ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی نوآوریهای شهید صدر در جمع عرفی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تتناول هذه المقالة ابتكارات الشهيد صدر في مسألة الجمع العرفي كأحد المواضيع الأساسية في علم الأصول في حل تعارض الأدلة. فقد تبنّى الشهيد صدر في هذا المجال منهجًا متميزًا عن الشائع بين الأصوليين، حيث صاغ معيار الجمع العرفي حول محور «القرينة» وقدم تفسيرًا متماسكًا لجميع نماذج التعارض غير المستقر. ويُظهر هذا البحث كيف نقد آراء أصوليين مثل الشيخ الأنصاري، ومرجع النائيني، والإمام الخميني (قده)، معتبرًا مفاهيم مثل الحكم، والتقييد، والتخصيص، والظهور مجرد أدوات لاكتشاف المراد الجدي للمتكلم. وبناءً على أفكار أصول الشهيد صدر، فإن رفع اليد عن الظهور العام والمطلق دون اعتبار القرينة لا دليل عليه؛ لذا لا ينبغي أن يُبحث عن معيار رفع التعارض في الظواهر والمعايير الشكلية فقط، بل يجب الانتباه إلى الوظيفة الدقيقة للقرينة في نظام المحاورات العرفية. هذا البحث، إلى جانب إعادة قراءة هذه المفاهيم، يوضح التمييز الدقيق بين الحكم والدخول في منظومته الفكرية.
المؤلف: محمدصادق فیاض
المصدر: مطالعات اصول فقه امامیه، ربيع وصيف 1396، العدد 7، ص 36 إلى 54.
المقدمة
من المرحوم آية الله الشهيد السيد محمد باقر صدر (1350-1400هـ)، تتوفر الآن عدة مؤلفات علمية في موضوع علم الأصول بين أيدي الباحثين في الفقه، وقد صيغت بما يتناسب مع المستويات التعليمية والبحثية المختلفة. إن التأمل في مجموع هذه الأعمال يتطلب وقتًا طويلًا، لكن ما سيتم بحثه في هذه الدراسة هو ابتكارات الشهيد صدر في خصوص الجمع العرفي. وفقًا لاعتقاد بعض تلاميذ الشهيد صدر، والذي يتوافق مع نتائج هذا البحث، فقد اتخذ الشهيد صدر في هذه المسألة منهجًا متميزًا نسبيًا في الطريقة والمضمون. وتتمثل خصائص هذا المنهج في صياغة المعيار حول محور القرينة الأدبية، وتفسير متماسك لجميع نماذج التعارض غير المستقر، وتمييز المعيار عن دلالاته الإثباتية. وبصرف النظر عن الخلفية الناقصة لهذه النظرية في أفكار الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني، فإن الاهتمام بها كنظرية نسبية الانتشار يبدأ من المرحوم النائيني ويكتمل مع الشهيد صدر. فقد عرف القرينة وعممها على جميع نماذج الجمع العرفي، معرفًا «الحكم»، و«التقييد»، و«التخصيص»، و«الظهور» كأدوات لاكتشاف ذلك المعيار العام. وبناءً عليه، فإن ما يكون أساس رفع اليد عن الظهور العام والمطلق والمقيد والمحكوم في مواجهة الخاص والمقيد هو القرينة، والحكم، والتقييد، والتخصيص هي آليات يستخدمها المتكلم داخل نظام المحاورات العرفية للتعبير عن مراده النهائي/الجدي. ومن وجهة نظر الشهيد صدر، فإن رفع اليد عن الظهور دون اعتبار للقرينة ووظيفتها في هذه النماذج لا دليل عليه. وقد تم تقديم هذا الطرح وتفسيره في معظم مؤلفات أصول الشهيد صدر.
تعريف الجمع العرفي
الجمع العرفي هو التصرف في دلالة أحد الدليلين اللذين يتعارضان ظاهريًا. ويستند هذا التصرف إلى ارتكازات عرفية، وبعبارة المرحوم الشيخ الأنصاري، إلى قبول ذلك في مجال التفاهم والتخاطب في العلاقات الإنسانية (شیخ انصاری، 1428: 4/ 73 و 136). وقد فسرت بعض المصادر المتأخرة العناصر المشاركة فيه تحت هذا العنوان:
الجمع مهما أمكن أولى من الطرح؛ أي الجمع بين الأدلة إذا أمكن، أفضل من طرحها.
ويشمل ظاهر هذا التعبير التأويلات العقلية أيضًا، ولكن بما أنه لا يوجد دليل على مشروعية الجمع بهذا التساهل، فإن القدر المؤكد منه هو الجمع العرفي (آخوند خراسانی، 1430: 3/ 304). ولذلك، المقصود من الجمع هو الجمع الدلالي الذي يُرفع به التنافي بين الدليلين من خلال التصرف في أحدهما، ويُتاح العمل وفق السلوك العرفي وليس الاستدلالات أو التأويلات العقلية. كما أن المقصود بالأولوية هو وجوبها بشكل معين، أي أنه عند توفر شروط تطبيق هذه القاعدة، لا مجال للرجوع إلى الخيارات الأخرى (مشکینی، 1423: 193).
معيار الجمع العرفي
النقطة الخلافية في الجمع العرفي هي معيار التقديم فيه، حيث يرى المرحوم الآخوند في بعض الحالات أن القرينة هي المعيار، وفي حالات أخرى تعتمد على الذوق المطلق للعرف (آخوند خراسانی، 1430: 3/ 294). وقد حاول بعض شارحي فكر الآخوند تصنيف هذه الحالات المختلفة بمعايير متعددة والتحدث صراحة عن معيار مزدوج للجمع العرفي والدلالي (مشکینی، 1413: 5/ 116). ولم يكن هذا المسار قد تم بشكل منهجي من قبل المرحوم الشيخ الأنصاري (نگ: شیخ انصاری، 1428: 2/ 790). ومن بين هؤلاء، تحدث المرحوم النائيني فقط عن حصر الجمع العرفي في أحد أمرين، إما الدلالة أو القرينة (نایینی، 1376: 4/ 727). وقد لاقى اهتمامه بمكانة القرينة في الجمع العرفي بعض القبول من الأصوليين اللاحقين، لكن المرحوم الشهيد صدر هو من قال إن معيار رفع التعارض في جميع حالات الجمع العرفي هو القرينة:
كل كلام ظاهر حجّة ما لم يثق المتكلم بنفسه على ظهور آخر لتفسير الكلام واكتشاف المراد النهائي؛ ففي هذه الحالة، ما يُعتد به عقليًا هو مقتضى ذلك الظهور الذي أُعد لتفسير واكتشاف المراد النهائي، ويسمى قرينة، ولا يشمل دليل الحجية ظهورًا معارضًا له (شهید صدر، 1418: 2/ 546).
والقرينة بهذا المعنى نوعان: أحيانًا يضعها المتكلم بنفسه في كلامه، وأحيانًا يكتشفها العرف وفق نظام المحاورات. وفي كل الأحوال، إذا كانت القرينة بهذه الخصائص متصلة بذو القرينة، فلن يُعقد ظهور معارض لها، أما إذا كانت منفصلة عنها، فإن معيار تمييزها من وجهة نظر الشهيد صدر، الذي صاغه بتتبع المرحوم النائيني، هو:
كل ما يمكن أن يكون قرينة في فرض الاتصال يكون قرينة أيضًا في فرض الانفصال، وكل ما لا يؤدي هذه الوظيفة في فرض الاتصال لا يؤديها في فرض الانفصال أيضًا (شهید صدر: 5/ 595؛ نگ: نایینی، 1376: 2/ 579).
من الواضح أن موضوع الحجية أيضًا في الظواهر، هو مدلول تصديقي يُثبت في هذه الحالات مع المتغير الدال على القرينة، بحيث لا يمكن إثباته بمفرده من ما هو في مقام ذي القرينة، وفي النهاية، لا تمنع هذه الفئة من الاختلافات حجية الدليل من الاقتضاء بالنسبة لذو القرينة، بل تنقيح موضوعها. وقد تم هذا المسار في التعارض المستقر بصورة عكسية؛ أي أن الاختلاف بين الأدلة هناك يؤدي أولًا إلى تعارض مدلول بعضها البعض، وفي النهاية يمنع دليل الحجية من الاقتضاء؛ لأن في فرض التعارض، لا يمكن الالتزام بها، إذ هو تسليم أمام التناقض وهو محال. وإن دور منع التعارض في الأدلة بالنسبة لدليل الحجية، رغم كونه من الفرضيات المهمة في التعارض المستقر، إلا أن المرحوم الشهيد صدر هو الوحيد الذي أبرز الفرق بين حالات الجمع العرفي والتعارض في الأدلة من هذه الزاوية في مقام التعريف:
نقصد بالتعارض المستقر التنافي بين دليلين في مرحلة شمول دليل حجيتهم؛ أي أن هذا التعارض [من التنافي بين مدلولهما] يمتد إلى دليل الحجية (شهید صدر، 1415: 7/ 42).
