نظرة في نقد نظرية حق الطاعة

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نگاهی بر نقد نظریه حق الطاعه ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: نقد نظرية حق الطاعة ودراسة المآخذ الموجهة إلى رؤية الشهيد صدر، هو الموضوع الرئيسي لهذا المقال. يحاول المؤلف في هذا النص إعادة قراءة كتاب «نظرية حق الطاعة في ميزان النقد والدراسة» ونقد المآخذ التي وُجهت إلى نظرية حق الطاعة للشهيد صدر في هذا الكتاب بشكل موضوعي. كما يتم استعراض مزايا وعيوب الكتاب، ويُقدَّم بعض الحلول لمعالجة بعض المشكلات. في هذا السياق، تُطرح أولاً المآخذ البنيوية على الكتاب، ثم يُعطى الاهتمام للنقد الموضوعي له.

المؤلف: مجید محمدی

المصدر: نقد کتاب فقه و حقوق، خريف وشتاء 1394، العدد 3و4، ص 83 إلى 94.

المقدمة

هذا الكتاب، في الحقيقة، هو تحويل الكلام إلى كتابة؛ بحيث لم يُجرَ أي تغيير في ترتيب الكلمات وجاءت المواضيع كما هي تمامًا؛ لأن محتواه طرحه آية الله فاضل لنكراني (زِد عزه) في تدريس درس الخارج، ثم تم تحويله إلى كتابة بدقة وبدون أي تعديل. أول من طرح نظرية حق الطاعة هو الشهيد صدر، والتزم بها بعض من تلامذته؛ وهو يدعي أن جذورها موجودة في كلام القدماء تحت اسم أصالة الحظر. على أي حال، إما أن الشهيد صدر هو مبتكر هذه النظرية (كما يميل صاحب هذا العمل إلى ذلك)، أو هو محييها، والمهم أنه طرحها في القرن الحاضر وأصبحت محط نظر الأصوليين.

١  تعريف موجز للعمل

كتاب نظرية حق الطاعة في ميزان النقد والدراسة، الذي كتبه الباحث المحترم حجت الإسلام والمسلمين حميد ستوده، هو في الواقع تقارير جزء من دروس الخارج في الأصول لآية الله محمدجواد فاضل لنكراني. لفهم هذا الكتاب بشكل أفضل، يجب دراسة موضوعه ومحاوره الرئيسية، وهدف نشره، ودائرة جمهوره.

أ- موضوع ومحاور الكتاب الرئيسية

الموضوع الرئيسي للكتاب هو نقد نظرية حق الطاعة للشهيد صدر، ويتألف من أربعة فصول: الفصل الأول يتناول المفاهيم والعموميات، حيث يشمل المبحث الأول دراسة مفاهيم مثل حكم العقل، الشبهة، الأصل، البراءة العقلية والاحتياط العقلي. المبحث الثاني يشير إلى الخلفية التاريخية للنقاش، وفي المبحث الثالث يتناول الأنواع. الفصل الثاني هو نقد ومراجعة استدلالية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث يشرح المبحث الأول ملاحظات الشهيد صدر على القاعدة، وفي المبحث الثاني تُناقش وتُنتقد القراءات المختلفة للقاعدة. في الفصل الثالث، يُبحث الأصل في نظرية حق الطاعة، وتُطرح القراءات المختلفة لها، وفي النهاية يُقبل قراءة واحدة. في الفصل الأخير، تُشرح آثار هذه النظرية في مباحث الأصول، وفي الختام يُقدم ملخص للنتائج المستخلصة بكلمة واحدة.

ب- هدف نشر الكتاب

توضيح نظرية حق الطاعة، المآخذ الموجهة إليها، وكذلك آثار هذه النظرية في مباحث الأصول، هو هدف هذا الكتاب.

ج- جمهور هذا الكتاب

في الغالب، طلاب دروس الخارج في الحوزة، وكذلك أساتذة الجامعات الذين يدرّسون في التخصصات المرتبطة بالفقه والأصول، يُعتبرون من جمهور هذا الكتاب.

٢  تعريف المؤلف

مؤلف هذا الكتاب هو حجت الإسلام حميد ستوده. وهو من الباحثين البارزين في المركز الفقهي لأئمة الأطهار (ع) وله مقالات بعنوانات مثل: الإنشاء الحالي للنكاح؛ بحث في عدم المشروعية، مذاق الشريعة؛ بحث في التحقق والكفاءة، قراءة أعضاء الزرع من أموات الدماغ، معالجة الموت الدماغي من منظور الفقه والقانون، محمد بن سنان؛ بحث في الوثاقة والتضعيف.

