ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تنجّز تکلیف در بررسی نظریّه حقّ الطّاعه ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تنجّز التكليف في دراسة نظرية حق الطاعة، يتناول بيان حكم العقل في فرض الشك في التكليف وغياب الدليل. عند وجود الشك في التكليف وعدم وجود دليل، يحين وقت تطبيق الأصل العملي. ما هو حكم القاعدة الأولية في حالة الشك في التكليف، هناك اختلاف بين الأصوليين. المشهور بين الأصوليين هو حكم العقل وبالاستناد إلى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» يؤمنون بتنفيذ الأصل العملي البراءة. في المقابل، هناك فريق يرفض الرأي المشهور، ويعتبر حكم العقل ضرورة الاحتياط. الشهيد صدر(ره) أيضاً يرى الاحتياط، مع اختلاف أن منشأ الاحتياط عنده هو حق الطاعة، ويعتقد أنه ما دام لا يوجد ترخيص من الشارع، فإن من يخالف التكليف المشكوك فيه يستحق العقاب. من بين هذين المذهبين، نحن قبلنا نظرية حق الطاعة، ولكن بشكل مختلف عن نظرية الشهيد صدر؛ لأن بين هاتين النظريتين تشابه اسمي واختلاف أساسي. الشهيد صدر يعتبر موضوع حق الطاعة هو التكليف المكشوف، ونحن نعتبر موضوع حق الطاعة وفقاً للقاعدة العملية العقلية هو وجود التكليف في الواقع. ضمن الدراسة، النقد والرد على مذهبي البراءة والاحتياط ورأي الشهيد صدر، قمنا بتوضيح وتقديم الأدلة والدفاع عن وجهة نظرنا وسميّناها «تنجّز التكليف» أو «المذهب الجديد».
المؤلف: محمدحسین روحی یزدی، محمدرضا آیتی، علی اصغر عربیان
المصدر: فقه و حقوق اسلامی، شتاء 1401، العدد 29، ص 7 إلى 36.
المقدمة
أحد المواضيع المهمة والمؤثرة في أصول الفقه هو البحث عن حكم العقل بشأن الواجب العملي على المكلف عند الشك في التكليف، وفي هذا المجال يوجد بين الأصوليين اختلاف في الرأي وحتى تعارض في الآراء.
المشهور بين الأصوليين مثل وحيد بهبهاني(ره) والمحقق النائيني(ره) بالاستناد إلى قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»، حكموا بالبراءة ويعتقدون أنه إذا خالف المكلف في مثل هذه الحالة التكليف المشكوك فيه، فإنه لا يستحق العقاب. في مقابل الرأي المشهور، هناك فريق مثل السيد محمد المحقق داماد والشهيد السيد محمد باقر صدر يرون أنه إذا خالف المكلف التكليف المشكوك فيه عملاً، فإنه يستحق العقاب، إلا إذا صدر من المولى رخصة شرعية بالترك. الشهيد صدر(ره) سمى هذا المذهب «حق الطاعة».
وبما أن محور بحثنا ونقاشنا هو حق الطاعة، فمن الضروري الإشارة إلى أنه بعد طرح نظرية حق الطاعة من قبل الشهيد صدر(ره)، قام بعض المحققين بدراسة ونقد وتأييد هذه النظرية، وأهمها باختصار كما يلي:
١- مقال نظرية حق الطاعة للشيخ صادق الأملي اللاريجاني، سنة 1381.
٢- مقال حق الطاعة بين الرفض والقبول، للكاتب جعفر سبحاني، سنة 1382.
٣- مقال دفاع عن حق الطاعة للكاتب رضا إسلامي، سنة 1382.
٤- مقال حديث الساعة حول نظرية حق الطاعة، للكاتب علي أكبر حائري من تلامذة الشهيد صدر، سنة 1383.
٥- كتاب نظرية حق الطاعة للكاتب رضا إسلامي، سنة 1385.
٦- مقال قبح العقاب أو حق الطاعة أو استئناف مذهب ثالث؟ للكاتب مصطفى بيوندي، سنة 1391.
٧- كتاب نظرية حق الطاعة في بوتقة النقد والمراجعة، محاضرات درس خارج أصول محمد جواد فاضل لنكراني، سنة 1391.
٨- كتاب دراسة نظرية حق الطاعة للكاتب سيد مجتبي نور مفيدي، سنة 1393.
٩- مقال دراسة مقارنة للقاعدة الأولية في الشك من وجهة نظر المحقق النائيني والشهيد صدر، للكتاب طاهر علي محمدي، عبد الجبار زرغوش نسب وحمزة نظر بور، سنة 1395.
١٠- مقال حق الطاعة والرد على بعض نقدها، للكاتب عبدالله جوان وسيد محمد رضا إمام، سنة 1397.
نحن، مع رفضنا للمذهبين البراءة والاحتياط، وبالاستناد إلى حكم العقل، لدينا رأي مختلف وجديد يشكل المذهب الجديد. لذلك في هذا المقال قمنا بتوضيح وتقوية والدفاع عن المذهب الجديد وأجبنا على الشبهات المحتملة، وسميّناه «تنجّز التكليف». وفقاً للمذهب الجديد، موضوع حق الطاعة هو التكليف الواقعي أو تنجّز التكليف، رغم أن نوع الانكشاف فيه لا يؤثر.
ونظراً لأن المصادر والأساس والنتيجة العلمية والعملية لـ «تنجّز التكليف» في دراسة نظرية حق الطاعة تختلف وتميزت عن نتائج بحوث المحققين الآخرين، فإنها بحث متميز ولهذا السبب تتضح أهميته وضرورته. جوهر النقاش هو أنه إذا حصل شك في التكليف في مكان ما ولم يُعثر على دليل أو أصل شرعي في ذلك الموضوع، فما هو حكم العقل ومقتضى الأصل العملي العقلي في ذلك الموضع؟
في الإجابة على سؤال حكم العقل والأصل العملي العقلي المناسب والقابل للاستشهاد، ثمة ثلاث نظريات مطروحة، كل منها أدى إلى نشوء مذهب مختلف ومتميز عن الآخر:
١- عرض النظريات القائمة
١-١- المذهب الأول: «قبح العقاب بلا بيان»
يرى هذا المذهب أنه في حالة الشك في التكليف (الشك البدوي) لا يلزم الاحتياط، وإذا لم يحتاط المكلف وعارض التكليف المشكوك فيه، فلا يستحق العقاب؛ سواء كان في الواقع تكليف مفروض أو لم يكن، لأن المكلف لم يصل إليه بيان يطلب منه التكليف. ويُسمى هذا حكم العقل «أصالة البراءة العقلية» وهو مشهور بين الأصوليين المؤيدين لهذا المذهب.
١-٢- المذهب الثاني: «حق الطاعة»
يرى أصحاب الاحتياط ومؤيدو نظرية حق الطاعة أنه في فرض السؤال المذكور (حكم الشك البدوي) يجب الاحتياط، وفي حالة الشك في التكليف والمعارضة له، يستحق المكلف العقاب؛ سواء كان في الواقع تكليف أو لم يكن. ويُطلق على هذا المذهب أيضاً «أصالة الاحتياط العقلية». الشهيد السيد محمد باقر الصدر(ره) هو مصمم ومبدع مشهور لهذه النظرية والمذهب.
١-٣- المذهب الثالث: «تحقق التكليف»
تؤمن هذه النظرية في حالات الشك في التكليف بضرورة مراعاة جانب الاحتياط واستحقاق العقاب، بشرط وجود تكليف في الواقع، وإذا لم يكن في الواقع تكليف، أي أن الله لم يفرض على عباده تكليفاً، فلا يستحق المكلف العقاب في حالة المعارضة. وبعبارة أخرى، في حالة الشك في التكليف، يلزم الاحتياط، وفي حالة المعارضة، يستحق العقاب، بشرط وجود التكليف في الواقع. ويُسمى هذا حكم العقل «أصالة الاشتغال العقلية». مع أن الأصوليين والأخباريين يتفقون في الشبهات الموضوعية البدائية على سريان أصل البراءة، باستثناء آية الله بروجردي(ره) الذي يرى بعضهم أن دليله على عدم السريان غير مقبول (سبحانی تبریزی، درس خارج اصول، ١٣٩٣/١/١٩).
