، واجه المنكرون التزوير الحكم الظاهري بنقائص من خلال ذكر فئتين من المحذورات، وهما: «مخالفة تزوير الحكم الظاهري للحكم العقلي» و«عدم توافقه مع الحكم الشرعي الحقيقي». وقد بيّنت الفئة الثانية من هذه الاعتراضات في ثلاث مسائل وعلى مستويين من مدركات العقل النظري والعملي (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/185-189). وفي مقام الرد على هذه المحذورات، عرض الشهيد صدر نظرية «التزاحم الحفظي». وقد تم تقريب هذه النظرية بذكر ثلاثة مقدمات:
1. إذا بلغ الغرض درجة من الأهمية بحيث لا يرضى المولى بتفويت ذلك، فإنه يوسع دائرة تحريك الغرض لتكون أوسع من موضوع الغرض الحقيقي. على سبيل المثال، إذا تعلق الغرض التكويني بإكرام زيد وكان هذا الشخص محتارًا بين عشرة أشخاص، وفي حين أن المولى غير راضٍ بفقدان الغرض، فإنه بلا شك يحرك في دائرة أوسع لإكرام جميع هؤلاء الأشخاص، حتى يتحقق الغرض. هذا التوسع أمر وجداني يسميه الشهيد صدر توسعة التحريك وفاعلية الغرض والإرادة.
2. من وجهة نظر الشهيد صدر، التزاحم ثلاثة أنواع:
تزاحم ملاكي: عندما يوجد معياران في موضوع واحد، أحدهما يستلزم المحبوبة والآخر يستلزم المكروهة، يحدث هذا النوع من التزاحم؛
تزاحم امتثالي: عندما يوجد معياران في موضوعين وفعلين مختلفين، وبسبب التضاد وعدم القدرة على الجمع بينهما في مقام الامتثال، يحدث التزاحم الامتثالي؛
تزاحم حفظي: هذا النوع من التزاحم يظهر في مقام حفظ التشريع وفي حالات الخطأ وخلط الأغراض الإلزامية والترخيصية أو الوجوبية والتحريمية. في هذه الحالات، يكون الغرض المولوي مقتضيًا لحفظ المولوي وتوسيع دائرة التحريك للحفاظ على ذلك الغرض. وإذا كان هناك غرض آخر في هذه الحالات، فلا شك أن التزاحم بين الغرضين الحقيقيين في مقام الحفظ سيحدث، لأن توسيع دائرة التحريك بالنسبة لكليهما معًا غير ممكن. لذلك، يختار الشارع الأهم منهما. التزاحم بين غرضين لا يكون بناءً على تأثيرهما في إيجاد الحب والكراهية أو الإلزام الحقيقي، لأنهما يتعلقان بموضوعين متعددين حقيقيين ويمكن الجمع بينهما، بل يكون بناءً على تأثيرهما في توسيع دائرة التحريك وحفظ التشريع لكل منهما بشكل مناسب؛
3. الترخيص يكون على نوعين: أحيانًا ينشأ من عدم مقتضى إلزامي وأحيانًا من مقتضى الإباحة والحرية المطلقة (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/201-205).
وقد تم تطبيق نموذج هذه النظرية في الفقه تحت موضوع طهارة الماء المضاف. لإثبات طهارة الماء المضاف مثل عصير الرمان، استُدل لفظيًا، لبياً، بالاستصحاب وأصل الطهارة. تطبيق النظرية في أصل الطهارة هو أن المولى جعل الطهارة الواقعية لغرض الإمتنان على العباد. في حالة الشك في طهارة أو نجاسة عصير الرمان، مع جعل أصل الطهارة، توسعت دائرة التحريك من الطهارة القطعية إلى الطهارة المشكوك فيها، بحيث حفظ الغرض الأهم وهو الطهارة الواقعية، وتُرك الغرض من النجاسة ووجوب الاجتناب عنها (الصدر، بحوث فی شرح العروه الوثقی، 1417هـ، 2/210-212).
ج. حقالطاعة ومنجزية الانكشاف
«نظرية حق الطاعة» مسألة كلامية استخدمها الشهيد صدر ككبيرة قياسية تثبت المنجزية والمعذرة بالقطع. هذه الكبرى التي هي «مولوية المولى ووجوب الطاعة له» مع ضميمة القطع إلى التكليف كصغرى للقياس، تعطي النتيجة المذكورة. خلاصة هذا الرأي أن الشهيد صدر يبتعد عن الأصوليين في الاستفادة من قبح الظلم لإثبات المنجزية والمعذرة. فهو يوافقهم فقط في إثبات استحقاق المثوبة والعقوبة، مع مراعاة المرتكزات الموجودة في الأذهان وإعطاء بعض الاهتمام للمعارضين لهذا الحق (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/28).