ولكن بما أن هذا الكتاب هو تقارير درس الخارج لآية الله محمدجواد فاضل لنكراني (زِد عزه)، فمن الضروري أيضًا تقديم تعريف به:

وهو ابن المرحوم آية الله العظمى محمد فاضل لنكراني (قدس سره) الذي بدأ دروس الحوزة العلمية في عام ۱۳۵۶، وخلال هذه السنوات تشرف بحضور العديد من العلماء؛ وكان معظمه دائماً إلى جانب الدراسة، يولي اهتماماً خاصاً للتدريس، وله أيضاً إجازة الاجتهاد المطلق من والده الكبير. ونظراً لأنه قضى فترة في خدمة أحد تلاميذ الشهيد الصدر البارزين، وهو آية الله السيد كاظم الحائري (دام عزه)، فهو على دراية جيدة بالمباحث التي طرحها أستاذه الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر (قدس سره). كما نقد نظرية حق الطاعة التي طرحها الشهيد الصدر في دروسه الخارج في الأصول، والنتيجة هي هذا العمل الذي يُدرس في هذه المقالة؛ بالإضافة إلى ذلك، يتولى رئاسة مركز الفقه لأئمة الأطهار (ع). هذا المركز، الذي يُعد أول مركز تخصصي في الفقه والاجتهاد، تأسس في عام ۱۳۷۶ بأمر مبارك من والده المعظم (قدس سره)، ويتولى تدريب الفقهاء والمجتهدين الواعيين بالعصر ليتمكنوا من تلبية الاحتياجات الفقهية والدينية للجيل الحاضر. مركز الفقه لأئمة الأطهار (ع) هو الآن أحد المراكز العلمية المهمة في الحوزة المقدسة في قم، ويحظى باهتمام كبار العلماء والعظام، حيث يوجد فيه، إلى جانب الأمور التعليمية، مكتبة تخصصية في الفقه والأصول، والتي تعتبر، حسب تصريح أهل النظر، أغنى مكتبة في هذا المجال؛ كما أن الأنشطة البحثية من بين الأمور التي يُعنى بها المركز، حيث يقوم الطلاب، إلى جانب التعليم، بالبحث والدراسة في المباحث الفقهية، الأصولية، الرجال، التفسير، وغيرها. مؤلفات آية الله فاضل لنكراني، خصوصاً في المباحث الجديدة والتطبيقية، جديرة بالاهتمام، ومن بينها يمكن ذكر الكتب أو المقالات التالية: تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد، التلقيح الصناعي، حق التأليف، الطواف من الطبقة الأولى للمسجد الحرام واستخدام التلسكوب في رؤية الهلال، لاحرج، ضمان اليد وقاعدة التسامح في أدلة السنن.

٣ تقييم العمل

أ- مزايا الكتاب

أولاً- التنظيم المنطقي والترتيب الدقيق للمباحث

قام المؤلف المحترم بتنظيم مادته في أربعة فصول بشكل منتظم ودقيق مع مراعاة تقديم وتأخير كل بحث.

ثانياً- توضيح السؤال الأساسي في كل مبحث ثم الإجابة عليه

طرح السؤال الرئيسي لكل بحث وتبيان جوانب النقاش المختلفة قبل الإجابة عليه من النقاط المهمة في معالجة السؤال. أحياناً يُلاحظ في بعض الكتب أو المقالات أن المؤلف يبدأ بالإجابة قبل أن يكون السؤال أو الإشكال قد تم تنقيحه، بينما يجب أن يُطرح النقاش بدقة بحيث لا يبقى مجال للغموض؛ وفي هذا الكتاب تم الالتزام بهذا الأمر إلى حد كبير.

ثالثاً- سهولة التعبير والابتعاد عن التعقيدات العلمية

من فنون الكاتب أو المتحدث، خصوصاً في عرض المسائل العلمية، التبسيط وتجنب التعقيد في التعبير، وللأسف نادراً ما يُجد عالم يمتلك هذا الفن بشكل مرضٍ؛ فهناك علماء لأسباب مختلفة يعرضون حتى أبسط المسائل بأسلوب صعب ومعقد؛ لكن الأستاذ الجليل آية الله محمد جواد فاضل لنكراني (حفظه الله) مثل والده الكبير، يتمتع بهذه الصفة بشكل كبير؛ فهو يعرض أحياناً أصعب المباحث العلمية بأسلوب بليغ وسهل، بحيث يستفيد منه معظم تلامذته تقريباً.

