ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مشکلات انسان معاصر و ضرورت بازخوانی اسلام در اندیشه اسلامی با تأکید بر آرای شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: في هذه المقالة، تمّ بحث مشاكل الإنسان المعاصر وأبعاد حياته الاجتماعية من منظور فكر الشهيد صدر. الهدف الرئيسي من هذا البحث هو توضيح ضرورة إعادة قراءة اجتهادية لتعاليم الإسلام كمذهب يبني الحياة. باستخدام المنهج الوصفي-التحليلي، يُستكشف أن الشهيد صدر يرى أن السؤال عن النظام الأسمى لسعادة الإنسان هو التحدي الأساسي للبشرية اليوم، والذي فشلت العلوم الحديثة والمدارس الغربية في الإجابة عليه. في هذا المنظور، الطريق الوحيد لصلاح الإنسان هو اللجوء إلى الدين؛ لأن الدين من خلال تنسيق الدوافع الداخلية مع الحياة الاجتماعية، يمكنه توحيد الجماهير في إطار متماسك. في النهاية، مع التأكيد على محور “الله” في الإسلام، يُستدل على أن إعادة بناء المذهب الفكري الإسلامي وتشكيل الأنظمة التوحيدية خطوة ضرورية للوصول إلى العلم الديني والحضارة الإسلامية الحديثة.
المؤلفان: سيد مهدي موسوي، علي سرلك
المصدر: مطالعات معرفتی در دانشگاه اسلامی، صيف 1394، العدد 63، ص 245 إلى 260.
أ) المقدمة
لقد أدرك العديد من المفكرين في جميع أنحاء العالم منذ أكثر من قرن أن هناك مشاكل أساسية نشأت في حياة الإنسان المعاصر؛ مشاكل أدت إلى تشويه الإنسان، وقلقه ويأسه، وفي النهاية، إلى انعدام الأساس للحياة الاجتماعية. حول ماهية وأسباب هذه المشاكل وسبل علاجها، قُدمت تحليلات وآراء متعددة من مناظير فلسفية واجتماعية وأنثروبولوجية وغيرها، والتي تتناقض أو تتعارض في كثير منها. بحيث أن هذا التشتت في الآراء لم يقلل من مشاكل الإنسان المعاصر فحسب، بل زادها أيضاً.
من بين المفكرين المسلمين، أدلى شخصيات بارزة بآراء مهمة في هذا الشأن؛ من بينهم آية الله سيد محمد باقر صدر (1358- 1313ش) الذي سعى منذ شبابه إلى فهم الإنسان المعاصر واكتشاف مشاكل العالم الحديث، وقدم تدريجياً في مؤلفاته المتعددة تفسيراً شاملاً لماهية وأسباب مشاكل الإنسان المعاصر. في زمن بلغت فيه ميول الشباب نحو الأفكار والشعارات الثورية اليسارية في البلدان الإسلامية والعربية ذروتها، وكان فريق آخر قد انجذب إلى مظاهر الليبرالية الجذابة، قام الشهيد صدر من منظور عقلي وإسلامي بمقارنة المدارس الغربية، خصوصاً الماركسية والليبرالية، وأسباب عجزها عن حل معضلات ومشاكل الإنسان. بعد ذلك، حاول أن يقدم، من خلال منهج إنساني وبمساعدة التعاليم الإسلامية، طريقاً للخروج بالإنسان من هذه الحالة المزرية.
على الرغم من مرور ما يقرب من نصف قرن على تأملات وأفكار ذلك العالم الفذ، إلا أن أفكاره التي ارتوت من معين المعارف والمصادر الإسلامية لا تزال قادرة على فتح آفاق لفهم العالم المعاصر، والتعرف العميق على العلم الحديث والحضارة الغربية، وتحليل إنساني للمشكلات التي يعاني منها الإنسان المعاصر، كما يمكن اعتبارها أساسًا سوسيولوجيًا لكيفية بناء المجتمع الإسلامي وإنتاج العلم الديني. ومن ثم، تهدف هذه الدراسة إلى وصف وتحليل أفكار آية الله السيد محمد باقر الصدر في باب توضيح مشكلات الإنسان المعاصر، وتحليل الحياة الاجتماعية للإنسان، وقياس المدارس الغربية في مواجهتها لمشكلات الإنسان، وضرورة إعادة بناء الإسلام كمذهب يصنع الحياة.
ب) مشكلات الإنسان المعاصر
في تحليله لأسباب وقوع المشكلات في حياة الإنسان المعاصر، يلجأ الشهيد الصدر إلى التحليل التاريخي للدين المسيحي ودور الكنيسة في حياة الإنسان الغربي، ويعتقد أنه بسبب أخطاء الكنيسة وتحريفات الدين المسيحي وعدائها للعقل والغرائز البشرية، ابتعد العالم الغربي والحضارة الحديثة عن حقيقة الدين، واتبع مسار الإفراط في الغرائز بلا قيد أو شرط؛ حتى أن النظريات العلمية اعتبرت الإنسان مماثلًا للحيوان (صدر، د.ت./ ج: 72)، فالإنسان الجديد، في مواجهة الطرد والتكفير من المسيحية، حرر العقل من القيود التي صنعتها المسيحية، ورفعته إلى السيادة بدل الدين؛ لكن سيادة العقل تراجعت تدريجيًا، وجاء العلماء الحسيون وأنزلوا العقل من حكمه، وأعلنوا أن الطريق الوحيد للمعرفة الحقيقية للطبيعة هو الحس والطبيعة، وفي النهاية قدموا العقل كانعكاس للمادة في الحس. ونتيجة لذلك، أدى ذلك إلى المادية للإنسان وتقليله إلى حيوان وتجريده من كل المفاهيم القيمة التي بدونها لا وجود للإنسانية (المرجع نفسه: 76-75). في هذه الظروف، النظام الفكري الذي أسسه الإنسان الغربي بدل المسيحية هو، مثل المسيحية[1]، غير إنساني؛ لأنه أخذ الجانب المادي وأنكر البعد الروحي للإنسان (المرجع نفسه: 76). ويعتقد الشهيد الصدر: «في الحضارة الحديثة، الإنسان كائن مسلوب الإرادة ومحكوم عليه بالسير في مسار معين لا ينحرف عنه ولا يستطيع ذلك. حاولت المذاهب الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، والنقاشات النفسية، كلٌ منها بدورها، أن تغرس هذا النظرية في الإنسان» (المرجع نفسه: 78- 77)؛ لأنه إذا جُرد الإنسان من حريته الداخلية وفسر على أنه ليس إلا نتاجًا للمادية، فلن يبقى شيء من إنسانيته. ومن ثم، فقد سلبوا حريته وأنكروا مسؤوليته؛ وإذا أُزيلت المسؤولية، فإن الأخلاق تختفي. هذه النظرة هي التي أدت إلى مرض الأمم التي تُسمى معاصرة، والتي للأسف الشديد انحدرت بسرعة إلى وادي الملذات الدنيئة والانحرافات الجنسية والنفسية، وانتشرت الأمراض العصبية بشكل مروع. ويعتقد الشهيد الصدر أن العلم الذي تعلق به الإنسان من أجل أحلامه الساحرة وإنجازاته العظيمة، وتخلى عن غيره، لم يستطع تحقيق أمانيه؛ لأنه كلما انشغل العلم الحديث بتوفير الرفاهية ووسائل الراحة للإنسان وإرساء الحياة الدنيوية، لم يستطع أن يؤمن الاستقرار الروحي أو يحل عقد الإنسان الاجتماعية أو يخلق ملجأً لنفسه. في هذه الظروف، يحتاج الإنسان المعاصر إلى مثل أعلى ونموذج متفوق يليق بالإنسانية، ليتمكن في ظله من اختيار هدف جدير وصحيح ويضمن سعادته واستقراره، ليخلص من الآلام والمعاناة التي يعانيها، ويقيم صلة صحيحة ودائمة مع كل أبعاد وجوده وجوانب شخصيته (المرجع نفسه: 112-111). بناءً على ذلك، فإن أكبر سؤال يواجه الإنسان المعاصر هو: أي نظام أو منظومة اجتماعية هي التي تصب في مصلحة البشر وتؤمن سعادتهم ورفاههم؟ (صدر، 1429/ ج: 15). ومن وجهة نظر الشهيد الصدر، فإن الإنسان المعاصر أصبح أكثر انشغالًا بهذا السؤال مقارنة بالماضي؛ لأنه اليوم فهم جيدًا أن المشكلة المذكورة من صنع أيديهم، وأن النظام السياسي والاجتماعي ليس قانونًا طبيعيًا يجب أن ينتظروا تحقيقه بلا حول ولا قوة، بل تحول شعور اليأس إلى روح التساؤل والإصلاح؛ أي أنهم يبحثون عن نظام أفضل وأكثر كفاءة. ومن جهة أخرى، اكتسب الإنسان المعاصر، بفضل سيطرته على الطبيعة، مجموعة واسعة من الإنجازات والخبرات التي جعلت أوضاع الإنسان أكثر تعقيدًا وأهمية النظام الاجتماعي أكبر (صدر، 1381: 231)، وأخيرًا، استجابت المدارس المختلفة لهذا الاحتياج الأساسي والمعقد، وادعت رفاهية وسعادة الإنسان (صدر، 1429/ ج، 17-16).
ج) اختلاف علاقات الإنسان بالطبيعة عن العلاقات الاجتماعية
في فكر الصدر، المجتمع البشري ليس ظاهرة مادية فحسب، بل هو تجلٍ للمعنويات أيضًا. فالمجتمع هو بناء نظرة اعتقادية لحياة جماعية من الناس التي تتجسد في إطار عقيدة مشتركة بينهم (صدر، د.ت./ ج: 88). ولهذا، يتكون المجتمع من ثلاثة عناصر: الإنسان، والطبيعة، والروابط الاجتماعية في مسار تاريخي. في هذا السياق، يمكن تصور نوعين من التجارب والاتصالات للإنسان: الاتصال بالطبيعة، والاتصال بالآخرين من البشر. هذان الاتصالان متعارضان ومستقلان نسبيًا (صدر، 1381: 209). ويرى الصدر أن مواجهة تجارب وأسئلة الإنسان الاجتماعية أصعب بكثير من التعامل مع المسائل الطبيعية ومعرفة أسرارها؛ لأن هناك فروقًا جوهرية بينهما.
1. خصائص علاقات الإنسان مع الطبيعة
عندما يواجه الإنسان الطبيعة، يستطيع أن يستفيد من تجاربه العلمية، وقد تمكن من توسيع سيطرته على الطبيعة، وبجانب الاستفادة منها، يزداد باستمرار في خبرته ومعرفته في كشف أسرارها. في التجارب الطبيعية واكتشاف الطبيعة، يمكن للإنسان أن يتصرف بمفرده وفرديًا، ومن خلال العلم أن يطلع على أسرار الطبيعة وقوانينها ويستفيد منها. التجارب والاختبارات الطبيعية أكثر وضوحًا وشفافية مقارنة بالأمور الاجتماعية، والعلماء فقط هم الذين يكتشفون الحقيقة ويكشفون الواقع، وعالم الطبيعة يستطيع أن يثبت صحة رأيه وفهمه للآخرين، ومن خلال ذلك يمكنه أن يضع قاعدة وقانونًا عامًا لكل البشرية لا يخص مجتمعًا معينًا (صدر، 1429/ج: 28-24).
بالطبع، يرى الشهيد الصدر أن هناك مشكلات وتعارضات في علاقة الإنسان بالطبيعة، تنبع من عصيان الطبيعة وتمردها وامتناعها عن طاعة الإنسان. ولكن هذا التناقض والتعارض له حل واضح، وهو المعرفة والاطلاع على قانون الطبيعة. فكلما قل جهل الإنسان بالطبيعة، وأصبح أكثر إلمامًا بلغتها وقوانينها، زادت سيطرته عليها وقوته في ترويضها لتلبية حاجاته. ومن شروط هذه المعرفة الاختبار، والتدريب، والتجربة؛ أي أن الإنسان من خلال التدريبات العملية والاختبارات المختلفة على الطبيعة، يزداد قدرته على المعرفة، وكلما زادت التدريبات وتطابقت مع الواقع الخارجي، تُكتشف تدريجيًا حلول لمشكلة التعارض مع الطبيعة. يفسر الشهيد الصدر الآية الكريمة «وآتَاكُم مِن كُلِّ ما سَأَلْتُموهُ وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا» (ابراهیم: 34) بهذا المعنى؛ أي من كل شيء من نعم الله اسألوا، وابحثوا واطلبوا عمليًا، فيعطيكم الله. لذلك، «قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة» (صدر، 1428؛ 159) (قانون التأثير المتبادل بين الاختبار والتدريب) هو الحاكم على الطبيعة. (صدر، 1381: 212- 210)
يرى الشهيد الصدر أنه بما أن الدوافع الداخلية في علاقة الإنسان بالطبيعة متوافقة مع المصالح العامة، فقد منح الله الإنسان قوة العقل العظيمة ليخضع الطبيعة لسيطرته. فعلى سبيل المثال، دواء السل، لأنه يصب في مصلحة جميع البشر، يحفز المتخصصين على الاكتشاف والابتكار في صنعه. ومن ثم، وبسبب وجود الدافع الداخلي وتوافقه مع المصالح الطبيعية، تظهر يوميًا ابتكارات واختراعات جديدة في مجال النعم الطبيعية الموجودة في الوجود، وهي في ذاتها متوافقة مع المصالح العامة للبشر. ولهذا السبب، لا توجد تعاليم سماوية خاصة في المجالات الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والطب، وتُعتبر هذه المجالات «منطقة فراغ» ويُكتفى فيها بقوة عقل الإنسان والاختبار والممارسة. (صدر، 1350: 386-385). ويكتب الشهيد الصدر في هذا الصدد: «إن الإنسان مركب نفسي وفكري خاص يجعله قادرًا على توفير المصالح الطبيعية، وإكمال هذا الجانب من حياته عبر تجربته للحياة والطبيعة» (صدر، 1429/ الف: 350). لذلك، تتغير وتتطور علاقات الإنسان مع الطبيعة نتيجة لتطور معرفة الطبيعة وتقدم الأدوات والأساليب في الاستفادة منها.
