حجّية الظهور
إذا واجهنا دليلًا شرعياً فليس المهمّ أن نفسِّره بالنسبة إلى مدلوله التصوّريّ اللغويّ فحسب، بل أن نفسِّره بالنسبة إلى مدلوله التصديقي؛ لنعرف ماذا أراد الشارع به، وكثيراً ما نلاحظ أنّ اللفظ صالح لدلالاتٍ لغويةٍ وعرفيةٍ متعدّدة فكيف نستطيع أن نعيِّن مراد المتكلِّم منه؟
وهنا نستعين بظهورين:
أحدهما: ظهور اللفظ في مرحلة الدلالة التصورية في معنىً معيّن، ومعنى الظهور في هذه المرحلة: أنّ هذا المعنى أسرع انسباقاً إلى تصوّر الإنسان عند سماع اللفظ من غيره من المعاني فهو أقرب المعاني إلى اللفظ لغةً.
والآخر: ظهور حال المتكلِّم في أنّ ما يريده مطابق لظهور اللفظ في مرحلة الدلالة التصورية، أي أ نّه يريد أقرب المعاني إلى اللفظ لغةً، وهذا ما يسمّى بظهور التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، ومن المقرّر في علم الاصول أنّ ظهور حال المتكلِّم في إرادة أقرب المعاني إلى اللفظ حجّة.
ومعنى حجّيّة الظهور: اتّخاذه أساساً لتفسير الدليل اللفظيّ على ضوئه، فنفترض دائماً أنّ المتكلِّم قد أراد المعنى الأقرب إلى اللفظ في النظام اللغويِّ العامِ[1] أخذاً بظهور حاله. ولأجل ذلك يطلق على حجّية الظهور اسم «أصالة الظهور»؛ لأ نّها تجعل الظهور هو الأصل لتفسير الدليل اللفظي.
وفي ضوء هذا نستطيع أن نعرف لماذا كنَّا نهتمّ في البحث السابق بتحديد
[1] لا نريد باللغة والنظام اللغويّ العامّ هنا اللغة في مقابل العرف، بل النظام القائم بالفعل لدلالة الألفاظ، سواء كان لغويّاً أوّليّاً أو ثانوياً. المؤلف قدس سره