تناول الأصوليون في الاستدلال على حجية القطع بمعنى الإلزام والاعتذار موضوع “عدل” العمل به و”ظلم” مخالفة ذلك. وبناءً عليه، اعتُبرت حجية القطع من صغريات قاعدة “حسن العدل وقبح الظلم”، حيث وُصف فاعل العدل بأنه مستحق للمثوبة وفاعل الظلم بأنه مستحق للعقوبة. وبناءً على ذلك، اختلفت أسس حجية القطع من الناحية العقلية أو العقلائية بالنظر إلى المبادئ المطروحة في هذه القاعدة. يرى الشهيد الصدر أن الاستدلال على القاعدة المذكورة لإثبات استحقاق المثوبة والعقوبة غير منهجي، ومن الناحية المنهجية، فإن الاستفادة منها لإثبات الإلزام والاعتذار غير صحيحة، لأن موضوع قبح الظلم يتضمن سلب الحق من صاحب الحق. وبناءً عليه، يجب إثبات “حق الآمر على المأمور” في مرتبة سابقة حتى يتحقق الظلم بسلبه. فإذا ثبت بحق الطاعة والولاية بواسطة قاعدة قبح الظلم، فإن ذلك يؤدي إلى حلقة مفرغة، وإذا استُدل على الإلزام والاعتذار بهذه القاعدة بعد ثبوت الحق، فسيكون الكلام زائدًا (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/28). وقد قسم الشهيد الصدر الولاية وحق الطاعة إلى ثلاث فئات: “ذاتي”، و”مجعول من طرف الولي الحقيقي”، و”مجعول من ناحية العقلاء”. ونسب الولاية الذاتية إلى الله تعالى، والمجعولة من طرفه إلى النبي والولي، واعتبر الولاية والسلطات الاجتماعية من النوع الثالث (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417ق، 4/28-29).
تحليل علاقة القطع بحق الولاية في رؤية الشهيد الصدر يظهر أنه اعتبر القطع، بالنظر إلى وجدانيته لدى القاطع، كصغرى للولاية الذاتية. ويرى أن الولاية الذاتية والحقيقية في حالات القطع بديهية، ومن خلالها يحدد القدر المتيقن من حدود الولاية، بمعنى أن اكتمال درجة الكشف بالنسبة لحكم الولي لا يؤدي إلى رفع الولاية أو تقليلها. وهذه النظرة تشكل أساسًا لإثبات الولاية في حالات الظن والاحتمال وحتى الوهم. وبناءً على هذا الأساس، أنكر الشهيد الصدر قاعدة “قبح العقاب بلا بيان” في الشبهات البدائية (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/29). ويُعد حق الطاعة والولاية بتحقق كل مرتبة من مراتب الانكشاف عاملاً في إتمام الأحكام، وفي نظر الشهيد الصدر، يحدد استحقاق المثوبة والعقوبة. وهذه النظرية مؤثرة في مناقشات متنوعة مثل العلم الإجمالي، التجري، الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، الحكم، الأصل في البراءة، والأصل في الاحتياط. وعلى الرغم من أن الاعتقاد بحق الطاعة يعود إلى ما قبل الشهيد الصدر، إلا أنه لا شك في أن تنظيم المناقشات، والتبرير البرهاني، وذكر الآثار واللوازم تم على يده. وقد طبق هذه النظرية في مبحث “عدم اعتبار العلم الوسواسي بالطهارة والنجاسة” (الصدر، بحوث فی شرح العروه الوثقی، 1417هـ، 4/92-94).
د. النسبة التحليلية بمعنى حرفي
يرى الشهيد الصدر أن التركيز على اختلاف مجال بحث “اللفظي اللغوي” عما طرحه الأصوليون في قالب المعنى الحرفي، وتحديد القواعد للخروج من الشك في حالة الشك في المعنى الحرفي، يقلل من وظيفة هذا العلم. ومن وجهة نظره، فإن الأصوليين بدخولهم في واقع مدلول الحرفي وتقديم تفسيرات تحليلية تجاوزوا مجرد تشخيص المعنى المشكوك فيه عبر كتب اللغة أو الأدوات المتوافقة معها (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 1/231-232). وفيما يتعلق بالمعنى الحرفي، توجد ثلاثة مذاهب بين الأصوليين:
- إنكار المعنى الحرفي؛
- الاتحاد الذاتي بين المعنى الحرفي والاسمي والافتراق العرضي الثانوي بينهما؛
- التضاد والتغاير الذاتي بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي.