قبل هذا، وإن لم يصرح المشهور في تعريف التعارض بهذه الإشكالية، إلا أن المرحوم آخوند خراساني كشف هذه الفرضية في فكرهم ليُدافع على وظيفة وحدة المرجحات القائمة على إحياء سند المتعارضين (نگ: فیاض، 1395). ومن الواضح أن امتداد التعارض إلى دليل حجية السند يختص بالحالات التي تكون فيها السندات ظنية، ويوجد إمكانية الالتزام بها من دون شروط التعارض، أما في الحالات التي تكون فيها السندات قطعية، فإن التعارض بكل آثاره يظل محصورًا في مستوى الدلالات (صدر، 1408: 5/ 604).
يجب تقييم مزاعم المشهور والمرحوم الشهيد صدر حالة بحالة، لكن هنا نكتفي بالقول إن الجمع العرفي، كما يُستفاد من عنوانه، لا يرفع يد أي منهما تمامًا، بل مع مراعاة صلاحية الدليل عرفيًا في التصرف في الدليل الآخر وفق رأي أمثال المرحوم آخوند، أو مكانة القرينة المحضة وفق رأي الشهيد صدر، يتم تفسير أو بل تعديل دلالة الدليل الآخر أو ذو القرينة. ويقابل الجمع العرفي اصطلاحًا «الجمع التبرعي» (المرجع نفسه: 605).
شروط الجمع العرفي
ما أكده المتأخرون إلى حد ما هو اجتماع ثلاثة شروط في الأدلة المتعارضة؛ فلا فرق إذا كان تعارضها من النوع المستقر أو غير المستقر، ولكن يجب أن تتوفر هذه الشروط بغض النظر عن التعارض:
– إثبات الصدور؛
– تمامية الدلالة؛
– تمامية جهة الصدور (نایینی، 1352: 2/ 110)[1]
سبب التأكيد على هذه الشروط هو دليلية المتعارضين قبل النظر في شروط التعارض؛ أي في تعارض دليلين سواء من النوع المستقر أو غير المستقر يجب أن يكون كلاهما، بغض النظر عن هذا الوضع، لهوية الدليل، وإذا افتقدت رواية في حالة ما أحد هذه الشروط الثلاثة فهي فاقدة للحجية ولن يتشكل أي نوع من التعارض؛ لأن التعارض يكون بين الحجج لا بين الحجة واللا حجة.
على كل حال، طرح المرحوم الشهيد صدر وبعض آخرين شروطًا للجمع العرفي مستقلة عن شروط التعارض المطلقة. وهذه المجموعة التي تكررت مع اختلاف طفيف في جميع آثار الشهيد الأصولية هي:
- وحدة المتكلم في كلا القولين؛[2]
- عدم العلم الإجمالي بكذب أحدهما (المرجع نفسه: 703).
- بقاء مجال الالتزام بذو القرينة (شهید صدر، 1417: 7/ 207).
بعض المعاصرين زادوا هذه القائمة إلى خمسة شروط؛ أي بالإضافة إلى هذه الشروط الثلاثة، يجب إثبات أصل الصدور، ووجود قرينة على التصرف في أحد الدليلين أيضًا (سبحانی، 1424: 4/ 338). وبعض مقرري دروس الشهيد خصصوا الشرط الأول للفظية الأدلة (عبدالساتر، 1417: 13/ 271).
من هذه الشروط، الثاني والثالث يختصان فقط بالجمع العرفي، أما الشرط الأول فهو مشترك مع حالات التعارض المستقر، وبالطبع إبرازها في مقام شروط الجمع العرفي الخاصة لا يحمل جديدًا يؤثر في تبني النظريات الرئيسية في هذا المجال، بل شروط مثل إثبات أصل الصدور تتعلق بالمفهوم التحليلي للقاعدة؛ وكذلك وجود قرينة على التصرف، بالإضافة إلى كونه معيار الجمع من وجهة نظر أمثال الشهيد صدر، فإنه من وجهة نظر المرحوم النائيني ليس جامعًا لكل نماذج الجمع العرفي (نایینی، 1376: 4/ 727). كما أن إثبات صدور الأدلة من متكلم واحد، وعدم العلم الإجمالي بكذب أحدهما، وعدم تخصيص الأكثر، على الأقل بالنسبة للأصوليين المتأخرين، هي من الفرضيات المسلّم بها في مسائل التعارض العامة وخاصة الجمع العرفي. لذلك، توضيح هذه الفرضيات قبل التطبيق التعليمي للمتعلمين في علم أصول الفقه لا يلعب دورًا في تغيير أو تطوير هذه المناقشات. ومن هذا المنظور، يكفي التأكيد على نفس الشروط الثلاثة العامة للأدلة في بحث التعارض.
مكانة الدخول
وفق ما أصرح به الشهيد صدر في مؤلفاته التعليمية بشكل بارز (نگ: شهید صدر، 1419:2/ 543)، وأيضًا تبعًا لقاعدته الواضحة في تقديم نماذج الجمع العرفي، فإن الدخول ليس من مصاديق الجمع العرفي أصلًا؛ لأن:
الدخول هو نفي الموضوع وجدانيًا نتيجة الالتزام لا بسبب ثبوت المتعبد به نفسه. وبالطبع ثبوت المتعبد به لا ينفصل عن الالتزام، ولكن ثبوته بسبب الالتزام هو الذي يثبت بالوجدان لا بالالتزام (خویی، 1417: 2/ 297)
في عملية الدخول لا يحدث جمع بين الدلالات، بل يُنفي موضوع أحد الدليلين بسبب دخول الدليل الآخر، ومن الواضح أنه عندما يكون الدليل فاقدًا للموضوع، لا يكون له فعل ليعارض دليلًا آخر. علاوة على ذلك، المعيار في الجمع العرفي هو القرينة. المفروض في تحقق هذا المعيار أولًا هو اختلاف بين الدلالات، ولكن مع نفي الموضوع لا يبقى اختلاف؛[3] ثانيًا، من شروط الجمع العرفي بقاء مجال الالتزام بذو القرينة إلى جانب القرينة، ولكن بوجود دليل داخِل، لا يبقى مجال للعمل بالدليل المدخول.
تبيين مكانة الدخول على نحو لا يكون من مصاديق الجمع العرفي بل يكون الجمع فيه حقيقيًا، من نقاط القوة في أفكار الشهيد الصدر التي أشار إليها بعض الأصوليين سابقًا (حکیم، 1408: 2/ 554)، لكن الغالبية اعتبرته من مصاديق الجمع العرفي.
حالات الجمع العرفي
هناك قضيتان متفق عليهما في القرينية:
– تقديم القرينة على ذوالقرينة؛
– عدم وجود قاعدة واحدة وشاملة لإثبات القرينية.
المشهور بين الأصوليين أن إحدى طرق التعرف على القرينة تعتمد على دورها غير الركني من الناحية اللغوية، لكن القرينية لا يمكن أن تقتصر على هذا النموذج فقط، بل تختلف باختلاف موقع المتكلمين والمخاطبين وكذلك المقاصد (نایینی، 1352: 1/ 536). ولهذا السبب، من وجهة نظر الشهيد الصدر، جميع حالات الجمع العرفي هي من مصاديق القرينية؛ والفرق إن وُجد هو في كون القرائن نوعية وشخصية. وهذا في حين أنه قبل ذلك كان يُذكر غالبًا التخصيص والتقييد وما شابهها كضوابط مستقلة. إن دراسة وتقييم صحة هذه الادعاءات يتطلب مراجعة حالات الجمع العرفي وكذلك إعادة النظر في وجه التقديم فيها. ووفق ترتيب الشهيد الصدر نبدأ بمورد الحكم:
الحكم
على الأقل في العصر المعاصر، الحكم هو أحد نماذج الجمع العرفي القطعية، والمقصود به العلاقة الحاكمة بين دليل وآخر، ولهذا السبب، دون النظر إلى علاقة العموم والخصوص أو قوة وضعف الدلالة، يُقدم الدليل الحاكم. لكن ما أصل سيطرة الدليل الحاكم؟ وفقًا لإجابة الشهيد الصدر، هذه الخاصية كامنة في لسانه الرقابي:
الحكم هو إشراف أحد الدليلين على الآخر؛ أي أن يكون مشتملاً على خصوصية تجعله ناظرًا إلى مدلول الدليل الآخر ومحددًا للمراد النهائي منه (شهید صدر، 1417: 7/ 165).