كما يرى بعض المحققين أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان تسري في جميع الشبهات الموضوعية المستنبطة شرعاً، إلا في المواضيع المتعلقة بـ «الدماء، الأنفس، الأعراض والأموال»؛ ويعتبرون الاهتمام الجاد من الشارع بهذه المواضيع الدليل الأهم لإثبات هذا الادعاء (ایزدی فر وآخرون، ١٣٩٦: ٨٧).
٢- أدلة المذهب الأول أو البراءة العقلية
قدم مؤيدو هذا المذهب ثمانية أدلة لإثباته:
٢-١- الدليل الأول: الإدراك العرفي والعقلي في عرف العقلاء
الشرح: إذا كان المولى له أمراً ولم يعلم العبد به ولم يطع، فإن العقلاء لا يعتبرون ذلك العبد مستحقاً للتوبيخ، لأنه لم يكن يعلم أن المولى قد أمره، ولا حتى أنه فرض الاحتياط عليه. في هذه الحالة، لا يملك المولى دليلاً أو حجة ولا يستطيع معاقبة عبده. هذا الحكم والقرار العرفي والعقلي متأثر بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، كما يقول الشيخ الأنصاري(ره) في هذا الصدد: «الرابع من الأدلة حكم العقل بقبح العقاب على شيء دون بيان التكليف ويشهد له حكم العقلاء كافة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل ما يعترف بعدم إعلانه أصلاً بتحريمه» (شیخ انصاری، ١٤١٦: ٣٣٥).
الرد على هذا الاستدلال هو أن الفضلاء الأصوليين على ما يبدو قد اعتبروا المولوية مفهوماً محدوداً، وبعبارة الفلاسفة، اعتبروها مقولة تواطئية وبدون مراتب، بينما المولوية ذات تشكيك ولها مراتب. وبعبارة أخرى، لم يفرقوا بين المولوية الحقيقية والمولويات الاعتبارية، ومن ثم وقعوا في حكم خاطئ.
في هذا الدليل، خلط بين المولوية الاعتبارية المصطنعة والمولوية الحقيقية الذاتية، ومع مراعاة الفرق بينهما، لا يبقى سبيل للاستناد إلى سيرة العقلاء أو الضمير العرفي.
٢-٢- الدليل الثاني: الالتزام بأداء التكليف فقط عند الوصل
هذا الاستدلال للمحقق النائيني(ره) الذي قال: العقاب على الترك حيث لا يوجد دافع لأداء التكليف قبيح. لا يمكن القطع بالعقاب بسبب عدم التحرك نحو أداء تكليف لم يُحدث له دافع. التكليف حتى لا يصل لا يكون له دافع، كما أن الإنسان العطشان يتجه نحو الماء الذي يعلم بوجوده، لا نحو ماء لا يعلم عنه شيئاً (خوئی، ١٤٢٨: ١٨٦/٢).
الرد على استدلال المحقق النائيني(ره) هو: أولاً؛ إنه يعتبر الوصل قطعي التكليف فقط هو الوصل، وهذا هو أصل الكلام والنزاع. ثانياً؛ المهم هو تحديد دائرة موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة، هل حق الطاعة ثابت فقط في التكليفات المعروفة أم أن حق الطاعة موجود في مجال أوسع؟
في رأينا، نطاق حق الطاعة أوسع من التكليفات المعروفة ويشمل التكليفات الظنية والاحتمالية أيضاً. مع العلم أن الدافع نوعان: تكويني وتشريعي. إذا كان الهدف دافعاً تكوينياً، فإن التحرك عمل واعٍ ومتوقف على الوصل، والوصول له مراتب منها الوصل الاحتمالي، وحسب اختلاف درجات أهمية الشيء، يختلف الدافع. وإذا كان الدافع تشريعياً، فمرجعه حق الطاعة، وفي هذه الحالة يجب معرفة حدود حق الطاعة، ومن يعتقد بحق الطاعة في حالات الشك وعدم العلم بالتكليف يقول: الدافع المولي في هذه الحالات موجود، والوصول الاحتمالي يمكن أن يسبب التحرك.
٢-٣- الدليل الثالث: العقاب بلا حجة ظلم
قال المحقق الأصفهاني(ره) في بيان قاعدة قبح العقاب بلا بيان: هذه القاعدة من الأحكام العقلية في باب الحسن والقبح العقلي. نحن نعتقد أن مخالفة تكليف حجته تامة خروج عن منهج العبودية ومثال للظلم والقبح؛ أما مخالفة تكليف لم تكتمل حجته، فليس ظلماً، ولا يستحق فاعله اللوم أو العقاب (غروی اصفهانی، ١٤٢٩: ٨٤/٤).
في الرد على استدلال المحقق الأصفهاني (رحمه الله) نقول: كلامه مغالطة؛ أي أنه افترض المطلوب دون برهان مثبت، لأنه إذا كان مرادهم من الحُجية شيئًا يُصحح العقاب، فالقضية بشرط المحمول أي إمكانية الاستقبال ستكون، وإذا كان مرادهم من الحُجية العلم، فهذا هو بداية الكلام والدليل يصبح هو ذات المطالبة. لقد قالوا إن مرجع قضايا الحسن والقبح هو القاعدة «العدل حسن والظلم قبح» ونحن لا نعتبر استدلالهم صحيحًا، لأن قضية قبح الظلم وحسن العدل لا يمكن أن تكون أولى وبديهية، لأن الظلم هو سلب الحق من ذي الحق، ولا بد في المرتبة السابقة من تمييز الحق، وهو من بديهيات العقل العملي، حتى يُحكم على قبح الظلم وحسن العدل.
أغلب فقهاء الشيعة في هذا النقاش حكموا بالإباحة وقالوا صراحة إن القائلين بأصالة البراءة هم نفسهم القائلون بأصالة الإباحة، ولم يفرقوا بين عدم الوصول وعدم صدور الدليل. ونادرًا ما كان كبار العلماء مثل الشيخ الطوسي (رحمه الله) يؤمنون بالتوقف، وفي الواقع حكموا بالاحتياط.
٢-٤- الدليل الرابع: عدم تحفيز الوصول الاحتمالي
هذا الدليل أيضًا طرحه المحقق الأصفهاني (رحمه الله) وهو مبني على أساس خاص به حيث قسم الحكم إلى إنشائي وحقيقي وقال: الحكم الإنشائي يُنشأ بالموجب والإنشاء، ولا يوجد فيه داعي بعث وتحفيز – حتى في الأوامر الامتحانية والاستهزائية – أما الحكم الحقيقي فهو الذي يُنشأ بالموجب وبالداعي الحقيقي للبعث والتحفيز. ومن الواضح أن كل خطاب لا يمكن أن يكون سببًا في القيام بالعمل إلا إذا وصل؛ لأن الحكم الذي يُنشأ بداعي البعث والتحفيز إذا لم يصل فلا يسبب، ونتيجة لذلك، الحكم غير الوصل لا وجود حقيقي له، وبناءً على هذا الافتراض، يكون العقاب على تركه قبيحًا؛ لأنه في الحقيقة لا وجود لحكم يشمل المخالفة والعقاب (غروی اصفهانی، ١٤٢٩: ٨٣/٤).
في الرد على الدليل الرابع يجب القول إن هذا الاستدلال به عدة عيوب: أولًا، هذا الرأي متوقف على ادعاء ضيق دائرة حق الطاعة، وهو بحد ذاته مغالطة؛ أي أنه افترض المطلوب دون برهان مثبت، ولكن على أساس سعة دائرة حق الطاعة يمكن اعتبار إنشاء الحكم في حالة الوصول الاحتمالي محفزًا؛ ثانيًا، هذا الجانب في النهاية يستلزم عدم وجود الحكم، أما مقاييس الحكم وأسبابه، أي المصلحة أو المفسدة والإرادة أو الكراهة، فهي أمور تكوينية محفوظة في حالات العلم والجهل. هذه الأسباب التي تُعد روح الحكم وحقيقته تكفي لإحداث الحكم وثبوت حق الطاعة حتى في حالات احتمال وجود هذه الأسباب، سواء سُمّي ذلك حكمًا أم لا.