وقد قُرب كل من هذه المذاهب في قالب نظريات تقريبية. فـ”إنكار المعنى الحرفي” فُسر بنظرية “كونه علامة” (النائینی، 1438، 1/34). والمراد بكونه علامة هو التشابه مع علامات الإعراب للدلالة على خصوصية معينة في الموضوع، مثل دلالة الضمة على خصوصية الفاعلية. أما “الاتحاد الذاتي للمعاني” فُسر بـ”العلية والكون” لغير الوصف. مع التوضيح بأن المعاني الحرفية والاسمية متحدة ذاتيًا، وفي مرحلة الموضوع والمستعمل فيه عامة، لكن في طريقة الاستعمال يُؤخذ بعين الاعتبار كيفية الإدراك الذهني عند الاستعمال، فالاسم يُستخدم بالمعنى المستقل، والحرف يُستخدم للعلية والكون لغيره (الخراسانی، 1425هـ، 25-27). أما “التغاير الذاتي” فُسر في قالب “الإيجاد المعنوي للحرفي” (النائینی، 1438هـ، 1/38)، و”وجود كونه رابطًا” (الاصفهانی، 1429هـ، 1/51)، و”تحصيص المعنى الاسمي” (الخویی، 1417هـ، 1/83-87)، و”الأعراض النسبية” (العراقی، 1370، 1/49-50). ويحاول الشهيد الصدر (بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 1/237-258؛ الصدر، 1417هـ، دروس فی علم الاصول، 2/107-136)، بغض النظر عن الاختلاف في تقريب هذه المذاهب، الوصول إلى نقطة واحدة تجمع بينها.
في هذا السياق يمكن إعادة صياغة مختار الشهيد صدر على النحو التالي: من وجهة نظره، هناك ثلاثة أنواع من النسب في المقام: النسبة الواقعية الخارجية، النسبة الواقعية الذهنية، والنسبة التحليلية التي تقف مقابل النوعين الآخرين. النسبة الواقعية الخارجية أو الذهنية هي علاقة بين طرفين موجودين في الخارج أو في الذهن، بينهما ارتباط، بينما النسبة التحليلية، لعدم واقعيتها، لا تتعلق بطرفين. معنى النسبة التحليلية هو أن وجودًا ذهنيًا يتحقق للماهية بحيث يتكون من ثلاثة أجزاء: أحد هذه الأجزاء هو “النسبة”، وفي مقارنة الوجود الذهني مع وجود زيد الواحد في الخارج، تكون علاقة هذه “النسبة” بالوجود الذهني من قبيل الجنس والفصل بالنسبة لزيد. كما أن الحيوانية ليست جزءًا وجوديًا للوجود الخارجي لزيد، فإن هذه النسبة أيضًا ليست جزءًا وجوديًا للوجود الذهني. لقد تصور نوعين من النسب (أولي وثانوي) بالمقارنة مع المعقولات الأولية والثانوية للحروف. المقصود بالنسبة الأولية هو النسبة الموازية للنسبة الخارجية الموجودة بين النار والموقد، والتي يكون موطنها الأساسي في الخارج. على سبيل المثال، كلمة “في” في القضية “النار في الموقد” وضعت للدلالة على السعة. كلمات مثل “عن، على، من، إلى” هي من هذا القبيل، وموطنها الأساسي في الخارج، لأن الذهن في السعة مرتبط بالخارج. أما المقصود بالنسبة الثانوية فهي النسبة التي يكون موطنها الأساسي الذهن. في الحقيقة، هذه النسبة ليست منتزعة من الخارج، بل تنشأ من أفق وجود القضية الذهنية، مثل نسبة الاستثنائية، والتأكيدية، والتحقيقية، والإضرابية. على سبيل المثال، النسبة الإضرابية هي مدلول حرف الإضراب في مثل “جاء زيد بل عمرو”. موطن هذه النسبة الأساسي هو الذهن، لأنه بدون “وجود الذهن” لن يكون هناك مدلول لحرف الإضراب في العالم الخارجي. النسبة الإضرابية في ظرف العالم الخارجي لم تتحقق، وكونها نسبة ثانوية مدلول حرف الإضراب فهي “نسبة واقعية ذهنية” وليست “نسبة تحليلية”. هكذا تختلف “جاء زيد بل عمرو” عن “النار في الموقد”، لأن المثال الأول لا يفترض وجودًا واحدًا لزيد وعمرو، وهما متضادان. زيد هو وجود ذهني مضرب عنه، وعمرو وجود ذهني مضرب إليه. بين هذين الوجودين الذهنيين توجد نسبة زائلة وقليلة تسمى النسبة الإضرابية. النسبة الإضرابية، بافتراض وجود طرفين متضادين، تكون موجودة في الذهن بحيث لم يتمكن الإنشاء من الربط بينهما. موطن النسبة هو عالم الذهن، وهي مع الصور الذهنية الأخرى التي تدل على الخارج، على عكس نسبة السعة والمكانية التي لا تقوم بين صورتين ذهنيتين لا من حيث ذاتها ولا من حيث دلالتها على الخارج، لأن الصور الذهنية من قبيل الأعراض، وإقامة نسبة مكانية بين عرضين مستحيلة. لذلك، في القسم الأول الذي يشمل النسب الأولية وموطنها العالم الخارجي، يكون مدلول الحروف نسبة تحليلية وليست نسبة واقعية ذهنية، وفي القسم الثاني الذي يشمل النسب الثانوية وموطنها عالم الذهن، يكون مدلول الحروف نسبة واقعية ذهنية (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 1/264-265).