يميز هذا النوع من القرينية أن المتكلم يوظف عناصر إشرافية لتفسير كلامه الآخر. والحكم بهذا المعنى له ثلاثة أقسام أو على الأقل تُرى هذه الطرق الثلاثة في الأدلة:
- التفسير المباشر: وفق هذا الأسلوب، يتم التعبير عن الإشراف باستخدام عناصر تفسيرية؛ مثل أن يصرح المتكلم بنفسه أنه يقصد من تلك الجملة هذا المعنى؛
- التنزيل: في هذا الأسلوب يُنزل موضوع على موضوع آخر، وبالفعل يُوسع الأحكام على الموضوع المنزّل عليه بالإشراف على الدليل المنزّل عليه؛
- تناسب الحكم والموضوع: أحيانًا في الحكم والموضوع خصائص تدل على أنه نُقل بإشراف على دليل آخر؛ مثل الأدلة التي تنفي الحرج والضرر، والتي لا تعني نفي الضرر والحرج مطلقًا في التشريعات، بل نفي الإطلاق من قبل هؤلاء الحكام.
الخاصية المشتركة بين هذه الأقسام الثلاثة هي إشراف دليل على دليل آخر، ومن الممكن وجود أنواع أخرى، لكن المهم هو القدرة الإشرافية وليس أسلوب التعبير، وهذه القدرة وحدها تبرر تقديم الحكم؛ لأن المتكلم يستخدمه كقرينة لفهم ذوالقرينة ويشمل هذه القاعدة العامة:
المراد الشامل والنهائي للمتكلم يتحدد بظهور المتغيرات التي اعتمد عليها لتفسير كلامه (شهید صدر، 1417: 7/ 166).
لذا، وجه تقديم الدليل الحاكم هو ظهوره في تحديد مراد المتكلم من جانبه كقرينة، ولكل متكلم الحق في تفسير وتحديد مقاصده بأنواع القرائن سواء كانت متصلة أو منفصلة (المرجع نفسه: 165-170؛ 1408: 5/ 578-580).
النقد والمراجعة
تنقيح وتوسيع نظرية الحكم من ابتكارات المرحوم الشيخ الأنصاري؛ فقد طرحها وفسرها في حالتين لحل الخلافات الأولية بين الأدلة. العنصر المحوري في تعريف الشيخ للحكم هو إشراف دليل على دليل آخر بحيث إذا لم يكن هناك دليل محكوم عليه، يفقد الدليل الحاكم معناه:
قاعدة الحكم هي أن أحد الدليلين يتعرض بحال مدلوله اللفظي للدليل الآخر، ويزيل الحكم عن بعض أفراد الموضوع الذي ثبت به ذلك الدليل. لذلك، الحاكم يبين مقدار مدلول الدليل الآخر، ويؤدي بيان حاله، ويتفرع على ذلك الدليل الآخر. والمقياس هو أنه لو لم يدخل ذلك الدليل الآخر، لكان هذا الدليل ملغى وبدون موضوع (شیخ انصاری، 1428: 4/ 13).
رحم الله شيخ، فقد حدَّد مستوى الإشراف بين الدليلين في الحكم، على مستوى الأصل والفرع، وهذا ما أثار النقد بأن الإشراف في الحكم يكفي أن يكون على مستوى بيان مقدار المراد منه، ولكن ليس إلى الحد الذي إذا غاب فيه، يُلغى تشريع دليل الحاكم (آخوندخراسانی، 1430: 3/ 294). كما حاول المرحوم الشهيد الصدر من خلال طرح أقسام الحكم الثلاثية أن يمنح الأصل النظري مرونة أكبر؛ إذ ركز على أن جوهر الحكم هو الإشراف التفسيري، فاعتبر تنوعه واختلافه من هذه الزاوية. لذلك، يتميز سجل الشهيد الصدر في هذا الشأن من ثلاثة جوانب كما يلي:
1. توسيع نظرية القرينة
تمكن الشهيد الصدر بنجاح من إثبات أن طبيعة دليل الحاكم ليست سوى القرينة؛ لأن دور القرينة هو فقط شرح وتحديد المراد النهائي للمتكلم من ذي القرينة، ولم يُشترط لها أي قيد أو شرط سوى التوضيح والتحديد للمراد من ذي القرينة، وهذا هو الدور نفسه الموجود في دليل الحاكم. وبعبارة أخرى، المعيار في القرينة هو أنه في فرض اتصالها بذو القرينة، يكون الظهور المستفاد منهما وحدة معنوية واحدة؛ وهذا الظهور الجديد يختلف عما يُستخدم من ذي القرينة في فرض انفصالها عن القرينة.
2. بيان الإشراف الحاكم وتمييز مستوياته
سبق الإشارة إلى أن المرحوم الآخوند لم يتقبل تشدد الشيخ في تحديد مقدار الإشراف، لكنه لم يوضح إلى حد أن الإشراف وحده يكفي. أما الشهيد الصدر، فباعتبار أن جوهر الحكم هو الإشراف، فقد وسع الحكم موازاةً لمستويات الإشراف؛ لأنه كما يحق للمتكلم أن يحدد مراده بالتفسير والتحديد المباشر، يمكنه أيضًا أن يضمّن الإشراف في الكلام بطريقة غير مباشرة ضمن إطار القواعد العرفية. مع هذا الفهم للإشراف، لن نضطر بعد الآن، كما فعل المرحوم الآخوند وشارحو آثاره، إلى الحديث عن تشتت قواعد التقديم بين الأدلة أو إحالة أمور مثل تقديم الأدلة الثانوية على الأحكام الأولية إلى الذوق العرفي (المرجع نفسه).
حتى وإن لم يُصرح الشهيد الصدر بذلك، فإن فكره يميل إلى أن طبيعة الحكم ليست إلا نوعًا واحدًا وهو المبني على الإشراف الحصري للدليل، ولكن بما أن مستويات الإشراف مختلفة، فإن الحكم سيكون متنوعًا أيضًا؛ ولا فرق بين أن تكون نتيجة هذا التوسع في موضوع دليل المحكوم أو تضييقه، ولا فرق بين أن يكون مضمون هذا التوسع حقيقيًا أو ظاهريًا؛ لأن الحكم لا يتكفل ببيان أقسام الحكم. بناءً على ذلك، فإن تقسيم الحكم إلى حقيقي وظاهري، كما يظهر في فكر المرحوم النائيني، لا يتعلق بطبيعة النظرية وآليتها العملية. فقد قسم النائيني الحكم إلى حقيقي وظاهري مع ملاحظة أن الحكم لا يؤدي دائمًا إلى تضييق أو توسع حقيقي في موضوع الدليل:
في الحكم بين الأدلة يكفي أن يتصرف أحدها في عقد الوضع أو في عقد حمل الدليل الآخر… وهذا التصرف يكون أحيانًا بإدخال بعض الأفراد في موضوع الدليل الآخر، مما يؤدي إلى توسع دائرته، وأحيانًا بإخراج بعض الأفراد، مما يؤدي إلى تضييق دائرة موضوع ذلك الدليل الآخر؛ مثل أن يقول زيد الجاهل بعد “أكرم العلماء”: زيد العالم، أو بعد بيان حكم الشك يقول: “لا شك لكثير الشك”.
وأحيانًا يكون هذا التصرف بإعدام موضوع الدليل الآخر؛ وهذا الإعدام تشريعي فقط وليس تكوينيًا. النوع الأول يختص بالأدلة التي تتكفل بيان الحكم الحقيقي، ومن ثم يكون الحكم بينها حقيقيًا، أما النوع الثاني فيتعلق بالأحكام الظاهرية، ويكون الحكم بينها ظاهريًا؛ مثل حكم الإمارات على الأصول العملية (نایینی، 1376: 4/ 595).
ومع ذلك، فإن المرحوم النائيني في موضع آخر، دون الإشارة إلى هذا التقسيم الثنائي للحكم، يقارن مضمونه بالتخصيص، حيث إن خروج الأفراد من موضوع الدليل العام والمحكوم فيه حكم تشريعي في كلتا الحالتين، ولا علاقة له بالعالم التكويني (المرجع نفسه: 713).