2. خصائص العلاقات الاجتماعية للإنسان
لكن الخصائص التي توجد في الأمور الطبيعية وعلاقات الإنسان مع الطبيعة ليست موجودة في التجارب الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، ولهذا السبب تصبح الأمور أكثر تعقيدًا. يكتب الشهيد الصدر: «إن التجربة الطبيعية قد تكون قادرة على منح الإنسان عبر الزمن فكرة كاملة عن الطبيعة، يستخدمها في سبيل الاستفادة من ظواهر الطبيعة وقوانينها. أما التجربة الاجتماعية فهي لا تستطيع أن تضمن للإنسان إيجاد هذه الفكرة الكاملة عن المسألة الاجتماعية» (صدر، 1429/ج: 24). ويرى الصدر أن: 1. لا يمكن فهم وحل القضايا الاجتماعية بشكل فردي وشخصي. فالأمور الاجتماعية تتجاوز إرادة واختيار شخص واحد، بل تتجاوز حتى مرحلة تاريخية واحدة. لذا، ليست كل تجارب البشر تحت تصرف المعرفة التجريبية وأدوات الملاحظة البشرية. 2. كذلك في الأمور الاجتماعية والإنسانية، للأغراض والأهداف التي يحملها الفاعلون دور جدي، وليس من الضروري أن يكون المفكرون حقًا في سبيل اكتشاف الحقيقة والواقع، بل توجد أغراض مثل الاستغلال والاستفادة من الآخرين في هذه التجارب. لذلك، في كثير من الأحيان، تتعارض الدوافع الداخلية للإنسان مع المصالح العامة والاجتماعية. 3. حتى لو أمكن معرفة الأمور الاجتماعية، فإن صحة تعميمها موضع شك وتردد. 4. التجارب الاجتماعية والنظم الفكرية المرتبطة بها تعكس نوع النظرة التي يحملها مصمموها، وتعكس قدراتهم وميولهم، ولا يمكنها أن ترفع الإنسان فوق ما قالوه. (المرجع نفسه: 32-25)
تلك الخصائص نفسها في العلاقات الإنسانية والتجارب الاجتماعية هي التي أوجدت تناقضًا عميقًا جدًا، وقد تسللت إلى مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. التناقض الأساسي والمشكلة الرئيسية في حياة الإنسان ليست مشكلة مع الطبيعة، بل المشكلة الرئيسية هي التناقض الاجتماعي بين البشر في المجالات الاجتماعية، الذي يتخذ تعبيرات وألوانًا مختلفة. هذا التناقض بين القوي والضعيف يظهر أحيانًا باسم فرعون، وأحيانًا باسم الطبقة، وأحيانًا باسم الأمة أو الجماعة. كل ذلك يعكس روح استغلال الضعيف والاستعباد في العلاقات الاجتماعية. (صدر، 1381: 213، 1428: 160)
د) جذور المشاكل الاجتماعية
في نظر الشهيد الصدر، مشاكل العلاقات الإنسانية عميقة جدًا وليست محصورة في بعد واحد من حياة الإنسان؛ لأن التناقضات الاجتماعية متجذرة في تناقض أعمق؛ وهو التناقض الداخلي للإنسان. الصراع الخارجي له جذور في الصراع الداخلي للإنسان (صدر، 1381: 214؛ 1428: 161). العامل الرئيسي للصراع داخل الإنسان هو غريزة حب النفس وحب الذات التي تدفعه نحو تحقيق المصالح الفردية واستخدام كل الوسائل في هذا الاتجاه. وهو يكتب في تعريف وتبيين حب الذات: «حب الذات هو الغريزة التي لا نعرف غريزة أعمّ منها وأقدم، فكل الغرائز فروع لهذه الغريزة وفروعها، بما فيها غريزة المعيشة. فإن حب الإنسان لذاته، أي حبه للذة والسعادة لنفسه، وكرهه للألم والشقاء لذاته – هو الذي يدفع الإنسان إلى كسب معيشته وتوفير حاجاته الغذائية والمادية» (صدر، 1429/ج: 64). ومن ثم، فإن العامل الأساسي للصراعات السياسية والاجتماعية، والاستغلال الاقتصادي، هو سيطرة غريزة النفس وعدم كبحها. في هذه الحالة، حيث يهيمن حب الذات على كل أبعاد التوجهات المعرفية والوجدانية للإنسان، فإن وصول الإنسان إلى الطبيعة وتسخيرها، الذي في ذاته ليس به عيب، يزيد من الاستغلال والاستعباد بين البشر؛ أي يصبح أداة للجشع والاستغلال البشري تجاه الآخرين. يقول: «كلما توسعت قوة الإنسان على الطبيعة وزاد تسلطه عليها، وتمكن من الحصول على مخزون وثروات الطبيعة أكثر، وأتاح أدوات إنتاج أكثر، زادت إمكانياته بنفس النسبة للاستغلال في علاقات الإنسان مع الإنسان» (صدر، 1381: 230). ويرى الصدر أن عندما يقول القرآن: «كلا إن الإنسان ليطغى؛ أن رآه استغنى» (علق: 7-6)، فإنه يشير إلى هذه الحالة التي فيها قوة الإنسان على استغلال الطبيعة وقوته تؤدي إلى استغلال الضعفاء واستعبادهم.