ثمار المعنى الحرفي تظهر في “الهيئات” و”الواجب المشروط”. لم يتناول الشهيد صدر مباشرة في الفقه الاستدلالي تطبيق وجهة نظره على مثال من الحروف، لكنه بسبب امتلاك الهيئات للمعنى الحرفي ومسألة رجوع القيد إلى المادة أو الهيئة في الواجب المشروط، قام في عدة مواضع (الصدر، 1391، 1/26،79، 3/313) بتطبيق هذا الأساس. من أمثلة تطبيق هذه النظرية في الفقه حالة الشك في طهارة الماء، حيث استدل على الآية (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)، فـ”طهور” على وزن “فعول” ويدل على نسبة تأثيرية تطهيرية، والتي وفقًا لأساس الشهيد صدر تُستفاد من قبيل النسب الواقعية الذهنية المستمدة من الهيئة (الصدر، 1391، 1/25-26).
هـ. تنوين التنكير والتمكين
من النظريات الأخرى التي طرحها الشهيد صدر في ارتباط بالدليل الشرعي اللفظي، طريقة دلالة اسم الجنس على الإطلاق الشمولي أو البدلي من خلال دخول التنوين (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 3/433). اسم الجنس قبل ظهور بعض الحالات يدل على الإطلاق الشمولي أو البدلي أو التعريف والتعيين. ما اهتم به الأصوليون في هذه المسألة هو تغير مدلول اسم الجنس بعد تغير الحالات. لقد طرحوا لاسم الجنس ثلاث حالات: “التعريف بـ ال”، و”النكرة”، و”خلوه من هذين” (الخراسانی، 1425هـ، 282-286). للنكرة نوعان من الاستعمال: “المعلوم في نظر المتكلم وغير المعلوم عند المخاطب” أو “الطبيعة المقيدة بقيد الوحدة” (الخراسانی، 1425هـ، 285). وقد تم تحليل النوع الثاني أكثر واعتبر على أنه “طبيعي مقيد” مثل تعدد الدال والمدلول.
في هذا الرأي، دلالة اسم الجنس على الوحدة تُرجع إلى “دخول تنوين التنكير” (الخویی، 1417هـ، 4/529).
من مجموع عبارات الأصوليين يتبين أن تغيير حالات مدلول الاسم الجنس، موضوع له سابقه، لكن طريقة تنظيم محتوى هذا الموضوع من قبل الشهيد الصدر في بعدين: الهيكل والتطوير الفروع مقارنة بما قدمه الأصوليون الآخرون، قد تطورت بشكل أعمق. فهو يذكر التغيير في حالات المدلول في البعد الهيكلي بدخوله مقامين: دخول التنوين والتعريف بـ «ال». في هذا البعد، يستحق التغيير من «نكرة» إلى «دخول التنوين» اهتمامًا خاصًا. طريقته في المقام الأول تركز على دخول تنوين التنكير كنقطة محورية لتغيير المدلول، مما أدى إلى ظهور مسائل أوسع. فبحث الاسم الجنس في مرحلة الامتثال ومرحلة الحكم، لتفسير انقلاب الإطلاق الشمولي إلى بدلي وتقديم الردود على الإشكالات المذكورة في هذا الصدد، من بين هذه التوسعات. هذه الطريقة لا تُرى في آثار الأصوليين الآخرين. فهو يرى أن دخول تنوين التنكير على مدلول الاسم الجنس يؤدي إلى تقييده بقيد الوحدة، ويعتقد أنه في هذه الحالة لا يعود الاسم الجنس دالًا على الإطلاق الشمولي. صياغة هذا المحتوى مع النظر إلى تقسيم وضع الاسم الجنس في المرحلتين المذكورتين، توسع في المحتوى ووضح تفسير انقلاب الإطلاق. مع سلب الإطلاق الشمولي، يصبح هذا الاسم دالًا على الفرد المرتاب غير المعين، ويكون إطلاقه من قبيل الإطلاق البدلي، في حين أن دخول تنوين التمكين لا يحمل هذا التضييق، ويؤدي إلى أن يدل الاسم الجنس على الإطلاق الشمولي والبدلي (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 3/433-35؛ الصدر، 1428هـ، 4/500-504).