٢-٥- الدليل الخامس: إحالة أصل البراءة العقلية إلى القاعدة العقلية قبح العقاب بلا بيان
هذا الاستدلال يُرى كثيرًا في كلام المتأخرين بعد وحيد بهبهاني (رحمه الله)؛ أي إذا لم يكن هناك بيان فلا تكليف، ونتيجة لذلك يسري أصل البراءة (وحید بهبهانی، ١٣٨١: ٢٤٠).
رد الاستدلال الخامس: قانون البراءة العقلية يهدف إلى بيان واجب العبد تجاه المولى، وقانون قبح العقاب بلا بيان يهدف إلى بيان واجب المولى تجاه العبد، والقضية الثانية تقع في امتداد القضية الأولى؛ أي حيثما ثبت براءة ذمة المكلف، يثبت عدم جواز العقاب من المولى. وإحالة البراءة العقلية إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تعني الإحالة إلى أصل بديهي عقلي، ولذلك لا تحل مشكلة، وبديهية القاعدة قبح العقاب بلا بيان هي بداية الكلام، لأن أي من العلماء قبل وحيد بهبهاني لم يقل ذلك، وبعده أيضًا طُرحت بآراء مختلفة.
٢-٦- الدليل السادس: الحُجية مشروطة بالكشف التام
الحُجية هي القطع بالكشف التام، وإذا لم يكن الكشف تامًا فلا حُجية، لذلك الوهم والشك وحتى الظن بالتكليف، وبكلمة واحدة احتمال التكليف، لا يسبب تحقق التكليف، لأن القطع فقط يُعد بيانًا، ولهذا يجب تفسير قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» بقاعدة «قبح العقاب بلا علم وبلا قطع».
رد الاستدلال السادس: نحن نعتقد أن القطع بما هو قطع ليس بحُجية، بل القطع بسبب كونه سببًا للكشف هو الذي يُعتبر حُجية؛ بناءً على ذلك، الظن الذي له مرتبة من الكشف، والشك وحتى الاحتمال الذين لهم درجات أضعف من الكشف، يسببون تحقق التكليف. صحيح أن كلما زادت درجة الكشف وقوته زاد قبح المخالفة، ولهذا، المخالفة للتكليف القطعي أعظم عقابًا من المخالفة للتكليف المحتمل، لكن في كل الأحوال يجب في الحُجية النظر إلى مطلق الكشف، وليس فقط الكشف القطعي؛ ومن وجهة نظرنا، مطلق الكشف عن التكليف، سواء كان قطعيًا أو ظنيًا أو احتماليًا، يسبب تحقق التكليف.
٢-٧- الدليل السابع: عدم تقصير المكلف في حالات عدم وجود البيان
آية الله وحيد الخراساني (دام ظله) طرح دليلًا آخر مفاده: العقل من جهة يحكم بلا شك بحفظ أغراض المولى، ومن جهة أخرى لا يعتبر المكلف مقصرًا في كل مكان بسبب عدم مراعاة أغراض المولى؛ بل إذا كان عدم المراعاة ناشئًا عن تقصير المكلف، أي إذا كان البيان موجودًا للتكليف ولم يراعِ المكلف غرض المولى في هذه الحالة فهو مقصر، أما إذا لم يكن البيان موجودًا ولم يراعِ المكلف غرض المولى فهو قاصر وليس مقصرًا (وحید خراسانی، ١٤٣٥، درس خارج اصول).
الرد على الحجة السابعة: هذه الحجة لإثبات قاعدة قبح العقاب بلا بيان تكون كاملة فقط إذا كان المعيار في القبح وعدم القبح هو إثبات التقصير أو التقصير من جانب المكلف؛ والحال أن الأمر ليس كذلك، بل بحكم العقل، المعيار في تحديد التقصير أو التقصير للمكلف هو اتساع وضيق دائرة حق الطاعة؛ بالإضافة إلى أنه لا يمكن بإحتمال التكليف إثبات البراءة العقلية، لأنه بوجود احتمال التكليف لا يمكن القول بعدم وجود بيان؛ لذا إذا أحتمل المكلف التكليف ولم يتحرز، فإنه لم يحترم حق المولى ويعتبر مقصراً كما لو كان يعلم بالتكليف ولم يعمل به يُعتبر مقصراً.
٢-٨- الحجة الثامنة: تمامية الحجة للبراءة وعدم تمامية الحجة للتحرز
التمسك بالبراءة العقلية مشروط بثلاثة شروط: أولاً، في حالات الشك في التكليف، لا يكون هناك بيان من المولى، لأنه بوجود البيان، موضوع البراءة يُلغى؛ ثانياً، في محل النقاش، لا يكون الغرض المهم للمولي محتملاً؛ ثالثاً، أن يكون للمولى إمكانية البيان كأولى أو ثانية.
مؤيد ما قيل عدة آيات كريمة من القرآن الكريم منها في سورة الإسراء حيث يقول الله تعالى: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا: ما نعذب إلا رسولاً مبعوثاً» (أسراء: ١٥). هذه الآية وآيات مشابهة تدل على أن حجج الله تكون فقط بالبيان الواضح؛ والنتيجة أن المعيار عند العقل في حجج الله على العباد هو البيان الواضح لا البيان المشكوك فيه (سبحانی، ٨٢-١٣٨١: ١١٧- ١١٣).
الرد على الحجة الثامنة: أما الشرط الأول، فطالما لم يُقطع بعدم وجود تكليف حقيقي أو حكم ظاهري بعدم وجوب التحري للتكليف المشكوك فيه، فإن العقل يحكم بوجوب التحري. أما الشرط الثاني، فجميع تكاليف الشارع مهمة والغرض المهم للمولي يكمن وراءها، وبحكم العقل يجب التحري في كل تكليف مشكوك فيه؛ لأن العقل لا يفرق بين تكاليف المولى وأغراض المولى التي وراء التكليف، ويعتبرها جميعاً مهمة لأنها منسوبة إلى المولى، إلا إذا أذن المولى بترك العمل بالتكليف. أما الشرط الثالث، فيجب القول إن هذا الشرط غير واضح هل محل النقاش هو فرض عدم صدور البيان أم فرض عدم وصول البيان؟ نحن نقبل الأصل في الشرط، أي أن المولى قادر على البيان كأولى أو ثانية، ولكن في رأينا محل النقاش ليس فرض عدم صدور البيان بل فرض عدم وصول البيان؛ وفي هذه الحالة، لا يبقى مجال لهذا الشرط، لأنه عندما يكون النقاش حول الوصول وعدم الوصول، فإن الأصل في تمكّن المولى وصدور البيان يُلغى ويتغير نقطة الإبهام إلى هل البيان الصادر إلزامي أم تخريصي؟
في الرد على المؤيدات، قال بعضهم: المؤيد الأول يشير إلى السيرة العقلائية في مسار البراءة العقلية في المولويات العرفية، ولا دليل على تعميمها إلى الشرعيات أو ما هو أبعد من المولويات العرفية، وهدف إرسال الرسل هو إكمال الحجة لا إتمامها؛ لأن الفرض هو أن الحجة كانت كاملة على المكلفين قبل إرسال الرسل، والله عز وجل بإرسال الرسل أكد وأكمل وجود الحجة.
النتيجة أن أياً من أدلة قاعدة البراءة العقلية ليست كاملة، وفي الواقع، قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا أساس قوي لها، والعقل في كل الشبهات يحكم بوجوب التحري؛ لأن حق الطاعة لله ثابت مطلقاً، إلا إذا ثبت إذن المولى بالمخالفة، وهذا يعني زوال موضوع حق الطاعة. بناءً على ذلك، لا نتخلى عن الأصل الأولي وهو التحري إلا بمقدار ما يكون فيه التخريص الشرعي والحكم الظاهري في قالب الأمارات والمبادئ.