رابعاً- التركيز على المسألة بدلاً من الموضوع

الهدف من البحث والدراسة هو حل المسائل التي تطرح في علم معين، وإذا كان المقصود فقط عرض بعض الأمور العامة عن موضوع ما، فلن يكون لذلك فائدة كبيرة للمختصين في ذلك العلم، بل سيكون مفيداً فقط لمن يريد التعرف على ذلك العلم. في هذا البحث، سُعي إلى نقد ومراجعة مسألة مهمة لها آثار في علم الأصول، مع تجنب العموميات إلا في بعض الحالات التي تقتضيها الضرورة، وهذا من النقاط الإيجابية في هذا العمل.

خامساً- نقل أقوال العلماء الآخرين من المصدر الأصلي

للأسف في بعض الكتب يُلاحظ أن المؤلف ينقل الأقوال من مصادر ثانوية أو ثالثة بدلاً من المصدر الأصلي، وهذا يضعف البحث؛ وأحياناً الأسوأ من ذلك أن ينسب المؤلف آراءه الشخصية إلى كلام الآخرين، مما يحجب عن القارئ الحكم الصحيح على المسألة؛ لكن في هذا العمل، نقلت تقريباً كل أقوال الآخرين من المصدر الأصلي، وهذا أضاف إلى غناه.

سادساً- استخدام طريقة السؤال والجواب

طريقة السؤال والجواب تدمج ذهن القارئ مع الموضوع وتحفزه على المتابعة. استخدام هذه الطريقة في التدريس والبحث، خصوصاً للشباب، فعال جداً ويؤدي إلى نمو وحيوية الذهن.

سابعاً- الاستفادة من تعبيرات مختلفة لإيصال رسالة واحدة إلى القارئ

رغم أن التكرار قد يسبب أحياناً مللاً، إلا أنه ليس دائماً كذلك؛ أحياناً يتطلب الفهم والتفهيم عرض المعلومة بطرق مختلفة ليتمكن القارئ من استيعاب الموضوع بشكل أفضل.

ثامناً- المحتوى العلمي الغني

من الميزات الأخرى لهذا العمل الثمين محتواه العلمي الدقيق الذي يجذب كل قارئ، مع وجود استدلالات قوية ومتينة للرد أو الإثبات في جميع أرجاء الكتاب.

٤ عيوب الكتاب

كما ذُكر، هذا العمل يتمتع بميزات متميزة، لكنه يحتوي أيضاً على بعض العيوب. لا يوجد عمل بشري كامل إلا أداء المعصومين (ع)، وكل عمل بشري فيه عيوب ونقائص. ربما حكمة الله تعالى في ذلك هي أن يُعرف المعصومون أكثر، ونحن في هذا الطريق نرتقي ونبلغ الكمال. بالطبع يجب التنويه أننا نقد هذا العمل فقط، وشخصية الأستاذ فاضل لنكراني العلمية محفوظة في مكانها. العيوب الموجودة في كتاب “نظرية حق الطاعة في ميزان النقد والمراجعة” تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

أ- عيوب هيكلية

أولاً- استخدام جمل عامية

أهم عيب في معظم الكتب التي تُطبع تحت اسم “تقارير دروس العلماء الكبار” هو أن لغة الكتابة محكية ولم تُحول إلى لغة مكتوبة، وهذا يجعل القارئ يواجه صعوبة في فهم بعض الجمل. لو قام المحترم بعد ما يُسمى “تفريغ درس الأستاذ” بتحويله إلى لغة مكتوبة وأشرف الأستاذ على ذلك، لكان العمل أكثر فخامة بلا شك. بناءً على ذلك، يُلاحظ أحياناً في هذه الأعمال وجود كلمات زائدة كانت موجودة في الكلام الطبيعي، أو عدم مراعاة القواعد الأدبية في ترتيب الجمل، وهذه الأمور البسيطة تقلل من قيمة العمل. على سبيل المثال، يمكن النظر إلى عبارة من الصفحة ۱۴۶ من نفس الكتاب: «على كل حال إذا أراد الشهيد الصدر رحمه الله الإصرار على أن أصل حق الطاعة يعود إلى أصالة الحظر، يجب أن يقبلوا لوازم هذا التماثل؛ اللوازم التي هي نتيجة أصالة الحظر؛ أي يجب حتى في الحالات التي يكون العبد فيها متيقناً أن الشارع لا يكلّفه شيئاً، أن يتحرز ويوسع نطاق حق الطاعة أكثر مما هو عليه؛ لأن موضوع أصالة الحظر مطلق ويشمل الحالات التي يكون فيها العبد متيقناً بعدم التكليف». ربما لو تم تعديل هذه الفقرة إلى الشكل التالي، لاقتربت أكثر إلى اللغة المكتوبة: «على كل حال إذا أصر الشهيد الصدر على أن أصل حق الطاعة يعود إلى أصالة الحظر، يجب أن يقبل لوازم هذا التماثل؛ اللوازم التي هي نتيجة أصالة الحظر؛ أي يجب توسيع نطاق حق الطاعة وحتى في الحالات التي يكون العبد متيقناً بعدم التكليف أن يتحرز؛ لأن موضوع أصالة الحظر مطلق ويشمل هذه الحالة أيضاً».