إن تقديم وظائف متباينة للحكم يعود إلى أن أمثال المرحوم النائيني، من جهة، لديهم هاجس تقديم تعريف موحد للحكم، ومن جهة أخرى، يحاولون تطبيق هذا التعريف مع مراعاة النتائج المترتبة عليه من حيث الحكم الحقيقي والظاهري. وهذا في حين أن الحكم هو وسيلة لحل الخلاف بين دليلين متعارضين ظاهريًا، أما ما إذا كانت نتيجته حكمًا حقيقيًا أم لا، فلا أهمية له في تعريف الحكم.
3. تمييز نظرية الحكم
“الدخول” هو نفى وجداني لموضوع دليل بناءً على تعبد شرعي، ونتيجة لذلك لا فرق في التخصيص؛ الفرق الوحيد هو أن في التخصيص يكون الخروج تكوينيًا وبدون تدخل من الشارع، أما في الدخول فهو نفى موضوع الدليل المرود بعناية التعبد (شیخ انصاری، 1428: 4/ 12). على أي حال، الفاصل بين نفى الموضوع وشرحه وتفسيره ليس بالضئيل، ولهذا السبب في “الدخول” يُنفي موضوع الدليل المرود، فلا يلزم وجود لسان إشرافي أو حتى دلالة لفظية؛ أي يمكن أن يكون طرف الدليل لفظيًا فقط؛ والمثال الواضح على ذلك هو العلاقة بين الإمارات والأصول العقلية، حيث مع قيام الدليل المعتبر، دون الالتفات إلى قوة الظهور أو نسبتها، تُسقط الأصول العقلية من الفعالية.[4]
رحمه الله الشهيد صدر مع التركيز على العنصر الأساسي في الرقابة في الحكم، أوضح حدوده مع الدخول، إذ إن الدخول والحكم مختلفان جوهرياً؛ فالحكم الذي هو سيطرة دليل على دليل آخر يقوم على الدلالة اللفظية، أما الدخول الذي يقوم على قيام دليل بدليل آخر فينتفي فيه، فلا يلزم أن يكون مشروطاً بالدلالة. هذا الغموض في التفريق بين معرّفات الإثبات هو ما دفع المرحوم نائيني، تبعاً للشيخ، إلى وضع عنوان وجه التقديم الخاص في بعض الحالات للدخول وفي بعضها للحكم (نایینی، 1376: 4/ 719). وأساس هذا التبرير هو الرجوع إلى النتيجة المترتبة على التخصيص، حيث إن الخاص القطعي السند والدلالة في رفع الحكم عن بعض العموم مثل الدخول لا يترك أي شك، أما في الحالات التي يكون فيها ظني السند والدلالة، فباعتبار الحكم، يخرج بعض الأفراد من تحت العموم حكماً، لأنه من حيث الاعتبار ليس في موقع يمكن من خلاله القطع بأن هؤلاء الأفراد لم يكونوا حقاً مراد المتكلم (شیخ انصاری، 1428: 4/ 15).
سبب هذا الارتباك هو الانتقال من آلية الدلالة إلى وظيفتها من حيث الرفع الحقيقي والتعبدي للموضوع الخاص من تحت العام. ومن الواضح أنه إذا كان أساس التقييم في الحكم، الدخول، التخصيص والتقييد هو مدى قوة اعتبارها من حيث الأحكام المستفادة منها، فهناك احتمال للدخول والحكم نتيجة التخصيص والتقييد، وكذلك احتمال أن تكون نتيجة الحكم في بعض الحالات دخولاً. والنتيجة الواضحة لهذا المنهج هي أنه خلافاً لما هو مشهور، في الجمع العرفي لدينا معياران فقط، إما الحكم أو الدخول! بالإضافة إلى ذلك، يستلزم كلام المرحوم الشيخ ونائيني أنه مع وجود مخصص قطعي السند والدلالة، لم يكن العام في العموم مستخدماً من البداية، وهذا أيضاً مخالف للمشهور.
التقييد
التقييد في اصطلاح الأصوليين هو رفع اليد عن الإطلاق. المفروض أن الإطلاق المستفاد ليس من الوضع بل إثباته مشروط بشروط معروفة بين المتأخرين بمقدمات الحكمة، والفرق بينه وبين التخصيص يكمن هنا أيضاً. على أي حال، التقييد بهذا المعنى هو عنوان يُستنبط اعتباراً لوجود دال عليه، وله صورتان:
– تقييد متصل؛
– تقييد منفصل.
في الحالة الأولى، لا يُتصور تعارض بين التقييد والإطلاق؛ لأنه بوجود القيد لا ينشأ ظهور للإطلاق، وفي الواقع لا يوجد إلا دليل واحد وهو المقيد. أما في الحالة الثانية، إذا كان الأساس في مجرى مقدمات الحكمة هو عدم بيان القرينة، فلا تعارض أيضاً كما في الحالة الأولى؛ لأن مجرى مقدمات الحكمة فرع على «عدم قرينة» ومع وجود قرينة منفصلة، لا تكتمل المقدمات ليُتحقق الإطلاق.
المرحوم الشهيد صدر، خلافاً للأخوند (آخوند خراسانی، 1430:2: 2/ 212)، يرى أن مجرى مقدمات الحكمة ليس مشروطاً بعدم وجود قرينة بل متوقف على عدم اتصالها بها. الدليل الواضح على هذا الرأي هو التمسك بالإطلاق بعد انتهاء الكلام عليه في حالة عدم نصب قرينة من قبل المتكلم. بالإضافة إلى ذلك، إذا كان مجرى مقدمات الحكمة متوقفاً على تحقق الشروط التي من بينها عدم وجود قرينة حتى من النوع المنفصل، فلن يوجد أي مطلق في العالم؛ لأن جزءاً على الأقل من المصادر والجوامع الروائية لم يصلنا (شهید صدر، 1417: 7/ 180 – 181).
دليل الشهيد صدر قابل للدفاع؛ لأنه إذا كانت تمامية مقدمات الحكمة فرعاً على عدم وجود قرينة حتى من النوع المنفصل، فلن يوجد أي مطلق في العالم، وليس واضحاً كيف أن أمثال الشيخ مع اتخاذهم هذا الأساس يتحدثون عن تقديم المقيد ووجهه؟[5] لذلك، مع الأخذ في الاعتبار أنه في فرض انفصال القرينة، تكون مقدمات الحكمة مبنية على انعقاد الإطلاق تاماً، نسعى لمعرفة وجه تقديم هذه القرينة المنفصلة؟ جواب المرحوم الشهيد صدر هو:
إثبات تقدم المقيد المنفصل على المطلق وعدم انتشار التعارض بينهما بسبب الحجية، متوقف على أن [أولاً] من حيث الكبر، كما مر في الحكم، نقبل أن ما يفسر الحدود النهائية لكلام المتكلم هو ظهور ما أعده هو نفسه للتعبير عن مراده من مدلول جميع كلماته. و[ثانياً] نقبل أن ما يقوله المتكلم نوعاً في المعارضة مع العموم وأصله أخص، له جانب تفسيري للعموم. وكاشف عن هذا النوع هو البناء العرفي وكذلك أصالة تبعية المتكلم للبناء العرفي في مجال المحاورات (شهید صدر، 1417: 7/ 184).
الشهيد صدر، أولاً، يعتبر وجه تقديم المقيد ماهية تفسيرية، وثانياً، كاشف المفسر هو البناء العرفي. الفرق بين التقييد والحكم ليس في وجه تقديمهما بل في نوع الكاشف عنهما، ففي الحكم يكون شخصياً، أما في التقييد فهو نوعي؛ لأن وفقاً لمعايير المحاورات العرفية، المقيد الذي يُقال في معارضة المطلق له وظيفة تفسيرية ولا تعارض بين المفسر والنص. نفس هذا الأساس كان قد تبناه المرحوم نائيني سابقاً في وجه تقديم المقيد المنفصل على المطلق (نایینی، 1376: 2/ 579).
النقد والمراجعة
وجهة نظر الشهيد صدر في شأن وجه تقديم التقييد تواجه نقدين مهمين؛ أولاً، نقد من المرحوم نائيني في تقديم المطلق على معيار القرينية، وهذا النقد بطبيعة الحال وارد على الشهيد صدر أيضاً، وثانياً، نقد المرحوم الإمام الخميني الذي لا يقبل التلقي الشائع لعلاقة المطلق والمقيد على أساس الدلالة اللفظية. نبدأ بالتدريج من النقد الموجه للقرينية في التقييد:
عدم قرينية التقييد
القرينة لها اصطلاحان، قرينة بمعنى أخص وقرينة بمعنى أعم، والقرينة بمعنى أخص لها نوعان؛ نوع منها قيود متصلة في الكلام، ظهورها يغير في ظهور الاستعمال ذي القرينة. في هذه الحالة، وجه تقديمها واضح؛ لأنه لا ينشأ ظهور لذو القرينة ليُسأل عن وجه تقديمها على ظهور ذي القرينة. النوع الثاني منفصل عن ذي القرينة لكنه بسبب الرقابة اللفظية، يقدمه العرف على ذي القرينة. في هذين النوعين، لا يلزم النظر في الظهور.