٣- أدلة القائلين بالمنهج الثاني أو التحري العقلي
لإثبات حكم العقل بالتحري، لدى أنصار هذا المنهج أربعة أدلة معروفة لإثبات مدعاهم:
٣-١- الدليل الأول: وجود علم إجمالي بالتكليف في الشبهات
الأخباريون ومن يؤمنون بالتحري في الشبهات التحريمية البدائية بعد البحث استدلوا بطرق مختلفة لإثبات التحري بحجة عقلية، ويعتقدون أن لدينا علماً إجمالياً بوجود الواجبات والمحرمات الحقيقية في الشبهات الوجوبية والتحريمية، لذلك واجب علينا التحري في الشبهات الوجوبية والتحريمية، لأننا نعلم إجمالياً اشتغال الذمة بالتكليف الحقيقي، وبما أن الاشتغال اليقيني يقتضي فراغ الذمة اليقيني، فلا خيار إلا التحري.
الرد على هذه الحجة هو أن الشارع قد وضع للمكلف طرقاً وأمارات تحدد له التكليف؛ ومن ثم يتحلل هذا العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي؛ أي لا يبقى علماً إجمالياً بالتكليف، ولذلك لا مانع من الحكم بالبراءة في الشبهات الحكمية بعد البحث وعدم الوصول إلى دليل.
٣-٢- الدليل الثاني: وجوب دفع الضرر المحتمل
المستدلون بهذه القاعدة يقولون: أساس الأصل في التحري هو حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل؛ أي أن العقل يحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل، وإذا كان هناك احتمال ضرر أخروي في ترك أو فعل شيء، فإن العقل يحكم بالتحري، لأن قاعدة دفع الضرر المحتمل تقول: أنا بيان، وهذا ليس من موارد العقاب بلا بيان.
في الرد يُقال: في مقابل هذه الحجة، يقول المشهور من الأصوليين: قاعدة قبح العقاب بلا بيان تدخل في قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل؛ لأن مورد قاعدة دفع الضرر المحتمل هو المكان الذي يكون فيه احتمال العقاب قائماً؛ ونحن أيضاً على هذا الأساس، بمساعدة قاعدة قبح العقاب بلا بيان، نقول في الشبهة التحريمية الحكمية إنه لا احتمال للعقوبة حتى تسري قاعدة دفع الضرر المحتمل.
من وجهة نظرنا، إذا لم نقبل براءة العقل وإعمال قاعدة قبح العقاب بلا بيان، واعتبرنا التكليف المحتمل واصلًا ومنجزًا، فإن الشك في الفراغ وسقوط التكليف يطرح، وفي هذه الحالة، لا شك في صحة وسلامة وعدم قبح العقوبة وتنفيذ أصالة الاشتغال؛ سواء وُجدت قاعدة تسمى لزوم دفع الضرر المحتمل أم لا.
٣-٣- الدليل الثالث: التمسك بأصالة الحظر
الأخباريون وأنصار الاحتياط العقلي في شبهات التحريم الحكمية الأولية يستندون إلى أصالة الحظر لإثبات أصالة الاحتياط، ويقولون: بما أن الأصل في الأشياء هو الحظر (المنع)، فإنه في الحالات التي لا يوجد فيها دليل للحكم ويحتمل وجود الحكم، يكون الأصل هو وجوب الامتناع وعدم الإقدام على الفعل. هذه الأصالة الحظرية تُعتبر مبدأ عقلائيًا ودعمًا للاحتياط واعتبارًا له.
توضيح:
أصالة الحظر في كلام المتقدمين: منذ القدم، كان هناك نقاش بين علماء الأصول تحت عنوان «الأصل في الأشياء هل هو الحظر أم الإباحة» وأحيانًا بتعابير أخرى قريبة من هذا المعنى، حيث أن غالبية فقهاء الشيعة في هذا النقاش حكموا بالإباحة، ونادرًا ما كان بعض العلماء الكبار مثل الشيخ الطوسي في عده الأصول يقولون بالتوقف، وعمليًا كانوا ملتزمين بالاحتياط. وقد نسبوا قول التوقف إلى أستاذه الشيخ المفيد أيضًا، رغم أن عبارة الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد تحتاج إلى تأمل (الشيخ المفيد،.(69:1371
أصالة الحظر في كلام المتأخرين: تقريبًا منذ زمن وحيد بهبهاني(ره) تدريجيًا تم حذف عنوان «الأصل في الأشياء هل هو الحظر أم الإباحة» من عناوين المباحث الأصولية، وظهرت مباحث مشابهة بدقة وإضافات أكثر في إطار أصل البراءة وفي باب الأصول العملية.
بعض الأصوليين مثل الشيخ جعفر كاشف الغطاء (صاحب كشف الغطاء)، والشيخ محمد حسين الأصفهاني (صاحب فصول) والشيخ محمد تقي الأصفهاني (صاحب هداية المسترشدين) صرحوا بأن القائلين بأصالة البراءة هم نفس القائلين بأصالة الإباحة في ذلك النزاع (غروی اصفهانی، ١٤٢٩: ٣٠٣/٤).
ومن المعاصرين، تحدث الإمام الخميني(ره) صراحة عن وحدة المقياس في المسألتين، ولم يفرق بين فرض عدم وصول الدليل وعدم صدور الدليل خلافًا لميرزا النائيني (تقوی اشتهاردی، ١٣٨٥: ٢٧٨/٣).
بشكل عام، بين المتقدمين والمتأخرين، يرى غالبية الأصوليين أن الأصل هو الإباحة، وذلك للأسباب التالية: ١- كما يقول الشيخ المفيد، الإباحة تتوافق مع سنة الخلق، لأن الله تعالى يقول في القرآن: «وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ» (الرحمن: ١٠)؛ حيث لا يوجد دليل، فهذا من الأمور التي خلقها الله للبشر ولا مانع من استخدامها، فالأصل هو الإباحة لا الحظر؛ ٢- الإباحة أكثر توافقًا مع طبيعة الشريعة التي تقول: «بُعِثْتُ عَلَى الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ»؛ ٣- إذا كان الأصل الحظر، فإن أصل الإباحة يصبح من الأحكام الخمسة التكليفية المنسوخة، ويخالف المشهور والإجماع بين الفريقين، فيصبح الحكم من الأحكام الأربعة التكليفية؛ ٤- في القرآن جاء: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا» (بقره: ٢٩)، حيثما ورد نص ومنع، يُحكم بالمنع، وحيثما لا يوجد نص، يكون في نطاق ما في الأرض جميعًا والإباحة؛ لذلك لا يمكن بإصالة الحظر إثبات أصالة الاحتياط.
٣-٤- الدليل الرابع: حكم العقل بحق الطاعة
حق الطاعة يحكم بوجوب مراعاة جانب الاحتياط. ومن الجدير بالذكر أن الفرق بين مسلك حق الطاعة ومسلك القائلين بأصالة الحظر من ثلاثة أوجه:
١- من حيث مجرى الأصل الأوّلي للاحتياط العقلي: يقول الشهيد الصدر(ره): الأصل الأوّلي في جميع الشبهات – سواء كانت شبهات وجوبية أو تحريمية – هو الاحتياط؛ لكن القائلين بأصالة الحظر مقابل القائلين بأصالة الإباحة، يرون الاحتياط فقط في شبهات التحريم؛ لذا فإن إثبات الاحتياط على أساس مسلك حق الطاعة يشمل دائرة أوسع.
٢- من حيث الدليل: شكل الاستدلال وأساس القائلين بأصالة الحظر (بصرف النظر عن صحة أو ضعف ذلك) يختلف عن شكل تقريب الشهيد الصدر(ره)، رغم أن النتيجة النهائية للمسلكين متقاربة.
٣- من حيث فرض صدور أو وصول الدليل: النزاع بين القائلين بأصالة الحظر والقائلين بأصالة الإباحة كان في فرض عدم صدور الدليل، بينما الشهيد الصدر خلافًا للمشهور، يرى الاحتياط في فرض عدم وصول الدليل (حائری، ١٤١٦: ١٢).