كما تلاحظون، مع تغيير الفقرة تم توفير سطر واحد على الأقل وحُذفت كلمات زائدة؛ دون أن يحدث خلل في المعنى. والآن، لو تم الالتزام بهذه الطريقة في كتابة الكتاب، لكان النص أكثر سلاسة وأقصر!

ثانياً – وضع فهرس المحتويات في نهايته

رغم أن هذا الأمر قد يكون إلى حد ما مسألة ذوق، إلا أنه كما هو شائع حديثاً، يُوضع فهرس المحتويات في بداية الكتاب، والسبب في ذلك واضح؛ لأن الفهرس في الحقيقة هو خريطة الكتاب، ويمكن للقارئ أن يكتشف مزيداً من الوعي قبل الدخول إلى الكتاب، ويتعرف بشكل إجمالي على المواضيع التي ستُطرح فيه.

ثالثاً – عدم وجود ملخص وكلمات مفتاحية

رغم محاولة تفادي هذا العيب بمقدمة، إلا أن وجود ملخص يساعد القارئ على اكتشاف رأي المؤلف النهائي بقراءته، وإذا قرر قراءة الكتاب كاملاً، فلن يشعر بالحيرة.

رابعاً – كتابة عناوين كل فصل في أسفل الصفحة

قد يبدو هذا الأمر في البداية مسألة ذوق، لكن عندما يُوضع عنوان بداية الفصل في أسفل الصفحة، فإنه يخلق نوعاً من الطاقة السلبية للقارئ؛ لذا من المعتاد أن توضع عناوين الفصول في وسط الصفحة ليبدأ القارئ كل فصل بطاقة إيجابية. وفي النهاية، إذا لم يُقبل هذا الاستدلال، يجب القول إن كلما التزم الكاتب بالقواعد الهيكلية المتعارف عليها، كان ذلك أفضل للقارئ؛ لأنه بدلاً من الانشغال ببعض التفاصيل الجانبية، يركز على قراءة الموضوع الأساسي.

خامساً – عدم تطابق جزء من عنوان الكتاب مع محتواه الحقيقي

على غلاف الكتاب مكتوب “تقرير وتحقيق”، لكن القارئ كلما قلب الصفحات لم يجد أثراً للتحقيق. لو أن المقرر المحترم، مثلاً، أدرج بعض المصطلحات في الهامش، لكان هذا العمل أكثر قابلية للاستخدام، وكان اسم “تحقيق درس الخارج” مناسباً له إلى حد ما. كان بإمكان المؤلف أن يشرح مصطلحات مثل داعويت، ولوي، تنجز، ترخيص مولوي… باستخدام كتب موثوقة أو شرح الأستاذ، ليصبح مقصد المتحدث أوضح؛ لكنه اكتفى بإعطاء العناوين في الهامش، والتي قد يكون الأستاذ قد ذكرها بالفعل.

سادساً – تكرار الرقم المكتوب بالحروف بشكل رقمي

في بعض الحالات، مثل الصفحات 124 إلى 142 من هذا الكتاب، كتب المقرر أو الناشر الكريم رقم الموضوع بالحروف، وكرر كتابته بالأرقام، وهذا غير مألوف.

سابعاً – أخطاء تحريرية

في الحقيقة، تظهر الأخطاء التحريرية في هذا العمل بشكل قليل؛ رغم ذلك، يُلاحظ أحياناً؛ على سبيل المثال في الصفحة 125، السطر الخامس، كلمة (كه) لم تُكتب بشكل جيد، حيث كُتب حرف (ه) منفصلاً، وكذلك في الصفحة 192، السطر السابع عشر، كلمة (مولويت) حرف التاء منفصل عن الياء، وربما كُتبا بقلمين منفصلين، لكن بشكل عام، أخطاء التحرير في هذا العمل قليلة.

