ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نقدی بر نظریه تلازم قبح فاعلی و استحقاق عقاب در مکتب اصولی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: قبح الفاعل و ملازمته مع استحقاق العقاب، من الموضوعات المهمة في علم الأصول التي تؤثر في مباحث مثل التجري، اجتماع الأمر والنهي، الإطلاق والتقييد في العبادات، والحسن والقبح العقلي والشرعي. يتناول هذا البحث، بأسلوب وصفي ـ تحليلي، نقد نظرية ملازمة قبح الفاعل واستحقاق العقاب في المدرسة الأصولية لـالشهيد الصدر. من كلمات الشهيد الصدر في نقد رأي المحقق النائيني في مسألة التجري، يتبين أنه افترض عدم التفريق بين قبح الفاعل والقبح الفعلي، وكذلك ترتب العقاب على قبح الفاعل، وهذا ما أدى إلى اعتراضه على المحقق النائيني. في هذا البحث، وبالنظر إلى مصادر قبح الفاعل، تم نقد ومراجعة المبدئين اللذين اختارهما الشهيد الصدر في هذا الشأن، ودُفعت النظرية المحقق النائيني في هذا المجال. ويبدو أن قبح الفاعل، من حيث مصادره، نوعان، ولكل نوع تعريف خاص وأحكام مميزة.
المؤلف: کریم کوخاییزاده، علی حسینیفر، نبی سبحانی
المصدر: پژوهشهای اصولی، ربيع 1401، العدد 30، ص 103 إلى 124.
المقدمة
القبح الفعلي وقبح الفاعل، والملازمة بين هذين العنوانين، واستلزام العقاب من القبح الفعلي واستلزامه من قبح الفاعل، وإمكانية أو استحالة التفريق بين قبح الفاعل والقبح الفعلي، من الموضوعات التي تُناقش في بعض أجزاء علم أصول الفقه. إن البيان الواضح والصحيح لهذه المفاهيم والعبارات الأصولية وخصائصها وأحكامها، يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في اختيار الرأي الصحيح في مختلف أقسام أصول الفقه الإمامية. اشتراك بعض المباحث البحثية، مثل التجري، الحسن والقبح الشرعي والعقلي، اجتماع الأمر والنهي، إمكانية أو استحالة التقييد في الواجبات التعبدية بناءً على هذه المفاهيم وملحقاتها، وربط صحة هذه الفئة من الواجبات بعدم وجود قبح فاعل، يبرز ضرورة تحديد دائرة المعنى لقبح الفعلي وقبح الفاعل والأحكام والخصائص المذكورة آنفًا. رغم أن الأصوليين الإمامية قد بحثوا في هذه العناوين بين طيات هذه المباحث، ودرسوا وزاوجوا زواياها المختلفة ونقدوها، إلا أنه يبدو أنهم أحيانًا أخطأوا في التحديد الصحيح لطبيعة ومصادر هذه المفاهيم. في هذا البحث، يُسعى إلى بيان كلمات من المحقق النائيني حول قبح الفاعل التي أوردها في مسألة التجري، مع عرض الاعتراض الذي قدمه الشهيد الصدر على تفسير دائرة قبح الفاعل من قبله، ونقد ومراجعة المبدئين اللذين اختارهما الشهيد الصدر في هذا الشأن. هذان المبدآن اللذان استخدمهما الشهيد الصدر في رد نظرية المحقق النائيني هما:
أ) حصر مصدر قبح الفاعل في القبح الفعلي
ب) استحالة عدم ربط العقاب بقبح الفاعل
قبل الدخول في نقد هذين المبدئين، يُعرض موضع النزاع بين المحقق النائيني والشهيد الصدر، وبناءً عليه يُنقد ويُحلل المبدآن المذكوران اللذان أثارا اعتراض الشهيد الصدر على كلمات المحقق النائيني. من الضروري التنويه إلى أنه بالنظر إلى الاختلاف الظاهر في “فوائد الأصول” و”أجود التقريرات” في نقل كلمات المحقق النائيني، فإن أساس هذا البحث هو التقرير الوارد في “فوائد الأصول” عن أقواله. كذلك، وبما أن قبول المبدأ الأول للشهيد الصدر في هذه المسألة يُعد ممرًا لقبول المبدأ الثاني وأساسًا لإثباته، فقد اكتفى عنوان هذا البحث بالمبدأ الثاني، الذي هو نتيجة اعتراض الشهيد الصدر على ميرزا النائيني.
فيما يتعلق بالتجري وقبح الفاعل، كُتبت العديد من المقالات والرسائل العلمية، لكن النهج الذي يتبناه هذا البحث، وهو نقد بعض خصائص قبح الفاعل من وجهة نظر الشهيد الصدر، لا يظهر في أي من هذه الدراسات. من بين هذه الدراسات، المقالة المعنونة “تحليل علاقات الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة بناءً على منهج الشهيد الصدر” التي كتبت بنهج تحليلي وصفي لآراء الشهيد الصدر في هذا المجال، تشبه هذا البحث إلى حد ما، لكنها تفتقر إلى النهج النقدي. كما توجد مقالة أخرى بعنوان “دراسة الحسن والقبح في فكر الشهيد الصدر” بنهج مشابه للمقالة السابقة، حيث تناولت الحسن والقبح من وجهة نظر هذا العالم الشيعي وحللتها. عدم الاستفادة من هذه المصادر في تقرير البحث يعود إلى اختلاف المناهج. من جهة أخرى، لا يهدف مؤلفو هذا البحث إلى نقد جميع آراء الشهيد الصدر في علاقات الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة، بل يركزون على بعض إطلاقات الشهيد الصدر التي توحي بعدم إمكانية ملازمة جميع أنواع قبح الفاعل مع استحقاق العقاب. نقطة أخرى أن الشهيد الصدر قد أبدى اعتراضه على المحقق النائيني بشأن تفريق قبح الفاعل عن القبح الفعلي في مسألة التجري، حيث إن ثبوت القبح الفعلي في هذه المسألة محل نزاع بين العلماء الشيعة. بمعنى آخر، لو كان موضوع الاعتراض هو العصيان، لكان من الممكن إيجاد مبرر صحيح ومقبول لنقد الشهيد الصدر للمحقق النائيني، لكن طرح هذا الاعتراض في مسألة التجري، مع الأخذ في الاعتبار النزاع القائم حول القبح الفعلي في التجري وعدم قبول القبح الفعلي من قبل النائيني والشهيد الصدر، يجعل النهج النقدي لهذا البحث تجاه هذا المبدأ الأصولي للشهيد الصدر مبررًا ويزيل الشكوك حوله. من جهة أخرى، بعد بيان وجمع مصادر قبح الفاعل، يُبرز البحث ضرورة إعادة النظر في تعريف قبح الفاعل ويقدم تعريفًا جديدًا لهذا المصطلح.