وعلى هذا الأساس، فإن معرفة الطبيعة وتقدم أدوات الإنتاج في ذاته ليسا مشكلة أو العامل الرئيسي للاستغلال، بل العلوم الطبيعية والأدوات ليست سوى وسائل وأدوات للإمكان والقوة. الإنسان وحده هو الذي يستخدمها بناءً على محتواه الداخلي ومثله العليا، ويستعين بها في سبيل أهدافه ومحتواه الداخلي. وإذا كانت هذه العلوم والمعرفة بالطبيعة واستخدامها في سبيل العدالة والعلاقات الاجتماعية العادلة، فإنها تؤدي إلى ازدهار الطبيعة وإقامة مجتمع آمن وعادل وأفضل (صدر؛1381: 233): «ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم» (مائده: 66).
هـ) عجز العلم الحديث عن حل المشاكل الاجتماعية
يكتب الشهيد الصدر: يظن كثير من الناس أن العلم، لأنه حقق تطورًا مذهلًا، يمكنه حل المشكلات الاجتماعية؛ لأن الإنسان الذي استطاع أن يشطر الذرة ويحرر طاقتها العظيمة، والإنسان الذي تمكن من السيطرة على الفضاء، بالتأكيد يمكنه بمساعدة البيانات العلمية توحيد المجتمع وجعله سعيدًا! العلم يمكنه تأمين مصالح الإنسان الاجتماعية ولا يحتاج إلى أي مصدر أو منبع آخر. ويرد على هذا الادعاء قائلاً: هذا الادعاء في الحقيقة جهل بمهام العلم في حياة الناس. مهمة العلم هي اكتشاف الحقائق الخارجية بموضوعية في مختلف المجالات. لكن المعرفة والعلم وحدهما غير كافيين؛ لأن العلم وحده لا يغير شيئًا في العالم. ما هو مطلوب هو الدافع الذاتي للإنسان الذي يمكن أن يكون عامل الحركة والتغيير. الدافع الذاتي هو نقطة تنبع من حب الذات وهو جذر المشكلات الاجتماعية. (صدر، 1350: 395- 392)
و) عجز المدارس الغربية عن حل المشاكل الاجتماعية
بعد التعرف على المشكلة الأساسية في الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية واكتشاف جذورها الداخلية، يرى الشهيد الصدر أنه ما لم يُجهز الإنسان بقوة تستطيع أن تخلق توافقًا وتناغمًا بين الدوافع الداخلية والمصالح الاجتماعية، سيظل الصراع الاجتماعي قائمًا. ويكتب: «لا يمكن لرسالة واحدة فقط أن تحل هذه المشكلة التي تطرح في علاقات البشر؛ رسالة تعمل في وقت واحد على مستويين، رسالة تسعى لحل التناقضات الاجتماعية في الميدان التاريخي، وفي الوقت نفسه وقبل وبعد ذلك، تسعى لحل الصراع الداخلي للإنسان وتجفيف التناقضات الاجتماعية من منبعها» (صدر، 1381: 214). إذا تم إهمال منبع الصراع والتناقضات الداخلية والتركيز فقط على التناقضات الاجتماعية الخارجية للإنسان لمحاولة حلها عبر التشريعات والتدابير البشرية، فإن جزءًا من الرسالة والواجب فقط يُنجز، بينما الجزء الرئيسي يُهمل، وبعد فترة تظهر نفس المشكلة أو تناقض اجتماعي بوجه أو بوجه آخر.
وعلى هذا الأساس، ينتقد الشهيد الصدر المدرسة الليبرالية والمدرسة الماركسية الغربية، ويرى أن هاتين المدرستين لا تستطيعان حل مشاكل الإنسان المعاصر. لذلك، ليست وصفاتهما ناقصة فحسب، بل أصبحتا عاملًا في زيادة مشاكل الإنسان.
من وجهة نظر آية الله صدر، الحضارة الغربية وخصائصها ليست نتاج العلم واكتشاف الطبيعة بقدر ما هي نتاج مدرسة ونوع من النظرة العالمية السائدة في المجتمعات الغربية التي شكلت طموحات وأفكار شعوب الغرب. وفقاً لصدر، الحضارة الغربية الحديثة قدمت صفة أحادية الجانب ومادية من وجوه ومجالات الإنسان المختلفة، وعلى هذا الأساس والمعرفة المحدودة، عرضت للبشر أهدافاً وأفكاراً غير محدودة دنيوية. إن الطموحات والأفكار المحدودة والمتعلقة بمستقبل محدود أدت إلى تعميم أفقي في حياة الإنسان. يكتب الشهيد صدر: الإنسان الأوروبي في بداية عصر النهضة اختار فكرة الحرية في مواجهة قيود الكنيسة وصلابة معتقداتها العلمية والدينية، وقرر أن يحرر نفسه من قيود الكنيسة والإقطاع، وأن يصنع من الإنسان كائناً حراً بحيث يفكر ويختار ويفعل ما يشاء بعقله. من وجهة نظر صدر، كانت هذه الفكرة صحيحة، لكن خطأها كان في تعميمها وتوسيعها لتشمل جميع أبعاد الوجود ومجالات الحياة والاجتماع؛ لأن الحرية والتحرر من القيود هما من القيم والأُطُر الحياتية للإنسان، ولكنهما ليسا كل شيء ولا يصنعان الإنسان بمفردهما. فالحرية والتحرر من القيود يمكن أن يكونا إطاراً فقط في طريق تقدم وتكامل البشرية، ولكنهما بحاجة إلى مضمون ومحتوى سامٍ. إذا لم يكن هناك محتوى وفكرة سامية، فإن هذه الحرية نفسها تجلب بؤساً خطيراً وعظيماً؛ كما أن حضارة الغرب اليوم تعاني من بؤس ناتج عن التعميم والتوسيع الأفقي لفكرة الحرية (المرجع نفسه: 175- 170)؛ لأن الحركة في هذه المجتمعات مستمرة حتى الوصول إلى فكرة جديدة، وبمجرد الوصول إليها تتوقف الحركة. يكتب الشهيد صدر: لقد أخرجوا شيئاً محدوداً من حدوده وطرحوه كفكرة مطلقة وغير محدودة ودافعوا عنها وعمموها على كل الأزمنة، ولهذا تعلقوا بمستقبل محدود ومسافة محدودة، وعندما وصلوا إلى فكرتهم ووجدوا منبع فكرتهم، وقعوا في التكرار والجمود. ويستند في ذلك إلى آيات القرآن الكريم، ويعدد مراحل حياة مثل هذه المجتمعات بأربع مراحل كما يلي (المرجع نفسه: 183- 177):
1. مرحلة الابتكار والتجديد التي فيها تكون الفكرة بمثابة الهدف والطموح؛
2. المرحلة التي يصل فيها الناس إلى الفكرة التي أرادوها (مثلاً الحرية)؛
3. مرحلة التوقف والاستمرارية التاريخية؛ في هذه المرحلة تظهر الطبقة المترفة الباحثة عن الراحة والمتمتعة؛
4. مرحلة سيطرة الظالمين الذين لا يراعون أي عهد أو ميثاق؛ مثل هتلر والنازيين.