تم الإشارة إلى نموذج من تطبيق هذه النظرية في الفقه تحت دلالة الآية الكريمة (وَأَنزَلْنَا منَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) على طهورية جميع أنواع المياه مع النظر إلى نكرة كلمة «ماء» في سياق الإثبات. الشهيد الصدر يرى أن تنوين كلمة «ماءً» هو للتمكين. هذا التنوين يحل محل «ال» في بداية بعض الكلمات. بدخول هذا التنوين، تدل الكلمة على الجوهر وتكون دلالتها شمولية كاملة (الصدر، بحوث فی شرح العروه الوثقی، 1391، 1/24-25).
و. السيرة العقلائية
بعد تقسيم الأدلة إلى شرعية وعقلية، يقسم الشهيد الصدر الأدلة الشرعية إلى لفظية وغير لفظية، ويضع الأدلة المعروفة باللبية تحت الدليل الشرعي غير اللفظي مع النظر إلى دلالة التقريب (الصدر، دروس فی علم الاصول، 1417ق، 3/127). من بين الأدلة التي يُبحث فيها في هذا الفصل «السيرة». ابتكار فتح موضوع مستقل بعنوان السيرة يُعد من ابتكاراته. بدأ الأصوليون موضوع الأمارات بـ «الظواهر» واستمروا بـ «الخبر الواحد» و«الإجماع المنقول». مع أنهم استندوا إلى السيرة لإثبات كل من هذه الأدلة أو في علم الفقه استندوا إليها بحسب إثبات الموضوع أو الحكم الشرعي، إلا أنهم لم يبحثوا أبدًا طبيعة السيرة وأبعادها وأنواعها وضوابطها وحدود دلالتها وحجيتها، مع أن أهمية الدليل الذي تُثبت به حجية الظواهر، الخبر الواحد، الإجماع… أو يُستند إليه لإثبات الحكم الشرعي ليست أقل من تلك الأدلة. تنظيم وتطوير وتوسيع أبعاد ومسائل السيرة من قبل الشهيد الصدر جعلها تظهر كنظرية مكتشفة وعملية الاستخدام (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/234).
قبل الخوض في أنواع وتحليل وحجية السيرة، أولى اهتمامًا لإعادة التعرف على طبيعتها. هذا الموضوع يظهر بعدًا جديدًا في آراء الشهيد الصدر يمكن تسميته «توسيع وجودي للسيرة». بناءً عليه، تتطور السيرة من سلوك عملي وخارجي إلى ارتكازات عقلائية بمعنى أفكار تنفيذية غير منجزة، ومع اختيار عنوان جامع «المواقف العقلائية» يتجاوز نطاق موضوع حجيتها التصورات المعروفة (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/234).
قسمت أنواع السيرة العقلائية بحسب تعلقها بالموضوع والظهور والحكم إلى ثلاثة أقسام. في القسمين الأولين، لا يسري ضابط «الإمضاء»، لأن في هذين القسمين يُعتبر «تنقيح» وجهة نظر العقلاء محور سير السيرة. لذلك، لا يحتاج اعتمادها إلى إلحاق تأييد زائد، بينما يُستند إلى القسم الثالث لاكتشاف الحكم الشرعي ورأي الشارع. عنصر اكتشاف الحكم يحتاج إلى إثبات موقف الشارع من موضوع السيرة. هذا القسم تحلل في نوعين: متشرعة وعقلائية. الشهيد الصدر لم يرَ إمضاء الشارع مع التركيز على معاصرة زمن التشريع قابلًا للتطبيق على الموضوعات المستحدثة والمتجددة، وطرح ركنين لاستكمال دليله (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 234-237). من وجهة نظره، مع مراعاة مكانة تشريع الشارع، فإن إمضائه يشمل ما هو أبعد من السلوك العملي ويشمل المعيار الذي يراه العقلاء أيضًا (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 246). وقد استند إلى السيرة العقلائية في مسائل فقهية متعددة، من بينها «إثبات كريت الماء بقول صاحب اليد» (الصدر، 1391، 2/128-129).
ز. نظرية حساب الاحتمال
بعد إثبات دلالات عامة للدليل اللفظي الشرعي، في مقام إثبات صغرى هذا الدليل، يتناول الشهيد الصدر إثبات صدوره من الشارع. ويرى أن إثبات الصدور يكون بطريقتين: وجدانية وتعبدية. والمراد بالإثبات الوجداني هو اليقين. بمعنى أن وسائل الإثبات الوجداني لغير المعاصرين المعصومين تؤدي إلى العلم بصدور الدليل من الشارع (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/309؛ مباحث الاصول، 3/133). ومن وجهة نظره، رغم عدم إمكانية حصر هذه الوسائل، إلا أنه يعتبر «الأخبار الحسية»، «الأخبار الحدسية» (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/309؛ الصدر، 1428هـ، 3/151) و«الآثار المحسوسة الكاشفة عن الدليل الشرعي بطريقة إنّي» ثلاث طرق أساسية لهذا النوع من الإثبات (الصدر، 1428هـ، 2/270).