٤- المسلك الثالث: (تنجز التكليف)
«تنجز» من جذر نجز ونجز: نجز الحاجة يعني تلبية الحاجة؛ ونجز الوعد يعني أن العهد أو الميعاد قد حان أو انتهى؛ ونجز بالوعد يعني الوفاء بالوعد؛ وتنجز يعني إنجاز العمل؛ وتنْجز الحاجة أو الوعد يعني الرغبة في تلبية الحاجة أو الوفاء بالعهد والعمل به (جوهری، ١٤٠٤: ٨٩٨/٣).
في كتاب اصطلاحات الأصول جاء: تنجز التكليف يُقال للمرحلة التي بعد وجود الملاك وارتباط إرادة المولى به، حيث يُنشأ التكليف ويصبح قطعيًا في حق المكلف، فلا يستطيع التهرب من أدائه؛ لأنه في هذه المرحلة، إذا امتنع عن أداء التكليف بلا عذر، يستحق العقاب، وإذا أتمه يستحق الثواب (مشکینی، ١٣٧١: ١١٣).
صاحب كفاية الأصول يرى للتكليف أربع مراحل، والمرحلة الرابعة هي «تنجز»، وقد وصف بعض العلماء مرحلة الثواب والعقاب بأنها «تنجز التكليف» (آخوند خراسانی، ١٤٠٩: ٨/٢-١٠).
التنجيز للتكليف، يعني أن الحكم في مرحلة يكون فيها إذا أُطِيع وحُترم يُجزى عليه بالثواب، وإذا عُصِي وخُالف يُعاقب عليه. وعبارة «التنجيز» هنا تعني الوقت الذي يُلزَم فيه المكلف بالامتثال لحق الطاعة، ويستحق العقاب بسبب مخالفة التكليف المشكوك فيه، ويكون التكليف في عالم التشريع والواقع قد وُضِع وحُسم من جانب الله تعالى. وبعبارة أخرى، لزوم حق الطاعة، وفي حال مخالفة التكليف من المولى، استحقاق العقاب، يدور حول وجود التكليف في عالم الواقع، فإذا كان التكليف في الواقع قد وُضِع من قبل الشارع، فإن حق الطاعة يكون واجبًا واستحقاق العقاب بسبب مخالفة التكليف المشكوك فيه قائمًا، وإذا لم يُوضَع التكليف في الواقع، فلا يكون هناك إلزام بحق الطاعة ولا استحقاق للعقاب. وبالطبع، يمكن أن تكون هذه العلاقة بين حق الطاعة واستحقاق العقاب مرتبطة بفرض الانكشاف، أو قد تكون بدون شرط الانكشاف؛ لذا يجب القول إننا أيضًا نقبل حق الطاعة ونؤمن بوجوبه، ولكن ليس كما يرى الشهيد الصدر(ره) الذي يجعل منشأه العلم أو الظن أو الشك أو حتى الاحتمال، بل في نظرنا ما يلزم بحق الطاعة هو وجود التكليف الحقيقي؛ لذلك في منهجنا، كلما ذُكر حق الطاعة، المقصود هو حق الطاعة في ظل وجود التكليف الحقيقي.
ومن منهج تنجيز التكليف يمكن تسميته أيضًا بقاعدة «أصالة الاشتغال العقلي». ولا يُخفى أن هذا المنهج لا يقر بفعالية وجوب الاحتياط في كل الأحوال، بل يقول إن ذمة المكلف مشغولة فقط بالتكليف القطعي عند المولى والمشكوك عند المكلف، وإذا كان تحقيق مقاصد المولى والفرار من عقابه مهمًا للعبد، فإن مقتضى حكم العقل هو الطاعة وأخذ جانب الاحتياط، وإذا لم يصل العبد في اعتقاده إلى ضرورة مراعاة الاحتياط، فلا يلتزم بالطاعة ولا يستحق العقاب في حال المخالفة؛ إذًا «تنجيز التكليف» يعني أنه إذا صدر التكليف فعلاً من جانب الله تعالى، فإنه يُنجز ويكون حق الطاعة موجودًا، ويجب على المكلف مراعاته، وإذا لم يراعِ حق العبودية وأعرض عن الطاعة، يستحق العقاب.
الأدلة الوجدانية والبرهانية لمنهج «تنجيز التكليف» هي:
٤-١- الدليل الأول:
موضوع حق الطاعة لا يمكن أن يكون وجود انكشافي للتكليف، لأن وجود الانكشاف فقط دون انتساب إلى الله تعالى لا يملك القدرة والصفة لإثبات حق الطاعة، ونتيجة لذلك يبقى حق الطاعة بلا موضوع.
توضيح: في القضايا العقلية والمنطقية، كل محمول أو حكم يحتاج إلى موضوع، وما يجعل حق الطاعة واجبًا هو التكليف الحقيقي المنسوب إلى الله تعالى، الذي يكون سببًا للحكم بوجوب مراعاة حق الطاعة؛ لذلك فإن موضوع حق الطاعة (حق المولى على العبد) هو إثبات تكليف صادر ومنسوب إلى المولى، فموضوع حق الطاعة هو التكليف الحقيقي الصادر من المولى، ولا يمكن أن يكون وجود العلم بالتكليف سواء جزئيًا أو كليًا موضوعًا لحق الطاعة.
ولا يُخفى أن وجود العلم لا يقتصر على التكليفات القطعية فقط، بل يشمل التكليفات المشكوك فيها والمحتملة أيضًا؛ لأن القول بعدم وجوب مراعاة حق الطاعة مع وجود التكليف الحقيقي والانكشاف المشكوك والمحتمل يعني انفصال المحمول عن الموضوع مع وجود التكليف الحقيقي. خلاصة القول، سبب حق الطاعة هو التكليف الحقيقي الصادر من المولى، سواء تحقق العلم بالتكليف أو الظن أو الشك أو الاحتمال.
٤-٢- الدليل الثاني:
لبيان الدليل الثاني على إثبات «تنجيز التكليف» لا بد من طرح عدة مسائل:
أ – حق الطاعة أولًا وبالذات وبدون واسطة، لا وجود له لله تعالى؛ لأن الذات الإلهية اللامتناهية، من ناحية «الحياة والقدرة والعلم المحض»، لا تستحق الطاعة؛ أي أنه بما أن الله «حي وقادر وعالم» فإن العقل لا يلزم أحدًا بحق الطاعة من هذه الصفات الثلاث، لأنها صفات ذاتية وليست صفات فعل، وصفة الذات وحدها لا تخلق مثل هذا الحق، وحتى صفات الفعل إذا لم تكن مثل «خالق ومنعم» فلا تؤدي إلى حق الطاعة.
ب – بما أن حق الطاعة لا يلزم من صفات الذات مثل الحياة والقدرة والعلم، فلا بد أن ينبع حق الطاعة، وهو أمر عرضي، من أمر ذاتي. وهذا الأمر الذاتي يجب أن يكون من صفات الفعل مثل الخلق أو المنعمة الإلهية، وليس بسبب نعمة وجود الله – لأن نعمة الوجود تصبح مثل الحياة والقدرة والعلم وصفات ذات – بل بسبب كون الله منعمًا ورازقًا؛ لذلك يجب أن يكون ذلك الأمر الذاتي صفة غير صفات الذات الثلاث المذكورة مثل الحياة والقدرة والعلم، وهذه الصفة ليست سوى «الخلق» لله تعالى. وهذه الخلقية وحدها كافية لإثبات حق الطاعة، حتى لو لم يؤخذ بعين الاعتبار المنعمة الإلهية، مع أن الله تعالى يستحق الطاعة أيضًا بسبب كونه منعمًا بنعم كثيرة أخرى.