وبما أن الشهيد الصدر أورد اعتراضه على المحقق النائيني تحت كلامه في مسألة التجري، فإن المقدمة في هذا البحث وقبل الدخول في الموضوع الأساسي، تستعرض وجهات نظر مختلفة للأصوليين الشيعة حول التجري وحكمه.[1]
بالنظر إلى الأقوال الموجودة في باب التجري، يمكن القول إن هناك أربعة آراء مهمة حول التجري وهي كالتالي:
أ) الرأي المشهور
وفقاً للرأي المشهور، المتجري مثل العاصي معاقب، والتجري، بالإضافة إلى قبح الفاعل، يتضمن أيضاً قبح الفعل. يمكن العثور على الرأي المشهور وأدلته في بيان فقهاء مثل محقق سبزواري. (سبزواری، ١٢٤٧، ج ٢، ص ٢٠٩؛ حلی، ١٤١٢، ج ٤، ص ١٠٧؛ اصفهانی، ١٤١٦، ج ٣، ص ١٠٩؛ عاملی، د.ت.، ج ٢، ص ٦١)[2]
ب) رأي العلامة الحلي، الشهيد الأول والسيد المجاهد
من ظاهر كلام بعض فقهاء وأصوليي الإمامية وإطلاق كلامهم في نفي القبح عن التجري، يتبين أن التجري لا يحمل قبحاً فعلياً ولا قبحاً فاعلياً. (حلی، ١٤١٤، ج ٢، ص ٣٩١؛ عاملی، ١٤٠٠، ج ١، ص ١٠٧؛ طباطبایی، ١٢٩٦، ص ٣٠٨)
ج) رأي الشيخ الأنصاري
يرى الشيخ الأنصاري أن التجري ناشئ عن قبح فاعلي وسوء سريرة المتجري، لكنه لا يثبت القبح الفعلي بشأنه. (انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٤٥)
د) رأي صاحب الفصول
اختار صاحب الفصول في هذه المسألة القول بالتفصيل، ويرى أن القبح الفعلي للتجري أمر اعتباري، وأن عرض وجوه واعتبارات مختلفة يؤدي إلى اختلاف في ترتب القبح الفعلي عليه. (اصفهانی، ١٤٠٤، ص ٤٣١)
١. توضيح رأي محقق نائيني حول قبح الفاعل في التجري وعدم ترتب العقاب عليه[3]
مع أن ميرزا نائيني لم يقبل استحقاق العقاب على المتجري، إلا أنه في مقام القول بقبح التجري، اعتبر هذا الرأي صحيحاً فقط في حال قبول أحد المستندات الأربعة التي ذكرها، وهذه المستندات هي:
١. قبول شمول الخطابات الشرعية لحالة المعارضة القطعية مع الواقع
٢. قبول تحقق المفسدة الناشئة عن القطع والعلم، بغض النظر عن الواقع
٣. الادعاء بحكم مستقل للعقل باستحقاق العقاب على المتجري
٤. الادعاء بحرمة التجري استناداً إلى الإجماع والأخبار الدالة عليه (نایینی، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٣٧٥٦)
ومن الجدير بالذكر أن نائيني بعد توضيح هذه المبادئ، قام برفضها ولم يقبل القبح في المتجري. الكلام محل البحث هو كلام نائيني تحت المبدأ الثاني، الذي يدل على التفريق بين قبح الفاعل وقبح الفعل. فقد صرح في هذا المجال قائلاً: «بالطبع، لا مانع في هذا الادعاء بأن يعتبر أحدهم صدور الفعل (المتجري عليه) من الفاعل (المتجري) قبيحاً، حتى وإن لم يكن قاطعاً بقبح الفعل، لأن قبح الفاعل لا يستلزم قبح الفعل، إذ قد يُعتبر الفعل قبيحاً، لكن صدوره من الفاعل غير مكروه، كما هو الحال في الانقياد. والعكس (قبح الفاعل بمعزل عن قبح الفعل) ممكن أيضاً، كما هو ظاهر في التجري.» (نایینی، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٤٢)
هذا الكلام يوضح أن من وجهة نظر محقق نائيني، قبح الفاعل قابل للتمييز عن قبح الفعل. ومن الواضح أنه حتى في حال إثبات التفريق بشكل عام، فإن الادعاء السابق سيظل ثابتاً.
بعبارة أخرى، يرى نائيني أن قبح الفاعل هو صفة مستقلة ومنفصلة عن قبح الفعل وقابلة للتصور خارجه، ولم يشترط ثبوتها على ثبوت القبح الفعلي. في الواقع، اعتبر عدم تحريك الفاعل المتجري من إيمانه المخالف للواقع منشأً وأساساً لقبح الفاعل، ويبدو أن هذا الأمر هو ما أثار اعتراض الشهيد الصدر في هذا الشأن.