ز) الحاجة إلى الدين في حل مشاكل الإنسان المعاصر
يعتقد صدر أنه في مواجهة القضايا الإنسانية وبيان العناصر الاجتماعية والمعوقات المجتمعية، ما يمكنه حل المشكلات الاجتماعية هو «الدين». وفقاً له، الدين الذي له جذور فطرية هو الطاقة الروحية التي يمكن أن تخلق وجهة مشتركة بين الدوافع الفطرية والمصالح العامة، وتدفع الإنسان إلى التخلي عن ملذاته، والتضحية، وتعريف مصالحه الفردية بما يتوافق مع المصالح العامة الاجتماعية (صدر، 1350: 396). ويعتقد الشهيد صدر أن الدين الحقيقي هو دين التوحيد وعبادة الواحد الأحد الذي يمكنه توحيد الجماهير في معيار عملي ونظام اجتماعي، والحفاظ على المصالح الاجتماعية وجوانب الحياة المختلفة في إطاره. أما الأديان التي تقوم على الشرك فهي ليست حقيقة بل هي نتاج المشكلة الاجتماعية نفسها. يكتب الشهيد صدر: الدين الحنيف وقيم الإسلام وحده يمكنه أن يرشد الإنسان إلى طريق السعادة في الحياة الاجتماعية دون عوائق، لأنه دين قائم على الوحي ومنح من الله، وليس منبثقاً من فكر وقدرة الإنسان المحدودة: «دينا قائماً علي أساس الوحي و معطي إليها، لا فكراً تجريبياً منبثقاً عن قدرة الانسان و إمكاناته» (صدر، 1429/ ج: 33). هذا الدين قادر على خلق توافق بين اختلافات الإنسان الفطرية، وإقامة وحدة بين مصالح وشؤون الحياة الإنسانية المختلفة. لذلك، هذا الدين المبني على الفطرة والوحدة بين جميع شؤون الحياة الاجتماعية وسيادة التوحيد على الكون كله يعالج المشاكل الأساسية للإنسان المعاصر في الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية (صدر، 1429/الف: 359).
الخاصية المهمة في الدين الإسلامي لحل مشكلات الإنسان المعاصر تكمن في تحديد المثال الأعلى والمرجعية التي يطرحها، وهو تقديم المثال الأعلى المطلق واللامحدود؛ أي الله. «دور التوحيد هو أنه يمنحنا رؤية فكرية وأيديولوجية واضحة». التوحيد يجمع كل الطموحات والأهداف الإنسانية في مثال أعلى واحد؛ وهو الله سبحانه وتعالى». (صدر، 1381: 203) يقول الشهيد صدر: هذا الهدف المطلق هو الذي يمكنه باستمرار أن يحرك الناس ويمنحهم القوة (صدر، 1429/ب: 169) ودائمًا ما يصاحبه تغيير كمي ونوعي. التغيير الكمي لأن الطريق نحو المثال الأعلى المطلق «الله» مفتوح ولا نهائي؛ أي أن مجال التزكية والتكامل والتقدم موجود دائمًا، وهو في صراع مستمر مع كل الآلهة والأمثلة الدونية والمتكررة (صدر، 1381: 191). أما التغيير النوعي فهو لأنه يمنح الإنسان شعورًا عميقًا وداخليًا بالمسؤولية نتيجة الإيمان بالمطلق، وهذا الشعور بالمسؤولية هو الذي يحل تناقض الإنسان وصراعه الداخلي (المرجع نفسه: 192، 194). بحسب رأي الشهيد صدر، الإنسان الذي يجعل «الله» هدفه ومرجعه في سيره ومسيرته، يعتبر صفات الله وخلقه علامات لهذا الهدف العظيم. العدالة، العلم، القدرة، القوة، الرحمة والكرم تشكل مجتمعة الهدف الذي يسير نحوه. كل خطوة تقترب من هذا الهدف وكل مقدار يتحقق له منه، تفتح أمامه آفاقًا أوسع، وتزداد نار الشوق والإرادة لديه – للاستمرار في الطريق – لأن الإنسان المحدود لا يمكنه بلوغ «الله» المطلق واللامتناهي، ولكن في طريقه نحوه، كلما خطا خطوات أكثر، يُرشد إلى أماكن جديدة، والطريق يدفعه إلى زيادة جهوده: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» (صدر، 1429/ب:168)
يرى الشهيد صدر أن السير في طريق المثال الأعلى المطلق يتوقف على الأمور التالية (صدر، 1381: 206- 199):
1- رؤية فكرية وأيديولوجية واضحة تجاه المثال الأعلى المطلق؛ أي الفهم الصحيح للتوحيد والإيمان به والتخلق بالصفات الإلهية في الممارسة.
2- حركة الإرادة بمساعدة القوة الروحية الناتجة عن الإيمان بالتوحيد، كقوة وقود دائمة.
3- الاتصال الدائم بالمثال الأعلى المطلق عبر النبي(ص).
4- النضال والكفاح ضد الأمثلة الدونية والآلهة المصطنعة بقيادة إمام المجتمع.
5- الإيمان بمستقبل مشرق يؤدي في النهاية إلى بلوغ الكمال المطلق والقرب من الله.
لذلك، في العالم المعاصر، الإسلام وحده هو الذي يمتلك كل متطلبات السير في طريق المثال الأعلى المطلق واللامحدود، فيستطيع أن يحرر الإنسان من القيود التي تؤدي إلى هلاكه ودماره، ويحرره من كل أنواع العبوديات الفكرية والاجتماعية والمادية. يكتب الشهيد صدر: «لا يوجد مذهب سوى المذهب الإسلامي السامي الذي أساسه التسليم المطلق لله ولقوانينه الإلهية؛ مذهب يصنع من الإنسان قوة مبدعة وعنصرًا لا يُقهَر وكائنًا فاعلًا يملك السيطرة في النجاح والاستفادة، ويستخدم اللذة والمنفعة في سبيل بلوغ حياة مصحوبة بالسعادة نحو مستقبل أفضل» (صدر، د.ت./ ج: 112؛ همچنین انظر: 1429/ج: 76؛ 1350: 398). ولهذا السبب، كان أهم هم الشهيد صدر هو تحقيق الإسلام بشكل واقعي وعملي في الحياة الفردية وكل البنى الاجتماعية للإنسان، سواء كانت ثقافية أو سياسية أو اقتصادية. يرى صدر أن الدين الإسلامي متجذر في فطرة الإنسان وله رسالة عالمية ولا يختص بمجموعة معينة أو وطن محدد. الإسلام دين يشمل الإنسانية بكل أبعادها، سواء المادية أو الجسدية أو الروحية أو الفردية أو الاجتماعية، وله برنامج للحاضر والمستقبل للبشرية، وسيبقى حتى زوال العالم ولن يأتي دين جديد أبدًا (صدر، د.ت./ ج: 58). في رؤية الشهيد صدر، للدين مجال واسع يشمل كل جوانب الحياة الإنسانية بشكل مباشر أو غير مباشر. ويرى أن الدين هو سنة إلهية للإنسان والمجتمع وعنصر أساسي في حياة البشر، وليس عنصرًا عرضيًا مفروضًا يمكن تجاوزه أو تجاهله. يكتب: «الدين ليس قضية حضارية مكتسبة يمكن إعطاؤها أو الاستغناء عنها، لأنه في هذه الحالة لا يكون فطرة الله؛ الدين ليس أمرًا متعلقًا بالحضارة اكتسبه الإنسان عبر التاريخ ليتمكن من منحه أو أخذه ممن يدعي عدم حاجته إليه، لأن في هذه الحالة لن يكون الدين فطرة إلهية» (صدر، 1428: 99).