أما القرينة بمعناها الأعم التي تشمل الأظهر بالنسبة للظاهر وما شابه ذلك، فهي ناظرة إلى المراد الجدي للمتكلم، ومن هذه الناحية لا تُحدث تغييراً في ظهور الاستعمال؛ هذا النوع من الإشراف ليس لفظياً، بل العقل بعد استحالة اجتماع المطلق والمقيد في موضوع واحد، يُلزم بحمل المطلق على المقيد. في هذا القسم من القرينة، التي لا اتصال لها لتُحدث تغييراً في الظهور ولا إشراف لفظي، يجب مراعاة الإظهارية أو النسبة، وإلا فلا وجه لتقديمها (روحانی، 1413: 7/ 297).
وفقاً للتحليل السابق، فإن التقيد المنفصل لفظاً ليس ناظراً إلى مراد المتكلم ليكون كاشفاً عنه، ولهذا السبب لا يساوي القرينة، ووجه تقديمه هو الإظهارية أو خصوصية الموضوع. والملاحظة التي توجد في هذا الصدد هي:
أولاً، القرينة مفهوم عرفي وعنصرها الأساسي هو أنه بافتراض اقترانها بذو القرينة، تُحدث تغييراً في الظهور. القيد المنفصل، رغم أنه غير مقترن، لكنه يحمل معيار ذلك؛ لأنه إذا اقترن سيُحدث تغييراً في الظهور. ومع ذلك، هذا النوع من القيد، رغم أنه حالياً لا يُحدث تغييراً في الظهور بسبب الانفصال، لكنه يمكن أن يكون كاشفاً عن المراد النهائي للمتكلم في دائرة دلالته. فهل تسمية هذا بالقيد قرينة، التي تحمل معيار القرينة وتستلزم توسيع مفهومها إلى حد نظرية أدبية، أمر غير صحيح؟
ثانياً، عنوان التقيد والحكم معاً في فرض الإشراف يستلزم التهافت؛ لأنه إذا كان هذا الإشراف لفظياً فهو حكم، وإذا لم يكن إشرافاً لفظياً بل بسبب قرائن خارجية فهو ليس حكمًا. وجه محاولة الشهيد صدر هو تنظيم جميع نماذج الجمع العرفي في إطار واحد مع الحفاظ على الشفافية وعدم تداخل القواعد مثل الحكم والتقيد.
عدم جريان الجمع العرفي في التقيد
بحسب اعتراف المرحوم الإمام الخميني، وجه تقديم الجمع العرفي تابع للظهورات اللفظية، لكن في المطلق والمقيد، أحد طرفي الظهور مبني على مقدمات الحكمة والعقل. ونتيجة لذلك، اختلاف الإطلاق والتقيد من نوع اختلاف الدلالة العقلية عن اللفظية. وهو يصرح بأن وجه تقديم المقيد هو أن ظهور المطلق من البداية مقيد بعدم البيان، ومع قدوم البيان لا يبقى مجال للتمسك والاحتجاج به (امام خمینی، 1423: 2/ 75).
قبول هذا الأساس والمطلب في باب نسبة الإطلاق والتقيد ليس بالأمر السهل؛ لأن:
أولاً، نتيجة اعتماد ظهور الإطلاق على مقدمات الحكمة لا تعني بالضرورة أن ظهور الإطلاق عقلي، وإذا تدخلت بعض المقدمات والافتراضات العقلية في الاستظهار، فإن لفظيته تتأثر ولن يكون هناك ظهور لفظي؛ ففي جميع الظهورات على الأقل تدخل العقلانية ووجود قصد المتكلم كمقدمات قريبة أو بعيدة. ونتيجة لذلك، إذا كانت القاعدة في جميع الاستنتاجات اتباع أخس المقدمات، فيجب اعتبار الظهورات في جميع الحالات عقلية.
ثانياً، كما أشار المشهور وهو مقبول عنده، الظهور المقيد بعدم بيان القيد هو ظهور استعمالي وليس جدّي، وإذا لم يقيد المتكلم كلامه بشكل متصل، فإن المقدمات تسري ويُعقد الظهور (المرجع نفسه: 279). لذلك، في مرحلة الظهور التصديقي بين المطلق والمقيد، يوجد تعارض، ولا يمكن للقيد المنفصل أن يلغي ظهور المطلق.
وبالتالي، لتقديم ظهور المقيد على المطلق يجب التعرف على آلية تبرر ظهور المقيد في تحديد المراد النهائي. وبالطبع، لا يمكن لأي ادعاء قرينيت أن يبرر تقديم المقيد المنفصل بأي أساس؛ مثلاً، المرحوم نائيني، رغم أنه يبدو متوافقاً مع الشهيد صدر في هذا المطلب، إلا أن هناك اختلافاً أساسياً في الأساس؛ لأنه من وجهة نظر نائيني، سبب تقدم القرينة على ذو القرينة هو حكم أصالة الظهور في القرينة:
الشك في المراد من أسد في «رأيت أسداً يرمي» سببه الشك في المراد من «يرمي» هل هو بمعنى إطلاق السهم بالقوس أم رمي التراب باليد. ظهور يرمي بمعنى إطلاق السهم يرفع ظهور أسد في الحيوان المفترس، فلا يبقى لأسد ظهور في الحيوان المفترس ليُدل به على نفي إطلاق السهم. سبب سقوط هذه الدلالة هو تبعية الدلالة اللازمة (رمي التراب) على الملزوم (الحيوان المفترس) التي زالت بظهور يرمي في إطلاق السهم (نایینی، 1376: 2/ 578).
وكما يرد المرحوم الإمام الخميني على هذا الاستدلال، فإن التردد في المراد من أسد لا ينشأ عن التردد في المراد من يرمي ليكون هناك علاقة سبب ومسبب، بل إن كلا الشكّين في الكلام الواحد مترابطان، ولكل منهما صلاحية نفي الشك الآخر (امام خمینی، 1420: 1/ 360).
التخصيص
التخصيص رفع اليد عن الإطلاق الذي ثبت شموله إما بالوضع أو بعموم اللفظ، وله صورتان مثل التقيد:
– تخصيص متصل؛
– تخصيص منفصل (شهید صدر، 1417: 7/ 185).
التخصيص في كل الأحوال، من حيث الاستخدام يشبه التقيد، إذ أنه دون تصرف في ظاهر العموم، ينفي شمول الحكم عن المصاديق الخاصة فقط، ومن حيث أن طريقة هذا النفي، مثل التقيد، تفتقر إلى لسان إشرافي وتكون بالعقل، وهذا هو المعيار الذي يميزهما عن الحكم؛ لأنه رغم أن نتيجتهما أحيانًا لا تختلف عن الحكم، إلا أن وجه تقديمهما ليس لفظيًا (شیخ انصاری، 1428: 4/ 14).[6] كذلك، نقطة الاشتراك الأخرى بين التخصيص والتقييد هي أن السؤال عن وجه تقديمهما يختص بالحالة المنفصلة، وفي حالة الاتصال لا يتعقد ظهور العموم في الشمول أصلًا. وبالطبع، التخصيص المنفصل أيضًا إذا كان بطريقة تتيح استقلال العموم وتعقد ظهوره، فلا شك في تقديمه على العموم (شهید صدر، 1417: 7/ 178). المرحوم الشهيد صدر، وفقًا لقاعدته العامة، يتحدث هنا أيضًا عن القرينة التي تجعل الخاص مقابلًا للعام، حتى في الحالة المنفصلة، ذات طبيعة قرينة؛ في الواقع، معيار تقديم المخصص المتصل في المنفصل يسري أيضًا. المرحوم الشهيد صدر يلفت النظر إلى أن جميع خصائص المخصص المتصل لا تنطبق في فرض الانفصال، بل إنه يرى احتمال اختيار قرينة العام على الخاص، لكن السير في هذا المسار في النهاية يستلزم مخالفة مبدأين وله موانع عرفية أكثر؛ أحد هذين المبدأين هو الاتصال في القرينة، حيث يجب هنا رغم المعارضة اعتباره منفصلًا قرينة، والآخر هو قرينة العام للخاص، التي لا توجد في فرض اتصالها بالخاص لتمنع ظهور الخاص.