ب- العيوب المضمونية

رغم أنني تشرفت بالتلمذ لفترة عند الأستاذ الكريم، إلا أنني في المسائل العلمية، تعلمت منه ومن أساتذة آخرين أن نطرح العيوب العلمية دون مراعاة هذه الاعتبارات. وفيما يلي النقاط التي أراها عيوباً:

أولاً – المؤلف المحترم في المبحث الثاني من الفصل الثالث من الكتاب، يوجه نقداً إلى نظرية حق الطاعة للشهيد صدر ويذكر أدلة لا علاقة لها بما قاله الشهيد؛ مثلاً، في الصفحة 124 يكتب: «أنصار نظرية “حق الطاعة” يرون وجود ملازمة بين وجوب طاعة الله ونطاق “حق الطاعة”، ويعتقدون أنه كما أن “أصل وجوب طاعة الله” حكم بديهي عقلي أولي ولا يحتاج إلى برهان، فإن نطاق “حق الطاعة” أيضاً عنوان بديهي وأولي، ومن ثم يجب على العبد في جميع الحالات، سواء القطعيات أو الاحتمالات، أن يطيعه. الشهيد صدر يؤكد على هذه النقطة بشدة ويعتقد أنه كما أن أصل حق الطاعة بديهي وغير مبرهن، فإن نطاقه كذلك، والعقل العملي يثبت حق الطاعة في الحالات الاحتمالية أيضاً.

والآن يُطرح سؤالان في هذا النقاش يجب دراستهما:

السؤال الأول هو: هل توجد ملازمة بين بداهة عقلية لشيء ونطاقه؟ يبدو أنه لا مانع من أن يدرك العقل وجوب طاعة الله كحكم أولي بديهي، لكنه لا يكون ملزماً بأن يكون نطاق الطاعة بديهي وعقلي؛ لأن: أولاً، لا يوجد سبب يجعلنا نعتقد أنه إذا أدرك العقل حكماً بطريقة بداهية، يجب أن يكون نطاقه عقلياً وبديهياً أيضاً، بل قد يكون في ذلك النطاق تدخل للعقلاء أو حتى للشارع.

ثانياً، هناك أدلة على عدم وجود ملازمة: الدليل الأول هو أنه في نقاش اجتماع النقيضين، الذي يُعتبر استحالة عقلية بديهية، يختلف المنطقيون والفلاسفة في بعض شروطه، وبالتالي فإن استحالة اجتماع النقيضين لا تعني بالضرورة أن نطاقه بديهي، فقد يكون…».

يذكر المؤلف المحترم شواهد تثبت أنه قد يكون الحكم بديهيًا، لكن حدود ونطاق ذلك الحكم ليست بديهية، على عكس ما قاله الشهيد الصدر حيث قال: إذا كان الحكم بديهيًا فلا بد أن يكون نطاقه بديهيًا أيضًا! ويبدو أن الشاهد الأول الذي يطرحه الأستاذ الكريم غير صحيح؛ لأن الحكم باستحالة اجتماع النقيضين من أحكام العقل النظري، وأحكام العقل النظري لا تقبل التخصيص ولا يمكن لأحد أن يتدخل في حدودها؛ بمعنى آخر، اجتماع النقيضين محال في كل مكان وفي كل صورة، ولا يمكن ذكر صورة يكون فيها اجتماع النقيضين غير محال إلا من باب المجاز والكناية! أما في أحكام العقل العملي، مثل وجوب شكر المنعم، فقد يستطيع المنعم نفسه أن يقول مثلاً في حالة معينة (احتمال التكليف) لا حاجة لإيلاء ذلك اهتمامًا؛ بل رفع اليد عن ذلك الاحتمال أهم لي، وهنا يرى العقل العملي شكر المنعم في الانتباه لأمره بدلاً من ترك الاحتمال، والشهيد الصدر لا يرى فقط عدم استحالة تدخل المولى، بل يعترف بحدوثه في الشريعة ويقبل البراءة الشرعية.[1] أما الخلاف بين الفلاسفة والمنطقيين في شروط تحقق اجتماع النقيضين فهو خلاف لفظي فقط، وفي الحقيقة لا يوجد خلاف في جوهر المسألة. لتوضيح النقاش، يجب القول إنه في بحث التناقض، إذا أراد أن يحدث تناقض بين قضيتين، فقد قال الحكماء إنه يجب أن يكون بين القضيتين وحدة من جهات معينة حتى يتشكل التقابل على شكل تناقض؛ فبعضهم اشترط فقط وحدة الموضوع والمحمول[2]، وبعضهم أضاف إلى ذلك وحدة الزمن[3]، وبعضهم تجاوز ذلك واشتراط إلى جانب الثلاثة خمسة أنواع أخرى من الوحدة مثل: (الوحدة من حيث المكان، القوة والفعل، الكل والجزء، الشرط والتابع، والحمل)، وعددها ثماني وحدات[4]؛ وقد قيل حتى إن ابن سينا اشترط اثنتي عشرة وحدة[5]، مما جعل بعضهم يظن أن المنطقيين لديهم خلاف جوهري في هذا الباب، بينما هذا خلاف لفظي؛ لأنه حيثما لا توجد وحدة من جهة بين قضيتين، لا يمكن تصور التناقض أصلًا؛ فكل جهة تؤخذ في الاعتبار يجب أن تكون الوحدة موجودة فيها، واختلاف المنطقيين في عدد هذه الجهات يعود إلى أن بعضهم اعتبر الوحدات الأخرى من توابع الموضوع والمحمول ولم ير ضرورة لذكرها، وليس أنهم يعتقدون أنه إذا لم توجد وحدة من جهة ما يحدث التناقض! بل يجب أن تكون الوحدة في كل جهة تدخل في المسألة. الأستاذ ميرزا محمد مجتهد خراساني، من أساتذة المنطق المشهورين، الذي كان تلميذًا لابن صاحب الكفاية وكذلك للأديب النيسابوري، يلخص جميع أنواع الوحدة في ثلاثة أقسام: «وحدة الموضوع وتوابعه، وحدة المحمول وتوابعه، ووحدة الرابط وتوابعه[6]»؛ وهذا يدل على أن الخلاف عند الحكماء ليس في جوهر المسألة. علاوة على ذلك، يقول الأستاذ مجيد مهدوي صاحب كتاب زينة الناظر في شرح منطق المرحوم مظفر: «هذه الخلافات (في عدّ وحدات التناقض) ومناقشات لفظية، قابلة للزيادة أو النقصان».[7] ولمزيد من التوضيح يمكنكم الرجوع إلى مصادر أخرى في علم المنطق أيضًا.[8]