ج – الحكم بأن للخالق على المخلوق حق الطاعة ليس حكمًا بديهيًا، ولأنه ليس بديهيًا يجب أن ينبثق من قاعدة «كلما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات»، أي أن كل أمر عرضي يجب أن يكون منشؤه وأصله أمر ذاتي، لذلك يجب أن يُعرض الاستدلال على النحو التالي: الخالق الذي خلق شيئًا، بالنسبة للمخلوق، مقارنةً بالموجودات الأخرى وحتى المخلوق نفسه، هو أولى وأرجح؛ لأنه يعلم مصالح المخلوق الظاهرة والخفية، وهو دائمًا خير له. بناءً على ذلك، فهو أحق وأرجح وأولى بالتصرف والنفع للمخلوق في كل القرارات والإرادات المتعلقة بالمخلوق – سواء كانت إرادة تكوينية أو إذنية أو تشريعية – وهذه الأولوية والأرجحية للانتفاع التشريعي للمخلوق نسميها «حق الطاعة». وبناءً على المقدمات العقلية المذكورة، من البديهي أن نقول: «العقل يدرك ثبوت حق الطاعة لله تعالى ويُدركه ويحكم به»؛ ومن ثم يجب على العبد الطاعة والاتباع ليقترب من أهداف الخلق والابتداع ويبلغ الكمال، وهذا هو «حق الطاعة».
د- اتضح أن الوسيط في إثبات حق الطاعة لله تعالى هو الخلق والمنّة من الله سبحانه، وبما أن الله خالق ومنعم، فإن حق الطاعة له ثابت سواء علمنا بذلك أم لم نعلم. بعبارة أخرى؛ الخلق والمنّة الإلهيتان لا علاقة لهما بمعرفة الإنسان أو جهله، أو بانكشاف الأمر أو عدم انكشافه، فالعلم والاحتمال وسيلتان فقط لكشف الخلق والمنّة، لا سببان لوجودهما أو عدم وجودهما؛ وعلى هذا الأساس، كل ما هو لازمة لهذين الأصلين (الخلق والمنّة) يحمل نفس الحكم؛ أي أن لازمة هذين الأصلين التي هي حق الطاعة ليست مشروطة بعلمنا أو انكشافنا. وبعبارة ثالثة، سواء علمنا أو لم نعلم بوجود الخلق والمنّة الإلهيتين اللتين تؤديان إلى حق الطاعة؛ فإن هاتين الصفتين الإلهيتين تخلقان حق الطاعة، ولا تكون لازمتها (أي حق الطاعة) مشروطة بالعلم أو الانكشاف، لذا فإن حق الطاعة ثابت سواء علمنا به أم لم نعلم، وإذا وُجد الخلق والمنّة ولم يوجد حق الطاعة، فإن ذلك يؤدي إلى انفصال لازم عن ملزوم، أو سبب عن مسبّب، وهذا محال عقلاً.
اتضح أن الوسيط في إثبات حق الطاعة للرب هو الخلق والمنّة، ولا يشترط في أي منهما العلم أو الانكشاف؛ أي أن كلاهما حقيقة لا يمكن إنكارها، والعلم والاحتمال لهما فقط صفة الطرقيّة تجاههما. وكذلك لازمة هذين الأصلين التي هي حق الطاعة ليست مشروطة بالعلم والانكشاف، بحكم التبعية اللازمة للملزوم؛ وإذا لم يتبع حق الطاعة الخلق والمنّة في عدم الحاجة إلى العلم والانكشاف، فإن لازمة هذا الرأي هي عدم التبعية اللازمة للملزوم (أو عدم التبعية للمتبوع)، وهذا محال، وإن لم يتبع، فهو بحسب العقل ليس تابعاً.
٤-٣- الدليل الثالث:
الدليل على صحة نظرية «تحقق التكليف» هو الدليل الوجداني الذي يؤكد مسلك تحقق التكليف ويقر بصحته؛ لأن وجدان كل إنسان يقبل عبودية الله تعالى وحق الطاعة مشروطاً بتحقق التكليف، لا متأثراً بانكشاف قطعي أو ظني أو احتمالي.
ولإثبات هذا الدليل الوجداني وتأكيد نظرية «تحقق التكليف»، ذكر بعض الأمثلة كنماذج مناسبة:
المثال الأول: بعض الأشخاص المتشددين، أي الذين لديهم إيمان واعتقاد والتزام عملي بعبودية الله، إذا شكوا في وجوب أو حرمة شيء، وتأثروا بالأهواء والشهوات… وبخوف ورهبة، تركوا الواجب أو فعلوا الحرام دون أن يقصدوا العصيان أو معصية المولى، ففي هذه الحالة، إذا كان ما فعلوه فعلاً حراماً، فإنهم يلومون أنفسهم على مخالفة أمر الله، فيندمون ويستغفرون ويتوبون، ويطلبون من الله العفو والمغفرة، وإذا تبين لهم أن ما فعلوه لم يكن حراماً، يشكرون الله ويقولون: يا الله، أشكرك لأنني لم أرتكب ذنباً ولم أعصِك. وحتى في الحالات التي ظنوا فيها أنهم ارتكبوا كبيرة، إذا تبين العكس، يكون فرحهم وشكرهم أكبر وأصدق؛ مثل أن يظنوا أن عملهم زنا، ثم يتضح أنه لم يكن حراماً ولا زنا.
بهذا الشرح، يتضح بطلان مسلك قبح العقاب بلا بيان، لأنه في الحالة المذكورة يوجد بيان، وبما أن البيان موجود، فالعقاب ليس قبيحاً، كما يثبت أن المعيار في حق الطاعة ليس الانكشاف للمكلف، بل تحقق التكليف، لأن الفرض وجود انكشاف للمكلف. والنتيجة أن الوجدان أيضاً يدعم ويؤيد مسلك «تحقق التكليف».
المثال الثاني: إذا اعتبرنا، كما يفعل أنصار مسلك حق الطاعة، أن القطع والاحتمال مؤثران في إثبات حق الطاعة، وقلنا إن هذين السببين يخلقان حق الطاعة؛ أي إذا كان هناك قطع أو احتمال في التكليف، فحق الطاعة موجود، وإذا خالف ذلك، يستحق العبد العقاب، وإذا لم يكن هناك قطع أو احتمال، فلا حق للطاعة ولا استحقاق للعقاب، ففي الشبهات الموضوعية التي يتفق عليها الأصوليون بعدم الحاجة إلى الفحص والحكم بالبراءة، إذا كان للمكلف شك في التكليف أو جهل مركب بوجود التكليف (أي لا يعلم بوجود تكليف)، وفي كلتا الحالتين كان سبب الشك أو الجهل المركب تقصيراً متعمداً من المكلف، فإنه بحسب مسلك قبح العقاب بلا بيان ومسلك حق الطاعة يجب الحكم ببراءة ذمة المكلف وعدم استحقاقه للعقاب، لأن مسلك قبح العقاب بلا بيان يرى أنه في الحالة المذكورة، لعدم وجود بيان، لا يوجد حق طاعة لله، وبحسب مسلك حق الطاعة، لا يوجد عقاب في حالات الغفلة والجهل المركب، لأن المعيار في العقاب هو العلم والاحتمال، واللذان لا يتوفران في هذه الحالة؛ مع أن بطلان النتيجتين المذكورتين واضح (لأن المقدم فاسد والتالي مثله) ولا وجود لمثل هذا التلازم في الأصل. أما بحسب مسلك تحقق التكليف، الذي يرى أن الشك والجهل المركب لا يؤثران في إثبات التكليف، فإن الشخص في الفرض المذكور يكون متعمداً في تفويت حق الطاعة، ولهذا بلا شك يستحق العقاب؛ إذن الالتزام بحق الطاعة يكون فقط بسبب تحقق التكليف ولا غير.
المصداق الثالث: لإثبات صحة نظرية تحقق التكليف، التي تُعد دليلاً آخر على بطلان مذهب حق الطاعة ومذهب قبح العقاب بلا بيان، إذا اعتبرنا أساس حق الطاعة مجرد العلم بالتكليف، حتى وإن لم يكن هناك تكليف في الواقع، فإن ذلك يستلزم أنه إذا كان لدى الشخص جهل مركب بالتكليف من المولى، فلا تكليف عليه قهراً؛ ولكن إذا افترضنا أن المولى أصدر أمراً وأُبلغ المكلف به وظن أن الأمر صادر من مولاه، مع أن الأمر صادر من مولى آخر، ففي هذا الافتراض وبناءً على مذهبين (حق الطاعة وقبح العقاب بلا بيان) يجب قبول حق الطاعة واستحقاق العقاب حتى مع افتراض أن المكلف أخطأ في تحديد مصداق مولاه؛ مع أن الأمر في الواقع لم يصدر من مولاه، في حين أن هذا الالتزام بالتكليف واستحقاق العقوبة لا يقبله الضمير ولا مذهب تحقق التكليف.