من هذا المنطلق، أولًا ننفي الموانع الزائدة بالقاعدة الأصلية بعدم الزيادة، وثانيًا نغلق طريق مخالفة اتصال القرينة بالقاعدة الأصلية بعدم المخالفة. ونتيجة لذلك، تتحدد قرينة الخاص على العام بحيث تحدث مخالفة مبدأ واحد فقط؛ وهو الاتصال في القرينة (شهید صدر، 1408: 5/ 594). دليل صحة هذا القول هو تقدم الخاص على العام في جميع أبواب الفقه، وحتى المرحوم الشيخ الذي اختصر معيار حمل العام على الخاص في قوة ظهوره يعترف بأنه لم يرَ في الفقه حالة تقدم عام قوي على خاص ضعيف (نایینی، 1376: 4/ 721).
النقد والمراجعة
ادعاء القرينة هنا هو استمرار لخطاب نائيني. في المقابل، يرى الجمهور أن حمل العام على الخاص مبني على ظهوره. لذلك، من الضروري أولًا التأمل في تحليل الشهيد صدر للقرينة «الخاص المنفصل»، الذي يختلف عن تفسيره لقرينة «القيد المنفصل» ويبدو إلى حد ما غير موفق. ثم ندرس تصور نائيني في باب تقديم القرائن، وكذلك نعرض وجهة نظر الجمهور في هذا الشأن.
نقائص تحليل الشهيد صدر
المرحوم الشهيد صدر في عدة مؤلفات أصولية ومواضع صنف التقييد والتخصيص عمومًا تحت مصاديق «القرينة النوعية» (شهید صدر، 1418: 2/ 546؛ 1417: 6/ 394)، وشرح وجه تقديم المقيد المنفصل بأنه من باب القرينة، يُقدم عرفًا على المطلق؛ أي أنه رغم أن المتكلم نفسه لا يصرح بكونه قرينة، إلا أن المقيد المنفصل في نظام المحادثات العرفي يُعتبر عادة قرينة للمطلق؛ لأنه عندما يُحْرَز من الناحية العرفية أن المتكلم اعتمد على قرينة في بيان مراده، فلا خيار إلا أن نأخذ بعين الاعتبار القرائن المتضمنة في مراده، سواء كانت هذه القيود متصلة أو منفصلة.
الشهيد صدر، رغم تأكيده المتكرر على أن تقديم القرينة على ذي القرينة لا يحتاج إلى دليل سوى إثبات القرينة، تحدث في وجه تقديم الخاص المنفصل عن ضعف قرينة الخاص، مما يثير الشك في كل وظيفة القرينة. وقد أشار بعض تلاميذه إلى هذه المشكلة، قائلين إنه إذا اعتبرنا قرينة الخاص المنفصل مجرد ظاهرة عرفية، فلا حاجة لوصف حمل العام على الخاص بأنه أقل احتمالًا. بالإضافة إلى ذلك، مخالفة مبدأ واحد وضعفها لا يعنيان بالضرورة قرينة الخاص للعام أو تقديمها (نگ: شهید صدر، 1408: 5/ 595).
لذا، بالإضافة إلى إثبات القرينة، ليس من الضروري اللجوء إلى مبادئ أخرى على الأقل، بل يكفي كما في حالة التقييد أن تُثبت القرينة. وبإثبات هذه الصفة، يتضح وجه تقديمها، لأن معيار القرينة في كلام مطابق لتنقيح المرحوم نائيني والمرحوم الشهيد صدر هو القدرة على تغيير ظهور الكلام الآخر:
كل ما كان قرينة في فرض الاتصال ويدمر ظهور مدلول الكلام، يمكن أن يكون قرينة عليه أيضًا في فرض الانفصال ويغير حجية ظاهره (شهید صدر، 1417: 7/ 178).
أي إذا صدرا كلامان من المتكلم، وأحدهما في فرض الاتصال يبطل ظهور الآخر، فإن هذا الكلام في فرض الانفصال يكون قرينة على الآخر، ورغم أنه لا يستطيع الآن أن يغير ظهوره، إلا أنه يمكن أن يغير حجية ذلك وفق دائرة مدلوله.
إذا أردنا تطبيق هذا النموذج في العموم والخصوص المختلفين، فالخصوص هو الذي يمكنه في فرض الاتصال أن يغير ظهور العموم، والعموم لا يمتلك هذه الصلاحية. إذن، أولاً، معيار تقديم الخاص المتصل على العام هو القرينة؛ ثانياً، هذا المعيار محفوظ أيضاً في فرض الانفصال؛ ثالثاً، كاشف القرينة هو نظام المحاورات العرفي.
المنهج المشهور
هذا المنهج مشهور نسبياً وهو أن حمل العام على الخاص مبني على قوة الظهور. وفقاً لشرح المرحوم آقاضيا عراقي، هذا الحمل ليس مقتضى الأدلة اللفظية بحيث نلجأ إلى إطلاقها في كل حالة للحكم بتقديم الخاص، بل هو من مرتكزات العرف. وإلا، لما كان هناك مثل هذا الارتكاز، ومشي الفقهاء في الأخذ بالخاص يقتصر على الحالات التي يكون فيها ظهور الخاص أقوى من ظهور العام. وقد قبل عراقي بهذا الشرح جميع لوازمه؛ أي إذا كان في حالة ما ظهور العام أقوى من الخاص، فيجب الأخذ بالعام. كما رد على ادعاء نائيني بأن معيار القرينة لا ينطبق على علاقة الخاص والعام؛ لأن القرينة مشروطة بالمراقبة اللفظية، لكن الخاص بالنسبة للعام لا يخضع لمراقبة لفظية، بل حكم متضاد أو متناقض لبعض أفراده هو الذي يعبّر عنه (عراقی، 1417: 4/ قسم2/ 142-141).
المرحوم عراقي أولاً يلخص وجه حمل العام على الخاص في قوة دلالته، وثانياً أشار إلى لزوم ذلك أيضاً، فإذا كان في حالة ما العام رغم عموميته أقوى دلالة من الخاص، فإنه يُقدم عليه. فيما يخص الجزء الثاني من ادعائه، نقلنا سابقاً ملاحظة من المرحوم الشيخ أنه في الفقه لم يُرَ تقديم عام قوي الدلالة على الخاص، إذن هذا الادعاء وجداني، لكن أن يكون حمل العام على الخاص متجذراً في مرتكزات عرفية صحيح، ولكن يجب معرفة الأساس العقلي لهذا الارتكاز الذي لا يمكن أن يكون تعبدياً؛ هذا الأساس من وجهة نظر المرحوم نائيني والشهيد صدر هو القرينة، وكما أشار المرحوم آخوند، فإن وظيفة الإظهارية والنصية أيضاً هي كشف القرينة:
إذا كان أحد الأدلة قرينة على تصرف الآخر فلا تعارض، كما هو الحال في الظاهر والنص، والظاهر والأظهر في العام والخاص، والمطلق والمقيد وما شابه ذلك؛ لأن العرف يقوم على أن النص والأظهر قرينة على تصرف الآخر (آخوند خراسانی، 1430: 3/ 298).
وكما قبلنا القرينة، يجب أن نقبل أيضاً أن القرينة ليست مشروطة بأن تكون دائماً متصلة بذو القرينة، ولا يلزم أن يكون كاشفها فقط قوة الدلالة، بل من الممكن تماماً إثبات هذه الصفة بطرق أخرى.
قراءة نائيني
المرحوم نائيني، الذي كان من رواد نظرية القرينة الخاصة للعام، له قراءة خاصة نسبياً لوجه تقدم القرينة على ذو القرينة. من وجهة نظره، القرينة ليست مشروطة بقوة الدلالة، بل من المحتمل في بعض الحالات أن يكون ظهور ذو القرينة أقوى من ظهور القرينة، ومع ذلك، التقديم مع القرينة؛ لأن أصالة الظهور في القرينة تسود على أصالة الظهور في ذو القرينة؛ أي أن الشك في مدلول القرينة يسبب شكاً في مدلول ذو القرينة، وبرفع الشك عن القرينة يُرفع الشك عن ذو القرينة أيضاً. إذن، معنى سيادة أصالة الظهور في الخاص هو أولاً أن الشك في مراد ذو القرينة ناشئ عن الشك في القرينة، وثانياً، برفع الشك عن القرينة يُرفع الشك عن ذو القرينة (نایینی، 1376: 4/ 720؛ المرجع نفسه: 2/ 578).