٢. التفسير التحليلي لفهم الشهيد الصدر لكلمات محقق نائيني
الشهيد الصدر في بيان الاحتمال الذي استخلصه من كلام محقق نائيني اعترض على التفريق بين قبح الفاعل وقبح الفعل من قبله، ولم يقبل به. وقد صرح في هذا الشأن قائلاً: «ربما يقصد محقق نائيني تصور ثبوت نوعين من القبح، أحدهما متوجه إلى ذات الفعل، بغض النظر عن جانب صدوره من الفاعل (الحسن والقبح الفعلي)، والآخر متوجه إلى الفعل مع إضافة ذلك إلى الفاعل والانتباه إلى جانب صدور الفعل (الحسن والقبح الفاعلي).» (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٣٩) وفي مقام الاعتراض على هذا الاحتمال، طرح اعتراضين:
الاعتراض الأول
«هذا التقسيم لا مكان له في منهج الاستنباط، لأن الحسن والقبح ليسا وصفاً لذات الأفعال، بل الأفعال مع اعتبار صدورها من الفاعل تتصف بالحسن أو القبح. كأن هذا التقسيم خلط بين باب المصلحة والمفسدة وباب الحسن والقبح. من الواضح أن موضوع المصلحة والمفسدة هو الفعل، لكن موضوع الحسن والقبح ليس الفعل بمفرده، بل إضافة الفعل إلى الفاعل ووجه صدوره هو الموضوع في التحسين أو التقبيح. بعبارة أخرى، القبيح هو الفعل الذي يُذم الفاعل على فعله، والحسن هو الفعل الذي يُمدح الفاعل على فعله، وهذا لا يتحقق إلا بعد نسب الفعل إلى الفاعل.» (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٣٩)
الاعتراض الثاني
«إذا قبلنا التفصيل والتقسيم المذكور في باب الحسن والقبح، فلن يكون لدينا سبب لعدم اعتبار المتجري مستحقاً للعقاب. لأن في التجري، الفعل مع اعتباره بوجه صدوره من الفاعل موصوف بالقبح، وبدون شك، هذا القدر من القبح يكفي لاستحقاق العقاب. لذلك، إذا قام عالم بتنظيف الشارع [وهو فعل خالٍ من القبح الفعلي] واعتبرنا صدور هذا الفعل منه قبيحاً، فلا مفر من وجود ذم وقبح للفاعل.» (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٣٩)
بعبارة أوضح، لا يرى الشهيد صدر تفريق قبح الفاعل عن قبح الفعل صحيحًا. لأن معيار التشريع وإنشاء الحكم هو وجود المصلحة والمفسدة الحقيقية، ومناط الفعلية هو تحقق الموضوع في الخارج، ومعيار التنجز هو علم المكلف بمراحل التشريع والفعلية. (خمینی، ١٣٧٦، ج ٣، ص ٣١٢٣١٥) بناءً على ذلك، في مرحلة التنجز ووعي المكلف بالتكليف، الأمر الوحيد المطروح هو تلك المصلحة أو المفسدة الكامنة في ذات الفعل والتي أخذها الشارع المقدس بعين الاعتبار عند التشريع، ويفقد فرض الحسن أو القبح في فعل قد اجتاز مراحل التشريع والفعلية والتنجز معناه. فإذا بذل المكلف جهده في فعل محظور مخالف للتشريع وقام بفعل يحمل مفسدة حقيقية، فإنه يُقبح لصدور هذا الفعل منه. وبعبارة أخرى، ما لم يصدر عن المكلف انبعاث أو فعل مخالف للتشريع، لا يكون هناك حسن أو قبح، وقد أُخذ في الاعتبار جانب صدور الفعل المفسد من الفاعل في اعتبار ذلك قبيحًا. ومن جهة أخرى، إذا كان في ذات الفعل قبح مستقل عن قبح الفاعل، وكان هذان منفصلين عن بعضهما، فلا بد أن يُعاقب المتجري لمجرد قيامه بالفعل الذي ثبت فيه المفسدة. لأن تحقق القبح يستلزم العقاب، مع أن التجري هو القيام بفعل لا يحمل مفسدة حقيقية، ومن ثم، بالإضافة إلى عدم وجود قبح فعلي في حق المتجري، فإن قبح الفاعل أيضًا غير قائم. وبعبارة أخرى، قبح الفاعل ناشئ عن قيام الفاعل بفعل يحمل مفسدة حقيقية، وكما هو واضح، المتجري لا يقوم بفعل يحمل مفسدة حقيقية. (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٣٦٣٩) من كلام الشهيد صدر يتضح أن الحسن والقبح لا مجال لهما في الظهور والتحقق بدون علاقة بالفاعل، وقبح الفاعل هو مفهوم يتحقق ضمن قبح الفعل. وبعبارة أخرى، ما يتحقق فعلاً هو المفسدة في الفعل التي تولد قبح الفاعل نتيجة ارتكاب المكلف وإقدامه، وفي حالة ارتكاب التجري، لا يتحقق فعل يحمل مفسدة تولد قبح الفاعل. في الواقع، لم يعتبر الشهيد صدر مجرد عدم انبعاث الفاعل المتجري من اعتقاده الخاطئ كافياً لإثبات قبح الفاعل.
٣. نقد فهم الشهيد صدر من آراء المحقق النائيني
من كلام الشهيد صدر يتبين أنه يثبت قبح الفاعل فقط في حالة وجود مفسدة في فعل الفاعل وإقدامه على ذلك الفعل، ولا يقر بهذا في موضع آخر. وبالرجوع إلى العرف وسيرة العقلاء[4]، يبدو هذا القول مردودًا، لأن العقلاء يلومون المتجري الذي قام بفعل يحمل مفسدة ظاهرة عن سوء نية وسوء ذات، حتى وإن لم يكن الفعل في الواقع أو في ذاته مفسدة. ومن الواضح أن هذا القبح الفاعلي قد لا يكون ناشئًا عن وجود مفسدة حقيقية في موضوع الفعل، بل مصدره الحصري هو سوء الذات. بناءً عليه، يمكن القول إن قبح الفاعل أحيانًا ناشئ عن الإقدام على أمر تتضمن ذاته مفسدة، وأحيانًا أخرى ناشئ عن إقدام نابع من سوء ذات الفاعل، رغم عدم وجود مفسدة فعلية في ذلك الفعل. ومن جهة أخرى، بالنظر إلى الإشكال الثاني والمثال الذي ذكره في كلامه، يبدو أن الشهيد صدر اعتبر تحقق قبح الفاعل كافياً لاستحقاق العقاب، لكنه لم يقبل إثبات العقاب لأنه حسب مذهبه، المتجري قام بفعل لا يحمل مفسدة. وبعبارة أخرى، من منظوره، إذا وُجد قبح فاعلي في المتجري، فهو يستحق العقاب، ولكن بما أن الفعل الذي قام به لا يحمل مفسدة، فإن قبح الفاعل غير قائم، ومن ثم لا يترتب عقاب على التجري. ومن الواضح أن قوله بعدم ترتب العقاب على التجري يتفق مع رأي فقهاء الإمامية المشهورين (انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٣٧)، لكن أن تحقق قبح الفاعل يستلزم بالضرورة استحقاق العقاب، فهذا غير مقبول، لأن قبح الفاعل أحيانًا لا يكون ناشئًا عن مفسدة حقيقية، بل مصدره سوء ذات الفاعل، وفي هذه الحالة لا يترتب عقاب أو معاقبة. وبعبارة أخرى، قول المحقق النائيني هو أن الفعل الصادر من المتجري له جانبان: الجانب الأول هو ذات الفعل بدون اعتبار صدوره من الفاعل، وهو لا يحمل قبحًا، والجانب الثاني هو اعتبار الفعل من حيث صدوره من الفاعل، وهو يحمل قبحًا لكنه لا يترتب عليه عقاب، لأن معيار استحقاق العقاب هو قبح الفاعل الناشئ عن قبح الفعل أو المفسدة الكامنة في ذات الفعل، لا الناشئ عن سوء ذات الفاعل. بناءً عليه، الإشكال الأساسي على كلام الشهيد صدر هو أنه أغفل النوع الثاني من قبح الفاعل، وهذا ما جعله يرفض عدم استلزام العقاب من قبح الفاعل ويعترض على استخدامه في كلام المحقق النائيني. ومن كلام الآشتياني والحلي يتضح نفس المعنى، حيث إن ذم العقلاء للفاعل متصور بطريقتين: أحيانًا يكون الذم ناشئًا عن ظهور صفة شقاوة نابعة من الفعل والإقدام على خلاف اعتقاده، وأحيانًا يكون الذم بسبب صدور فعل قبيح من الشخص. (آشتیانی، ١٤٢٩، ج ١، ص ٦٩؛ حلی، ١٤٣٢، ج ٦، ص ١٤١) مع أن كلمات آية الله الخوئي في تقرير أقوال المحقق النائيني في أجود التقريرات تختلف قليلاً عن تقرير كاظمي في فوائد الأصول، إلا أن الأصل في التفريق بين قبح الفاعل وقبح الفعل والإشارة إلى نوعين من قبح الفاعل مذكور هناك أيضًا. (نایینی، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٣٠) وفي كلمات بعض علماء أصول فقه الإمامية، يُعبَّر عن هذين النوعين من قبح الفاعل بقبح فاعلي صدوري وقبح فاعلي فعلي، وهو أمر يستحق التأمل في موضعه. (حلی، ١٤٣٢، ج ٤، ص ١٠١)
٤. التدقيق النهائي في رؤية الشهيد صدر (نقد ودراسة مصادر قبح الفاعل من وجهة نظر الشهيد صدر)
طرح الشهيد صدر احتمالًا آخر في كلام المحقق النائيني ثم ردّه، حيث قال: «قد يكون المقصود من قبح الفاعل عند المحقق النائيني هو القبح الناشئ من الإضافة والنسبة بين الفعل والفاعل، لا القبح الناشئ من ذات الفعل أو من إضافة الفعل إلى الفاعل». (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٣٩) وبعبارة أوضح، يشير الشهيد صدر هنا إلى مصدرين آخرين لتقبيح الفاعل، وبإضافة المصدر السابق، تصل مصادر القبح عنده إلى ثلاثة:
المصدر الأول: قبح الفعل
رفض الشهيد صدر هذا الاحتمال الأول، ورفض وجود قبح يتجاوز المفسدة، معتبرًا أن الفعل لا يحمل سوى المفسدة.