والآن مع مراعاة هذا المنظور لمشكلات الإنسان والخلود وشمولية الدين، يُطرح السؤال: كيف يمكن لدين كهذا أن يتناسب ويتوافق مع حياة الإنسان التي لا تعرف الركود أو الجمود أبداً، والتي هي في حالة تحول وتطور مستمر في جميع الجوانب المادية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟ في الإجابة على هذا السؤال وعن كيفية دور الدين في حياة الإنسان، لجأ الشهيد صدر إلى نظرية كون الدين «مدرسة». في هذا المنظور، ليست مهمة الدين اكتشاف الظواهر الخارجية والموضوعية والعلاقات بينها التي تحتاج دوماً إلى تغيير وتحول، بل مهمة الإسلام كدين هي تصميم المبادئ والأُطر الأساسية لحياة الإنسان وبيان الواجبات والممنوعات الأساسية التي يجب أن يُتحرك الإنسان وفقها. ومن ثم، فإن الدين الإسلامي هو «مدرسة» وليس علماً. (صدر، 1350: 396و 404)
ج) الإسلام كمدرسة
المدرسة في فكر صدر هي: منظومة من الواجبات والممنوعات، والمستحسنات والمكروهات التي تشكل كلّاً متكاملاً حول فكرة مثالية كبرى، وتُعد الأساس لجميع الأحكام والهياكل الحياتية والأبعاد الاجتماعية للإنسان. لذلك، يجب أن تُقاس الثقافة والسياسة والاقتصاد بالأفكار المثالية العامة والمدرسة السائدة في المجتمع (صدر، د.ت./ الف: 15). من وجهة نظر آية الله صدر، الإسلام مدرسة قوية وعالية ومتقدمة تتحمل مسؤولية القيادة العقائدية وتوجيه الأمة الإسلامية نحو الأهداف والنماذج العليا (صدر، د.ت./ ج: 18). يرى الشهيد أن الإسلام مدرسة لأنه يعتقد أن الموضوع المحوري في الإسلام هو هداية البشر وإظهار طريقة العيش الصحيحة في ظل التوحيد وعبادة الله، وتحقيق الحياة الطيبة والسعادة الحقيقية (صدر، 1429/ ج: 82-76). لذلك، ليست مهمة الإسلام اكتشاف الحقائق الجزئية الموجودة أو مجرد إثارة العواطف (صدر، 1350: 366)، بل تهتم بالتحولات العميقة الجذرية في أعماق النفس والإدراك البشري والمجتمع الإنساني. الإسلام ليس مجرد مجموعة من التعاليم المتفرقة والعبارات التي تهتم بجانب واحد من أبعاد الإنسان والمجتمع، بل كمدرسة هو منظومة ونظام يشمل جميع المجالات الفردية والاجتماعية. ولهذا السبب، فإن قول من يعتقدون أن «الإسلام له برنامج فقط لتنظيم العلاقات الفردية وليس له خطة أو برنامج للعلاقات الاجتماعية والمجتمع الكلي» هو قول باطل تماماً وينبع من جهل بالإسلام. المفهوم المركزي والفكرة الكبرى لمدرسة الإسلام هي ذات المثالية المطلقة التي لا يمكن أن يكون غير الله هو صاحبها (صدر، 1381: 183)، وبناءً على هذا المفهوم المركزي تتشكل جميع الأنظمة الاجتماعية. يكتب: «التوحيد هو جوهر العقيدة الإسلامية. مع توحيد الإسلام، يتحرر الإنسان من عبودية غير الله. قبول كلمة لا إله إلا الله يمحو كل أنواع العبادة المنحرفة عبر تاريخ الإنسان ويحرر الإنسان من الداخل. ثم كنتيجة طبيعية لهذه الحرية، ينجح الإنسان في تحرير ثروات العالم وكل مخازنه من ملكية غير الله؛ أي أن الحرية الداخلية تحرر الإنسان خارجياً أيضاً من كل أنواع التبعية لغير الله». (صدر، 1429/ ب: 32)
في نظر صدر، المفهوم المركزي للتوحيد والرؤية التوحيدية للعالم هي الأساس الرئيسي للدين الإسلامي ولكل الأنظمة الإنسانية والاجتماعية، وهي أساس لبناء المجتمع والعلم الإسلامي. هذا المنظور يقف في مواجهة الرؤى والمذاهب السائدة في الغرب التي تقوم على رؤية مادية ونظريات إيجابية ومادية، ولهذا السبب لم تستطع أن تقدم حلاً مناسباً لمشكلات البشرية وخلق حياة شاملة سعيدة لها. الشهيد صدر، بنقده للمنهج الإيجابي والمادي في دور العلم في حل المشكلات التربوية والاجتماعية والاقتصادية للإنسان المعاصر، يرى أن الدين الإسلامي يمكن أن يكون مدرسة مفيدة وهادية للعمل والحياة، وله حضور نشط وحيوي وحاسم في المجتمع اليوم (صدر، 1350: 401- 392)، ويستقبل المجتمع الإسلامي بكل احتياجاته ورغباته ويقوده: «إن الإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أُطرها الحية دائماً؛ الإسلام يمتلك القدرة على قيادة الحياة وتنظيم شؤونها ضمن خطط وأُطر حية إلى الأبد» (صدر، 1429/ب: 43). ولهذا السبب، فإن رسالة الإسلام عملية وقابلة للتحقق في حياة الناس، ولم تكتفِ ببناء الأمة الإسلامية فقط، بل تسعى لبناء قوة نشطة من المسلمين تبني العالم (صدر، د.ت./ب: 81-77). وهكذا، فإن الاهتمام بإعادة قراءة اجتهادية لمدرسة الفكر الإسلامي وتشكيل الأنظمة الإسلامية في ظل التوحيد هو الخطوة الأولى لتشكيل المجتمع التوحيدي، والعلم الديني، والحضارة الإسلامية الجديدة. (انظر: سرلک و موسوی، 1393)
ط) خصائص نظرية الشهيد صدر
بشكل عام، تتميز آراء وأفكار الشهيد صدر بعدة مزايا خاصة:
1. اهتمام الشهيد صدر بدراسة وفهم مشكلات الإنسان المعاصر هو اهتمام صحيح وأساسي لعالم اليوم. هذه المسألة هي من أهم القضايا المتعلقة بمجال الحضارة وبناء الحضارة. إذا كان هناك من يسعى لفهم الحضارة القائمة ووضع خطة للحضارة المستقبلية، فلا بد له أولاً من معرفة مشكلات الإنسان المعاصر، التي يشكل جزءاً كبيراً منها نتاج الحضارة الغربية، جيداً وأن يكون لديه جواب مناسب لها؛ لأن الحضارة المستقبلية ستكون لمن يقدم إجابات مناسبة ومقنعة لمشكلات الإنسان المعاصر. الشهيد صدر انتبه جيداً لهذه المسألة ومن خلالها مهد الطريق لطرح رسالة الإسلام العالمية والحضارة الإسلامية الجديدة. (ر. ک: صدر، د.ت.: 80)
2. على عكس كثير من مفكري العالم الإسلامي الذين يدرسون الإنسان اليوم وعلاقاته الاجتماعية بناءً على أسس ومبادئ مستمدة من الغرب، فقد حلل الشهيد صدر الإنسان المعاصر بناءً على أنثروبولوجيا إسلامية، وحاول تقديم نموذج نظري للتحليلات الأنثروبولوجية والاجتماعية ينبثق من الفكر الإسلامي. لذلك، استعان بآيات القرآن الكريم والمصادر الدينية لتحليل أنواع العلاقات بين الإنسان والطبيعة وبيان العلاقات الاجتماعية الناشئة، ومن خلال ذلك كشف التناقض الأساسي والمشكلة الرئيسية في حياة الإنسان المعاصر.
3. رغم أن الشهيد الصدر ينظر إلى حضارة الغرب بنظرة نقدية، إلا أن هذه النظرة النقدية لا تقوده إلى الوقوع في فخ النظرة المتطرفة والسلبية تمامًا تجاه مظاهر العلم والحضارة الغربية؛ بل يسود فكره نوع من الاعتدال الفكري والعملي. فهو يرى أن المنتجات العلمية المبنية على معرفة الطبيعة، مثل العلوم الطبيعية وتقدم أدوات الإنتاج، ليست في ذاتها مشكلة، بل إن هذه العلوم والمعرفة بالطبيعة واستخدام أدوات الطبيعة، إذا كانت في مسار العدالة والعلاقات الاجتماعية العادلة، فإنها تؤدي إلى ازدهار الطبيعة وإقامة مجتمع آمن وعادل وأفضل. ويرى الشهيد الصدر أن ما يعطي لهذه العلوم الاتجاه والقيمة هو المثل العليا والأهداف الإنسانية. فإذا ما صُلحّت هذه المثل، استُخدمت هذه العلوم بشكل أفضل.
4. فكر الصدر، بالإضافة إلى كونه متجذرًا في نظامه الفكري، هو ثمرة مواجهته الواقعية مع الحقائق الاجتماعية والإنسانية أيضًا. فقد سعى إلى دراسة واقع المجتمع، ورصد جذور المشكلات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية للإنسان المعاصر، ومن خلال الرصد والمعرفة الدقيقة، قدم الحلول. لذلك، فكره ليس مجرد وصف، بل إلى جانب الوصف الدقيق لواقع مشكلات الإنسان المعاصر، كان فكرًا ونموذجًا يوقظ ويدفع إلى الحركة، ولهذا كان منطلقًا لنمو الوعي واندفاع جمعي من العلماء والطلاب في حوزة النجف وتشكيل مجموعات فكرية وتنظيمات سياسية في العراق.
5. من الخصائص الأخرى لفكر الصدر، النظرة الحضارية والاجتماعية إلى الدين الإسلامي. فهو يرى أن الإسلام هو برنامج حياة ومنهج كمال وتقدم لجميع البشر والمجتمعات، ويقدم جميع مستلزمات الحياة الاجتماعية السعيدة في إطار مذهب أصيل وأنظمة متينة تحت توحيد واحد، قادر على إقامة الوحدة في جميع جوانب الحياة الإنسانية والتفاهم في كل العلاقات الاجتماعية، ويجيب تحت مظلة التوحيد والفطرة على جميع الاحتياجات المادية والمعنوية المتنوعة للإنسان. لذلك، الإسلام هو دين مستقبل البشرية. (صدر، د.ت.: 58)
6. آخر خاصية مهمة يمكن طرحها لنظرية الشهيد الصدر هي اهتمامه بعنصر الاجتهاد وإعادة قراءة التعاليم الإسلامية بما يتناسب مع حاجات ومشكلات الإنسان اليوم. فهو يرى أنه لا يمكن توقع الاكتفاء بالإسلام باللباس المعرفي القديم الذي فسره رجال الدين، للإجابة على الحاجات الجديدة للإنسان وتقديم حقيقته المضيئة للبشرية؛ بل يجب مع الحفاظ على أصالة التعاليم المستمدة من القرآن والسنة المطهرة، تقديم حقيقة الدين بما يتناسب مع حاجات الحياة المعاصرة للإنسان وبرنامج حياة للمجتمعات، وتنظيم وتعريف تعاليمه السامية وأنظمته البناءة والحيوية كمذهب ونظام فكري متماسك ومنسجم، ليُستنبط منه الحلول المناسبة لمشكلات الإنسان المعاصر. وفي فكره، لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الاجتهاد والمنهج الدقيق المستمد من نصوص الإسلام. (انظر: سرلک و موسوی، 1393).
هـ) الخلاصة
الشهيد آية الله الصدر، من خلال تدقيقه الدقيق في وضع الإنسان المعاصر، كشف وعرف بدقة المشكلات والتناقضات السائدة في العلاقات الاجتماعية للإنسان المعاصر، وفصل بين نوع علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقته بأقرانه، ورأى أن أهم قضية للإنسان المعاصر هي البحث في ماهية وجود نظام أصلح ومسار سعادة الإنسان. ومن ثم، فإن بناء نظام معرفي ومذهبي هو ضرورة أساسية لحياة البشر، له دور حاسم في تنظيم حياة الإنسان، وتنسيق الدوافع الداخلية والمصالح العامة، وإحداث التغيير والتحول في الحياة الإنسانية.