٤-٤- الدليل الرابع:
لإثبات نظرية تحقق التكليف، هناك قاعدة «حرمة الحمى» وبما أن هذه القاعدة أقل شهرة، فسأبدأ باختصار بتبيين مكانتها وأدلتها الحُجّية.
قالوا في القواميس الفارسية: الحمى هو ما يحيط بالبيت أو البناء الذي يتبع له؛ أو مكان يجب حمايته والدفاع عنه (معین، ١٣٥١: ١٣٥٢/١). الحمى بمعنى المحمية. يقول الفراهيدي: المرعى الذي يُمنع الناس العاديون من دخوله يُسمى حمى (فراهیدی، ١٤١٠: ٣١٢/٣)، ويُستخدم نفس المصطلح لكل شيء يُمنع الاقتراب منه (جوهری، ١٤٠٤: ٢٣١٩/٦). وأخذت كلمة الحماية بمعنى الدفاع عن شخص ومنع الاعتداء عليه من هذا المعنى نفسه (المرجع نفسه)؛ كما يُقال للمرعى الخاص بالسلطان الذي يُمنع الآخرون من دخوله «حمى السلطان» (طریحی، ١٣٧٥: ١٠٨/١). واستند بعض أهل اللغة في شرح معنى الحمى إلى حديث عن رسول الله(ص) حيث جعل دائرته حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى؛ أي حرم الصيد وقطع الأشجار في تلك المنطقة (المرجع نفسه).
وبناءً عليه، المقصود من «حرمة الحمى» هو حرمة محظورة ومحمية شرعية، والالتزام بهذه الحرمة، أي توسيع نطاق الحرم المحظور من المركز الأساسي إلى البيئة المحيطة به.
تهدف هذه القاعدة إلى إثبات أن في بعض الحالات، بسبب شدة حرمة موضوع ما، يمكن توسيع هذه الحرمة إلى البيئة المحيطة، وهذا في الحقيقة تطوير لحزام الحماية بهدف المراقبة والحفظ ومنع المكلف من ارتكاب ذلك.
٤-٤-١- قاعدة «الالتزام بحرمة الحمى» أو «المراقبة على حرمة الحمى»
مرجع هذا التعبير حديث عن رسول الله(ص) قال فيه: «إن لكل ملك حمى وإن حمى الله حلاله وحرامه والمشتبهات بين ذلك: لكل ملك قرقعة، وقرقعة الله حلاله وحرامه» (الشيخ الطوسي، ١٤١٤:.(381/2
٤-٤-٢- مستندات القاعدة
١- سيرة العقلاء: العقلاء يخصصون حرماً لكل شيء ولكل شخص، وكلما زادت أهمية الشيء ومكانة الأشخاص، كان حرمته أوسع وامتثالها أكثر وجوباً.
٢- الأدلة اللفظية
أ (القرآن): مثل الامتناع عن الاقتراب، حيث ورد في آيات القرآن الكريم عدة مواضع وبمناسبات مختلفة أمر الله فيها «لا تقربوا»؛ مثلاً في سورة الإسراء قال: «لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا» (إسراء: ٣٢)، وكذلك في نفس السورة قال: «لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن» (إسراء: ٣٤)، وعن المشركين قال: «فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا» (توبه: ٢٨)، وعن الصلاة قال: «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون» (نساء: ٤٣)، وأمر الله آدم وحواء: «لا تقربا هذه الشجرة» (بقره: ٣٥)؛ استخدام عنوان «لا تقربوا» في القرآن يدل على وجود حرمة في ذلك الموضوع.
ب (السنة): أمر «الاجتناب عن القليل والكثير الحرام»: مثل أن الخمر سواء كان قليلاً أو كثيراً، حتى وإن لم يسبب السكر فهو حرام. سُئل إسحاق بن عمار الإمام الصادق عليه السلام عن رجل شرب جرعة خمر، فقال الإمام: «يجلد ثمانين جلدة، القليل والكثير حرام»؛ أي يجب أن يُجلد ثمانين جلدة، والخمر سواء كان قليلاً أو كثيراً فهو حرام في كل الأحوال (کلینی، ١٣٦٥: ٢١٤/٧).
والنتيجة أن الله الذي له حرمة حلاله وحرامه، ومكانته أعلى من كل شخص وكل شيء، يجب أن يُتخذ أقصى درجات الحذر في حفظ حرمة الله وطاعته، وهذا يعني حق الطاعة في ظل «تحقق التكليف».
٥- أساس مذهب تحقق التكليف
يمكن أن يكون أساس هذا المذهب أحد الأساسين التاليين: الأول أن موضوع حق الطاعة أمر مركب، والثاني أن موضوع حق الطاعة أمر بسيط.
أما الأساس الأول (أن موضوع الأمر مركب) يعني أن موضوع حق الطاعة مركب من:
١- تحقق التكليف، أي أن يكون التكليف فعلياً ومنجزاً؛ ٢- أن يصل المكلف إلى وجود هذا التكليف في الواقع ولو ظاهرياً.
الأساس الثاني (وهو أن يكون موضوع الأمر بسيطًا) يعني أن موضوع حق الطاعة أمر بسيط، وهو عبارة عن وضع التكليف من جانب المولى في العالم الواقعي. هذان الأساسان هما اللذان شكّلا المذهب الجديد وهو «تحقق التكليف» وجعلانه مختلفًا عن أساس حق الطاعة؛ لأن في كل حال، في حالة الشك، المعيار في حق الطاعة واستحقاق العقاب هو تحقق التكليف، وفي الواقع وجود وعدم وجود التكليف مترتب على وجود وعدم وجود التكليف الحقيقي ويتحقق التكليف. لذلك يمكن أن يكون كلا الأساسين مصدر إثبات حق الطاعة في حالة تحقق التكليف، مع أن الأساس الثاني من وجهة نظرنا أكثر قبولًا ومؤيدًا.
٦- الفروقات العملية بين حق الطاعة عند الشهيد الصدر وتحقيق التكليف
أولًا: في حالة وجود تكليف علمي، ظني أو احتمالي مكشوف لدى المكلف، بحسب مذهب حق الطاعة عقلاً الاحتياط واجب، لأن التكليف المكشوف لدى المكلف يوجب حق الطاعة، وبحكم العقل مخالفة ذلك معصية؛ ولكن بحسب مذهب تحقيق التكليف، يصبح حق الطاعة لازمًا فقط إذا كان التكليف قد وُضع فعلاً. بناءً على ذلك، التكليف الذي لا وجود له في الواقع، مخالفة له ليست قبيحة. ونتيجة لذلك، في حالة الشك في التكليف، الاحتياط غير لازم. وبما أن الأصل في وجود موضوع حق الطاعة مشكوك فيه والعقل لا يعلم وجوده أو عدمه، فإن ثبوت وجوب الامتثال وقبح المعصية يصبحان مشكوكًا فيهما، وفي هذه الحالة يسري الأصل في البراءة.
إذا قيل: إن العقل، لدرء المعصية القبيحة المحتملة وتجنب العقاب المحتمل المترتب عليها، بناءً على قاعدة لزوم «دفع الضرر المحتمل»، يحكم بوجوب الاحتياط ويجب اتخاذ جانب الاحتياط لا أن يُحكم بالبراءة.
الجواب هو أن حكم العقل بعدم تحمل الضرر ووجوب مراعاة الاحتياط عند مواجهة المشتبه به، ليس بحد ذاته منجزًا وفعليًا، بل فعالية حكم العقل تعتمد على إرادة المكلف، وأصلًا الحكم بأن لا يجب أبدًا تحمل الضرر ليس مطلب العقل، بل العبد لأنه يحب نفسه ومصالحه، يفكر في عدم الاقتراب من الضرر. فمع أن العقل في النهاية يحكم بدفع الضرر، إلا أن هذا الحكم لا يصبح فعليًا إلا إذا أراد العبد بنفسه وأراد دفع كل ضرر عن نفسه.