سبق أن تعرّفنا على نقد المرحوم الإمام الخميني لسببية القرينة في رفع الشك عن ذو القرينة، والآن نريد أن نضيف إلى ذلك أنه إذا تم تحديد قرينة القرينة بأي معيار، فإن وجه تقدمها من المسلّمات التي يتضمن قياسها على نفسها؛ لأنه إذا لم تمنع القرينة حتى الشك في مرادها، فلا دليل آخر على القرينة، وبالقياس الأول على تقديمها، وإذا كانت مشروطة بالقرينة، يكفي إثباتها، وليس أن يكون بعد تحديد القرينة وذو القرينة، لا يزال هناك شك في مدلول كل منهما، ولكن بتطبيق الأصل اللفظي على جانب القرينة نرفع الشك عن ذو القرينة.
الأظهر والظاهر
كان المشهور بين الأصوليين حتى العصر المعاصر يعتبر التقيد والتخصيص، بل كل أنواع الجمع العرفي من مصاديق الأظهر والظاهر (سبحانی، 1424: 4/ 340). لكن الشهيد صدر درسها كنموذج مستقل عن الجمع العرفي منطلقاً من القرينة، وباستخدام نفس المنهج الذي اتبعه في التقيد والتخصيص، قسم الأظهر والظاهر إلى متصل ومنفصل، وربط وجه الجمع في كلا القسمين بالقرينة. الاختلاف الوحيد بين التخصيص والتقيد من جهة والأظهريت من جهة أخرى هو عدم تركيز الشهيد صدر على تطبيق معيار القرينة بشكل بارز. كما سبق، كان صلاحية قرينة الخاص والمقيد تفترض اتصالهما بالمطلق والعام، ولكن هنا لاختبار قرينة الأظهر للظاهر في النوع المتصل، تم اختيار مسار مختلف نسبياً:
كما يُقال: «أكرم العلماء، ولا بأس بترك إكرامهم» معني الجملتين يتشكل في الذهن بشكل متساوٍ، لكن التصديق بأن كلاهما مراد المتكلم معاً مستحيل. لذلك، من حيث مرحلة الظهور التصديقي، يحدث تزاحم، لكن في النهاية يتقرر الظهور التصديقي بما يتناسب مع ما يكون ظهوره التصوري أقوى وأكد من الآخر، ولا فرق بين أن يكون منشأ الظهورات التصديقية غلبة نوعية تجعل غالب المتكلمين يقصدون المعنى الذي يتصور من مدلول كلامهم… أو أن يكون منشأ ذلك التزام نوعي للمتكلم بقصد مدلول تصوري لكلامه، ففي هذه الحالة، يكون قصد المتكلم من الجملتين الظاهرتين مختلفتين المعنى هو الذي يكون تصوره أظهر من الآخر… [إذاً] الدليل على انطباق الظهور التصديقي مع المدلول التصوري الأظهر هو غلبة مطابقة المراد مع المدلول التصوري، وكلما كان الظهور التصوري للكلام مؤكدًا ومشدداً، كانت غلبة الانطباق أكثر تأكيداً وشدة. [وباختصار القاعدة هي] كلما كانت قوة الظهور التصوري أكبر، كانت غلبة الإرادة وعدم الإرادة المعاكسة أكثر (شهید صدر، 1417: 7/ 198 – 199؛ 1408: 5/ 597).
روح هذه النظرية متحدة مع القرينة؛ أي أن «غلبة مطابقة المراد الجدي مع مدلول التصور الكلامي» لها جذور في ارتكاز العرف الذي يعتبر بين كلامين ظاهريين مختلفين لمتكلم واحد في موضوع واحد، الأظهر قرينة على تحديد المراد. بالإضافة إلى ذلك، وجه تقدمها من باب القرينة أُرجع إلى التخصيص مع التأكيد على أن موقع الحكم والتقييد والتخصيص لا يستمد من ظهور الدلالة، بل يمكن، بغض النظر عن قوة وضعف الظواهر، تقييد وتخصيص العام والمطلق، أو إثبات حكم دليل على دليل آخر. النتيجة التي توصل إليها الشهيد الصدر في النهاية هي أنه ما دام هناك إمكانية للتقديم بناءً على أنواع أخرى من الجمع العرفي، فلا يحين دور الظهور؛ أي إذا كان مقتضى التخصيص والظهور مختلفًا في قضية ما، فإن الأخذ بالتخصيص هو المحدد (عبد الساتر، 1417: 3/ 265).
وبذلك، في الأظهر المتصل بالظاهر، لا يتكون مدلول تصوري مخالف للظاهر أصلاً، أما في النوع المنفصل منه، فيتكون للظاهر مدلول تصوري مستقل، ومن ثم، في الجمع بينهما يقع مخالفة للظاهر (سید حکیم، 1408: 2/ 576 – 577). لذلك، يجب تحليل وجه تقديمه بناءً على القرينة وفق نموذج المخصص المنفصل؛ أي أنه بالنظر إلى أن في القرينة الأظهر للظاهر، وقوع مخالفة للمبادئ اللفظية/العقلائية أقل، يجب اعتباره قرينة على الظاهر. وإلا، فإن الإقرار بقرينة الظاهر يكون معارضة لأصل الاتصال في القرينة، وكذلك لإثبات صلاحية تغيير الظهور في ذي القرينة في فرض الاتصال؛ أي في فرض الاتصال، لا يملك الظاهر صلاحية التغيير في ظهور الأظهر.
النقد والمراجعة
مع أن تقديم الأظهر على الظاهر في العصور المعاصرة من المسلمات، ولا تُثار نقاشات حول وجه تفوق مكانته، إلا أنه في العصور السابقة، لم يكن حتى تقديم النص على الظاهر مسلماً به إلى هذا الحد؛ فمثلاً، المرحوم الشيخ الطوسي، دون أن يستثني حتى النص والظاهر، جعل رفع أي تعارض بين الروايات مرهونًا بتفضيلات غير دلالية، مثل عدالة الراوي، كثرة عدد الرواة، وما وُصف في الروايات بالمرجح (شیخ طوسی، 1390: 1/ 4). ومن وجهة نظر الشيخ الأنصاري، كان صمت الشيخ الطوسي مقصودًا، ولم يكن يعتقد بحمل الظاهر على الأظهر، ولا حتى الظاهر على النص (شیخ انصاری، 1428: 4/ 82).
حسب علمنا، تم الإشارة إلى حمل الظاهر على الأظهر كقاعدة في «قوانين الأصول» (طارمی، 1306: 2/ 96)، لكن بعد المرحوم الشيخ الأنصاري، ترسخ مكانتها بشكل بارز في باب التعارض لدى الباحثين في الأصول. كما أن الغالبية قبلت وجه تقديمها بناءً على اقتفاء الشيخ استنادًا إلى كشفية قرينتها. وبعضهم ذهب أبعد من ذلك، وحصر معيار القرينة في الظهور:
المعيار في تشخيص القرينة محصور في أقوائيات الظهور… وأقوائيات الظهور لا قاعدة كلية لها؛ لأن موارد ومراتب استعمالها تختلف، ولكن إذا كان معيار تشخيص القرينة هو قوة ظهورها، فلا مجال لحكم القرينة على ذي القرينة، بل نفس معيار القرينة كافٍ لتقديمها (فاضل لنکرانی، 1430: 4/ 370).
معنى قرينة التغيير في ظهور ذي القرينة هو القرينة، وهذه العملية ليست محصورة في أقوائيات الظهور؛ فمراجعة أمثلة مثل الحكم، التقييد، والتخصيص كافية لإثبات هذا الادعاء. لذلك، التحدي الذي طرحه الشهيد الصدر ليس حصر القرينة في حالة أقوائيات الظهور، بل إثباتها بحساب تقليل وقوع مخالفة للمبادئ اللفظية/العقلائية. وقد استخدم نفس المنهج لإثبات القرينة في المخصص المنفصل، مع الإشارة إلى نقائصه التي ذكرناها. إذًا، الأهم هو تطبيق معيار القرينة في حالة تعارض الظاهر البدوي مع الأظهر المنفصل، ويبدو أن هذا المعيار محفوظ في النوع المنفصل كما هو موجود بشدة أكبر في النوع المتصل. مؤلف «مباحث الأصول» يوجز ويوضح هذا النقد موجهاً إياه لأستاذه:
أقوائيات الظهور التي تلغي ظهور الأضعف في فرض الاتصال، تلغي حجية ذلك في فرض الانفصال أيضًا. هذا الأداء مبني على هذا البناء العقلي: كلما كان الظهور أقوى، كانت غلبة مطابقة المراد له أقوى (شهید صدر، 1408: 5/ 598).