لقد استعان الأصوليون لإثبات الصدور بطرق منها «العقل العملي وقاعدة اللطف» و«الدليل الشرعي»، لكن الشهيد صدر بنقده لهذه الطرق يرى أن جميع الوسائل والطرق الإثباتية تقوم على «حساب الاحتمال»، ومن ثمّ يولي اهتمامًا خاصًا لكيفية حصول اليقين بناءً على ذلك (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 4/305-309). وقد أُشير إلى نموذج من تطبيق هذا النظرية تحت موضوع «نجاسة الكافر» (الصدر، 1391، 4/239).
5. تأثير وجهات النظر الأصولية على المنهج الفقهي
إلى جانب ضرورة معرفة النظريات الأصولية، تبرز ضرورة التعرف على مواقف الشهيد صدر تجاه المسائل الأصولية الأخرى التي تصاحبها تقديم وجهة نظر مختلفة. وبالنظر إلى كثرة هذه الوجهات وقيمة مكانتها في فهم المنهج الفقهي للشهيد صدر، يكتفى بذكر نموذج واحد بعنوان «التفصيل في التمسك بالعام في شبهه المصاديق».
إحدى المسائل الأصولية التي نوقشت بين المتأخرين هي «بطلان التمسك بالعام في شبهه المصاديق». فالمحقق النائيني (النائینی، 1438هـ، 1/525) والخوئي (الخویی، 1417هـ، 4/334-335) يرون عدم جواز الأخذ بالعام في هذه الشبهة. أما الشهيد صدر فقد تفصل في هذا الأمر. فهو في هذه المسألة يدرس علاقة «المولى» بالشك، بحيث إن مولوية المولى من حيث كونه علام الغيوب تقتضي أن يكون أَعْرَف بحال الفرد المشكوك فيه، كما هو الحال حين تكون شبهه المصاديق دليلاً مخصصًا من قبيل شبهه الحكمية. في هذه الحالة، يكون المولى بحكم تمتعِه بالمولوية أَعْرَف بشبهه الحكمية. على سبيل المثال، إذا قيل «كل بيع صحيح» وفي المخصص «إن البيع إذا وقع في وقت وجوب صلاة الجمعة على البائع فلا يصح» ثم حصل شك في وجوب صلاة الجمعة على البائع المسافر، فإن هذه الشبهة وإن كانت حكمية، إلا أنها تُعد من شبهه المصاديق بالنسبة للدليل المخصص. لذلك، إذا كانت علاقة المولى بالشك من قبيل علاقة المكلف به، فإنه يرى عدم جواز التمسك بالعام في شبهه المصاديق، أما في الحالة الثانية فيجوز التمسك بالعام في هذه الشبهة (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 3/314-315).
وقد طُرح نموذج من تطبيق هذا الرأي في الفقه تحت عنوان «إثبات الطهارة ومطهريات أقسام الماء المطلق»، حيث تم بحث اختلاف الآراء فيه (الصدر، 1391، 1/45-49). وفي هذا السياق استُدلّ على طوائف من الروايات، من بينها تلك التي استُدل بها لإثبات طهارة الماء في ذاته. ويُعبّر عن رأيه في هذه الروايات بأن مدلول مطابق الروايات التي تأمر بالتطهير بالماء هو «مطهريته». وقد قُيّد هذا المدلول المطابق بسبب القيود الشرعية مثل الإجماع والأدلة اللفظية التي تناولت الغسل بغير الماء النجس، إذ إن الغسل بالماء النجس غير صحيح بناءً على الإجماع والنص. وهكذا، فإن عدم طهارة الماء النجس يُقيّد إطلاق «اغسله بالماء». والسؤال المطروح بعد ذلك هو: مع النظر إلى هذا التقييد، إذا حصل شك في نجاسة ماء ما، هل يجوز التمسك بإطلاق «اغسله بالماء» لإثبات طهارته؟ لأن هذا المثال من قبيل الأخذ بالعام أو المطلق في شبهه المصاديق.