المصدر الثاني: قبح الفعل المضاف
وضوح وعدم استلزام هذا المصدر لقبح الفاعل منع الشهيد صدر من التطرق إليه، وترك فهمه للمخاطب. ومن الواضح أنه لا يمكن اعتبار مجرد صدور فعل خالٍ من المفسدة من الفاعل، بمعزل عن وجود مفسدة في ذات الفعل وثبوت خبث السريرة وشقاوة الفاعل، سببًا في تحقق المفسدة وترتب العقاب.
المصدر الثالث: قبح الإضافة
في مقام رد قبح الفاعل الناشئ من الإضافة والصدور، طرح الشهيد صدر إشكالين: «الإشكال الأول هو أن تفريق الإضافة عن الفعل المضاف أمر تحليلي ولا وجود له في الواقع خارج الذهن. الأمور التحليلية، مثل الإضافة، سواء اعتبرناها اعتبارية كما هو مشهور أو واقعية كما هو الحق، لا يمكن أن تكون أساسًا للمسؤولية أو مناطًا لتحقيق العقوبات الشرعية. لأنه إذا كان ذلك جائزًا، لكانت هناك مسؤوليات وواجبات كثيرة تثبت. ومن جهة أخرى، فإن الضمير يشهد بأن الإنسان لا يتحمل أكثر من مسؤولية واحدة عن كل فعل». (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٤٠)
الاعتراض الثاني عليه في استخدام قبح الفاعلي من قبح الإضافة هو أنه إذا قبلنا تفكيك الإضافة عن الفعل المضاف، فلا يبقى دليل على عدم استحقاق العقاب بالنسبة للفاعل المجري. لأن، في حال قبول واقعية هذا الأمر، ستكون الإضافة أمرًا اختياريًا صادرًا من الفاعل، ويستحق الفاعل العقاب على قيامه بتحقيقه. (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٤٠)
وبمراجعة كلام وتوضيحات الشهيد الصدر يتضح أن سبب هذا الاستنتاج لديه من كلام المحقق النائيني هو عدم الانتباه إلى سوء السيرة وفساد الذات الذي يمكن أن يكون أحد مناشئ قبح الفاعلي المقصود. وبعبارة أخرى، حول منشأ انتزاع قبح الفاعلي، هناك أحد الأمور الأربعة التالية:
أ) قبح الفعل دون اعتبار إضافته إلى الفاعل (كما ذُكر سابقًا، من الأفضل في هذا الشأن التعبير بمفسدة الفعل، لأن الفعل بمعزل عن قيام الفاعل بارتكابه لا يحمل قبحًا. وقد تم التعبير بقبح الفعل لتوافق المصطلح مع التعبير المتداول عند علماء أصول الفقه الإمامية)
ب) قبح الفعل مع اعتبار إضافته إلى الفاعل (قبح الفعل المضاف)
ج) الإضافة
د) سوء سيرة الفاعل وفساد ذاته
ذات الإضافة وصدورها من الفاعل، للأسباب التي وردت في كلام الشهيد الصدر، لا يمكن اعتبارها منشأً لانتزاع قبح الفاعلي. الفعل المضاف واعتبار صدوره من الفاعل أيضًا لا يملكان القدرة على إحداث مفسدة في الفعل. بناءً عليه، فإن قبح الفاعلي إما ناشئ عن قبح الفعل أو سوء سيرة الفاعل، والطريقان الثاني والثالث مجرد احتمالات ذهنية ثبت بطلانها وعدم تحققها. الأمر الأول مفقود في التجري، لأن المجري لا يملك مفسدة حقيقية، والأمر الرابع أيضًا لا يمكن أن يكون محدثًا لمفسدة في ذات الفعل ويترتب عليه عقاب على ارتكابه.
إذا نظرنا إلى مسألة قبح الفاعلي في التجري من زاوية أوسع، فإن اشتراط العلم في ثبوت الحسن والقبح في فكر الشهيد الصدر أدى إلى إنكار قبح الفاعلي الناشئ من سوء سيرة الفاعل المجري، وصدور هذا الاعتراض ورفض كلام المحقق النائيني من قبله. من وجهة نظر الشهيد الصدر، لا يمكن تفسير الحسن والقبح على أنه استحقاق المدح والذم، لأن الثناء والذم العقلي يتعلق بالفاعل العارف بحسن الفعل أو قبحه. ولهذا، في فكره، الحسن الفعلي مشروط بالعلم بحسنه، والقبح الفعلي مشروط بالعلم بقبحه، ولكن لأن الشهيد الصدر اعتبر أخذ العلم بالحكم في موضوعه مستحيلًا بسبب الاستلزام البعيد، لم يقبل تفسير الحسن والقبح بالمعنى الشائع، أي استحقاق المدح والذم. (حائری، ١٤٣٣، ج ١، ص ٤٤٣-٤٤٤) وبعبارة أخرى، وفقًا لرؤية الشهيد الصدر، إذا كان الحسن بمعنى استحقاق المدح، فسيستلزم توقف الشيء على نفسه؛ لأن استحقاق المدح متوقف على العلم بالحسن، والعلم بالحسن متوقف على الحسن نفسه. بناءً عليه، إذا كان الحسن بمعنى استحقاق المدح، فلا بد أن يكون الحسن متوقفًا على نفسه. (حائری، ١٤٣٣، ج ١، ص ٤٤٤) هذا الرأي هو الذي دفع الشهيد الصدر إلى افتراض عدم قبول قبح الفاعلي في التجري.