وبذلك، إذا ثبتت قرينة الأظهر المنفصل للظاهر مع الظهور، فإن وجه تقديمه يثبت أيضًا، ولا حاجة للحساب الذي قد يؤدي إلى مخالفة مبادئ متعددة في فرض اعتبار الظاهر قرينة للأظهر. المهم هو إثبات القرينة التي في هذه الحالة تتحقق عبر قوة الظهور.
النتيجة
وفقًا لما يظهر في آثار أصولية المرحوم الشهيد الصدر، فإن معيار الجمع في أنواع مثل الحكم، التقييد، التخصيص، والأظهر والظاهر هو القرينة. هذا المفهوم كان معروفًا سابقًا في المباحث اللغوية، لكن الشهيد الصدر بتطبيقه على حالات الجمع العرفي أوضح أن رفع اليد عن ظواهر مثل الدليل المحكوم، العام، المطلق، والظاهر، مبني عقليًا على الثقة في القيود المتضمنة في بيان المراد النهائي من الكلام؛ وهذا حق لكل متكلم أن يفهم مراده من كلامه الواحد بكلام آخر في بناء واحد، أو أن يضع بينهما مسافة لمصلحة ما؛ سواء استخدم بعد إحداث المسافة التفسير المباشر أو استعمل صيغًا يعتبرها العرف ضمن نظام المحاورات تفسيرًا لكلامه. استخدام القرينة لرفع تعارض بعض نماذج الجمع العرفي كان له سابق في فكر المرحوم نائيني، لكن كل من فهمه لمكانة القرينة ومدى شمولها لم يكن واضحًا وشاملاً بهذا القدر.
الميزة الثانية في منهج الشهيد الصدر في هذا الموضوع هي الشمولية والتماسك، حيث إن حصر معيار التقديم في القرينة وتعميمه في جميع الحالات قد أغلق الباب أمام التناقضات في المناهج التي تقدّم الظهور الخاص على العام الذي له ظهور أقوى. قبل ذلك، ربط المرحوم الشيخ الأنصاري سبب تقديم الخاص في هذه الظروف بتعليق ظهور العام على عدم ظهور المعارض، لكن المرحوم آقاضيا العراقي اشترط ظهور المعارض العام أيضًا على قوة ظهوره، ليجيب عن النقد القائل: كيف يكون في حالة تساوي ظهور العام والخاص أن يكون ظهور العام فقط معلقًا على عدم ظهور المعارض؟ هل هناك فرق بين ظهور الخاص والعام بحيث يكون أحدهما معلقًا والآخر منجزًا؟ المأزق الذي واجه أمثال آقاضيا كان: إذا كان معيار القوة في الظهور، فلماذا لا يُرى في الفقه حالة لتقديم العام على الخاص؟
الميزة الثالثة تتعلق بالتمييز الدقيق بين المعيار وأدوات الكشف؛ فمعيار التقديم في الجمع العرفي واحد، لكن علاماته قد تختلف؛ فمثلاً في بعض الحالات يكون الكاشف عنه استخدام أدوات تفسيرية مباشرة، وفي حالات أخرى يكون الاستيعاب الرقابي الموجود في لسان الدليل هو المسؤول عنه. وأيضًا في بعض الحالات يكون العرف هو الذي يعترف بأن الخاص والمقيد والأظهر، حتى في ظروف الانفصال، كاشف عن قرينته على العام أو المطلق أو الظاهر؛ لأن وفق نظام المحاورات، الخاص والمقيد والأظهر هم الذين لديهم القدرة على التغيير في ظهورات العام والمطلق والظاهر، ومن هنا يستحقون القرينة. قبل ذلك، كانت أدبيات الأصوليين مليئة بالخلط بين أنواع الجمع العرفي؛ حتى المرحوم النائيني لم يستطع أن يبتعد عن الجو الذي كان للمرحوم الشيخ الأنصاري دور بارز في تشكيله؛ بالنسبة له، كما للشيخ، لم تكن حدود الحكم والتخصيص منفصلة، ولا كانت وظائفهما مع نتائج الجمع متميزة عن بعضها البعض.
قائمة المراجع
آخوند خراسانی، محمدکاظم، کفایة الاصول، تحقيق: علی زارعی سبزواری، قم، موسسة النشر الاسلامی التابعة لجماعة المدرسین، الطبعة السادسة 1430ق.
امام خمینی، سید روحالله الموسوی، تهذیب الاصول، تهران، مؤسسه نشر و تنظیم آثار امام خمینی، الطبعة الأولى، 1423ق.
ــــــــ، معتمد الاصول، تقریر: محمد موحدی فاضل لنکرانی، تهران، مؤسسه نشر و تنظیم آثار امام خمینی، الطبعة الأولى، 1420ق.
حکیم، سید محسن طباطبائی، حقائق الاصول، قم، منشورات بصیرتی، الطبعة الخامسة، 1408ق.
خویی، سید ابوالقاسم، دراسات فی علم الاصول، تقریر: سید علی هاشمی شاهرودی، قم، مؤسسه دائرة المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهلبیت^، الطبعة الأولى، 1419ق.
ــــــــ، مصباح الاصول، تقریر: سید محمدسرور بهسودی، قم، مکتبه داوری، الطبعة الخامسة، 1417ق.
روحانی، سید محمد حسینی، منتقی الاصول، تقریر: عبد الصاحب حکیم، قم، منشورات دفتر آیتالله روحانیی، الطبعة الأولى، 1413ق.
سبحانی، جعفر، ارشاد العقول الی مباحث الاصول، تقریر: محمدحسن عاملی، قم، مؤسسة الامام الصادق×، الطبعة الأولى، 1424ق.
شهید صدر، محمدباقر، بحوث فی علم الاصول، تقریر: سید محمود هاشمی، قم، موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهلبیت^، الطبعة الثالثة، 1417ق.
ــــــــ، دروس فی علم الاصول، قم، منشورات اسلامی وابسته به جامعۀ مدرسین حوزه علمیه الطبعة الثالثة، 1415ق.
ــــــــ، مباحث الاصول، تقریر: سید کاظم حسینی حائری، قم، مطبعة مرکز النشر-مرکز الإعلام الإسلامی، الطبعة الأولى، 1408ق.
[1] أضاف المرحوم الخوئي إلى ذلك، أن اعتبار كلام الشارع في مقام الحجة مشروط بتحقق الإرادة الاستعمالية وإثبات الإرادة الجدية (خویی، 1419: 3/137). ويبدو أن الشرطين الثاني والثالث عند النائيني يتسعان لاستيعاب هذين الشرطين أيضاً، ومن هذه الناحية، فإن التأكيد على استقلاليتهما لا وجه له. وقد ذكر النائيني شرطية إرادة الظهور بنفسه في أثر آخر له، الذي يعاني من نفس مشكلة رؤية الخوئي (نایینی، 1376: 3/ 156).
[2] كأن الأئمة جميعهم بمنزلة رجل واحد، وكلامهم بمنزلة كلام واحد، لا فرق بين المتقدم منهم والمتأخر، فإذا لابد من تقديم الخاص المتقدم على العام (خویی، 1419: 4/374).
[3] إن ورود النص لا يحتاج إلى لسان لفظي؛ لأنه ليس تصرفاً في الألفاظ من قبيل الحكومة التنزيلية، وإنما هو تصرف معنوي حقيقي في ركن من أركان المورد، وهو الموضوع … (شهید صدر، 1408: 5/578).
[4] لا يقبل المرحوم الآخوند، مع التنبه إلى أن في الحكومة نظارة لفظية، تقدم الأحكام الثانوية مثل نفي الضرر ونفي العسر والحرج على الاحتياط التام. وجزء من استدلاله أن مستند وجوب الاحتياط التام حكم عقلي، ولا علاقة تفسيرية بين حكم العقل والشرع (آخوند خراسانی، 1430: 2/360).
[5] إذا قلنا: «أحد مقدمات الحكمة أن لا يكون هناك قرينة – ولو منفصلة – على التقيد»، فإن النتيجة تكون أن القرينة المنفصلة على التقيد تكشف عن عدم تمام مقدمات الحكمة. وهذا يستلزم عدم تحقق الإطلاق، وإذا لم يتحقق الإطلاق، فإن حمل المطلق على المقيد لن يكون تعبيراً صحيحاً (لنکرانی، 1430: 6/ 534).
[6] الحكومة كما عُرفت بعد الشيخ، نتيجتها ليست فقط تخصيص الدليل المحكوم، بل أحياناً تكون تعميماً (نایینی، 1376: 4/ 593).