وبناءً على مذهب المحقق النائيني والخوئي اللذين لا يجيزان التمسك بالعام في شبهه المصاديق، يكون ما ذُكر عن عدم إثبات الطهارة والمطهريات الذاتية لهذا الماء في التمسك بالعام كافياً، لكن وفقًا لمنهج الشهيد صدر يمكن التفصيل في التمسك بالعام في هذا المثال. بمعنى أنه إذا كان الفرد المشكوك فيه من حيث العام والمخصص هو شبهه مصاديق، ومن حيث نفسه شبهه حكمية، فإن التمسك بالعام في هذه الأنواع من شبهات المصاديق جائز. وبعبارة أخرى، في الحالات التي يُفترض فيها اعتباران بالنسبة للفرد المشكوك فيه، يكون التمسك بالعام جائزًا، لأن ظهور العام يثبت طهارة كل ماء، وهذا الظهور يشمل الفرد المشكوك فيه، ومع ذلك يثبت طهارته أيضًا بالتزام، مع مراعاة أن بيان شبهه الحكمية هو من مهام المولى وهو عالم بحدود وشؤون ذلك الحكم. وهكذا، بالنظر إلى ظهور وشمول خطاب المولى للفرد المشكوك فيه، يثبت الحكم العام له. فالخطاب العام يثبت الحكم لجميع الأفراد، بحيث يكون الشك في خروج أحد الأفراد من تحت العام شكًا في تخصيص زائد. في هذه الحالة، لا مانع من التمسك بأصالة العموم وعدم التخصيص الزائد، ومع اعتبار أن الدلالة التزامية تدل على تحقق الموضوع أي الماء الطاهر، وبثبوت موضوع الجعل والرفع والسعة والضيق بيد الشارع، يثبت الحكم العام للفرد المشكوك فيه.
إن تبعية الدلالة التزامية على المطابقية (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 7/264-265)، والأمر بالمقيد، ومنشأ تنجيس العلم الإجمالي (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 5، 301)، وتقدم الاستصحاب على الأصول العملية من باب الأقوى والأظهرية للدليل (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 6/357)، وكيفية حجية الخبر المعالواسطة (الصدر، بحوث فی علم الاصول، 1417هـ، 7/265-267) وغيرها من وجهات نظر الشهيد صدر الخاصة، تستحق الانتباه لفهم منهجه الفقهي.
النتيجة
أظهرت الدراسة أن الابتكارات الأصولية للشهيد صدر في تحليل منهجه الفقهي تحتل مكانة خاصة، ويمكن تتبعها بالاعتماد على مرحلتي النظرية والتطبيق. ففي المرحلة النظرية تم إعادة النظر في العناصر المشتركة المشاركة في الاستنباط الفقهي، وتم التركيز على أثر الابتكارات الأصولية ضمن البنية التطبيقية والنظام المضموني الجديد.
طرح مراتب الحكم في مرحلتين: «الثبوت» و«الإثبات»، وأعاد حقيقته إلى الإرادة المبرزة، واستخدمها في إثبات النجاسة وتحريم الخمر ضمن قالب الاستصحاب التعليقي «تحريم عصير العنب بعد الغليان، بعد الشك في تحريم عصير الزبيب المغلي»(بدوی، 1977م، 7). وبوصف تزاحم الحفظي لتوسيع دائرة المحركية مع مراعاة درجة أهمية الغرض، استعمله أيضًا في تبرير وضع الأحكام الظاهرية. قدم حق الطاعة كقضية بديهية أولى في سبيل إثبات المنجزية والمعذرة، وطرح عدم اعتبار العلم الوسواسي. أما في المعنى الحرفي، فعلى الرغم من الانتباه إلى اختلاف مجال النقاش اللفظي اللغوي عما طرحه الأصوليون، اعتبر تحديد القواعد للخروج من الشك في حالة الشك في المعنى الحرفي تقليلاً من وظيفة هذا العلم، وخلص إلى أن النسبة التحليلية هي أسمى تفسير في المعنى الحرفي، وطبقها تحت مسمى الشك في طهارة الماء.
حلل الشهيد صدر التنوين التنكير والتمكين في تفسير انقلاب الإطلاق، وركز على دخول التنوين التنكير كمركز لتغيير المدلول، ودرس اسم الجنس في مرحلة الامتثال ومرحلة الحكم لتفسير انقلاب الإطلاق الشمولي إلى بدل منقح، واستخدم ذلك لشرح الأدلة النقلية ضمن مباحث الطهارة{{F3}}. أما الإشارة الجديدة الأخرى فكانت التوسع الوجودي للسيرة من السلوك العملي والخارجي إلى المرتكزات العقلائية، والتي ضمن تحليل حجيتها، طرحت كأفكار غير منفذة، واستخدمت في مسألة «إثبات كروية الماء بقول صاحب اليد»{{E12}}. وفي نقد المنهج السائد بين الأصوليين لإثبات صدور الدليل من الشارع، أشار إلى حساب الاحتمالات، وطبق ذلك تحت عنوان نجاسة الكافر كنموذج متوافق{{N4}}.
المصادر والمراجع
*القرآن الكريم
1. اصفهانی، محمدحسین. (1429ق). نهایة الدرایة فی شرح الکفایة. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة آلالبیت(ع) لإحیاء التراث.