ويرى أن المذاهب الغربية مثل الماركسية والليبرالية، بسبب محدودية أفكارها ومثلها العليا، لا يمكن أن تكون أساسًا جيدًا لنظام إصلاحي يعالج هموم الإنسان المعاصر، ليضمن له السعادة والرفاهية الشاملة، بل على العكس، فقد كانت مؤثرة في تجريد الإنسان من حقيقته الوجودية وحصره في الأمور المادية فقط؛ لأنها لم تهتم بجوانب الحياة كافة ومجالات وجود الإنسان، واكتفت بالمثل العليا المادية فقط؛ في حين أن التناقضات الاجتماعية للإنسان متجذرة في تناقض أعمق وهو التناقض الداخلي للإنسان نفسه، ولا يمكن لمذهب إلا أن يحل هذه المشكلة في العلاقات بين البشر إذا عمل في مستويين في آن واحد؛ الأول في إزالة التناقضات الاجتماعية في الميدان التاريخي، والثاني في معالجة الصراع الداخلي للإنسان المتمثل في حب الذات، ليجفف بذلك التناقضات الاجتماعية من منبعها. ويرى الصدر أن الدين الإسلامي وحده قادر على توحيد الجماهير في المعيار العملي والنظام الاجتماعي، والحفاظ على المصالح الاجتماعية وجوانب الحياة كافة في إطاره. لأنه جعل «الله» مثله الأعلى المطلق، ولذلك يمكنه دومًا تحريك الناس ومنحهم القوة.
في منظومة فكر الشهيد الصدر، يشكل التوحيد والرؤية التوحيدية الأساس الرئيسي للدين الإسلامي ولكل الأنظمة الاجتماعية، ويمكن أن يكون أساسًا متينًا للنظام الاجتماعي وبناء المجتمع والعلم. ولهذا كان يؤمن بضرورة تقديم الإسلام كبُعد حياة متكامل للبشرية، وتوفير الظروف لتحقيقه عمليًا وواقعيًا.
بالمجمل، يمكن تعداد ست خصائص مهمة لنظرية الشهيد الصدر وهي: 1. طرح سؤال أساسي لبناء حضارة إسلامية جديدة؛ 2. نموذج نظري لتحليل القضايا الاجتماعية مستندًا إلى آيات القرآن الكريم والمصادر الدينية؛ 3. منهج نقدي إصلاحي تجاه مظاهر الحضارة الغربية مع تجنب التطرف؛ 4. الاهتمام بالعمل والحركة الاجتماعية إلى جانب الوصف والتحليل النظري؛ 5. النظرة الحضارية والاجتماعية للدين الإسلامي؛ 6. الاهتمام بعنصر الاجتهاد وإعادة القراءة المستنيرة للتعاليم الإسلامية.
المصادر والمراجع
– سرلک، علی و سید مهدی موسوی (1393). «فلسفه تعلیم و تربیت اسلامی از منظر شهید سید محمد باقر صدر». مجله علمی – پژوهشی مطالعات معرفتی در دانشگاه اسلامی، ش59 0تابستان).
– صدر، سید محمد باقر (1350). اقتصاد ما، ج1. ترجمة محمد کاظم موسوی. تهران: منشورات اسلامی.
– صدر، سید محمد باقر (دون تاريخ/ الف). اقتصادنا، ج2. ترجمة ع. اسپهبدی. تهران: منشورات اسلامی.
– صدر، سید محمد باقر (1429 ق/الف). اقتصادنا (تراث الشهید الصدر، ج3). قم: مرکز الابحاث والدراسات للشهید الصدر.
– صدر، سید محمد باقر (1429ق/ب). الاسلام یقود الحیاة (تراث الشهید الصدر، ج5). قم: مرکز الابحاث والدراسات للشهید الصدر.
– صدر، سید محمد باقر (دون تاريخ/ ب). الفتاوی الواضحة. بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.
– صدر،سید محمد باقر (1429ق/ج). المدرسة الاسلامیة (تراث الشهید الصدر، ج5). قم: مرکز الابحاث والدراسات للشهید الصدر.
– صدر، سید محمد باقر (1428ق). المدرسة القرآنیة (تراث الشهید الصدر، ج19). قم: مرکز الابحاث والدراسات للشهید الصدر.
– صدر، سید محمد باقر (دون تاريخ/ج). رسالت ما. ترجمة محمد تقی رهبر. تهران: روزبه.
– صدر، سید محمد باقر (1381). سنتهای تاریخ در قرآن (تفسیر موضوعی). ترجمة سید جمال الدین موسوی اصفهانی. تهران: تفاهم.
-Sadr, Seyyed Mohammad Bagher (?). AL- Fatava Al- Vazihah. Beyrouth; Dar-o-al- Ta’ arof lel – Matbooa’t.
-Sadr, Seyyed Mohammad Bagher (2008). AL- Islam Yaghod – o-al-Hayat (Torath al-Shalid Sadr, Vol. 5). Qom: the Center of Research and Lessons of Sadr.
– Sadr, Seyyed Mohammad Bagher (2008). AL- Madresat-ol- Islamiah (Torath al-Shahid Sadr, Vol. 5). Qom; the Center of Center Research and lessons of Sadr.
– Sadr, Seyyed Mohammad Bagher (1971). Eghtesade Ma. Vol. 1. Translated by Mohammad Kazem Mousavi. Tehran: Institute of Islami publication.
– Sadr, Seyyed Mohammad Bagher (?). Eghtesadona. Vol. 2. Translated by A.Espahbodi. Tehran: Islami Publication.
– Sadr, Seyyed Mohammad Bagher (2008). Eghtesadona (Torath al- Shahid Sadr, Vol. 3). Qom: the Center of Research and Lessons of Sadr.
– Sadr, Seyyed Mohammad Bagher (?). Resalat Ma. Translated by Mohammad Thghi Rahbar. Tehran: Roozbeh.
– Sadr, Seyyed Mohammad Bagher (2002). Sonnathye Tarikh dar Quran. Translated by Seyyed jamaleddin Mousavi Esfahani. Tehran: Tafahom.
-Sarlak, Ali and Seyyed Mahdi Mousavi (2014). “Falsafe – ye – Ta’lim Va Tarbiat Islami az Manzare Shahid Sadr”. Motalea’te Ma’refati dar Daneshgahe Islami Magazine, No. 59
[1]. حسب رأي الشهيد الصدر، الدين الذي يعتبر في كتابه المقدس جميع الناس إلا قبيلة اليهود وإسرائيل كلابًا، لم يكن يومًا إنسانيًا ولا يزال كذلك. (صدر، د.ت./ ج: 82).