أما الشاهد الثاني الذي يذكره فهو كما يلي: «ما قيل في بحث القطع الموضوعي أن الله تعالى يمكنه أن يحرّم الخمر بذاته مرة واحدة، أي أن يقول “الخمر حرام”، ويمكنه أن يحرّم خمرًا معينًا ويقول مثلاً “الخمر المقطوع حرام” أو “إذا قطعت بخمرية شيء فهو حرام”، وهذا يعني أن الشارع نفسه يمكنه أن يحدد دائرة الطاعة من حيث العلم أو الاحتمال والظن. لذلك، إذا أردنا أن نعتبر دائرة حق الطاعة بديهية وعقلية، فإن أول لازمة فاسدة لذلك هي أن الشارع تعالى لا يستطيع أن يتصرف في أحكامه كما هو الحال في أصل الحكم البديهي العقلي مثل استحالة اجتماع النقيضين؛ أي إذا كان الحكم العقلي بديهيًا في شيء، فلا يمكن للشارع أن يخالفه، بينما الشارع في هذه الدائرة له بالضرورة حق التصرف ويمكنه أن يتصرف فيها».

يبدو أن هناك تصورًا بأن الشهيد الصدر ينكر تدخل الشارع المقدس في دائرة الطاعة، بينما هو، بناءً على نقل هذا الكتاب في الصفحة ٨٩، لا ينكر فقط تدخل الشارع المقدس في دائرة حق الطاعة، بل يقبل إمكانية ذلك؛ حيث يقول: «نحن نؤمن في هذا المسلك (مسلك حق الطاعة) بأن الملوية الذاتية الثابتة لله سبحانه وتعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة، بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالًا، وهذا من مدركات العقل العملي وهي غير مبرهنة؛ فكما أن أصل حق الطاعة للمنعم والخالق مدرك أولى للعقل العملي غير مبرهن، كذلك حدوده سعة وضيقًا، وعليه فالقاعدة العملية الأولى هي أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص الجاد في ترك التحفظ، فلا بد من الكلام عن هذا الترخيص وإمكان إثباته شرعًا وهو ما يسمى بالبراءة الشرعية»[9]