في تحليل هذا الاعتراض، يجب أن نعلم أن هذا النقد، حتى لو افترضنا قبوله، لا يقتصر على استحقاق المدح والذم، بل يمتد أيضًا إلى استحقاق الثواب والعقاب، بل يتجاوز ذلك إلى المعنى الذي اختاره الشهيد الصدر في هذا الشأن[5]؛ لأن الاستحقاق المقصود لديه أيضًا متوقف على معرفة الحسن، وبدون العلم به، لا يثبت هذا الاستحقاق.
النقطة الثانية هي أنه يبدو أن الشهيد الصدر قد خلط بين الحسن والقبح الذاتي والحسن والقبح العقلي. شرح الكلام أن الحسن والقبح الذاتي ثابتان بالنسبة لذات الأشياء وينتميان إلى مقام الثبوت، ولا علاقة لهما بعلم أو جهل الفاعل، مثل الظلم الذي زُناه ذاتي ولا مجال لعلم أو جهل المكلف في ثبوته؛ أما الحسن والقبح العقلي، فهما متوقفان على معرفة الفاعل بالحسن والقبح. ولهذا، إذا ارتكب شخص ما ظلمًا لجهله، مع أن فعله يحمل قبحًا ذاتيًا، إلا أن العقلاء لا يذمونه.
٥. اختلاف منهج الشيخ الأنصاري، المحقق النائيني، والشهيد الصدر حول قبح الفاعلي
مع أن المحقق النائيني في نقاش التجري النظري تبنى رأي الشيخ الأنصاري ورفض استحقاق العقاب على المجري، إلا أنه يسعى ضمن تقديم تقسيم أن يعترض على كلام الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول (انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٣٧٥٠). شرح الكلام أن من كلام المحقق النائيني في فوائد الأصول يُستفاد أنه قسم أفعال المكلفين إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: الفعل الذي له قبح فعلي وقبح فاعلي، ولا شك في استحقاق العقاب عليه، مثل شرب الخمر الصادر من مكلف عالم وعامد على هذه المعصية.
القسم الثاني: الفعل الذي له قبح فعلي لكنه لا ينبثق من قبح فاعلي، وفي هذه الحالة يُستبعد العقاب على هذا الفعل، مثل صدور فعل الزنا من مكلف تحت الإكراه والاضطرار.
القسم الثالث: الفعل الذي له قبح فاعلي لكنه لا يحمل قبحًا فعليًا، ووفقًا لرأيه ورأي الشيخ الأنصاري لا يترتب عليه عقاب، مثل الفعل المجري عليه.
القسم الرابع: الفعل الذي يخلو من القبح الفعلي والفاعلي، ولا شك في عدم استحقاق العقاب عليه، مثل صلاة المكلف الذي قطع بوجوب الصلاة، والذي يُطلق عليه في كلام علماء أصول الفقه عنوان الطاعة. (رشتی، د.ت.، ص ٢٣١)
الشيخ الأنصاري قبل قبح الفاعلي في التجري وبيّن أن مجرد قبح الفاعلي لا يكفي لاستحقاق العقاب، بل يدل فقط على سوء السيرة وفساد ذات المجري. (انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٤٥) ومع ذلك، فإن ظاهر عباراته في فرائد الأصول يظهر أنه غفل عن هذه النقطة أن قبح الفاعلي أحيانًا يكون كافيًا لاستحقاق العقاب والعقوبة، وذلك عندما يكون ناشئًا عن قبح الفعل، وهو ما أشار إليه المحقق النائيني بشكل صحيح، كما انتقد ناقص تنقيح النقاش من قبل الشيخ الأنصاري.
عند التأمل في مجموع كلمات الشهيد صدر في مقام الاعتراض على تحقيق نائيني، يتبين أنه قد اختار أمرين كمفروضين في هذا النقاش، وهما خاليان من الصلاحية:
الأمر الأول: عدم إمكانية التمييز بين القبح الفاعلي والقبح الفعلي.
الأمر الثاني: استحالة عدم ترتب العقاب على القبح الفاعلي.
بعد شرح كلام نائيني، اتضح أنه بما أن أحد منابع القبح الفاعلي هو سوء السيرة الذي غفل عنه الشهيد صدر، فإن التمييز بين هذين النوعين من القبح ليس مستحيلاً. ومن جهة أخرى، بما أن القبح الفاعلي مبني على خبث ذات الفاعل فلا يترتب عليه عقاب، فإن الأساس الثاني له أيضاً سيكون متزعزعاً. خلاصة القول، أنه بالرغم من أن الشيخ الأنصاري، وتحقيق نائيني، والشهيد صدر، قد أقروا بعدم وجود قبح متجري، وعدم استحقاق العقاب بشأنه؛ إلا أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة من أصول الشيعة قد أخذ أساساً مختلفاً في النظر إلى القبح الفاعلي، والتأمل في ذلك واختيار الأساس الصحيح في هذا الشأن يمكن أن يسهل السير العلمي في مسائل مثل التجري، اجتماع الأمر والنهي، الإطلاق والتقييد في العبادات، والحسن والقبح العقلي والشرعي في علم أصول الفقه. ومن منظور آخر يمكن القول إن الشيخ الأنصاري في بحث التجري كان يبحث عن القبح الفعلي المتجري الذي لم يصل إليه، أما ميرزا نائيني فكان يبحث عن القبح الفاعلي الناشئ عن القبح الفعلي.