ثانيًا: من آثار الفرق الأول أنه إذا خالف العبد تكليفًا مشكوكًا وارتكب فعلًا مشكوكًا في تحريمه أو ترك فعلًا مشكوكًا في وجوبه، بحسب مذهب الشهيد الصدر(ره) يستحق العقاب، سواء كان هناك تكليف في الواقع أم لا؛ لأنه قد تجازى. أما بحسب مذهبنا، فإن الشخص المذكور يستحق العقاب فقط إذا وُضع له تكليف فعليًا من الله في ذلك الموضوع، ووجود العلم فقط لا يخلق حق الطاعة لنقول إنه رغم عدم عصيان الله، إلا أن سوء السيرة أدى إلى التجاوز وهذا بحد ذاته قبيح. من قام بفعل قبيح يستحق العقاب، لأن منشأ التجاوز هو حكم العقل بوجوب حق الطاعة، وحكم العقل بحق الطاعة يكون حيث يوجد تكليف فعلي، وهذا غير موجود هنا.
ثالثًا: بحسب مذهب تحقيق التكليف، ما لم يثبت وجود تكليف فعلي، لا يمكن للمجتهد شرعًا وعقلًا أن يفتي بالاحتياط، بل في هذه الحالة يترك الأمر للمكلف، فإذا وجد نفسه مشغولًا بالذمة تجاه التكليف المكشوف وشعر بالمسؤولية واعتقد أنه سيُسأل عنه، يكون الحجة عليه كاملة ويجب أن يتخذ جانب الاحتياط؛ أما مذهب حق الطاعة فيسمح للمجتهد بالاحتياط بناءً على حكم العقل، لأنه يعتقد أن المكلف يُسأل عن مخالفة التكليف المكشوف (حتى وإن لم يكن موجودًا فعليًا) لماذا عصى ذلك؟!
شبهة: إذا كان موضوع ومرجع إثبات حق الطاعة هو ثبوت التكليف في العالم الواقعي أو تحقق التكليف، ففي هذه الحالة يجب أن يكون العبد الغافل عن تكليف المولى أو الجاهل المركب بالتكليف، والذي كان يظن أن الله لم يفرض عليه تكليفًا، مستحقًا للعقاب، لأن التكليف وُضع فعلاً، رغم غفلته أو جهله المركب؛ بينما الضمير والعقل والشريعة والفقه ترفض هذا الرأي ولا تعتبر هذا المكلف مستحقًا للعقاب.
عدة أجوبة على هذه الشبهة: أولًا، هذه الملاحظة تنطبق على «تحقق التكليف» فقط إذا كان الأساس وموضوع حق الطاعة هو مجرد التكليف الموضوع، ولكن إذا قلنا إن موضوع حق الطاعة مركب من التكليف الحقيقي والانكشاف (وهو أحد الأسس المتخذة) فلا تدخل هذه الإشكالية، لأنه في حالة الغفلة والجهل المركب، لم يحصل للعبد انكشاف التكليف، وبالتالي لا يوجد حق الطاعة ولا استحقاق للعقاب.
ثانيًا، حتى لو افترضنا أن تحقق التكليف مجرد نتيجة للتكليف الحقيقي، فلا يعني هذا بالضرورة أنه إذا كان المكلف غافلًا أو جاهلًا مركبًا ولم يقم بحق الطاعة، فإنه عاصٍ ومستحق للعقاب، لأن موضوع «استحقاق العقاب وقبح العقاب بلا بيان» هو المعصية وعدم المعصية؛ أي إذا ارتكب المكلف معصية فهو مستحق للعقاب، وإذا لم يرتكب معصية فالعقاب قبيح. ومن جهة أخرى، ليس كل تفويت لحق الطاعة معصية، مثل أن لا يكون من اختيار المكلف، فالمعصية تحصل فقط في حالة التفويت الاختياري لحق الطاعة، كما أن الامتثال هو تحصيل اختياري لحق الطاعة. فمن الواضح أن مخالفة وتفويت حق الطاعة من جهل مركب ليست مخالفة وتفويتًا اختياريًا لحق الطاعة، بل هي مخالفة وتفويت خطأ وغير عمد، ولهذا قبح العقاب وعدم استحقاق العقاب، لأن الأدلة الشرعية ترفع القلم عن مثل هذا الشخص.
الخلاصة
موضوع حق الطاعة لا يمكن أن يكون مجرد وجود انكشافي للتكليف كما يقول الشهيد الصدر(ره)؛ لأن في كل قضية عقلية، الموضوع يحتاج إلى محمول، ووجود العلم الخالص بالتكليف دون أن يكون هناك تكليف موضوع من جانب الله لا يثبت حق الطاعة؛ لذلك حق الطاعة يكون في حالة تحقق التكليف، وإذا لم يتحقق التكليف فلا وجود لحق الطاعة أيضًا.
المصادر والمراجع
– آخوند خراسانی، محمدکاظم (١٤٠٩ق)، کفایه الاصول، ج ٢، علمیه اسلامیه.
– انصاری(شیخ)، مرتضی بن محمدامین (١٤١٦ق)، فرائد الاصول، ج٥، قم: مؤسسه النشر الاسلامی.
– ایزدی فر، علی اکبر؛ محسنی دهکلانی، محمد؛ قندور بیجارپس، اسماعیل (١٣٩٦) قلمرو قاعده قبح عقاب بلابیان در شبهات موضوعیه، مطالعات فقه و حقوق اسلامی، ١٦، ٦٩-٩٢.
– تقوی اشتهاردی، حسین (١٣٨٥)، تقریرات درس اصول امام خمینی(ره)، ج ٣.
– جوهری، اسماعیل (١٤٠٤ق)، الصحاح (تاج االغه و صحاح العربیه)، ج ٣، ج٣، بیروت: دار العلم.
– حائری، سید علی اکبر (١٤١٦ ق)، بررسی نظریه حق الطاعه، مجله الفکر الاسلامی، ١٢، ٨٧-.126
– خوئی، سید ابوالقاسم (١٤٢٨ ق)، أجود التقریرات، ج ٢، قم: المصطفوی.
– سبحانی تبریزی، جعفر (١٣٨١-٨٢)، حق الطاعه بین الرفض والقبول، پژوهشهای اصولی، ٣و٢، ١١٣-١٣٣.
– صدر(شهید)، سید محمدباقر (١٣٩١)، دروس فی علم الاصول (الحلقه الثانیه)، قم: مجمع الفکر الاسلامی.
– طریحی، فخرالدین (١٣٧٥)، مجمع البحرین، ج ١، بیروت: دار و مکتبه الهلال.
– طوسی(شیخ الطائفه)، محمد بن حسن (١٤١٤ق)، عده الاصول، ج ٢، قم: ستاره.
– غروی اصفهانی، محمدحسین (١٤٢٩ق)، نهایه الدرایه فی شرح الکفایه، ج ٤، ج٢، بیروت: مؤسسه آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث.
– فراهیدی، خلیل بن احمد (١٤٠٨ق)، کتاب العین، ج ٣، بیروت: مؤسسه الاعلمی.
– کلینی، محمد بن یعقوب (١٣٦٥)، الکافی، ج ٧، ج٣، تهران: دار الکتب الاسلامیه.
– مشکینی، میرزا علی (١٣٧١)، اصطلاحات الاصول، ج٥، قم: الهادی.
– معین، محمد (١٣٥١)، فرهنگ معین، ج ١، تهران: امیرکبیر.
– مفید(شیخ)، محمد بن محمد بن نعمان (١٣٧١)، تصحيح اعتقادات الامامیه، قم: المؤتمر العالمی لألفیه الشیخ المفید.
– وحید بهبهانی، محمدباقر (١٣٨١)، الفوائد الحائریه، ج٣، قم: مجمع الفکر الاسلامی.
– وحید خراسانی، حسین (١٤٣٥ق)، جلسه درس خارج اصول.