2. بجنوردی، السید حسن. (دون تاريخ). منتهی الاصول. الطبعة الثانية. قم: کتابفروشی بصیرتی.
3. بدوی، عبدالرحمن. (1977م). مناهج البحث العلمی. الطبعة الثانية. الکویت: وکالة المطبوعات.
4. پارسانیا، حمید. (1383). روششناسی اندیشه سیاسی. فصلنامه علوم سیاسی، دانشگاه باقر العلوم(، العدد 28.
5. حسینزاده، محمد. (1396). روش تحقيق و روششناسی پژوهش در معرفتشناسی. قم: مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی (ره).
6. حقی، علی. (1381). «گذر از روششناسی علم به روش ستیزی علم». نشریه دانشکده الهیات مشهد. شمارۀ 56، 62-23.
7. حکیم، السید محمدباقر. (1428ق). الامام الشهید الصدر. کویت: القدس للطباعة و النشر.
8. خراسانی، محمدکاظم. (1410ق). دررالفوائد فی الحاشیة علی الفرائد. تهران: مؤسسة الطبع و النشر التابعة لوزارة الثقافة و الارشاد الاسلامی.
9. خراسانی، محمدکاظم. (1407ق). فوائد الاصول. تهران: مؤسسة الطبع و النشر التابعة لوزارة الثقافة و الارشاد الاسلامی.
10. خراسانی، محمدکاظم. (1425ق). کفایة الاصول. الطبعة التاسعة. قم: مؤسسة النشر الاسلامی، التابعة لجماعة المدرسین بقم المقدسة.
11. خسرو پناه، عبدالحسین. (1385). فلسفههای مضاف. تهران: منشورات فرهنگ و اندیشه اسلامی.
12. خمینی، السید روحالله. (1382). تهذیب الاصول، تقریر جعفر سبحانی. قم: دارالفکر.
13. خمینی، السید روحالله. (1415ق). مناهج الوصول الی علم الاصول. قم: مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی(ره).
14. خمینی، السید مصطفی. (1418ق). تحریرات فی الاصول. قم: مؤسسة تنظیم و نشر آثار امام خمینی(ره).
15. خوئی، السید ابوالقاسم. (1417ق). محاضرات فی اصول الفقه. الطبعة الرابعة. قم: نشر الهادی.
16. خوئی، السید ابوالقاسم. (1422ق). مصباح الاصول، تقریر محمدسرور واعظ حسینی بهسودی. قم: مکتبة الداوری.
17. سبزواری، السید عبدالاعلی. (دون تاريخ). تهذیب الاصول. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة المنار.
18. صدر، السید محمدباقر. (1434ق). بحوث اسلامیة و مواضیع اخری. الطبعة الرابعة. دون مكان النشر: دارالکتاب الاسلامیة.
19. صدر، السید محمدباقر. (1391). بحوث فی شرح العروة الوثقی. نجف: مطبعة الآداب.
20. صدر، السید محمدباقر. (1433ق). بحوث فی علم الاصول. تقریر السید محمود الهاشمی. قم: مؤسسة الفقه و معارف اهلالبیت(.
21. صدر، السید محمدباقر. (1417ق). بحوث فی علم الاصول. تقریر عبدالساتر حسن. بیروت: الدار الاسلامیة.
22. صدر، السید محمدباقر. (1417ق). دروس فی علم الاصول. الطبعة الرابعة. قم: مؤسسة النشر الاسلامی، التابعة لجماعة المدرسین بقم المقدسة.
23. صدر، السید محمدباقر. (1428ق). مباحث الاصول. تقریر السید محمد کاظم الحائری. قم: دارالبشیر.
24. صدر، السید محمدباقر. (1421ق). المعالم الجدیدة للاصول. قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصیصیة للشهید الصدر.
25. صدر، السید محمد باقر.(1434ق). المدرسة القرآنیة. قم: دارالکتاب الاسلامی.
26. عراقی،ضیاء الدین. (1370). بدایع الافکار فی الاصول. تقریر میرزا هاشم الآملی. نجف: المطبعة العلمیة.
27. فضلی، عبدالهادی. (1412ق). اصول البحث. بیروت: دارالمؤرخ العربی.
28. نائینی، محمدحسین. (1352). اجود التقریرات. تقریر السید ابوالقاسم الخوئی. قم: مطبعة العرفان.
29. نائینی، محمدحسین. (1438ق). فوائد الاصول. تقریر محمدعلی الکاظمی. الطبعة الثانية، قم: مؤسسة النشر الاسلامی، التابعة لجماعة المدرسین بقم المقدسة.
30. نعمانی، محمدرضا. (1421ق). شهید الأمة و شاهدها. قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصیصیة للشهید الصدر.
[1] Methodology

