تلك هي الحوراء الصدّيقة، فاطمة بنت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، ريحانة النبوّة، ومثال العصمة، وهالة النور المشعّة، وبقيّة الرسول بين المسلمين- في طريقها إلى المسجد- وقد خسرت ابوّةً هي أزهى الابوّات في تأريخ الإنسان، وأفيضها حناناً، وأكثرها إشفاقاً، وأوفرها بركة.
وهذه كارثة من شأنها أن تذيق المصاب بها مرارة الموت، أو أن تظهر له الموت حلواً شهيّاً وأمَلًا نيّراً.
وهكذا كانت الزهراء حينما لحق أبوها بالرفيق الأعلى، وطارت روحه الفرد إلى جنان ربّها راضيةً مرضيّة.
ثمّ لم تقف الحوادث المرّة عند هذا الحدّ الرهيب، بل عَرَّضَت الزهراء لخَطْبٍ آخر قد لا يقلّ تأثيراً في نفسها الطَهور، وإيقاداً لحزنها، وإذكاءاً لأساها عن الفاجعة الاولى كثيراً، وهو خسارة المجد الذي سجّلته السماء لبيت النبوّة على طول التأريخ، وأعني بهذا المجد العظيم: سيادة الامّة وزعامتها الكبرى، فقد كان من تشريعات السماء أن يسوس آل محمّدٍ صلى الله عليه و آله و سلم امّته وشيعته؛ لأنّهم مشتقّاته ومصغّراته، وإذا بالتقدير المعاكس يصرف مراكز الزعامة عن أهلها، ومناصب الحكم عن أصحابها، ويرتّب لها خلفاء وامراء من عند نفسه.
▪️فدك في التاريخ (موسوعة الشهيد الصدر ج ١٨)، ص ١٤