«ترجمة: نحن في إطار نظرية حق الطاعة نعتقد أن المولوية الذاتية والثابتة الإلهية لا تقتصر على التكليفات القطعية؛ بل تشمل كل تكليف وصل إلى المكلف بأي وجه، ولو باحتمال واحد. وبالطبع، هذه المسألة أمر وجداني وغير برهاني؛ أي كما أن حق طاعة الله المنعم والخالق للإنسان أمر غير برهاني ومدرك للعقل العملي، فإن حدودها وشروطها ستكون كذلك. ومن ثم، وفقًا لحكم العقل، الأصل الأولي هو الاحتياط؛ إلا إذا ورد ترخيص قطعي بترك التحفظ على ذلك التكليف. في هذه الحالة، يجب مناقشة طبيعة الترخيص وإمكانية إثباته شرعًا تحت عنوان البراءة الشرعية.»[10] المؤلف المحترم، لرد الملازمة بين بديهية المطلب وبديهية دائرته، يذكر شاهدًا آخر وهو أمر يثير الدهشة؛ حيث يكتب في الصفحة ١٢٥ من الكتاب: «الشاهد الثالث هو أن الشارع المقدس يمكنه في الحالات التي يوجد فيها ظن بحكم ما، ولكن في المقابل يستصحاب يعارضه، أن يجعل الاستصحاب حجة».

كيف أن في الحالات التي يوجد فيها ظن مخالف للاستصحاب، يكون الاستصحاب مقدمًا! ما العلاقة بين هذا ورفض الملازمة المذكورة؟ هذا الأمر غير واضح؛ ربما قصد الأستاذ الجليل أن يذكر نقطة تدخل فيها الشارع، ولكن حتى في هذه النقطة، الشارع لم يتدخل في سعة أو ضيق حكم بديهي، ليكون المطلب المذكور شاهدًا!

ثانيًا- هناك حالات في هذا الكتاب إما سهو في الكتابة أو أن الكلمة المذكورة لم تُعتبر صحيحة؛ وفي كل الأحوال، لا يوجد تبرير معنوي لها؛ على سبيل المثال، يكتب في الصفحة ٢٢١: «نظرية حق الطاعة من المسائل الأصولية التي استُشرِبَت من مبادئ كلامية مهمة مثل المولوية التشريعية لله تعالى». كلمة “استُشرِبَت” في اللغة استُعملت بعدة معانٍ: تعني الإرواء، الكذب على الآخرين، العطش، الربط، الاستقرار في القلب، وتكوين الحبوب في الزرع[11]، ولا يمكن لأي من هذه المعاني أن تكون صحيحة في الجملة المذكورة، ولكن لو وُضعت كلمة (أُخذت) مكانها، لزالت المشكلة.

ثالثًا- في القول الثالث من الفصل الرابع، الصفحة ١٨٨، كتب: «… الشهيد صدر، معتمدًا على نظرية حق الطاعة، يعتقد أنه رغم أن العلم الإجمالي في باب العلم كالعلم التفصيلي ومنجز، ورغم أن احتمال وجود التكليف في أطراف العلم الإجمالي أيضًا منجز، إلا أنه في الوقت ذاته، من حيث الثبوت، يوجد احتمال الترخيص في جميع أطراف العلم الإجمالي والإذن بالمخالفة للتكليف المعلوم بالاجمال، وبالتالي إسقاط منجزية العلم الإجمالي؛ بينما من وجهة النظر المشهورة، الترخيص الشرعي في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي يعني الإذن بالمعصية، وبسبب القبح العقلي لذلك، فهو محال».