يبدو أن تحقيق نائيني قد أخذ هذا الأساس من أستاذه ميرزا الشيرازي. (شیرازی، ١٤٠٩، ج ٣، ص ٣٠٠) فقد اعتبر ميرزا الشيرازي أن تعليق العقاب على القبح الفعلي يؤدي إلى ترتب العقاب على فعل شخص اعتقد أن سائلاً معيناً مسكر، فشربه، ثم تبين له بعد ذلك أن ذلك السائل كان خمرًا. ولهذا السبب، فإن هذه النتيجة الفاسدة منعت أن يجعل القبح الفعلي مقياس استحقاق العقاب. (شیرازی، ١٤٠٩، ج ٣، ص ٢٧٥٣٠٠) وبعبارة أخرى، فقد رأى ميرزا الشيرازي أن تعليق العذاب والعقاب على القبح الفعلي يستلزم عقاب غير العاصي والمتجري، وهذا ما دفعه إلى رفض ذلك. مع أن بعضهم فسّر كلام ميرزا الشيرازي بطريقة تفيد أنه في تعليق العقاب كان ينظر أيضاً إلى القبح الفاعلي ويأخذه بعين الاعتبار. (میلانی، ١٤٢٨، ج ٥، ص ١٢٧) لكن يبدو أن التجديد الذي أدخله ميرزا نائيني في هذه المسألة هو أنه، خلافاً لميرزا الشيرازي، لم يجعل القبح الفاعلي المطلق مقياس تحقق العقاب، بل قسم القبح الفاعلي إلى قسمين: قبح فاعلي ناشئ عن القبح الفعلي، وقبح فاعلي ناشئ عن خبث ذات الفاعل، واعتبر أن القسم الأول فقط هو المؤثر في ترتب العقوبة الشرعية. (نایینی، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٢٩) كما أن الشهيد صدر قد تناول أساس ميرزا ورفضه بالدليل الذي قدمه في رد رأي تحقيق نائيني. (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٥٤) ومن الجدير بالذكر أنه إذا كان قصد الشهيد صدر هو أن الذم العقلي للفاعل على الفعل القبيح، بما أنه في الواقع ناشئ من ذات مفسدة الفعل، يمكن اعتباره من الأساس ليس قبحاً فاعلياً، وأن العقاب يترتب على الفعل الذي يتضمن الفساد والقبح، فلا إشكال في ذلك؛ لكن يبدو أن الشهيد صدر لم يتبنَّ هذا المعنى، وإنما قصد أن القبح الفاعلي لا يمكن أن ينشأ إلا من المفسدة والقبح الفعلي.
٦. ضرورة إعادة النظر في تعريف القبح الفاعلي
نقطة أخرى لا ينبغي إغفالها هي أن آية الله الخوئي في أجود التقريرات، في تعريف القبح الفاعلي، قد ذكر ما يلي: «كشف الفعل عن سوء السريرة وشقاوة الفاعل: انكشاف سوء سريرة و خبث ذات فاعل من فعل وي». (نایینی، ١٣٥٢، ج ٢، ص ٣٠) بالتأمل في تقسيم ميرزاي نايني والتوضيحات التي ذُكرت حوله، يتضح أن هذا التعريف يختص فقط بالقبح الفاعلي الناشئ عن قبح الفعل الصحيح، ولا يمكن اعتبار الفعل مبدأ كشف القبح الفاعلي في تعريف القبح الفاعلي الناشئ عن سوء السريرة، بل إن اقدام الفاعل على ذلك أمرٌ قد ثبت قبحه، والذي أشار إليه الشهيد الصدر بمصطلح مناط تحقق العقاب، في حال توافقه مع الواقع. (صدر، ١٤٢٦، ج ٤، ص ٣٨؛ همو، ١٤١٥، ص ٦٧) لذلك، من الضروري إعادة النظر في تعريف القبح الفاعلي والوصول إلى تعريف صحيح في هذا الشأن. ويرى الكاتب أن القبح الفاعلي هو ذم و لوم الفاعل في الثقافة العرفية والعقلائية. هذا القبح نوعان: قبح فاعلي ناشئ من مفسدة ذات الفعل (قبح فاعلي مؤثر في استحقاق العقاب) وقبح فاعلي ناشئ من سوء ذات الفاعل (قبح فاعلي غير مؤثر في استحقاق العقاب).
٧. أدلة جواز تقبيح الفاعل بسبب سوء سريرته
في ختام هذا البحث، لتعزيز أسس القبح الفاعلي غير المؤثر في استحقاق العقاب، يُشار إلى الأدلة التي يمكن استنباط هذا النوع من القبح منها.
أ) الكتاب
كما أشار الشيخ الأنصاري (انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٤٧٤٨)، في بعض آيات القرآن الكريم، يُعاقب على النية السيئة. على سبيل المثال، في الآية التاسعة عشرة من سورة النور، يهدد الله تعالى من يحب نشر القبح بين المؤمنين بالعذاب: «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة: أولئك الذين يحبون أن تنتشر القبح بين المؤمنين، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة.» (نور،١٩)
ب) السنة
يبدو من بعض الروايات أن أهل البيت قد لاموا الناس لمجرد وجود نيات شريرة لديهم. واعتبار النية شريرة هو ذات التقبيح الفاعلي الذي لا ينشأ من الفعل، بل هو توبيخ لضمير صاحب النية السيئة. مثل الرواية التي نقلها السكوني عن الإمام الصادق: «عن أبي عبد الله، قال قال رسول الله: نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله، وكل عامل يعمل على نيته». (کلینی، ١٤٢٩، ج ٣، ص ٢١٨؛ انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٤٦)
ج) سيرة العقلاء وثقافة المتشرعين
العقلاء يعتبرون المتجري مستحقًا للذم واللوم، ويوبخونه على فعله؛ وهذه السيرة تظهر أيضًا في ثقافة المتشرعين. (انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٣٩)
د) العقل
في بعض كلمات علماء أصول الفقه، ذُكر العقل أيضًا كحاكم على القبح الفاعلي. (حلی، ١٤٣٢، ج ٦، ص ١٣٥) ويبدو أن المقصود بدليل العقل هو الدليل الذي أقامه وبيّنه المحقق السبزواري، حيث في مقارنة بين العاصي والمتجري، اعتبر عدم استحقاق العقاب للمتجري يستلزم إناطة العقاب على أمر قهري وغير اختياري، وهو ما يتنافى مع مقتضيات العدل. (سبزواری، ١٢٤٧، ج ٢، ص ٢٠٩٢١٠) ورغم أن هذا الدليل أُقيم على لزوم استحقاق العقاب للمتجري، إلا أنه يمكن اعتباره دليلاً على عنوان القبح الفاعلي الناشئ من خبث السريرة أيضًا.