المطلب معروض بطريقة توحي بأن الشهيد صدر في مسألة إمكانية الترخيص في أطراف العلم الإجمالي هو منفرد، وأنه استنتج هذا نتيجة اعتقاده بحق الطاعة؛ بينما المرحوم آخوند خراساني (قدس سره) ليس فقط يعتقد بإمكانية الترخيص في أطراف العلم الإجمالي (مع أنه لم يطرح مسلك حق الطاعة أصلًا)، بل يقول إن الشريعة أيضًا أعطت هذا الإذن من قبل الشارع المقدس، حيث يكتب: «الأمر السابع أنه قد عرفت كون القطع التفصيلي بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجزه لا تكاد تناله يد الجعل إثباتًا أو نفيًا، فهل القطع الإجمالي كذلك؟ فيه إشكال ربما يقال إن التكليف حيث لم يُنكشف به تمام الانكشاف وكانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة جاز الإذن من الشارع بمخالفته احتمالا بل قطعا، وليس محظورًا مناقضته مع المقطوع إجمالًا، إنما [إلا] محظور مناقضة الحكم الظاهري مع الواقعي في الشبهة غير المحصورة بل الشبهة البدويّة [لا يُقال: إن التكليف فيهما لا يكون بفعلي. فإنه يُقال: كيف المقال في موارد ثبوته في أطراف غير محصورة أو في الشبهات البدويّة، مع القطع به أو احتماله أو بدون ذلك] ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي والإذن بالاقتحام في مخالفته بين الشبهات أصلًا، فما به التفصي عن المحظور فيهما كان به التفصي عنه في القطع به في الأطراف المحصورة أيضًا كما لا يخفى [وقد أشرنا إليه سابقًا ويأتي إن شاء الله مفصلًا]. نعم كان العلم الإجمالي كالتفصيلي في مجرد الاقتضاء لا في العلة التامة فيوجب تنجز التكليف أيضًا لو لم يمنع عنه مانع عقلي كما كان في أطراف كثيرة غير محصورة أو شرعًا كما في ما أذن الشارع في الاقتحام فيها كما هو ظاهر: (کل‌ شی‌ء فیه حلال و حرام‌ فهو‌ لک حلال حتى تعرف الحرام منه بعینه)؛ وبالجملة قضية صحة المؤاخذة على مخالفته مع القطع به بين أطراف محصورة وعدم صحتها مع عدم حصرها أو مع الإذن في الاقتحام فيها هو كون القطع الإجمالي مقتضيًا للتنجز لا علة تامة. وأما احتمال أنه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى لزوم الموافقة القطعية وبنحو العلة بالنسبة إلى الموافقة الاحتمالية وترك المخالفة القطعية فضعيف جدًا. ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة فلا يكون عدم القطع بذلك معها موجبًا لجواز الإذن في الاقتحام بل لو صح معهما [معها] الإذن في المخالفة الاحتمالية صح في القطعية أيضًا فافهم.

ولا يخفى أن المناسب للمقام هو البحث عن ذلك كما أن المناسب في باب البراءة والاشتغال بعد الفراغ هاهنا عن أن تأثيره في التنجز بنحو الاقتضاء لا العلية هو البحث عن ثبوت المانع شرعاً أو عقلاً وعدم ثبوته كما لا مجال بعد البناء على أنه بنحو العلية للبحث عنه هناك أصلاً كما لا يخفى. هذا بالنسبة إلى إثبات التكليف وتنجزه به.»[12]

النتيجة والاستنتاجات

أ) الاستنتاجات

بمراجعة الأثر، يمكن الادعاء بأن بعض الإشكالات التي طرحها الأستاذ الفاضل لنكراني (زيد عزه) حول نظرية حق الطاعة، غير واردة، وبعض الشواهد التي ذكرها لتأييد كلامه لا يمكن أن تكون دليلاً له، وقد قُدِّمت مستندات ذلك في هذا المقال. وبالطبع، يجب الاعتراف بأن فهمه لكلام الشهيد الصدر (قدس سره) كان جيداً جداً، فقد تعرف تماماً على نظرية حق الطاعة ثم طرح إشكالاته عليها.

ب) الاقتراحات

١- بسبب طابع النص الحواري في الأثر، يُقترح إعادة مراجعته، وفي الطبعات القادمة يُغيَّر نص الكتاب إلى صيغة كتابية.

٢- في الطبعات القادمة، يُصحَّح الأخطاء التحريرية.

٣- تُحذف كلمة تحقيق من غلاف الكتاب ويُكتفى فقط بكلمة تقرير.

[1] دروس في علم الأصول، المجلد الثاني، الحلقة الثالثة، ص ٣٤٠؛ «وبعد أن تبين أن البراءة (الشرعية) تجري عند الشك لوجود الدليل عليها وعدم المانع…»

[2] رهبر خرد، ص ٢١٨، هذا القول منسوب إلى فخر الرازي.

[3] المرجع نفسه، ص ٢١٨، هذا القول منسوب إلى الفارابي.

[4] المرجع نفسه، ص ٢١٩، قول المرحوم ملا صدرا.

[5] المرجع نفسه، ص ٢١٩.

[6] المرجع نفسه، ص ٢١٨.

[7] زينة الناظر، ص ٢٣٤.

[8] حاشية ملا عبد الله، ص ٧١؛ شرح شمسيّة، ص ١١٩؛ شرح المنظومة، ص ٦٠؛ شرح المطالع، ص ١٦٧؛ اللمعات، ص ١٩.

[9] دروس في علم الأصول، ج ٤، ص ٣٢٢.

[10] نظرية حق الطاعة في بؤرة النقد والمراجعة، ص ٩٠.

[11] لسان العرب، ج ١، ص ٤٩١؛ تاج العروس، ج ٢، ص ١٠٣؛ الصحاح، ج ١، ص ١٥٤؛ المنجد، مادة شرب.

[12] كفاية الأصول، الصفحات ٢٧٣-٢٧٤.