هـ) الوجدان
كل إنسان، بالرجوع إلى فطرته الإلهية، يدرك أن خبث الذات يمكن أن يكون سببًا لصحة مؤاخذة الفاعل وذمه ولومه على فعله. (خراسانی، ١٤٢٩، ص ٢٥٩؛ خمینی، ١٤١٨، ج ٦، ص ٤٥)
جدير بالذكر أن القائلين بقبح الفعلي تجري واستحقاق العقاب على المتجري به، قد استندوا إلى بعض الأدلة المذكورة، وقد ناقش بعض العلماء الأصوليين الإمامية هذه المسألة. (انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٣٧٥٠) ومن الواضح أن الشيخ الأنصاري، ومرزا الشيرازي، والمحقق النائيني، ومؤيديهم من سائر علماء الأصول، لم يقبلوا دلالة هذه الأدلة على قبح الفاعل المؤثر في استحقاق العقاب. ومن البديهي أن استخدام قبح الفاعل غير المؤثر في استحقاق العقاب من هذه الأدلة يحتاج إلى قوة وأثر أقل، وهذا ما تتصف به هذه الأدلة بوضوح، ويمكن اعتبار هذه المستندات دالة على قبح الفاعل الناشئ عن سوء السريرة.
٨. ثمرات عملية للنزاع
إن قبول التلازم الجملة بين قبح الفاعل واستحقاق العقاب (مبنى الشهيد الصدر) وعدم قبوله (مبنى المحقق النائيني) يؤدي إلى اختلاف في المناهج الفقهية والأصولية الإمامية، ويمكن الإشارة إلى ما يلي في هذا الصدد:
١-٨. التجري
بما أن هذا النزاع تم تحت عنوان التجري، فقد أُشير في المواضيع السابقة إلى محل النزاع وشرح مبنى المحقق النائيني ومبنى الشهيد الصدر، وتأثير ذلك عملياً في مسألة التجري، وبيّن أنه خلافاً لرأي المحقق النائيني، فإن نظرية الشهيد الصدر ترى أن تحقق قبح الفاعل في المتجري به يستلزم ترتب العقاب عليه، وبسبب عدم تحقق القبح الفعلي في المتجري به، لا يمكن قبول قبح الفاعل.
٢-٨. الحسن والقبح الشرعي والعقلي
بقبول مبنى المحقق النائيني، يمكن تصور مدح وذم الفاعل على نيته ودافعه السيئ، بغض النظر عن القبح الفعلي، ويمكن دراسة ذلك. أما وفقاً لمبنى الشهيد الصدر، فلا وجود لقبح الفاعل كتحقق أصلي ومستقل، وثبوته ممكن فقط في ظل تحقق القبح الفعلي وبشكل تبعي وغير مستقل.
٣-٨. اجتماع الأمر والنهي
في مسألة اجتماع الأمر والنهي، لم يقبل المحقق النائيني صحة الصلاة في المكان المغصوب من خلال الملاك، واعتبر ذلك موضع إشكال. (نایینی، ١٣٥٢، ج ٢، ص ١٦٢) وشرح كلامه أن الأمر الشرعي لا يشمل الصلاة في المكان المغصوب، مع وجود ملاك الصلاتية في هذا العمل. وقد رفض المحقق النائيني هذا الاحتمال باعتباره متعارضاً مع قبح الفاعل. بمعنى آخر، الفاعل الذي يصلي في دار مغصوبة قد ارتكب فعلاً قبيحاً ويستحق التوبيخ. هذا القبح الفاعلي يتعارض مع تحقق ملاك الصلاتية في الصلاة المذكورة ويمنع حسنها. (نایینی، ١٣٥٢، ج ٢، ص ١٦٢) وبالنظر إلى غياب القبح الفعلي، في فرض عدم وجود المندوحة، يبدو أن رد المحقق النائيني، وفقاً لمبنى الشهيد الصدر، مردود، وأن تصحيح وتحسين الصلاة في البيت المغصوب من خلال وجود ملاك الصلاتية فيها ممكن.
٤-٨. أصل التعبدية أو التوصيلية في الواجبات
ادعى المحقق النائيني أن مقتضى الخطابات والأوامر الشرعية هو الحصة الممكنة. وعلى خلاف المشهور الذي يعتبر القدرة من حيث العقل في التكليف، اعتبر أخذ القدرة في التكليف مقتضى الخطاب الشرعي. (نایینی، ١٣٥٢، ج ١، ص ١٠٢) واستدل على ذلك بأن غاية التكليف للعباد هي استشهاد أعمالهم بالمولى الحكيم، ولم يعتبر مجرد حسن الفعل كافياً لتعلق التكليف، بل اعتبر أساس الحكم هو حسن وقبح الفاعل. ومن جهة أخرى، فإن مدح وذم الفاعل مرتبط بتحقق اختياره في الفعل. لذلك، في نظر المحقق النائيني، متعلقات الأحكام هي الحصة الممكنة. (نایینی، ١٣٥٢، ج ١، ص ١٠٢) وقد اعتبر آية الله الخوئي قبول هذا الرأي مستلزم إنكار الواجبات التوصيلية، واعتبر هذا التبعية الفاسدة مانعاً لقبول هذا الرأي. (خویی، ١٤١٣، ج ٢، ص ١٤٨) وفقاً لمبنى الشهيد الصدر في باب قبح الفاعل وعدم إمكانية تحقق أصالي له، يبدو أن هذه النظرية (رأي المحقق النائيني) حول مبنى التشريع الذي يؤثر في الأصل التعبدي أو التوصيلي في الواجبات مردودة.
الخلاصة
١. من تحليل كلمات مرزا النائيني والشهيد الصدر في النزاع المذكور يتضح أنه رغم وجود أربعة احتمالات محتملة حول قبح الفاعل، إلا أن احتمالين فقط من هذه الاحتمالات الأربعة لهما مجال للظهور الحقيقي، وهما: قبح الفاعل الناشئ من القبح الفعلي (قبح الفاعل المؤثر في استحقاق العقاب) وقبح الفاعل الناشئ من سوء سريرة الفاعل (قبح الفاعل غير المؤثر في استحقاق العقاب). ونقطة أخرى هي أن كاشف قبح الفاعل من النوع الأول هو الفعل القبيح، وكاشف قبح الفاعل من النوع الثاني هو تصرف الفاعل، الذي اختاره الشهيد الصدر كأساس له في تعليل العقاب.
٢. يبدو أن مبنى الشهيد الصدر في عدم إمكانية تفريق قبح الفاعل عن القبح الفعلي غير صحيح، لأن قبح الفاعل لا ينبع دائماً من المفسدة والقبح الكامن في ذات الفعل، بل أحياناً ينشأ من سوء السريرة وفساد ذات الفاعل، وفي هذه الحالة لا يكون مصاحباً للقبح الفعلي ووجود المفسدة في ذات الفعل. ومن جهة أخرى، إمكانية نشوء قبح الفاعل من سوء السريرة تدل على أنه لا يمكن اعتبار قبح الفاعل مستلزم استحقاق العقاب والمعاقبة، لأن قبح الفاعل أعم من استحقاق العقاب، ولا يترتب على ذم الفاعل بسبب شقاوته وفساد ذاته عقاب. إن تزعزع هذين المبنيين اللذين اتخذهما الشهيد الصدر يؤدي إلى عدم قبول اعتراضه على المحقق النائيني في مسألة التجري.
٣. إنكار قبح الفاعل الناشئ من سوء السريرة وفساد ذات الفاعل هو فرع من المبنى الذي اختاره الشهيد الصدر في الحسن والقبح. وقد رفض المبنى المشهور في هذا الصدد بسبب استلزامه للدور، واختار مبنى في هذا الباب يعاني هو الآخر من إشكال الدور الذي صوره. ويبدو أن تصور الحاجة إلى تعريف مبنى جديد في باب الحسن والقبح وعدم قبول قبح الفاعل المنفصل عن القبح الفعلي ناشئ عن خلط بين الحسن والقبح الذاتي والحسن والقبح العقلي.
المصادر والمراجع
* القرآن الكريم (ترجمة آیت الله مکارم شیرازی).
١. اصفهانی، محمد بن حسن (١٤١٦ق ). کشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحکام، الطبعة الأولى، قم: دفتر نشر جامعه مدرسین حوزه علمیه قم.
٢. اصفهانی، محمد حسین (١٤٠٤ق ). الفصول الغرویة فی الأصول الفقهیة، الطبعة الأولى، قم: دار إحیاء العلوم الإسلامیة.
٣. انصاری، مرتضی (١٤٢٨ق ). فرائد الأصول، الطبعة الثامنة، قم: مجمع الفکرالإسلامی.
٤. آشتیانی، محمد حسن (١٤٢٩ق ). بحر الفوائد فی شرح الفرائد، الطبعة الأولى، بیروت: مؤسسة التاریخ العربی.
٥. حائری، سید کاظم (١٤٣٣ق ). مباحث الاصول (الجزء الأول من القسم الثانی)، الطبعة الثالثة، قم: دار البشیر.
٦. حلی، حسن بن یوسف (١٤١٢ق ). منتهی المطلب فی تحقيق المذهب، الطبعة الأولى، مشهد: مجمع البحوث الاسلامیۀ.
٧. حلی، حسن بن یوسف (١٤١٤ق ). تذکرة الفقهاء، الطبعة الأولى، قم: مؤسسۀ آل البیت لإحیاء التراث.
٨. حلی، حسین (١٤٣٢ق ). أصول الفقه، الطبعة الأولى، قم: مکتبة الفقه و الأصول المختصة.
٩. خراسانی، محمد کاظم (١٤٢٩ق ). کفایة الأصول، الطبعة الخامسة، قم: مؤسسة آل البیت لإحیاء التراث.
١٠. خمینی، روح الله (١٣٧٦ش ). جواهر الأصول، الطبعة الأولى، تهران: مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی.
١١. خمینی، مصطفی (١٤١٨ق ). تحریرات فی الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی.
١٢. خویی، أبوالقاسم (١٤١٧ق ). محاضرات فی أصول الفقه، الطبعة الرابعة، قم: دار الهادی للمطبوعات.
١٣. رشتی، حبیب الله (دون تاريخ). بدائع الأفکار، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البیت لإحیاء التراث.
١٤. سبحانی، جعفر (١٣٨٧ش ). الموجز فی أصول الفقه، الطبعة چهاردهم، قم: مؤسسة الإمام الصادق.
١٥. سبزواری، محمد باقر (١٢٤٧ق ). ذخیرة المعاد فی شرح الإرشاد، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البیت لإحیاء التراث.
١٦. شیرازی، محمد حسن (١٤٠٩ق ). تقریرات آیۀ الله المجدد الشیرازی، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البیت لإحیاء التراث.
١٧. صدر، محمد باقر (١٤١٥ق ). جواهر الأصول، الطبعة الأولى، بیروت: دار التعارف للمطبوعات.
١٨. صدر، محمد باقر (١٤٢٦ق ). بحوث فی علم الأصول، الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامی.
١٩. صنقور، محمد (١٤٢٨ق ). المعجم الأصولی، الطبعة الثالثة، دون مكان النشر: منشورات الطیار.
٢٠. عاملی، جواد (دون تاريخ). مفتاح الکرامة فی شرح قواعد العلامة، الطبعة الأولى، بیروت: دار إحیاء التراث العربی.
٢١. عاملی، محمد بن مکی (١٤٠٠ق ). القواعد و الفوائد، الطبعة الأولى، قم: کتاب فروشی مفید.
٢٢. کلینی، محمد بن یعقوب (١٤٢٩ق ). کافی، الطبعة الأولى، قم: دار الحدیث.
٢٣. میلانی، علی (١٤٢٨ق ). تحقيق الأصول، الطبعة الثانية، قم: نشر الحقائق.
٢٤. نایینی، محمد حسین (١٣٥٢ق ). أجود التقریرات، الطبعة الأولى، قم: مطبعۀ العرفان.
٢٥. نایینی، محمد حسین (١٤٢٩ق ). فوائد الأصول، الطبعة التاسعة، قم: دفتر نشر جامعه مدرسین حوزه علمیه قم.
[1] للاطلاع على تعريف التجري، والمتجري، والمتجريبة، انظر: خميني، ١٤١٨، ج ٦، ص ٤٣؛ سبحاني، ١٣٨٧، ص ١٣٧. وكذلك للاطلاع على تعريف القبح الفعلي والقبح الفاعلي، انظر: صنقور، ١٤٢٨، ج ٢، ص ٣٩٨.
[2] من كلمات الشيخ الأنصاري يتضح أن هذا القول هو القول المشهور لفقهاء الإمامية، وبعضهم يدعي الإجماع عليه. (انظر: انصاری، ١٤٢٨، ج ١، ص ٣٧)
[3] ميرزاي نائيني لا يعتقد بقبح التجري الفعلي؛ لكنه قدم مستندات احتمالية لقبح التجري الفعلي في هذا النقاش، ممهداً لنقد القول بقبحه الفعلي.
[4] بناءً على المذهب المشهور في تعريف الحسن والقبح الذي يعتبره مساوقاً لاستحقاق المدح والذم من قبل العقلاء، فإن مرجع تحديد هذا الحسن والقبح هو العرف وسيرة العقلاء، مع أن بناءً على المذهب المختار من قبل الشهيد الصدر الذي اعتبره استحقاقاً أخلاقياً، لا يُعد العرف وسيرة العقلاء طريقاً لتحديده. (انظر: حائری، ١٤٣٣، ج ١، ص ٤٤٣)
[5] بحسب اعتقاد الشهيد الصدر، الحسن والقبح العقليان هما «ضرورة أخلاقية متحققة في اللوح المحقق وبقطع النظر عن دائرة الاعتبارات الاعتبارية.» (ر. ک: حائری، ١٤٣٣، ج ١، ص ٤٤٣)

